د. لطيفة الكندري
كشفت
في رسالتي الدكتوراه عن أهمية التعليقة في حضارتنا
الإسلامية بإيجاز شديد ثم أفردت هذا الموضوع بطريقة توسعية وقمت بإحياء كلمة التعليقة في المؤسسات التعليمية في كثير من إصداراتي ودوراتي
ومحاضراتي واستشاراتي كما قارنت بين التعليقة والملف
التعليمي (Portfolio). خلاصة الدراسات والمقالات والتطبيقات
العملية التي كتبتها في هذا الشأن أن التعليقة هي تقييد
للعلم بالكتابة، وهي عادة علمية مارسها سلفنا الصالح ولها تاريخها، ونماذجها،
وأساسياتها، وخصائصها، وإسهاماتها، وآدابها في الفكر الإسلامي عبر القرون ويمكن
الاستفادة منها اليوم وفق أسس موضوعية. ولله الحمد والمنة أنني رأيت ثمرة التعاليق
في المدارس، والدورات التدريبية، والكتب، ومواقع الانترنت لهذا فإنني أرغب في
زيادة المادة في هذا الباب وسأغتم فرصة الحديث عن القراءة لمزيد من البحث في
تراثنا التربوي. لن أكرر ما سبق أن كتبته في كتبي من مثل تعليقة
أصول التربية ومختصر تراثنا التربوي ولكن سأكتب فصلاً جديداً وثيق
الصلة بالقراءة كي أثري الموضوع ويمكن الرجوع لإصداراتي الأخرى للاحاطة بمشروع إحياء التعليقة.
التعليقة
مذكرة لتدوين ملاحظات منظمة في موضوعات معينة يظفر بها
الإنسان من مطالعة الكتب أو سماع المحاضرات، أو مقابلة الباحثين، وإجراء التجارب،
وإعمال الذهن. تتميز التعليقة الجيدة بدقة التنظيم
وتحتوي على إضافات الكاتب على بعض فقراتها لئلا ينساها مع طول الزمان
ولكي يراجعها من حين لآخر وينقلها للآخرين بطريقة موضوعية. التدوين الشخصي من أفضل وسائل المعرفة والتعلم والتربية لأنه
لسان حال الفرد عندما يكتسب المهارات والمعارف المفيدة فتبقى وقلما تنسى.
تيسر التعليقة المطالعة لأن القارئ سيحرص على
اصطياد المعلومات التي تستحق التدوين خشية من نسيانها السريع بل التعليقة - بمعنى تدوين المعلومات الجوهرية من الضوابط العامة
اللازمة في منهجية قراءة كتب العلم والتنقل في أرجاء المصادر المعرفية.
يضع
آل الشيخ (2003 م) في كتابه المنهجية في قراءة كتب العلم فكرة تدوين
الملاحظات الضرورية ضمن ضوابط القراءة المنهجية فيقول "إنّ كتب أهل العلم
المطولة والمتوسطة والمختصرة، تحتاج من القارئ ومن طالب العلم إلى تدوين للمهم
منها، فالقراءة وحدها غير مجدية، فلابد مع القراءة من تدوينٍ وكتابة، وكم سمعنا في
كتب أهل العلم، وفيما خلّفوه مختصرات للكتب، تجد مثلا العالم الفلاني اختصر الكتاب
الفلاني، واختصر الكتاب الفلاني، واختصر الكتاب الفلاني، لمَ؟
هل
هو رغبة في الاختصار من حيث هو؟ لا، الاختصار نوع فهمٍ للمختصر،
ولذلك انتخاب طالب العلم من كتب أهل العلم ما ينفعه في فهم العلم هذا مهم فتأخذ
مثلا في قراءتك في المختصرات أو في المطولات تأخذ الفوائد لتجعلها في كُنَّاشَةٍ
مستقلة، في دفتر مستقل، وهذه الفوائد تترقى معك، بترقي عمرك في طلب العلم".
من الهواجس التي تعتري كاتب التعليقة
أنه يستصغر بعض المعلومات ويتهاون في تدوينها فيقول "هذه لم أحتج أنْ أكتبها،
لظنه أنها صارت واضحة عنده، فمن سهولتها قال لا احتاج إلى كتابتها، وهذا غير صحيح
فإنما تتضح بالانتخاب، يعني أنّك إذا قرأت كتابًا، فاجعل دائما بجنبك الدفتر والقلم، واكتب الفوائد التي تمر بك، اكتبها تارة
بالعنوان، ترجع إليها في وقت فراغك وتملي، وتارة تكتبها بالتفصيل حتى تراجعها
مرّةً وثانيةً وثالثةً، فإذا اتضحت، صار ما بعدها من العلم أيسر، كما تعلّم الصغير
ألف باء تاء ثاء، فإنّ العلم كذلك يحتاج إلى تعود، هذه بعض الضوابط العامة في
قراءة كتب أهل العلم بعامة" (آل الشيخ،
2003 م).
