كلام صريح   I    المسلمون في الهند    I    النخبة    I    الهند - التكنولوجيا والمعلومات    I   الهنود والنكات     التعليقات    I     

 
       

تغطيات خاصة

 أخبار الهند

 الرئيسية

 
 
 

 المقالات

 

كيف نجحت الهند في ما أخفق فيه العرب

 (إعادة النشر 27 مايو 2006)

بقلم الدكتور عبد الله المدني

 

الافتتاحية

كلام صريح

قضية الساعة

النخبة

المسلمون في الهند

الهنود العالميون

التكنولوجيا

المقالات

أخبار الهند

المعلومات الأساسية

الهنود والنكات

الفضاء

الصحف العربية

العلاقات الخارجية

التعليم

الثفافة

المتفرقات

الصور

FAQ

Downloads

المحطات

المصادر  

التعليقات

من نحن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

      د. عبد الله المدني

باحث و محاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين

 

·  ولد في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

·   أتم مراحل دراسته الابتدائية و الإعدادية و الثانوية ما بين البحرين و السعودية.

·   درس المرحلة الجامعية وما بعدها في  بومباي وبيروت والقاهرة وبوسطون واكسيتر.

·   يحمل شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من  بيروت , وشهادة الماجستير في العلاقات الدولية والاستراتيجيات من جامعة  بوسطون الأمريكية , ودبلومي التخصص في شئون شبه القارة الهندية وشئون جنوب شرق آسيا من الجامعة نفسها.

·        حاصل على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة اكسيتر البريطانية.

·   شارك في العديد من المؤتمرات والندوات وورش العمل الخاصة بالشئون الآسيوية أو بعلاقات الخليج بآسيا في داخل الخليج و خارجه .

حينما استقلت الهند في عام 1947 ورثت من المستعمر البريطاني بلدا متخلفا يعتمد 85 بالمئة من سكانه في معيشتهم على القطاع الزراعي ، بل أن هذا القطاع كان بدائيا وتسوده أكثر الأنظمة تخلفا في العالم ، الأمر الذي ساهم في ظهور حالات متكررة من المجاعة وتفشي الأوبئة. أما القطاع الصناعي المتواضع فقد كان مجردا من المشاريع الرأسمالية ويعتمد في حركته البطيئة على آليات مستوردة من الغرب ولا ينتج سوى بعض السلع الاستهلاكية ، رغم امتلاك الهند للعديد من المواد الاولية الاستراتيجية مثل النفط والفحم والحديد والمنغنيز.

اليوم ، ومن بعد مرور أكثر من نصف قرن على ذلك المشهد الكئيب ، نرى أمامنا مشهدا هنديا مغايرا في كل المعالم والتفاصيل. صحيح انه لا تزال في الهند نسبة عالية من الأميين والفقراء ، ولا يزال نحو 53 بالمئة من سكانها يعيشون بمعدلات دخول يومية لا تزيد عن دولار واحد طبقا لتقديرات صندوق الأمم المتحدة للتنمية. وصحيح أن العادات البالية والخرافات والأساطير لا تزال متفشية في أوساط طبقات اجتماعية غير قليلة ، وان بعض صور الفساد لا تزال مصاحبة لممارسات البلاد الانتخابية و لعمل أجهزتها البيروقراطية. وصحيح أن الهند لا تزال إلى اليوم دولة المنبوذين ونظام التفاوت الطبقي المقيت والاحتقانات الطائفية الموسمية. إلا انه في مقابل كل هذا ، هناك حقائق مذهلة تقول بأن هذه البلاد تحتضن راهنا ثالث أو رابع اكبر كتلة بشرية مؤهلة تقنيا وفنيا في العالم وبعدد يصل إلى 70 مليون نسمة ، أي ما يعادل إجمالي سكان كبرى الدول العربية وأقدمها في خطط التنمية ، وان الطبقة المتوسطة فيها و التي عادة ما تعول عليها المجتمعات في قيادة عملية التغيير والتطوير ماضية في الاتساع وباتت تضم اليوم 20 بالمئة من عدد السكان ، وأن الهند صارت اكبر منتج ومصدر في العالم للبرمجيات بحيث بات يمر عبرها أو تتحكم في عمليات كبريات شركات الطيران والاتصالات والمصارف ومؤسسات البطاقات الائتمانية العالمية ، وان مدنا هنديا من تلك التي عرفها أجدادنا في الخليج في حقبة ما قبل اكتشاف النفط كأماكن لتسويق اللؤلؤ واستيراد مستلزمات المعيشة والترويح البريء ( مثل بومباي ومدراس وبنغلور وحيدر آباد) تحولت اليوم إلى قلاع تكنولوجية وعلمية.

