كلام صريح   I    المسلمون في الهند    I    النخبة    I    الهند - التكنولوجيا والمعلومات    I   الهنود والنكات     التعليقات    I     

 
       

تغطيات خاصة

 أخبار الهند

 الرئيسية

 
 
 

 المقالات

 

الدكتور محمد حميد الله رحمه الله: مفكراً وباحثاً إسلامياً فريداً

( 4 يونيو / حزيران 2007 )

بقلم محمد ذاكر خان

 

الافتتاحية

كلام صريح

قضية الساعة

النخبة

المسلمون في الهند

الهنود العالميون

التكنولوجيا

المقالات

أخبار الهند

المعلومات الأساسية

الهنود والنكات

الفضاء

الصحف العربية

العلاقات الخارجية

التعليم

الثفافة

المتفرقات

الصور

FAQ

Downloads

المحطات

المصادر  

التعليقات

من نحن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 محمد ذاكر خان

حافظ القرآن، نال شهادة الثانوية العليا من دار العلو ندوة العلماء، بمدينة لكنو، ولاية أوتار برديش، شمال الهند عام 1981.

حاصل على شهادة الدبلوم في الدراسات الشرقية بدرجة أديب من جامعة أردو، عليكر، الهند في عام 1992.

نال شهادة عالم و هي معادلة لشهادة البكالوريوس في اللغة العربية و الدراسات الإسلامية من المدرسة الإسلامية العربية ببلدة سيتابور في ولاية أوتار برديش شمال الهند، عام 1993.

يكمل حاليا دراساته العليا في الدراسات الاسلامية (الماجستير) في جامعة Enrichment بفلبين.

يعتزم الحصول شهادة دكتوراه حول إسهامات الدكتور محمد حميد الله للدراسات الإسلامية.  

شهادة الدبلوم في الصحافة من كلية Writer Bureau، مانشستر، المملكة المتحدة، 2003.

أعد ورقة بحث حول "صورة اليهود في ضوء القرآن المجيد" و هو بطور النشر لدى معهد الدراسات الموضوعية، نيودلهي.

نشر نحو 50 مقالا حول القضايا الاجتماعية و السياسية و الإسلامية في للغات العربية و الإنجليزية و الأردو في صحف تصدر في الهند و المملكة العربية السعودية بما فيها مجلة رابطة العالم الإسلامي، و صحيفة سعودي جزات، و عرب نيوز، و الرياض، و أردو نيوز و غيرها.

البريد الإلكتروني: [email protected]

 

 

 

من مقولاته الذهبية: "يقضي الإنسان معظم حياته في التعلم، وما إن وصل إلى شيء من درجة التفهم وهو يغادر هذه الدنيا".[1]

 

نبذة عن سيرته:

هو الدكتور محمد حميد الله بن حاجي أبي محمد خليل الله بن محمد صبغة الله. ولد يوم الأربعاء في 16 محرم عام 1326هـ الموافق 19 فبراير 1908م[2] في حي فيلخانه بمدينة حيدرآباد الدكن بالهند[3]. وكان ينتمي إلى سلالة النوائط[4]  التي كانت تقطن الساحل الجنوبي من الهند، وتمارس التجارة والملاحة. ولها باع طويل في الدعوة والإرشاد والتأليف والتحقيق[5] . فكان جده من الأب القاضي محمد صبغة الله بدر الدولة (1211هـ/1792م – 1280هـ/1863م) عالماً متمكناً على حذو أجداده مثل شمس العلماء القاضي عبد الله (ت. 1346هـ) حيث كان يعتبر أول كاتب في النثر الأردي في جنوب ا لهند[6]. وله 14 مؤلفاً باللغة الأردية و 23 كتاباً باللغة الفارسية بالإضافة إلى 29 كتاباً باللغة العربية في التفسير والفقه، ومنها كتاب "فوائد بدرية" في موضوع السيرة وهو معروف ومتداول لدى العلماء[7]. وكان والده أبو محمد خليل (1374هـ - 1363هـ) مدير المالية في حكومة نظام الملك بحيدر آباد الدكن في عهد القاضي بدر الدولة[8]. توفي الدكتور حميد الله في 13 شوال عام 1423هـ الموافق 17 ديسمبر 2002م في مدينة جاكسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته[9].

