 |
د.
عبد الله المدني
باحث و محاضر أكاديمي في الشئون
الآسيوية من البحرين
· ولد
في مدينة
الخبر بالمنطقة
الشرقية من المملكة العربية السعودية.
· أتم
مراحل دراسته الابتدائية و الإعدادية و الثانوية ما بين البحرين و
السعودية.
·
درس المرحلة الجامعية وما
بعدها في بومباي وبيروت والقاهرة وبوسطون واكسيتر.
·
يحمل شهادة البكالوريوس في
الاقتصاد من بيروت , وشهادة الماجستير في العلاقات الدولية
والاستراتيجيات من جامعة
بوسطون الأمريكية
, ودبلومي التخصص في شئون شبه القارة الهندية وشئون جنوب شرق آسيا
من الجامعة نفسها.
·
حاصل على دكتوراه الفلسفة في
العلوم السياسية من
جامعة اكسيتر البريطانية.
·
شارك في العديد من المؤتمرات
والندوات وورش العمل الخاصة بالشئون الآسيوية أو بعلاقات الخليج
بآسيا في داخل الخليج و خارجه
. |
يبدو أن أقطار مجلس التعاون الخليجي الستة
قد تنبهت أخيرا إلى ما سبقته إليه قوى عالمية عدة من أهمية الانفتاح الواسع على
العملاق الهندي بهدف الاستفادة القصوى من إمكانياته الهائلة وما يزخر به سوقها
من فرص استثمارية مربحة ، وذلك من خلال إطار جماعي ومنهجية واضحة وآليات محددة
كبديل عن الاتصالات الموسمية والاتفاقيات المنفردة والقصيرة.
وهذا بطبيعة الحال تطور هام ويلبي الكثير
مما دعونا إليه منذ أكثر من عقد ونصف من ضرورة الالتفات إلى الهند الصاعدة
وتجاوز السياسات الخارجية المحكومة بالعواطف والأيديولوجيات الجامدة إلى بناء
العلاقات مع الآخر على قاعدة المصالح وحدها مثلما تفعل جميع الأمم الحية في
عالم جديد لم يعد فيه مكان للأيديولوجيات والعواطف. فلسنوات طويلة ظلت قضية
الانفتاح المنظم والشراكة الاستراتيجية المنهجية مع الهند لا ينظر إليها بجدية
وتخضع – مع بعض التفاوت من قطر خليجي إلى آخر- لاعتبارات عدم إغضاب الشقيق
الباكستاني المسلم وما قد يستشف من ذلك من خروج على مباديء التضامن الإسلامي.
ومناسبة هذا الحديث هو توقيع دول مجلس
التعاون الخليجي في الرابع والعشرين من أغسطس المنصرم على اتفاقية جماعية مع
الهند لتوسيع وتعزيز اطر التعاون الاقتصادي الشامل بين الجانبين وبشكل يعبد
الطريق تدريجيا أمام إنشاء منطقة تجارة حرة بينية على غرار ما فعلته دول المجلس
مع الولايات المتحدة واليابان وما تجتهد فيه راهنا مع منظومة الاتحاد الأوروبي
، وعلى غرار ما فعلته الهند مؤخرا مع دول منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية.