وما بين امتلاكها لقدرات نووية وباليستية معترف بها وجيش هو الأضخم عدديا في العالم الثالث بعد الجيش الصيني الأحمر وأسطول بحري هو الأكبر والوحيد الذي يملك حاملات للطائرات  آسيويا وعالمثالثيا ، وبين امتلاكها لصناعة سينمائية هي الأضخم في العالم بعد هوليوود الأمريكية ، هناك الاكتفاء الذاتي في الطعام الذي استطاعت الهند تحقيقه ، بل تجاوزته إلى تحقيق فائض من المنتجات الزراعية للتصدير ، بحيث أصبحت تحتل اليوم المركز الأول أو الثاني على مستوى العالم في إنتاج الأرز والألبان والخضروات. إلى ذلك هناك التوسع الهائل والمنظم في قطاع التعليم ومخرجاته ، وبما جعل الهند مع نهاية عام 2000 تحتضن 221 جامعة بها 10555 كلية و 7.8  مليون دارس ودارسة و 330 ألف بروفسور. وطبقا لدراسة نشرتها مجلة "ايشيا ويك" الصادرة في هونغ كونغ في عام 1998 عن أفضل الجامعات الآسيوية لجهة الحصول على درجة البكالوريوس ، جاءت جامعتان هنديتان ضمن المراتب العشر الأولى هما جامعة احمد آباد التي احتلت المرتبة الأولى وجامعة بنغلور التي احتلت المرتبة الخامسة. كما حصدت الهند المراكز الخمسة الأولى في قائمة أفضل المعاهد التكنولوجية في عموم آسيا واستراليا. وفيما يتعلق بشبكة المواصلات ، صارت الهند اليوم في طليعة الدول المالكة لأكبر شبكات السكك الحديدية وبطول إجمالي يزيد عن 70 ألف كيلومتر ، أي أضعاف المسافة الفاصلة ما بين مراكش والبحرين.

وكانت لسياسات تحرير الاقتصاد الهندي من قيود التخطيط المركزي وهيمنة القطاع العام ، التي دشنتها الحكومة الهندية في مطلع التسعينات من القرن المنصرم ، أثرها الايجابي على الحراك الاقتصادي ، وعلى زيادة معدلات النمو السنوية التي صارت تقف اليوم على أعتاب 7 بالمئة وتنافس مثيلها في الصين ، وعلى زيادة معدلات الإنتاج والتصدير إلى الخارج وبما أدرج البلاد ضمن قائمة اكبر ثلاثين دولة مصدرة في العالم وحقق لها مخزونا من احتياطيات العملة الصعبة وصل إلى مائة بليون من الدولارات في العام الماضي.

والحال أن الهند مع مطلع القرن الواحد والعشرين تقف شامخة بين القوى العالمية الصاعدة ، وتبدو أكثر جدارة وتأهيلا لجهة احتلال مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي أو الحصول على عضوية مجموعة الدول الصناعية الثمان.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه المقدمة الطويلة هو كيف استطاعت هذه البلاد وسط تحديات الطبيعة والجغرافيا والتاريخ وتجاذبات السياستين الإقليمية والدولية أن تصل إلى ما وصلت إليه ، فيما دول أخرى قريبة منها ومشابهة لها في الثقافة والتاريخ والإرث الاستعماري كدولنا العربية ظلت تراوح مكانها دونما بصيص أمل في إنجاز نهضة حقيقية تودع معها أنفاق التخلف وترتفع بها إلى مصاف الكبار المؤثرين في شئون العالم؟