 دراسته:

بدأ دراسته على يد والده، ثم التحق بكلية دار العلوم  بحيدر آباد الدكن، وتخرج فيها بعد نيل شهادة "مولوى كامل"[10]، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكر،[11] وقطع منذ ولادته جميع مراحل التعليم بدار العلوم الكلية النظامية والجامعة العثمانية، وحصل على الماجستير والبكالوريا في الحقوق، و شهادة دي فِل (جامعة بون الألمانية) ودِى لت (جامعة سوربون الفرنسية)[12]، وذلك لغاية عام 1936م وكان يومئذ ابن ثمان وعشرين فقط. ثم استهل حياته العملية بالتدريس، وعليه فقد قضى فيه مسيرة حياته الممتدة على 94 عاما (فبراير 1908م – ديسمبر 2002م) أي زهاء ستين سنة على الأقل (1936-1996م) مشتغلا بنشاطات علمية ودعوية، تعليمية وتصنيفية ليلَ نهارَ. فبالرغم من نحافة جسمه مضى وقد أقام منارات شامخة في مجالات العلم والتحقيق المختلفة ترفع عمله وتبرز رسمه على مدى الأجيال القادمة. وينظر إلى عائلته كعائلة شريفة ولكنه يقول عن نفسه انه يتحدر روحياً من الدوحة النبوية.

مشايخه وأساتذته:

من أشهر أساتذته الذين أخذ عنهم: (1) الشيخ مناظر أحسن الكيلاني (2) عبد القدير الصديقي (3) المفتي عبد اللطيف (4) الشاه مصطفى القادري (5)  المولوي صبغة الله (6) د. سيد عبد اللطيف (7) البروفيسور حسين علي خان (8) البروفيسور حسين علي مرزا (9) المولوي علي موسى رضا مهاجر الخ..

مكانته العلمية:

لا تحتاج أوساط العلم المعاصرة ودوائر التحقيق الشرقية والغربية الجادة اليوم إلى تعريف بشخصية جامعة عملاقة كالدكتور محمد حميد الله ومآثره العلمية الجليلة وبمكانته الفكرية السامية. فكان القرن العشرون باستثناء بعض السنوات قرنه كاملاً. وقد قضى حياته الطيبة كلها بسذاجة وطهارة، فما اشتغل بالدنيا الدنينة قط إلا رسماً وتكلفاً، فلم تتح له فرصة الزواج على غرار بعض السلف في التاريخ الإسلامي، وما بنى له داراً. غادر وطنه المألوف حيدر آباد الدكن بعد الاحتلال الهندي لها مغادرة لم تنته حتى وافته المنية عام 2002، و لم يحصل كذلك على جنسية لبلد آخر، ولم يؤسس دكاناً ولا داراً ولا ضيعة، وعاش حياته في شقة مستأجرة متواضعة، حيث لم تتوفر الأثاث الفاخر ولا أسباب الترف، يتراكم فيها الكتب والمجلدات بحيث لا تعد ولا تحصى حتى لا تتواجد فيها دار الضيافة والرعاية التقليدية، لأنه كان يكتفي من طعام وشراب بما يسد رمقه ويبقى على قيد الحياة. وقد هجر أكل اللحوم منذ أزمان بعيدة، فيعيش على البقول والخضراوات ويكتفي ببعض البدلات من الملابس سائر فصول السنة طوال حياته. كان يقوم بجميع أعماله بنفسه مستغنياً عن الخدم ، يحرر مكاتيبه بنفسه، يستخدم في الكتابة القطع الصغير من الأوراق ويكتب بخط دقيق ويملأ الصفحة كلها حتى لا يضيع شيء، ويستغل أقل مساحة لأطول مبحث. وعليه فإنه يعطى للدين كله دون أن يأخذ من الدنيا شيئا. عاش عيشة عابر سبيل يصدق عليها قول الرسول الكريم "مالي وللدنيا، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

