حجّة القدس
منذ فجر التاريخ كانت القدس. و كان معها الإيمان و الصراع. فقد نظرت إليها الأمم نقطة مركز في السيطرة على المنطقة مشرقاً أو مغرباً. الأمر الذي جعل الغزاة يبدأون منها في بسط هيمنتهم و سيطرتهم و جعل عربها من اليبوسيين و الكنعانيين و المؤابين يقررون فيها مصير أولئك الغزاة و يحولونها إلى رمز التحرير و الخلاص. هذا ما جعل العرب القدماء يبنون فيها دور عبادتهم و يعتبرونها نقطة التقديس في ديانتهم . و ذلك كي يصبح الإيمان معنياً أشد العون من أجل تحريرها و صونها من الغزاة الطامعين. و ختمت مشيئة الله على جعل العرب المسلمين الأمناء على القدس و سدنة مقدساتها . و كان هذا التشريف أمانة عظيمة جعلت العرب المسلمين يتجلون في القدس في عظمة تسامحهم الديني . مما جعل اليهود و النصارى لا يتفيأون الأمن و يتمتعون بحرية العبادة سوياً إلا في رحاب سيادة المسلمين و العرب على القدس. و ما كانت تلك السيادة تتعرض إلى الاهتزاز أو الزوال المؤقت حتى كانت أرض السلام تغرق في بحر من الاضطهاد و التفرقة و الدماء . و يتعرض العرب المسلمون إلى خطر الضياع لا في فلسطين فحسب ، و إنما أيضاً في مشارق الأرض و مغاربها. لذلك كان العرب و المسلمون في كل مكان يهبون لحماية بيت المقدس و تحريره. و لا يغمض لهم طرف أو يهنأ لهم بال قبل أن يروا راية العروبة ترفرف على البلد الأمين . إن هذا الواقع جعل القدس أرضاً مقدسة للإسلام و جعلها مركزاً لحماية مشارق بلاد العرب و المسلمين و مغاربها . إذا ضاع ضاعت تلك البلاد. إن هذا الواقع جعل عرب فلسطين يتشرفون في سكنى تلك الأرض . و لكن جعلهم باعتبارهم سدنة لهذه الأرض المقدسة يدفعون الثمن الغالي دموعاً و دماً و تشريداً و نكالاً و حروباً متواصلة ذوداً عن بيت المقدس أو جهاداً من أجل تحريرها. و لا يملك أحد إلا أن يعترف بهذا قديماً و حديثاً. و يكفي أن نتبصر هذا بحال القدس و أهلها في الردح الأخير من هذا الزمان. و على التحديد منذ بدء الغزوة الصهيونية في مطلع هذا القرن حتى اليوم، لنرى كل ما تقدم ماثلاً للعيان . فقد قدّم أهل فلسطين مئات الألوف من الشهداء و الجرحى و السجناء و اليتامى و الثكالى و كابدوا اضطهاد و نكالاً و دماراً و شتاتاً و دفاعاً عن هذا الثغر المقدس من ثغور العرب و المسلمين. بل تواطأت عليهم بعض الدول الاستعمارية و زبانيتها بعد قيام دولة الصهاينة فأنكرت حقهم كشعب له الحق في تقرير المصير و أسمتهم باللاجئين . ثم قدّر للعدو الصهيوني بمعاونة قوى الاستعمار العالمي أن يسيطر على كل فلسطين و كل القدس ومعها أرض عربية في عام 1967 فأصبح ما كان خطراً داهماً محصوراً خطراً واقعاً و شاملاً . و أصبح ما كان اغتصاباً لبعض فلسطين و بعض القدس ممتداً إلى الكل و خارجه أيضاً. و راح يتهدد أرض العرب و المسلمين بلا حدود لأطماعه . و ما رمز ذلك إلا ما أعلنه و فعله على أرض بيت المقدس. حيث أعلن ضمها إلى دولته. و راح يهودها بكل السبل و الأساليب . فبنى حولها سِواراً من المستعمرات و أبنية الحصار. و هجّر بالقوة بعضاً من أهلها و هو ماضٍ ليهجّر البعض الآخر و اعتدى على مقدساتها حيث سرق كنائسها المسيحية و حرق جزءاً من المسجد الأقصى و راح يحفر تحت جدرانه علّه يلقى أثراً لهيكل من أجل أن يهدم المسجد . و يطمس كل ما في تلك الأرض من معالم الإسلام و العروبة. و بكلمة أن القدس تواجه خطر التهويد الكامل و أهلها يعيشون النِكال و لا يبقيهم على الأرض إلا جذوة الجهاد التي تخمد فيهم . هذا ما يجعل الملأ كله يدرك ما معنى ثورة فلسطين و يجعلهم يحيون أبناءها المجاهدين ، و يشدون من أزر قيادتها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني . أما اليوم فالأمر خطير و الخطب مدلهم. ثم كان من نصيب القدس الشريف تصريح للرئيس السادات يقول فيه أنه اتفق مع "بيغن" على بقاء القدس موّحدة. . ثم تأتي تصريحات " بيغن" لتؤكّد القول معلنة أن القدس، ستبقى موّحدة و عاصمة لدولة "إسرائيل" إلى الأبد و يرتفع عليها علم إسرائيل و رمز الصهيونية العنصرية. و بهذا يكون الأمر الخطير قد ازداد خطورة . و يكون الخطب قد أصبح خطوباً ما بعدها خطوب. و ها نحن أولاً أبناء فلسطين المجاهدون لا نملك إلا أن نُعلي الصرخة من أجل القدس، و نحن ماضين في طريق الجهاد لتحريرها ، و سنبقى على هذا الموقف و لو بقينا منفردين، فدون ذلك الانتصار أو الاستشهاد( و حرّض المؤمنين على القتال لا تكلف إلا نفسك. . صدق الله العظيم .) . و لكن لماذا نكون منفردين و العرب و المسلمون عدد كثير، و قوة و سلاح و مال وفير، و كلمة أن تُقال مسموعة و مُهابة وزنها ثقيل . إلا انظروا إلى المسلمين في موسم الحج يشدون الرحال إلى المسجدين المباركين و يحرمون من شدّها إلى ثالثهما المسجد الأقصى . و سيرضى الله عنّا جميعاً إذا ما واصلنا طريق عمر بن الخطّاب و صلاح الدين و مضينا لتحرير القدس و رفعنا الصوت بجانب الجهاد الصادق و أعلنّا الوقوف الحازم إلى جانب عروبة القدس الشريف و أهلها الفلسطينيين الصابرين المجاهدين .