عوامل كثيرة  بطبيعة الحال  ساهمت في انطلاقة الهند النهضوية ، إلا أن أهمها وأكثرها تأثيرا وأجدرها بالمناقشة هو تمسك الهند منذ اللحظة الأولى لاستقلالها بالليبرالية السياسية والديمقراطية كخيار حاسم لا يعلوه أي خيار. ففي ظل دولة المؤسسات الديمقراطية ذات الوجه الليبرالي وما ينطوي عليه من فصل محكم للسلطات وإطلاق للحريات السياسية وترسيخ لقيم المساءلة والمحاسبة والنقد ، توفرت أجواء السلام الاجتماعي ومناخ الاستقرار السياسي و تراجع بالتالي شبح الفوضى والطموحات الانفصالية والانقلابات العسكرية ، وبما ساعد العقول والسواعد الهندية على البناء والإبداع والعمل الخلاق دونما خوف أو وجل أو اضطراب.

وقتها راهن البعض من رواد الفكر السياسي المحافظ في الغرب على فشل التجربة الهندية قائلين بثقة أن الديمقراطية قيمة لا تصلح للتطبيق إلا في المجتمعات الغنية والمتطورة ، وأن الهند بفقرها وتخلفها وأمية الغالبية من سكانها لا تملك مقومات نجاح التجربة. لكن الهنود بتمسكهم بالخيار الديمقراطي ونجاحهم فيه فرضوا على أصحاب هذه النظريات الصمت المطبق. وعاد بعض المشككين إلى ترديد المقولة السابقة في أواسط السبعينات متخذين من لجوء رئيسة الوزراء السيدة انديرا غاندي في عام 1974 إلى فرض حالة الطواريء وتقييد الحريات وسط مناخ سياسي واقتصادي وامني صعب دليلا على قرب انهيار الديمقراطية الهندية. ومرة أخرى سقط الرهان واثبت الهنود تمسكهم بالديمقراطية وحرصهم عليها وإجادتهم لأصولها ومتطلباتها وذلك حينما أطاحوا بالسيدة غاندي في انتخابات 1977 عقابا لها على مسها بأحد أهم مقومات الكيان الهندي. ولئن كلفت هذه التجربة رئيسة الوزراء وحزبها الرائد كثيرا ، فإنها أفادت الديمقراطية الهندية و برأتها من تهمة ديمقراطية الحزب الواحد المهيمن على السلطة لأنها أتاحت لأول مرة منذ الاستقلال وصول المعارضة ممثلة في حزب جاناتا دال إلى السلطة المركزية.

وقد أكدت انتخابات عام 2004 التشريعية مجددا أن هذه الديمقراطية لا تزال بخير رغم كل العواصف والتحديات والانتقادات ، وأنها ماضية إلى المزيد من الترسخ وبما تستحق البلاد معه بامتياز صفة كبرى ديمقراطيات العالم. ففي الانتخابات الأخيرة لم يرضخ حزب بهاراتيا جاناتا المتشدد وحلفائه لإرادة الشعب ويسلم السلطة إلى حزب المؤتمر الفائز بطريقة حضارية و دونما هيجان وتحريض و رفض فحسب ، ولم يصوت الهنود بكثافة لحزب تقوده سيدة من أصول أجنبية ولم يمض على اكتسابها صفة المواطنة إلا عقدين من الزمن فقط ، وإنما قبلوا أيضا بتنصيب رجل من الأقلية السيخية التي لا تمثل سوى 2 بالمائة من إجمالي عدد السكان كزعيم عليهم ، لتصبح الهند ذات الأغلبية الهندوسية الطاغية في عهدة رجلين من الأقليات هما رئيس الوزراء السيخي مانموهان سينغ ورئيس الجمهورية المسلم البروفسور ابوبكر زين العابدين عبد الكلام. فأي مكان على وجه البسيطة يمكن أن تتكرر فيه هذه الصور السلسة من تداول السلطة والتسامح؟ دعك من العالم الثالث الذي لا تزال أقلياتها تجاهد دون طائل من اجل الحصول على حقيبة وزارية متواضعة فحسب.

على انه يجب أن نستدرك في هذا السياق أمرا لطالما غفل عنه أو تجاهله عمدا من يكتبون في الشأن الهندي ، وهو أن النهضة الهندية ما كان لها أن تتحقق بالخيار الديمقراطي وحده ، وإنما بالخيار الديمقراطي المسنود بدعامتين أساسيتين هما العلمانية والفدرالية. وبعبارة أخرى ، فانه لولا تبني الدولة الهندية منذ البداية للعلمانية والفدرالية كمفصلين أساسيين من مفاصلها لأنتكست ديمقراطيتها سريعا مثلما حدث في أماكن أخرى.