عاش الدكتور محمد حميد الله حياته كلها بعد مغادرة مدينة حيدر آباد الدكن في سفر متواصل دائم، وكان يلم ويمر بكل بقعة من بقاع العالم سوى الدولة الآصفية (الدكن المحتلة) وأرض الفرنج الغاصبين، فكان يزور كل البلاد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. و كان يبقى مرتبطاً بخاصة برجالات العلم في العالم الإسلامي وبالمعاهد العلمية والبحثية والجامعات الهامة في تواصل دائم. وكل ما قام فردياً لتنمية العلم والتحقيق (يقتضي تفصيله بحثاً مستقلاً موسعاً) ما هو في جلالته قدره، إلا أنه من جلائل أعماله وخوالد آثاره أنه ظل طوال عمره متصلاً بالمشاريع العلمية والتعليمية والتحقيقية عبر العالم متعاوناً ومشيراً ومرشداً. وحظيت على وجه الخصوص المعاهد الإسلامية الدعوية والمساجد والجامعات التي تعنى بتدريس وتحقيق العلوم الإسلامية من القرآن والحديث وغيرهما من علوم الدين، بتعاونه العلمي الدؤوب وتقديره وتشجيعه المتواصل، لأنه كان مسلماً مؤمناً وعالماً محققاً خدم العلم طوال عمره عن طواعية ورغبة وإخلاص تام، وأنفق معظم حياته بين الباحثين الغربيين وعلماء الغرب  ومستشرقيه. وكان يدرك تماماً بسوء نياتهم وبغضهم وحقدهم للإسلام وأهدافهم ومقاصدهم الدنيئة المتمثلة في أسلوب دراساتهم وأبحاثهم المنقية. وقام خير قيام بالتصدي للمستشرقين والعلماء الغربيين بنفس أسلوبهم. وبذل جهده المستطاع في إعداد مقالات وبحوث وكتابات رفيعة المستوى من ناحية التحقيق العلمي تتوافق وطرازهم البحثي ومعيارهم العلمي بل ربما تفوقه. وبذلك استطاع دحض اعتراضاتهم وتحقيقاتهم الزائفة وكشف اللثام عن المفاهيم الخاطئة التي روجوها عن الإسلام ورسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) وهجومهم على مصادره حتى تجلت المآثر الإسلامية وثبت تفوق المدنية الإسلامية على الغرب وحضارته واعترفت الدنيا كلها بهذه الحقيقة الناصعة. وكان يتكلم مع علماء الغرب وباحثيه الأدعياء والمستشرقين العنيدين بلغتهم وأسلوبهم. وبجانب تضلعه باللغات الأردية والفارسية والعربية والإنجليزية بصفتها لغات أهلية له، كان يتقن أو يلم باللغات الفرنسية والألمانية، والأطالوية والتركية والروسية. وقد تعلم التايلاندية قبل وفاته بعشر سنوات، وبإلمامه باللغات المتنوعة كان له شغف زايد بمجالات علمية مختلفة مثلاً اختص بدراسة القانون الإسلامي الدولي وتدوين الفقه الإسلامي، وفقه الإمام أبى حنيفة وغيرها من الموضوعات إلا أنه كانت تتمحور مساعيه وجهوده العلمية الكبيرة حول موضوعات متصلة بالقرآن والحديث والسيرة النبوية، فقد قدم في هذه المجالات وما يتعلق بها تحقيقات سامية وكتابات مبدعة باللغات العربية والأردية والإنجليزية والفرنسية، نالت قبولاً واسعاً على الصعيد العالمي. ومن مآثره الكبيرة ترجمة معاني القرآن بالفرنسية وإعداد كتاب حافل بالفرنسية في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلدين. وكان يتصل بشخصيات ومعاهد تعمل على موضوعات القرآن والسنة والسيرة النبوية حيثما وجدت، ويمدها علمياً كأنه أوجب على نفسه تشجيع أعمال كهذه أينما وُجدت.

أسلم على يديه أكثر من ثلاثين ألف فرنسي، حتى قال بعض المترجمين له: إنه أسلم على يديه نحو خمسين ألفًا من الفرنسيين، من بينهم بعض المفكرين والمثقفين الذين لمعت أسماؤهم على المستوى العالمي، ومن الذين ألّفوا في موضوع الكتاب المقدس والقرآن الكريم والعلم ما أقنع الإنسان العصري بأن أياً من مقولات القرآن لا يتصادم مع أي نظرية علمية حديثة.[13]

كان الدكتور محمد حميد الله الحيدرآبادي الهندي باحثًا إسلاميًا متعمقًا ومتوسّعا في دراسة التاريخ الإسلامي والقانون الإسلامي. وقد أمضى معظم حياته العلمية في باريس: عاصمة فرنسا. وأثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته الفريدة في الموضوعات التي تعرض لها والأسلوب الذي عالجها به. وقال بعض من تحدثوا عنه أنه ألف نحو 350 كتاباً؛ ولكن قال بعضهم: إن مؤلفاته تربو على 165 مؤلفًا، كما أنه دبج أكثر من 937 مقالاً في مختلف اللغات العالمية.