وتأتي هذه الاتفاقية مكملة ومؤطرة لما اتفق
عليه الطرفان قبل نحو ستة أشهر في حدث كان هو الأول من نوعه في تاريخ العلاقات
الخليجية الهندية. ونعني بهذا الحدث التقاء وزراء الصناعة وعدد كبير من
الشخصيات الرسمية ورجال الأعمال ومسئولي غرف الصناعة والتجارة في الخليج
بنظرائهم الهنود في الثامن عشر من فبراير الماضي في مومباي تحت مظلة المؤتمر
الهندي-الخليجي الأول للصناعة ، والذي أتاح فرصة غير مسبوقة للتحاور والنقاش
العميقين حول كل ما من شأنه إزالة العقبات وتشييد الجسور أمام استفادة كل طرف
مما لدى الطرف الآخر من إمكانيات وفرص وأسواق. وكان من ثمار هذا المؤتمر الذي
تبنى شعار "الفرص والتحديات" وركز على ملفات معينة مثل الاستثمار ونقل
التكنولوجيا والمشاريع المشتركة - ولا سيما في مجالات النفط والغاز
والبتروكيماويات والكهرباء والاتصالات والمعلوماتية والأسمدة والأدوية - صدور
ما عرف باسم "إعلان مومباي". في هذا الإعلان اعترف الطرفان اعترافا صريحا
وواضحا بأن علاقاتهما البينية الضاربة في أعماق التاريخ وقربهما الجغرافي
وتواصل شعوبهما منذ أقدم الأزمنة لا يتناسب مع حجم ما هو قائم من تعاون ، وانه
آن الأوان لكي تستثمر هذه العوامل في عمل جاد ومنهجي من أجل الارتقاء بالروابط
البينية إلى آفاق جديدة ومتشعبة وبما يساهم في تحقيق الأمن والاستقرار والرخاء
للجميع. لكن الأهم من هذا كان اعتراف الجانب الخليجي بما حققته الهند من نهضة
وريادة في مجالات حيوية عديدة ، و إفصاحه عن رغبته في الاستفادة من ذلك في
مشاريعه التنموية. وهذا بطبيعة الحال خطاب لم يكن يصرح به سابقا في ظل هيمنة
تصور عام مفاده أن الأجود والأنفع والأصلح لا يأتي إلا من الغرب وان الهند ليست
سوى بلد متخلف تنحصر قدراته في إنتاج السلع الرديئة وتصدير العمالة اليدوية غير
المؤهلة.
إن هناك ثمة حقائق قائمة وعوامل جديدة تشكل
قاعدة متينة يمكن للطرفين الانطلاق منها لتأسيس شراكة استراتيجية بعيدة
المدى. فكل العوامل التي لعبت دورا في فترات سابقة في تلبيد سماء العلاقات
السياسية بالشكوك والهواجس قد ذهبت إلى غير رجعة فيما عدا عامل واحد . إذ لم
يعد هناك عالم عربي منقسم ما بين كتلة تقدمية تؤيدها الهند في مواجهة كتلة
محافظة تضم الخليج ، ولم يعد هناك اتحاد سوفيتي يتوجس منه الخليج خوفا وتقيم
معه الهند علاقات استراتيجية ، ولم تعد هناك حرب باردة تلقي بظلالها على سياسات
الطرفين الخارجية بشكل متصادم ، ولم يعد هناك نظام راديكالي في العراق تتهم
الهند بالميل إليه لموازنة علاقات الخليج السياسية مع باكستان. إلى ذلك فان
للهند سياسات خارجية ثابتة إزاء الخليج تقول اختصارا بضرورة إبعاد المنطقة عن
الصراعات والأزمات الدولية والتركيز فيها على التنمية الاقتصادية كمدخل لتحقيق
الاستقرار والسلام الطويلين. ولعله من المفيد في هذا السياق أن نتذكر مواقف
الحكومات الهندية المتعاقبة الرشيدة منذ زمن الراحلة انديرا غاندي في كل
المنعطفات التاريخية الحديثة ذات الصلة أو التداخل مع الشأن الخليجي ابتداء من
مسألة استقلال الكويت و الانسحاب البريطاني من شرق السويس و الغزو السوفياتي
لأفغانستان و الحرب العراقية-الإيرانية وانتهاء بحرب الخليج الثانية. بل أن
نيودلهي طرحت في وقت من الأوقات مبادرة مشابهة ومتقاطعة مع مبادرة بريجنيف
السوفياتية لعام 1981 حول إعلان الخليج والمحيط الهندي منطقتي حياد وسلام
خاليتين من أسلحة الدمار الشامل ومفتوحة أمام الجميع للتجارة والملاحة الحرة.
هذه المبادرة التي أسيء تفسير دوافعها ودخلت أطراف دولية وإقليمية على خطها
لتشويهها والتحريض ضدها.
