|
الخرطوم ـ القدس العربي : د. محمد ابراهيم الشوش أكاديمي وناقد وأديب وصحافي معروف سودانيا وعربيا، وله اسهامات توزعت بين النقد الاكاديمي والكتابة الصحافية من خلال عمله كعميد لكلية الآداب بجامعة الخرطوم وزاويته النقدية بجريدة الصحافة السودانية في الستينات. أنشأ مجلة الدوحة القطرية، وكانت علامة فارقة واساسية في الصحافة الثقافية العربية. تتلمذ علي يديه اجيال من الادباء والشعراء والمثقفين العرب والسودانيين البارزين.. غاب عن البلاد طويلاً وأمضي في مغتربه أكثر من ثلاثين عاماً. القدس العربي اغتنمت زيارته القصيرة لبلده وأجرت معه الحوار التالي. بعد كل هذه السنين كيف تنظر لمسيرة الابداع السوداني، وكيف تقيم هذه المسيرة مقارنة بالمراحل الابداعية السابقة؟ مقارنة الإبداع بين زمن وآخر قد تبدو صعبة التوصيف لان لكل زمن خصوصيته ومعاييره الخاصة لذلك فان عصر العمالقة أمثال طه حسين والعقاد وحافظ وشوقي كان الإبداع يحتل فيه المكان الأساسي، وكان يشكل لحمة وسداة حياة الناس، وكان المنبر الإبداعي واحداً هو القاهرة التي كانت تنتج باسم العرب، لذا ظهر بجانب هؤلاء الادباء العمالقة فنانون عمالقة مثل سيد درويش وعبد الوهاب وام كلثوم، الان تعددت المنابر واختلفت، وهذا التعدد لا يعني ان الاهتمام بالادب قلّ، لكن التركيز عليه قل وضعفت الاضاءة المسلطة علي الدب. محلياً كان لنا أدب عظيم فشعراؤنا التقليديون، احمد محمد صالح، عبد الله عبد الرحمن، العباسي وغيرهم لعبوا دوراً مهماً ومؤثراً في احياء الادب العربي القديم، كما حايث مبدعون امثال حمزة الملك طمبل حركة التجديد في مركز القاهرة الذي كتب شعراً علي النهج الجديد علي آثار العقاد، وساهم في صنع مناخ أدبي تمثل في ديوان الطبيعة في النقد.. وشهدت عشرينات القرن الماضي نشوء حركة التجديد الرومانسي الموازية لحركة ابولو في مجلتي الفجر والنهضة في ذات فترة الشابي و ابراهيم ناجي و المهندس . وسار علي ذات الدرب شعراء امثال المحجوب و التني و التجاني يوسف بشير الذي احتل موقعا مميزا في مسارح الشعر العربي، ورافق نشوء حركة التجديد المصرية بروز شعراء أفذاذ في السودان، محمد المهدي المجذوب الذي يعد واحدا من اميز شعراء السودان، لكنه مثل العباسي لم يجد حقه. وبظهور النزعات الاشتراكية في أربعينات القرن المنصرم برز البياتي والسياب، ومحلياً جايلهم من حمل لواء هذا التجديد للعالم العربي محيي الدين فارس، الفيتوري، تاج السر الحسن، جيلي عبد الرحمن. بنهاية عصر العمالقة ظهر في السودان تيار مميز من شعراء الحداثة كان لهم تميزهم الخاص علي رأسهم صلاح احمد ابراهيم و محمد عبد الحي ، تغيرت المنطقة العربية وتعددت فيها التيارات ودخلت فنون القصة، والروائية والمسرحية، ولم يعد منبر القاهرة وحده هو الذي يستأثر إهتمام الجمهور مثلما كان حادثاً في الخمسينات والستينات. وأضافت الصحافة السودانية لسوح الدب بافساحها صفحات واسعة للمعارك الأدبية وصراع القديم والحديث مثل جريدة الصراحة ، الصحافة ، الرأي العام ، الايام وأظهرت هذه المعارك الأدبية تيارات متعددة خاصة بعد الاستقلال أدت لحيوية ابداعية وفكرية كبيرة. لكن بتشعب ظروف الحياة لم يعد الادب يستأثر باهتمام الجمهور، لكن وجوده لم ينته. تطورت وسائل الاتصال مثل التلفزيون والفضائيات دون أن يرافق هذه الطفرة التقنية تطور ونهضة أدبيين، أصبحت لدينا منابر لكنها لم تعد مواكبة، والادباء والفنانون هم المعنيون بالاجابة علي سؤال لماذا لم ترافق هذه النهضة مواكبة فنية وأدبية؟ وسؤال لماذا ليس لدينا نهضة مسرحية، مسلسلات، أفلام سينمائية. لاننا ما زلنا نتحدث عن الثقافة بمعناها السوداني التقليدي لذلك اصبحت الصورة الفنية الوحيدة لدينا هي الطيب صالح لانه وجد خارج السودان من ينصره لكنه لم يجد في السودان شيئاً. والذي أقعد النهضة الثقافية في بلادنا؟ أهو العزوف عن المشاركة أم الانشغال بامور المعيشة التي صارت ملحة، أم ماذا؟ لم تعد الثقافة المجردة ملائمة للوقت، ولابد ان يكون هنالك حديث عن لماذا لا نجد ادباً مسرحياً في السودان، رغم ان السودان كان من أبرز الاقطار العربية في الفن المسرحي اذ ان الدكتور أحمد الطيب سودن شكسبير ونهض مسرح بخت الرضا . تقهقرت قدرات السودان الابداعية، وتراجعت امكانات التلفزيون، اذ تكثر فيه المجادلات والحديث الذي يصلح للاذاعة لذلك تجاوزته الفضائيات الاخري. اين تراث السودان وارثه الحضاري الذي يمتد من تراهاقا إلي الآن؟، اين حضارات مروي والنوبة، هذا التراث الثر الذي يمتد ليشمل الدينكا و البجا و الشايقية لماذا لم ينبش المبدع السوداني هذا التراث السكاني المتنوع، هذا التنوع الثقافي والتباين الموجود في السودان يمكن ان يشكل مصدر الهام ومعين لا ينضب يرفد الادب السوداني والابداع بكل اشكاله لكنه للأسف تحول لمشكلة بدلاً من أن يكون مدخلاً للتطور، مشكلة عسكرية حالت دون خلق وجدان موحد، يجب ان نتحاشي عزلة الجنوب وانفصاله، لقد اسهم هذا الواقع في خلق وجدان مختلف للجنوب كما ان اصرار المفكرين الجنوبيين علي لغة المستعمر يكرس لتدمير هذا الوجدان المشترك أعمال فرانسيس دينق في تراث الدينكا، الأدب الشعبي في الجنوب، كل هذا يجب أن ينصهر ليتوحد السودان وجدانياً وجغرافياً. قضايا كسب العيش والضائقة المعيشية لا تحول بيننا والوجدان المشترك لكن نظام التعليم خلق مثقفين منغلقين علي ذواتهم وهمومهم الشخصية، فانجذبوا للهجرة وراء العمارات والمركز الاجتماعي وأهملوا واجبات المثقف تجاه بلده، أغلب الناس يقولون ان الثقافة لا تؤكل عيشا لكن علينا أن نخلق توازنا بين النواحي المادية والروحية، وبفقدان هذا التوازن نواجه بفراغ روحي بدأنا نحس به فعلياً، اضافة إلي انشغالنا بالقضايا السياسية، الوفاق، الحرب، لهذا نجد أن الصحف ذات اتجاه واحد مما افقدها الثراء الروحي والفكري. الطيب صالح كروائي، هل يشكل علامة فارقة في تاريخ الرواية السودانية بحيث يمكننا القول : الرواية قبل الطيب صالح وبعده؟ الرواية كجنس ادبي جاء متأخراً عن الشعر ديوان العرب ولم تكن فنا، يدخل ضمن الاجناس الادبية في التراث العربي، وفي السودان قبل الطيب صالح كانت الروايات والقصص المسرحي انتاجاً أدبياً افسحت له الصحافة، والرأي العام، والايام صفحاتها، وظهر مبدعون كثر لكن لم يكن للرواية وجود بارز قبل ظهور الطيب صالح الذي جعل الرواية مسرحاً للتعبير عن الترابط والروابط الروحية دومة ود حامد ، وتظهر هذه الروابط بوضوح في موسم الهجرة الي الشمال لقد ولجت روايات الطيب صالح تلك المناخات لكن الروايات الاخري لم تستفد من التنوع الثقافي كما ينبغي لذلك لم تخلق لنا أدباً روائياً كبيراً. كقصة تاجوج كان يمكن ان تكون رواية عظيمة، مثلما ان الغرب او الجنوب كان يمكن ان ينبع عنهما العديد من الروايات العظيمة. فرانسيس دينق اهتم بهذا الجانب، كما اهتم به بعض النقاد امثال عبد المجيد عابدين، واحسان عباس. الرواية تكتب لتقرأ لذلك فهي ليست كالشعر تحتاج لمنابر صحافية، وكان من المتوقع أن يصبح التلفزيون والاذاعة منبرين لنشر الرواية، وعدم انتشارها يجيء بسبب عامل الامية وضعف القوة الشرائية. البعض يقول ان نجاح روايات الطيب صالح صار مثل المظلة حجبت الضوء عن الروائيين السودانيين بعده؟ ليس هناك مبدع يطفئ ألق الآخرين في كل العالم، في كل الفنون والآداب ففي العالم برزت اسماء كبيرة، شكسبير، فولتير، العقاد، طه حسين ورغم انهم منارات لكنهم لم يحجبوا الضوء عن من تلوهم، والقول ان هناك كاتباً معيناً يمكن أن يطفئ نور الآخرين قول مردود، والكاتب القادر يستطيع النفاذ، وما حدث ان الاهتمام انصب علي الطيب صالح لانه اصبح منارة كبيرة ولو كان هناك واحد لبرز فالشهرة وحدها لا تصنع اديباً في قامة الطيب صالح. هنالك العديد من الادباء ظلوا تحت الظلال، فالعباس لا يقل عن الادباء الكبار في زمانه، والمجذوب يضاهي ادباء كثرا في مصر والسودان ورغم ذلك لم يخرجوا من دائرة الظل هذه، والاديب السوداني في العادة لا يخرج الي الخارج الا اذا جاء من الخارج، فصلاح والمجذوب غير معروفين في الخارج. اما اعتبار الطيب صالح شجرة لا ينبت تحتها شيء فهذا فيه شيء من المبالغة. النقد الادبي الاكاديمي، هل هو نشاط اكاديمي بحت، لذلك صار موثوقاً، أم انه ابداع أدبي قائم بذاته؟ نشط النقد الادبي الاكاديمي في الخمسينات والستينات لا بسبب نشاط العلماء السودانيين الذين لم يعطوا الامر اهميته، بل بسبب علماء مصريين وفلسطينيين، احسان عباس وعبد المجيد عابدين والنوبهي، لقد خلقوا جهداً نقدياً في الصحافة وفي تاليف الكتب فاثروا الحياة الادبية وكلنا تربينا علي ندواتهم، وكانت ندوة الاحد الشهيرة بجامعة الخرطوم تضم صلاح احمد ابراهيم، النور عثمان ابكر، علي المك تحت المناخ الذي اشاعه احسان عباس. لقد ظل مفهوم النقد لوقت طويل يقتصر علي المدح أو الذم ويندر المدح، لقد عانيت شخصياً من هذا الفهم الخاطئ لان النقد في مثل هذه الحالات يتحول من شيء فكري إلي شيء شخصي مما ادي لعزوف العلماء الذين كان بمقدورهم تعميق الاتجاه الفكري. صلاح احمد ابراهيم وعلي المك رغم انهم اثروا ندوة الاحد ورغم انهم نهلوا من المناخ النقدي الذي اشاعه احسان عباس لم يجدوا تشجيعاً من الاساتذة المصريين؟ النقد الذي يفتقد للمرتكز الفكري يبدو انه ذو ملامح سودانية، وربما عربية عامة، فعلي النقد الاهتمام بالفكر الذي يخلق تيارات فكرية، والادب السوداني لم يجد نقدا يثير قواه ويستفزها، فالنقد تجاوب ذكي مع النص يدفع للقراءة، وان لم يكن ابداعياً فهو يموت، والابداع العربي عموماً يعاني من فقدان المتابعة النقدية، والمنابر الصحافية تتحدث فقط عن الكتب الجديدة والتيارات الجديدة، هناك اقلام قليلة تتصدي للنقد مثل رجاء النقاش، هنالك أزمة نقد خصوصاً في السودان ربما لأن الطقس ساخن طوال السنة والشتيمة لهذا السبب تجد رواجاً، كتابة الإثارة شخصانية مثل صراع الديوك، اما النقد الهادف فهو غير موجود بالمرة. المبدعون المهاجرون، كيف يمكن ان تسهم كتاباتهم في مركز الحيوية الابداعية الداخلية؟ توثيق الصلة بين المنابر داخلياً وخارجياً هي التي تربط المثقف المهاجر بالداخل، والمنابر هي التي تعمل بالربط، وهذا ما حدث لصحيفة الرأي العام اذ هي تنقل كتاباتي بـ الاهرام لصفحاتها، هنالك كتاب يعبرون الحدود. فاحلام مستغانمي والطيب صالح نفذوا عبرها، هنالك كتاب لا تحدهم الجغرافيا السياسية، العمل الجيد يفرض نفسه وهناك كتاب مختفون كالشاعر تيراب الشريف، وعبد الله علي ابراهيم، والصحافة السودانية لقلة امكاناتها لا تستطيع ان تجذب الاقلام السودانية التي تكتب في المهجر، والصحف تدفع تكلفة الطباعة فقط لان هناك كتابا يكتبون مجاناً. فالصحافة تجذب الاقلام المتميزة، لدينا عدد من الكتاب اللامعين في كندا وامريكا وانكلترا وعلينا ربطهم بالمنابر الداخلية حتي تزدهر الحركة الفكرية. اعترت الايديولوجية العربية انكسارات مفصلية كبيرة ادت لتراجعات سياسية وفكرية عميقة، هل يعود اليها ركود الحركة الثقافية العربية؟ هذا موضوع يحتاج لدراسة عميقة، لقد كانت أواخر الخمسينات والستينات فترة أمل عربية، خبت أيام الاستعمار فوجدت الايديولوجيات مسرحاً للتجريب، ولكن بعد الاستقلال ظهرت المشاكل والقضايا بشكلها الواقعي فدارت المعارك السياسية وتحولت لكانتونات ايديولوجية بعيدة عن اشواق الشعب فضاع حلم الوحدة العربية وتآمرت كل القوي للقضاء علي الفكرة، ليس ضد الناصرية فقط بل علي كل امل وبريق أمل.. ونتج عن ذلك ان تقوقعت الناصرية في ركن ضيق، وعملت كل القوي علي تشجيع الاقليمية، فانت لا تجد تأشيرة دخول لقطر عربي، واستبدلت المشاعر القومية بمشاعر ايويولوجية وانحسر التيار التحرري العربي واصبحت كل الامال الكبري مثاليات لا مكان لها في الواقع. صدرت روايات بالانكليزية لكتاب سودانيين بلندن، ماذا تقول عنها؟ من ابرز الكتابات التي صدرت في الخارج كتابات لبعض الاديبات من مصر والسودان، ليلي ابو العلا لها رواية المترجمة وهي رواية متميزة لابعد الحدود لكنها لم تجد اهتماما من النقاد السودانيين، ينبغي الاحتفاء بها، والذين كتبوا عن السر سيد احمد كنا نتمني ان يكتبوا عنها، حاولت اقناع الطيب صالح للكتابة عنها وهذا عمل يلينا لنعوض التقصير العربي، هذا الاهمال المريع للادب السوداني حيث يغفل دائماً اسم السودان، وعلي المسؤولين في اليونسكو العربي والمؤتمر الاسلامي والجامعة العربية ادراك هذه المهمة. اننا نجهل قيمة انفسنا، فتلك اللجان المتخصصة لمراجعة الكتب لا تجد فيها اسم السودان، نحن نحتاج للقوة لنقفز فوق المحلية ورغم هذا لنا اسماء ابداعية ذات قيمة علينا الاهتمام بها رسميا وشعبيا. الرواية جنس ادبي اوروبي جاء نتيجة تطور متصل منذ ارسطو حتي سارتر، فهل غياب الرواية السودانية نتاج لغياب هذا النسق؟ الرواية ليست وليدة نظريات، ليس هناك تيار فكري يصنع روايات، والصدق والقدرة هما اللذان يصنعان الرواية، ان عدم وجود روايات كبري عدا موسم الهجرة الي الشمال و عرس الزين يرجع لغياب الوجدان المشترك و موسم الهجرة و عرس الزين جاءتا من نسق هذا الوجدان والامر يعود لقدرة المبدعين أنفسهم وليس للتيارات الفكرية. السؤال الاخير، زمن الشعر أم زمن الرواية؟ بكل اسف اصبح الزمان زمان انصراف الناس للمعيشة والسياسة، إنشده الناس وانشغلوا بأشياء ليست لها صلة بالفكر، رغم وجود محاولات كثيرة لتنشيط الفكر، وفي السودان مراكز ثقافية كثيرة مركز عبد الكريم ميرغني، مركز محمد عمر بشير ومركز التقانة و مركز أروقة الثقافي.. وهي مصدر للاشعاع الثقافي، وفي ندوة وزارة الثقافة بالمجلس القومي للآداب والفنون جاء كثيرون مهتمون بالثقافة ولن يقوم ادب وفكر بدون اشتراك العنصر النسائي نصف المجتمع. هنالك مراكز وخطوات جادة وكل هذا سيؤدي الي اتساع هوامش الحرية وتحرر المنابر القادرة علي الاشعاع الفكري ونتمني أن تأتي هذه الجهود اكلها. QP10 |
اهـداْء - شعر|
ادريس جماع |
التجانى يوسف بشير |
ذاكرة الجسد|
الشعر أم الرواية|
الخنساء|
ابو العتاهية |
ايليا ابوماضى |
الفرزدق|
كتاب الزوار
جميع الحقوق محفوظة © , رضوان عبدالعال همت 2002 الأمارات العربية المتحدة ، ابوظبي ص0ب 26955 |