وإلى جانب علمه الغزير، ومجده المؤثـل، ومكانته الكبيرة، وتفانيه في خدمة الثقافة الإسلامية بالمستوى العلمي العصري اللائق، كان مثالاً في التواضع وإنكار الذات والبساطة في المأكل والملبس، وفي جميع شؤون الحياة، فظل يخدم نفسه بنفسه لآخر لحظة من حياته، وكان يخدم الجميع بيده ولسانه ومكانته وماله و وجاهته، ويسعى لتفريج الكربة عن كل يتيم وأرملة وبائس ومحتاج للمعونة، وكان يقوم بجميع شؤونه بنفسه، فيغسل ثيابه، ويرتب أموره، ويكنس بيته، ويتكفل بتأمين حاجياته إلى أواخر سني حياته.

وكان أزهد الناس في حب الظهور واللمعان والشهرة، حتى أنه لما رُشح لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 1414هـ / 1994م – وقد كان أحق الناس بأن ينالها ويُكْرَم بها – رفض هذا الترشيح مع احترامه لمشاعر من رشحوه لها، زهدًا منه في الشهرة والظهور والذكر الزائد، وإيثارًا منه جزاءَ الله على جزاء عباده، لأنه كان يؤمن الإيمانَ كله أن الآخرة خير له وللمؤمنين كلهم مـن الأولى وأن الآجلة أبقى من العاجلة.

وعمل الدكتور محمد حميد الله لأكثر من عشرين عامًا في باريس، محاضرًا وأستاذًا وباحثًا في كل من "المركز الوطني للبحوث العلمية" (National Centre of Scientific Research) و "ذي فرانس كوليدج" (The France College). وتنقل بين فرنسا وتركيا محاضرًا في الجامعات التركية و مؤسساتها الثقافية، كما تنقّل في أنحاء فرنسا وإلى خارجها، مشاركاً في المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية، ومتجولاً في الشرق والغرب ليحاضر في مئات من المدارس والجامعات والتجمعات الثقافية والملتقيات الدعوية والفكرية، معمقًا مفهوم الإسلام بأسلوب عصري متطور، فجذب به إليه كثيرًا من أبناء الغرب، ولاسيما أهل فرنسا.

عكف الدكتور محمد حميد الله رحمه الله طوال سبعين عامًا على التأليف والكتابة، مدافعًا عن قضايا الإسلام، ومُبْرِزًا النفائس العلميةَ والكنوزَ الفكريةَ، التي ظلت مختفية عن الأنظار عبر قرون طويلة. كما حقق عددًا من المؤلفات الثمينة للعلماء القدامى، وعرضها على أبناء العصر سهلة سائغة ليستفيدوا منها دونما عناء.

مؤلفاته الشهيرة:

ومن مؤلفاته الشهيرة ما يلي:

1-         القرآن الكريم وترجمة معانيه بالفرنسية، صدرت له أكثر من عشرين طبعة.

2-         نبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلم وحياته وأعماله، بالفرنسية في جزئين، صدرت له طبعات، آخرها طبعة 1989م.

3-         التعريف بالإسلام، بالفرنسية، صدرت له طبعات، ونقل إلى 23 لغة عالمية.

4-         ست رسائل دبلوماسية لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، بالفرنسية، صدرت بباريس عام 1986م.

5-         لماذا نصوم؟ بالفرنسية، صدر عام 1983م، و 1988م.

6-         فهرس ترجمات معاني القرآن الكريم، ألَّفه مستفيدًا من مائة وعشرين لغة، صدر بإستانبول بتركيا.

7-         تصحيح ترجمة بوسكاي لصحيح البخاري، بالفرنسية، صدر بباريس.

8-         مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة بالعربية، صدر ببيروت.

