|
اذا حاولنا في تناولنا لهذا الموضوع تسليط الضوء على قطرة واحدة من بحر
الحضارة العربية الزاخر فلا نستطيع ويكفي ان نقول في مجال الطب وحده
نجد اول مستشفى في العالم تم انشاؤه في عهد الوليد بن عبدالملك في دمشق
عام 88 هـ (706 م) وكانت اول مدارس للطب الاسلامي انشأت في العصر
العباسي فكانت هذه المدارس تعتمد على المنهج النظري والتطبيقي في نفس
الوقت وكان الطلاب يجلسون للامتحان وبعد نجاحهم يؤدون قسم اليمين وبعد
ذلك يمنحون الشهادة الطبية التي تؤهلهم لممارسة مهنة الطب وخلال حياتهم
العملية يكونون تحت رقابة الدولة وشهد العلماء في ذلك الوقت اعظم
الاطباء مثل ابو بكر الرازي المتوفى عام 321 هـ الذى اهتم بالطب
التجريبي وحنين بن اسحاق العبادى الذي عاش في عهد الخليفة المأمون قد
ألف العديد من الكتب في مجال الطب وتطرق لداء الرمد وطب الاسنان وغيرهم
مئات الاطباء الذين عرفوا الامراض وشخصوها ووصفوا لها العلاج ومن ذلك
داء الجدري والحصبة والصرع والتشنج وامراض العيون والانف والحنجرة
واستطاعوا فحص النبض والتنفس والقلب، وعلى يد الطبيب العربي علي بن
عباس الاهوازي عرف العالم حقائق حركة الرحم عند المرأة وعن حركة القلب
والشرايين وحقائق عن داء الدرن وتشخيص داء السرطان والعمليات الجراحية
واخراج الحصاة واستئصال اللوزتين وعن طريق ابن سينا عرف العصر العباسي
داء السكتة الدماغية واحتقان الدماغ وعلاج الأمراض العصبية والاضطرابات
النفسية والتهاب السحايا. كما درس ابن سينا شلل الوجه وطرق العدوى لداء
السل الرئوى والامراض التناسلية والتعرف على اسباب العقم عند الرجال
والنساء واشار الى ان الجراحة هي السبيل الوحيد لعلاج الاورام الخبيثة.
وهناك الطبيب عبد اللطيف البغدادي الذي جاء بآراء تعارض آراء جالينوس
في التشريح كما اثبت ان الفك الاسفل للانسان يتكون من قطعة واحدة وهذا
فيض من غيض في مجال الطب فقط وبعد عدة قرون جاءت اوروبا لتفتفي الاثر
العربي في هذا المجال في تشييد المستشفيات وافتتاح الكليات معتمدة على
الاسس التي ارسي قواعدها علماء العرب.
وما اشرنا اليه في مجال الطب ينطبق على بقية العلوم الاخرى حيث شهد
العالم العربي ومنذ قرون خلت نهضة علمية عملاقة شملت جميع المجالات
التى كان لها اكبر الاثر في صنع الحضارة الانسانية المعاصرة.
يتضح مما سبق ذكره بان الادعاء والافتراء الاوروبي الذي رموا به
الانسان العربي بالعقم الفكرى امر لا اساس له من الصحة ولم يكن هذا
الادعاء الاجزءا من الحرب (الحضارية) الشاملة التي يشنها الغرب ضد
امتنا العربية، وعلى الانسان العربي ان يستعد لمعركة تجديد الذات
القومية وفاء لجذورنا الخالدة وايمانا بامتنا الواحدة وان ثقافتنا
تتجسد في صعودنا امام الصراع الحضاري والمواجهة الثقافية التي تتنازع
فيها القوى العظمي مناطق النفوذ ولن نستطيع القيام بدورنا في المرحلة
الراهنة الا اذا فهمنا واقعنا واستنبطنا حلول قضايانا من عبقرية امتنا
ووعي ضميرنا في تجاوبنا مع قيمنا الراسخة وتطلعات اجيالنا وعندئذ
نستعيد مكانتنا في العالم ونسهم في صنع الحضارة الانسانية الواحدة كما
كان لاجدادنا فيها القدح المعلى.
|