أما التعاون الاقتصادي الذي نجا نسبيا من
آثار الخلافات السياسية الصامتة طيلة عقود الستينات والسبعينات والثمانينات ،
وبقي محصورا في التجارة والنفط والعمالة فقط ، فقد شهد نموا كبيرا منذ عقد
التسعينات كنتيجة لانفتاح الهند اقتصاديا و نجاحها السريع في مجالات تكنولوجية
وعلمية حيوية، الأمر الذي يعني وجود قاعدة جاهزة من الروابط الاقتصادية يمكن
البناء عليها والانطلاق بثبات منها. حيث تعتبر دول مجلس التعاون اليوم ثاني
اكبر وجهة للصادرات الهندية بعد الولايات المتحدة وبحجم وصل في العام الماضي
إلى نحو 7 بلايين دولار. وعلى حين تعتبر السعودية والإمارات والكويت المزودة
التقليدية للهند بالنفط الذي تتزايد حاجة الهنود إليه باضطراد بفعل تسارع
الحراك الاقتصادي وتحسن مستويات المعيشة ، ترتبط قطر باتفاقية طويلة الأجل مع
الهند لتزويد الأخيرة بالغاز المسال. هذا فضلا عن وجود استثمارات سعودية
وكويتية في مصافي تكرير النفط الهندية. ويكفي أن نعلم أن الهند استوردت من
الخليج في عام 2003-2004 وحده ما قيمته أكثر من 5 بلايين دولار من النفط
ومشتقاته.
وفي دول الخليج يعمل اليوم حوالي 3.5 مليون
هندي منهم 1.5 مليون في السعودية وحدها ، مشكلين بذلك اكبر كتلة عمالة وافدة في
المنطقة. وتزود هذه العمالة بلادها سنويا بعدة بلايين من الدولارات عبر تحويلات
مالية بالعملة الصعبة ، وبما أنقذ الهند في فترات مختلفة من شح العملة الصعبة
اللازمة لدفع فواتير النفط المستورد ، وان كان تأثير هذه التحويلات قد تضاءل
كثيرا في السنوات الأخيرة بفضل بروز الهند كأكبر منتج ومصدر للبرمجيات في
العالم وبالتالي نجاحها في تكوين احتياطيات هائلة من العملة الصعبة تجاوز رقمها
في العام الماضي عتبة المائة بليون دولار. ورغم ما يحيط بموضوع العمالة
الأجنبية عامة والعمالة الهندية خاصة في الخليج من شد وجذب كنتيجة للمتغيرات
الاقتصادية والاجتماعية ، فانه من غير المتوقع في المدى المنظور قدرة المجتمع
الخليجي على الاستغناء عن العمالة الهندية ، على الأقل في مجالات العمل الدنيا
غير الجاذبة للعمالة الوطنية أو العربية.
ومجمل القول أن الوقت الراهن هو أفضل وقت
لتعزيز ما هو قائم من تعاون اقتصادي بين الطرفين والمضي قدما نحو مجالات
التعاون الأخرى المسكوت عنها حتى الآن كالتعاون العلمي والثقافي والأمني
والعسكري والاسترشاد بالتجربة الهندية في مجالات الإدارة والحكم المحلي، خاصة
في ظل ما يسيطر على الشارع العربي من هواجس حول العلاقة مع الغرب. وإذا استمر
المنحى الخليجي الجديد ولم يتأثر بظروف وأحداث طارئة في شبه القارة الهندية ،
أو لم تفسده الجماعات المتشددة في الخليج من تلك التي سبق لها و أن حرضت مرارا
ضد الهند وطالبت بطرد رعاياها وقطع العلاقات معها بسبب كشمير أو حقوق المسلمين
الهنود أو علاقات نيودلهي بتل أبيب – وكلها قضايا داخلية أو سيادية هندية لا
شأن لهم بها ، هم الذين يقلبون الدنيا ضجيجا إذا ما تدخل طرف أجنبي في شئون
أوطانهم الداخلية- فان التعاون الخليجي-الهندي ينتظره مستقبل مشرق.
*باحث أكاديمي وخبير في الشئون الآسيوية
تاريخ المادة : 1 سبتمبر 2004
البريد الالكتروني:
[email protected]
(المقال مصرح بنشره
من كاتبه )
أكتبوا إلينا
آراءكم وتعليقاتكم:
الآراء و التعليقات