تحقيق كتب التراث:

من جملة كتب التراث التي قام بتحقيقها وإخراجها للمهتمين بالعلم هي كما يلي:

1-    كتاب الأنوار لابن قتيبة، صدر بحيدر آباد بالهند، عام 1956م.

2-    أنساب الأشراف للبلاذري، صدر عام 1959م بمصر.

3-    الذخائر والتحف للقاضي الرشيد بن الزبير، طبع بالكويت عام 1959م.

4-    مقدمة في علم السير أو حقوق الدول في الإسلام في أحكام أهل الذمة لابن القيم، صدر بدمشق عام 1961م.

5-    كتاب النبات للدينوري، صدر عام 1973م.

6-    سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبتدأ والمبعث والمغــازي، صدر بالرباط بالمغرب عام 1976م.

7-    صحيفة همام بن منبه، صدرت الطبعة الأولى منه عام 1979م ببيروت، ثم صدرت له طبعات أخرى.

8-    كتاب الردة ونبذة من فتوح العراق للواقدي، صدر بباريس وبيروت عام 1989م.

9-    كتاب السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، صدر بحيدر آباد عام 1989م.

كما شارك في إعداد دائرة المعارف الإسلامية باللغة الأردية عام 1965م وذلك بتحرير 32 مادة، وقد صدرت في جامعة بنجاب بباكستان، وشارك في موسوعة الأطلس الكبير للأديان بالفرنسية عام 1988م بتحرير مادة "الإسلام" بالإضافة إلى مشاركته في تحرير مادة "الإسلام" أيضًا في كتاب "الدليل الديني لفرنسا" بالفرنسية، ط: هاشيت، بباريس عام 1961م.[14]

 

ولكن كيف مضت الخمسون عاماً ونيف التي قضاها في باريس في جامعة السوربون؟ لقد استنفدها في سبيل الله، حيث ترجم فيها معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية وطبع من هذه الترجمة مئات الآلاف من النسخ، وقيل انه كان يدخل على يديه في المتوسط يوميا ثلاثة أشخاص طالبين الهداية بإعلان إسلامهم على يديه.

ومن كراماته في أواخر أيامه، وتحديداً بتاريخ 20 يناير 1966م حين كان عمره 88 عاماً، دخل في غيبوبة وأصيب بشلل تام وطلبت الجهات المشرفة على علاجه من اسرته الاذن بسحب أجهزة الإنعاش ليموت بهدوء، ورفضت الأسرة إعطاء ذلك الإذن. ولدهشة الأطباء فإنه استعاد نشاطه في اليوم الرابع وتناول إفطاره. ولما كان الزمان رمضان، فقد واصل صومه قائلا انه لم يفته يوم من أيام رمضان منذ أن كان في التاسعة من عمره.

ومن شقته الصغيرة في باريس واصل إنتاج مقالاته وكتبه في شتى المعارف الإسلامية. ومن مثابرته أنه صعد جبل أحد مرتين ليحدد المكان الذي استراح فيه الرسول الكريم حينما جرح في المعركة وخلص إليه فيه أنصاره، كما أنه سار من مكة المكرمة إلى حنين على قدميه مرة، وامتطى مرة أخرى ظهر حمار حتى يستوعب تجربة الصحابة في الحرب ويكتب من خلال التجربة والمعاناة.[15]

ومن أبرز إسهامات الدكتور حميد الله تأسيسه لمبدأ الحياد في القانون الدولي الإسلامي كما أنه كان على قناعة بأن فكرة القانون الدولي مستمدة أساساً من إسهام إسلامي، كما أن له الفضل في إدخال مصطلحات جديدة في القاموس الإسلامي مثل دولة المدينة، ودستور المدينة.

ومن الدول التي كان يزورها دوماً تركيا والباكستان وماليزيا. وجمعته صداقة مودة مع الزعيم الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق ونال أعلى جائزة ووسام من الجمهورية الباكستانية لأعماله المميزة في السيرة. وقبل بالوسام ولكنه تبرع بقيمة الجائزة وهي مليون روبية لمعهد الدراسات الإسلامية في إسلام آباد قائلا: "لو قبلت الجائزة في هذه الدنيا الفانية فماذا سأنال هناك في الدار الباقية؟" كما أنه اعتذر عن قبول عرض من رئاسة الجمهورية الباكستانية ليتفرغ للعمل كأستاذ فوق العادة في إحدى جامعاتها. وكان الدكتور حميد الله متشددا في بعض المسائل حيث كان يرفض ان تلتقط له صورة إلا لضرورة مثل إكمال الإجراءات الرسمية مثلاً، وإن كانت لديه كاميرا يصور بها المساجد والمشاهد الأثرية.