إن من حسن حظ الهند وهي تخطو خطواتها نحو الحرية والاستقلال والبناء الوطني أن رزقت بنخب سياسية عاقلة ومثقفة ومجربة ومتجردة بصفة عامة من الأنانية والغوغائية والشعارات الفضفاضة و نظريات الحلول المطلقة. هذه النخب استطاعت بفضل تلك الخصائص أن تقرأ أوضاع الماضي والحاضر والمستقبل قراءة واعية و هادئة ، وان تستوعب مشاكل الهند الكثيرة وتنوعها العرقي والثقافي والديني والإيديولوجي المعقد واختلاف درجة نمو أقاليمها الشاسعة ، ومؤثرات حضارتها الموغلة في القدم ، وان تراعي كل هذه العوامل مجتمعة وقت تأسيس هياكل الدولة السياسية وصياغة خططها التنموية ورسم علاقاتها الخارجية.

وهكذا اجمع آباء الاستقلال ونخب المجتمع السياسي الهندي الأوائل ، من بعد حوارات ومناظرات طويلة امتدت طيلة سنوات الأربعينات ، على انه لا دواء فعال لحالة الهند الموزاييكية إلا  بالديمقراطية والليبرالية السياسية بأشكالها و مواصفاتها الغربية المعروفة التي ترسخ مبدأ الحريات وتعطي الجميع حق المشاركة في صناعة القرار والمحاسبة عبر صناديق الاقتراع ، وأنه لا صيغة لتحقيق حياد الدولة تجاه مكونات البلاد الدينية إلا بالعلمانية التي تساوي بين جميع الأديان وتمنع تدخلاتها وتأثيراتها على صناعة القرار السياسي، وانه لا علاج لاحتواء الطموحات الجهوية وما قد ينجم عنها من نوازع انفصالية باسم الخصوصية إلا بالفيدرالية التي تعطي الولايات قدرا من الحركة الذاتية وحرية إدارة شئونها ومشاكلها بنفسها بعيدا عن هيمنة السلطة المركزية وتدخلاتها. وأخيرا أجمعت النخب السياسية الهندية الأولى و قوى المجتمع المدني على أن الهند بتراثها الحضاري والفلسفي الغني وموقعها الاستراتيجي المتميز على تقاطع طرق الملاحة العالمية مابين الغرب والشرق الأقصى لا يمكنها إلا أن تلعب دورا مؤثرا و ايجابيا في شئون العالم ، وبالتالي فان عليها اعتماد سياسة خارجية متوازنة إزاء اللاعبين الكبار على الساحة الدولية وبشكل يحمي أولا وأخيرا حرية القرار الخارجي وامن البلاد وسلامتها. ولئن انبثقت عن هذه الرؤية مبدأ الحياد الايجابي وعدم الانحياز الذي قادت الهند حركته منذ الخمسينات واستطاعت عبره أن تقاوم تجاذبات الحرب الباردة واستقطاباتها وان تحقق من خلاله توازنا امنيا في شبه القارة الهندية ، فان السياسة الخارجية الهندية أبت أن تستسلم كليا للنصوص والمباديء الجامدة وعملت على تطوير أدواتها و وسائل تحركها وفقا لتغير الظروف وموازين القوى والمعادلات السياسية ، الأمر الذي اكسبها مرونة و ديناميكية كبيرة في التعامل الذكي مع المتغيرات الإقليمية والدولية وبشكل يحقق اكبر مصلحة وطنية أو يحصر الخسائر في أضيق نطاق. وأحد الأدلة على هذه المرونة أو البراغماتية – أن صح التعبير-  إن الهند في ظل تمسكها بسياسة عدم الانحياز لم تتردد في بناء علاقات شراكة وتعاون استراتيجي مع القطب السوفياتي حينما رأت في ذلك  مصلحة وطنية وتحقيقا لتوازن القوة مع خصمها الصيني في الشمال وخصمها الباكستاني في الغرب. لكن الهند وهي تفعل ذلك لم تنجرف نحو القطيعة الكاملة مع الغرب مثلما فعلت دول أخرى صديقة للسوفييت ، ولم تلجأ إلى  خطاب تحريضي أو سلوك عدائي ضده ، وإنما حافظت على روابطها ومصالحها مع هذا الغرب بدليل استمرارية عضويتها في رابطة الكومنولث. أما أهم الأدلة  على قدرة السياسة الخارجية الهندية على التكيف السريع مع المتغيرات الدولية فهو قدرتها الفائقة في مطلع التسعينات على مواجهة المتغيرات التي صاحبت انتهاء الحرب الباردة و تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الاشتراكية وبروز الولايات المتحدة كقطب عالمي أوحد ، في وقت كانت فيه دول كثيرة عاجزة عن قراءة تلك المتغيرات بطريقة صحيحة أو ساكنة بانتظار حدوث معجزة تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

