أحمد
بوزفوز: عماد
الظل
ومددت يدي
…
كان
ذلك في بداية الثمانينات فيما أعتق، حين رأيته لأول مرة. جدا لي قصيرا، هادئا،
قابضا على جريدة (ربما كتاب أوظرف كبير)، بيده اليمنى، واقفا في باحة الكلية مع
بعض الطلبة، إذا تكلم تضحك عيناه، وإذا صمت تبتسم شفتاه.
لا أدري
لماذا ترددت في الاقتراب من هذا الجمع المفتون بحديث هذا الرجل؟ !
فيما
بعد عرفت أن الرجل هو الأستاذ أحمد بوزفور، وعرفت أيضا أنه كالسندباد يحكي (عفوا
يكتب) قصصا قصيرة. وكما يحدث كثيرا في
مثل هذه المواقف، فقد بدأت أتسلل إلى قسمة متتبعا و مفتونا بدروسه.
كان
وقتها يدرس مادة الشعر الجاهل، يتأبط شعر الصعاليك والمنسيين والمتأبطين شعرا. لم
يطل به المقام بكلية الآداب بالرباط، ذلك لأنه انتقل إلى كلية الآداب - عين الشق
بالدار البيضاء، وبدأ في تدريس مادة الشعر العربي الحديث بدل الشعر العربي القديم
(هل الأمر متعلق بالانتقال من مكان إلى مكان آخر مغاير، ومن تم من زمن ماض إلى زمن
حديث؟ يبدو أن الأمر كذلك، رغم أن أحمد بوزفور كان يقيم أثناء تدريسه بالرباط في
الدار البيضاء، وما يزال إلى حد الآن …
). وهو الآن منشغل بتدريس القصة القصيرة، قراءة وتحليلا. ينبغي الانتباه
إلى مسار القاص أحمد بوزفور كأستاذ: من الشعر الجاهلي، إلى الشعر العربي الحديث،
إلى القصة القصيرة. إنه القفز إلى الأمام، واختزال واقتصاد العالم في قصة قصيرة.
ومددت
يدي …
وتوطدت
علاقتي بأحمد بوزفور كقاص. قرأت "النظر في الوجه العزيز" إثر صدورها،
وبعدها بأربع سنوات (سنة 87)
صدرت "الغابر الظاهر"، ثم تلتها
مجموعة قصصية ثالثة: "صياد النعام" بعد ست سنوات (1993). وسنحث لي فرصة اشتغالي بدار
النشر الرابطة، أن أعيد قراءة المجاميع القصصية الثلاث مجتمعة في كتاب "ديوان
السندباد" الصادر عن نفس الدار سنة 1995.
وعرفت
منذئذ أنني وقعت في حبائل علاقة صداقة مع القصة القصيرة المغربية ومع القاص.
لايمكن
الحديث عن القصة القصيرة المغربية دون ذكر اسم أحمد بوزفور. ذلك لأنه يشهرها كجنس
مستقل بذاته، ويبرر قامتها الحديثة، وينحت لها دقتها وخفتها ووضوحها، لتصير صغيرة
و جميلة وسط الزحام و ليس على "التروتوار" بعمقها وليس بأركان الجملة.
إنه يهتم بالمفاعيل وظروف الزمان و المكان، بالنعوت وحروف الجر، بأشياء اللغة
الدقيقة والصغيرة، بم ليس أساسيا في الجملة لأنه هو الذي يصير أساسيا في الدلالة.
أحمد
بوزفور، بدربته وخبرته في الكتابة، يحرص على أن لا يطلي وجه القصة القصيرة
بالمساحيق و البودرة، التي تظهر اللمعان و الأناقة، وتجعلنا أمام وجه لا حرارة ولا
حياة فيه، وجه بارد كالرخام . المساحيق والبودرة حين يبالغ القاص في استعمالهما
بخيفان "حروف الزين" الحقيقية، وإذا تكرر سوء الاستعمال هذا تموت الحروف
بشكل نهائي.
أحمد
بوزفور أستاذ للأدب ويشتغل على اللغة منذ 1970، ولكنه يكتشف أمام كل قصة قصيرة
يكتبها أنه لا يعرف الأشياء، فيعاود بدء المعرفة من جديد باللغة وبالنحو، بمعرفة
الفرق بين اللام وإلى، بين الميم وعن، بين السين و الشين، بين اللون
و الكون … وهذا ما يدفعه إلى الاقتصاد و القفز إلى الأمام و ممارسة الحذف و
الإنصات إلى الأصوات الجديدة ، و …
ودعته
ذات يوم، والتفت فإذا به يدخل إلى لوحة إشهارية تاركا وراءه (أي على سطحها) هذه
الكلمات: "الحل الوحيد أن تشرب، الحل الوحيد أن تكتب،الحل الوحيد أن تصحو،
وتمحو، حتى تشرب، وتكتب، حتى …. حتى تسقط في … "
كلما
صادفته يمشي في شوارع الدار البيضاء، صباحا أو مساء، أيقنت أن ليس في ذهنه،
تقريبا، إلا قصة قصيرة و مغربية …
وممدت
يدي …