 

كان الدكتور حميد الله غير مسكون بالعواطف الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو القومية، حيث أن جنسيته إسلامه. وعلى رغم أنه ولد في وسط شافعي وعاش في بيئة مالكية إلا أنه مضت أكثر انجازاته العلمية في اتجاه الفقه الحنفي حيث حقق ما حقق من مخطوطات الفقهاء الأحناف، حيث ابرز كيف قنن أبو حنيفة رحمه الله الأحكام الشرعية. وأبرز أيضاً إبداعات ابن قيم الجوزية رحمه الله في القانون الدولي. وأتيح له اطلاع واسع على كتب المعتزلة أيضاً.[16]

 

وظل الدكتور حميد الله مناصراً ومؤيداً لحركات التحرر الإسلامية في الجزائر وفلسطين وتونس وكذلك بالطبع لأهله في حيدرآباد.

وكان يفتي بجواز استخدام بعض الأسماء باللغات المحلية للدلالة على اسم الذات الإلهية مثل (خدا) في الأردية كما انه كان يعتقد أن اسم الحاكم في الثقافة الاسلامية غير وقفي، وإنما هو اصطلاحي يصطلح عليه الناس كالخليفة، الملك، السلطان، أمير المؤمنين، رئيس الجمهورية .. الخ. وكانت له صلات متينة بأفريقيا حيث عمل في جنوب أفريقيا رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية في جامعة درم في ويست فالي بجنوب أفريقيا، وأسس فيها مجلة "العلم" الناطقة بالانجليزية.

 

عاش الدكتور حميد الله في شقته دون خادم أو تلفون أو حتى راديو أو تلفاز، ولم يسعد بشريكة حياة حيث عاش أعزب، وعزا ذلك إلى أنه كان يسعى في المرحلة الأولى من حياته لإعالة أسرته الكبيرة ولمتابعة شئونه العلمية، ثم وجد نفسه لاجئاً، وبينما هو في هذا الخضم فاته قطار الزواج، فآثر أن يشق طريقه كواحد من العزاب الذين خدموا الثقافة الإسلامية ابتداء من الغزالي وابن تيمية ومرورا بسيد قطب. وعاش الدكتور حميد الله زاهداً متنسكا مثل الصحابي الجليل أبي ذر رضي الله عنه، ... يسير وحده ويموت وحده! ومات الدكتور حميد الله ولم يخلف إلا مكتبته. ومن المفارقة الغريبة أنه سطا محتال قبل مماته بسنوات على دريهمات له كانت بحسابه[17] في البنك. وانتهى به الحال ضيفاً على أبناء إخوانه الذين كان تولى الإنفاق على تعليمهم وتربيتهم. وحينما لفظ أنفاسه الأخيرة لم يتجاوز عدد مشيعيه الذين انزلوه إلى قبره الستين صلوا عليه ودفنوه وهو الذي ملأ الدنيا بعلمه وخدمته للملة الإسلامية. ولكنه سيظل بعد مماته يحكم العقول والقلوب بما تركه من مؤلفات ومخطوطات. وونتطلع إلى أن تصبح مكتبته العامرة وقفاً الإسلام والمسلمين.

وداعاً أيها الدكتور محمد حميد الله ... وداعاً أيها الإنسانِ العظيم ... أيها العالمِ الفذ ... يا من عرف ربه فأفني حياته في خدمة دينه ... ويا من آثر الباقي على الفاني.


وداعاً لرجل ارتفع بإيمانه الصادق فوق هذه الدنيا حقيقةًً لا كلاماً، فكان منذ عرفنَاه أكبر من هذه الدنيا، وأزهد الناس بها، في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه، وفي تواضعه، ونأيه بنفسه عما يتهافت عليه الناس، من الشهرةِ والتكريم والمكاسبِ والمناصب والمتعِ والملذات.  ولو أراد شيئاً من ذلك لبلغ إلى الكثير منه دون عناء ..