ومرة أخرى لا مناص من الاستدراك والقول أن هذه الرؤية الناضجة لكيفية التعامل مع مشكلات البناء الوطني في هند ما بعد الاستقلال لم تأت من فراغ وإنما كانت ثمرة عوامل كثيرة لئن كان احدها بعث وتوظيف المكمون في الحضارة الهندية وفلسفاتها من قيم التسامح والتوافق والتصالح المضادة للشطط والانجراف نحو الشعارات و الأفكار الطوباوية والمستحيلات والمطلقات ، فان العامل الآخر هو الاستفادة القصوى من المستعمر وتوظيف ما زرعه في البلاد من آليات وأنماط لخير الوطن ومستقبله. وبعبارة أوضح ، لم تلجأ النخب السياسية الهندية إلى رفض ومقاطعة وضرب ما جاء به المستعمر بالمطلق ، وإنما استثمرته بذكاء من اجل أهدافها الوطنية وغاياتها ، أي على العكس مما انتشر في البلاد العربية.

صحيح أن حقبة الاستعمار البريطاني للهند كانت مليئة بصور القمع والاستغلال والاعتداء على الكرامة الوطنية ، لكن الصحيح أيضا أنها حقبة شهدت بعض الإنجازات التي دشنها المستعمر من اجل تعزيز مصالحه الاقتصادية ونفوذه السياسي فعادت بفائدة كبيرة على الهنود في معركة التحرير أولا وفي معركة البناء والوحدة لاحقا. وفي هذا السياق لا يجد المتابع بدا من الاعتراف بان الهيمنة البريطانية ساهمت في دمج كل ولايات شبه القارة الهندية في كيان واحد مدار من قبل سلطة مركزية واحدة ، مما خلق شعورا بالتوحد لدى الهنود لأول مرة في تاريخهم.  وتعزز هذا الشعور بقيام المستعمر بربط الولايات الهندية بشبكة من السكك الحديدية والطرق التي لم تكن موجودة من قبل ، مما ساهم في تواصل شعوب هذه الولايات مع بعضهم البعض وتعرف كل منهم على الآخر بطريقة مباشرة. وبفرض المستعمر للغة الإنجليزية على مناهج التعليم والاتساع في تدريسه في مراحل التعليم المختلفة ، تأسست لأول مرة في تاريخ هذه البلاد لغة مشتركة للتواصل والتفاهم ما بين مكونات الهند الاثنية والثقافية المتنوعة. وعبر إجادة الإنجليزية استطاعت النخب الهندية المتعلمة أن توسع مداركها واطلاعاتها لجهة ما كان يدور وقتئذ في الغرب من مناظرات وأفكار سياسية وفلسفية حول شروط النهضة والتنمية وسبل الإصلاح وأن تتأثر ببعضها ، بل استطاعت أن تتواصل مع شعوب الغرب وتنظيماته السياسية والمدنية وتنقل لها قراءتها للأحداث وطموحاتها في الحرية والاستقلال والسلام على النحو الذي قام به الجواهر لال نهرو ورفاقه. ولا يكتمل الحديث في هذه الجزئية دون التوقف مليا عند الدور الرائد الذي لعبه المهاتما غاندي في كيفية إدارة الصراع مع المستعمر وفي كيفية تأهيل شعبه لمرحلة ما بعد الاستقلال.