وداعاً لرجل عاش في الغرب فلم يفتنه الغرب، ولم يخلف عليه لوثته، وحيثما حل وأقام أصبح منارة هادية، ودعوَة دائبة، وتعريفاً حياً بالإسلام، وفضائل ، بلسان حاله، ليس بمجرد مقاله، تعريفاً رائعاً ما يزال له في كثير من النفوسِ أجمل الآثار، وما يزال يفتح القلوب لدعوةِ الله عز وجل، ويولد لها عند المنصفين المحبةَ والإعجاب والإكبار.


ذاكر الأعظمي

الرياض – المملكة العربية السعودية

جوال: 00966540478905

[1]  د. أحمد عبد القدير "د. محمد حميد الله كى علم دوستي (الدكتور محمد حميد الله وشغفه بالعلم)"، مجله عثمانية، كراتشي، ابريل-يونيو 1997م، ج. 1، عدد 4، ص. 55.

[2]        شاه بليغ الدين "ايك عالم ايك محقق (عالم ومحقق)"، مجلة عثمانية، كراتشي، كراتشي، ابريل-يونيو 1997م، ج. 1، عدد 4، ص. 23.

[3]        د. محمد سعود عالم قاسمي "د. محمد حميد الله اور اسلامي علوم كي تحقيق (د. محمد حميد الله وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)"، مجلة تحقيقات اسلامي، علي جراه، الهند، يناير-مارس 2003م، ص. 96.

[4]       ذكر ياقوت حمودي في معجم البلدان بأنه تعرف هذه القبلية بالنوايت أو النوايط وهي تسلك مسلك الشافعي، المرجع السابق، ص. 23.

[5]        أيضاً.

[6]       لطف الرحمن فاروقى "د. محمد حميد الله ايك بـى مثال محقق (د. محمد حميد الله باحثاً نادراً)"، مجلة دعوة، اسلام آباد، العدد الخاص بالدكتور محمد حميد الله، مارس 2003م، ج. 9، عدد 10، ص. 45.

[7]        د. محمد سعود عالم قاسمي، المرجع السابق، ص. 96.

[8]       أيضاً.

[9]       مجلة "فكر ونظر"، العددد الخاص بالدكتور محمد حميد الله، ج. 40-41، ص. 13-14، أبريل-سبتمبر 2003م، معهد الدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية، إسلام آباد، باكستان.

[10]           رشيذ شكيب، "جهره نما"، مجلة عثمانية، ص. 19.

[11]          د. محمد الغزالي "جريدة أوصاف اليومية"، 03-10-5، ص. 5.

[12]          محمد رشيد شيخ "د. محمد حميد الله"، مطابع الميزان، فيصل الآباد، باكستان، 2003م، ص.. 103-104.

[13]          محمد صلاح الدين "مجلة تكبير الأسبوعية (اردو)"، يناير 1992م، ص.. 10-12.

[14]  سديده عطاء الله نقلاً عن "محمد حميد الله" لـ محمد راشد، المصدر الصابق، ص. 274.

[15]      د. محمد أكرم رانا "مجلة تحقيقات اسلامي"، المرجع السابق ص.. 155-156.

[16]          ضياء الدين إصلاحي "آه فاضل كرامي د. محمد حميد الله" نقلاً عن كتاب "محمد حميد الله" لـ محمد راشد، المرجع السابق، ص. 263.

[17]          سلمان ندوي، المرجع السابق، ص. 228.

أكتبوا إلينا آراءكم وتعليقاتكم: الآراء و التعليقات

 

   

 

 

أنقر هنا للتسجيل في سجل الزوار

 

أطلق العنان لأفكارك... واجعل كلمتك مسموعة من خلال بوابة الهند

 

 I   Downloads   I  المحطات   I   الصور   I    من نحن   I   الأسئلة الشائعة عن الهند   I   المصادر   I   التعليقات   I

 

للأمانة العلمية: نسمح بإعادة نشر أي من المواد المنشورة على موقعينا بوابة الهند و أخبار الهند شريطة ذكر عنوان موقعنا في حال أن المادة خاصة بنا و عناوين مصادرنا في حال أنها مترجمة من قبلنا

 

[email protected]

Hosted by www.Geocities.ws

1