لم يأت غاندي بقيم وأفكار مستوردة ويفرضها على الهنود ، وإنما بعث ما كان متجذرا في الفلسفة الهندوسية من قيم التسامح واللاعنف ، ووظفها خير توظيف في جمع مواطنيه في حركة عصيان مدني سلمي أدهشت العالم وأحرجت المستعمر وأعطت نموذجا لإمكانية الوصول إلى الغايات دون الوقوع في مسلسلات القتل والتدمير والانتقام وعسكرة المجتمع التي قد تتجذر كثقافة سائدة فيصبح الخلاص منها محالا. وهو في نضاله وحركته بدا متواضعا في أهدافه ، فلم يعد شعبه بالمستحيلات ولم ينصب نفسه كمالك وحيد للحقيقة. كما انه تفادى الحديث عن الآخر بصيغة التعميم الظالمة ، فلم يشتمه أو يحرض عليه أو يدعو إلى حرق علمه أو معاداته على الإطلاق ، في محاولة للتفريق بين بلد المستعمر وشعب الأخير وكوسيلة لكسب هذا الشعب إلى جانب قضيته العادلة. وكان من نتائج هذا المنحى أن كسبت حركة التحرير الوطني الهندية والدولة الهندية المستقلة فيما بعد أصدقاء وأنصار لها في الغرب وفي كل مكان ، ناهيك عن انه أنقذ الهنود في مرحلة ما بعد التحرير من عقدة رفض الغرب ومقاطعته والمزايدة في عدائه بسبب ما كان. على أن الأهم من هذا كله انه وحد الهنود وقرب فيما بينهم و حال دون انغماسهم في ثقافة العنف والعنف المضاد ورسخ في الوجدان والضمائر ثقافة التنوع والقبول بالآخر ونبذ عقلية الإقصاء والإدانة والمصادرة. وقد يعارض البعض هذه المقولة الأخيرة مستشهدا بحوادث العنف التي تقع من وقت إلى آخر بين هذه الطائفة أو تلك من الطوائف الهندية كدليل على صحة اعتراضه. إلا انه بإلقاء نظرة سريعة على ما يدور في الهند و ما يدور في جوارها لجهة  أنماط العنف وانتشار الميليشيات وثقافة الشعارات و الرفض والتحريض والإقصاء  ، نجد أن مشاهد العنف الهندية نادرة ومتواضعة أو محصورة في نطاق جغرافي ضيق ، بمعنى أنها غير قابلة للتحول إلى ظاهرة جماهيرية عامة. ويكفي أن مائة وخمسين مليون مسلم في الهند لم ينجرفوا إلى ما انجرف إليه إخوانهم في الدول الأخرى في السنوات الأخيرة من تكوين الجماعات المسلحة الإرهابية ، رغم كل خطب التحريض الوافدة عبر الحدود ، ولم يوجهوا  طاقاتهم وأوقاتهم نحو متواليات الحلال والحرام التي لا تنتهي ، وإنما بقوا معتزين بهويتهم الهندية ، موالين لدولتهم ، ومنكبين على العمل والعلم النافعين بهدف الارتقاء بأحوالهم.

والحال أن الهنود أداروا معاركهم بمزيج من الصبر والتخطيط و البرغماتية والانفتاح في ظل منظومة الديمقراطية والحريات ، فيما العرب أداروا معاركهم العادلة وأهدافهم المشروعة بالشعارات الطوباوية وخطب  التحريض الحماسية وسياسات الرفض المرتجلة في ظل منظومة القهر و دوس الحريات وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ، فكان ما حصده كل طرف بحجم ما زرعه.

*باحث و محاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية

[email protected] 

 

(المقال مصرح بنشره من كاتبه )

أكتبوا إلينا آراءكم وتعليقاتكم: الآراء و التعليقات

 

   

 

 

أطلق العنان لأفكارك... واجعل كلمتك مسموعة من خلال بوابة الهند

               Unleash Your Thoughts..Make Your Voice Heard Through India Gate                         

 

 I   Downloads   I  المحطات   I   الصور   I    من نحن   I   الأسئلة الشائعة عن الهند   I   المصادر   I   التعليقات   I

 

[email protected]

Hosted by www.Geocities.ws

1