التعليقة
للأطباء والفقهاء وغيرهم هي مذكراتهم الدراسية والعلمية أو الحواشي التي يدونونها
بجانب الأصول التي يدرسونها وكانوا أحياناً يسمون التعليقة
كناشة وجمعها كنانيش.
الكُناش لفظ
سرياني بمعنى المجموعة، والتذكرة وينادي بعض العلماء اليوم بضرورة الكناش لأنه يساعد على حفظ العلم ويسمونه (حِفظ كتاب) وذلك أن
تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج. فالكناش يشمل ما يراد تعليقه وما قام المتعلم بجمعه ولقد كان
طلاب المفسر عبدالرحمن السَّعدي (1307 – 1376 هـ = 1888
– 1957 م) "يأخذون مذكرات صغيرة يجعلونها في الجيب كلما ذكر الإنسان منهم
مسألة قيدها، إما فائدة علم في خاطر، أو مسألة يُسأل عنها الشيخ فيقيدها،
فاستفادوا بذلك كثيراً" (ابن عثيمين، 1422 هـ، ص
136).
يعقوب السيرافي المعروف بالساهر كان عارفا بصناعة الطب وصنف كناشاً يذكر فيه أدوية الأمراض وذكر في كناشة عن حياته
والأمراض التي أصابته. قال ابن أبي أصيبعة في طبقات
الأطباء "وللساهر من الكتب كناشة وهو الذي يعرف به وينسب إليه وهو مما
استخرجه وجربه في أيام حياته" (ص 260، انظر أيضا عيون الأنباء في طبقات
الأطباء لابن أبي أصيبعة، ص 264). وكان بعضهم يؤلف كناشا كبيرا لابنه كما فعل بختيشوع
بن جرجس لابنه جرجس في القرن الرابع الهجري وكتب المؤرخون عن الطبيب تياذوق (ت 90 هـ) فقالوا أنه ألف كناشا
كبيرا في زمن الحجاج.
صنف علي
بن العباس المجوسي كناشا جميلا وجليلا عرف بالملكي وكان
متداولا بين طلاب العلم. قال عنه القفطي "اشتمل على علم الطب وعمله حسن الترتيب مال الناس إليه في وقته
ولزموا درسه إلى أن ظهر كتاب القانون لابن سينا فمالوا إليه وتركوا الملكي"
(ص 140).
ولقد
عمل أحد الأطباء كناشة صغيرة ولاقت استحسان أحد الأمراء "ووصله بشيء قيمته
ألف دينار وكان دائما يقول صنفت مائتي ورقة أخذت عنها ألف دينار" (القفطي، أخبار العلماء بأخيار الحكماء، ص 93).
لقد
تتبعت كلمة كناش فوجدتها مثل التعليقة تنسب عادة
لكاتبها وتدل على سعة علمه وعلو مكانته. يقول بعضهم نقل بعض الحقائق من كناش مجهول
أو من مقالات جالينيوس. كتاب نوادر الفلاسفة
والحكماء وآداب المعلمين القدماء كناش اختصره أحد المؤلفين من كتاب بولس. التعليقة والحاشية والكناش مجموعة
معارف يستخرجها الكاتب من مصادر كثيرة ولاسيما الكتب المشهورة ولا تخلو من إضافات
وترجمة وتنقيحات وبراهين كما قد تتضمن جوابات مسائل سئل عنها العلماء.
يمدح الكناش في تراثنا ويوصف بعدة كلمات كقولهم كناش حسن، وصاحب الكناش ولطيف وكبير لأنه استقصى جملة أمور هامة ولخص جملة من
أقوال العلماء في صناعة الطب وخصوصا ما تفرق ذكره في بطون الكتب. كان الحسن بن نوح
القمري له كناش حسن ولقد حضر ابن سينا وهو شيخ كبير مجالس الحسن ولازم دروسه (انظر
الوافي بالوفيات للصفدي، ص 3329). ويوصف الطبيب
النابه بأنه يعرف أطباء عصره وأن له "كناش وحواش على كليات ابن سينا"
(ابن خلكان، وفيات الأعيان، ص 1639). ويقولون له "كناش مليح في
الطب" " وهو كناش فاضل من أفضل الكنانيش
القديمة" "وفي أيدي الناس كناش عربي جيد" (القفطي،
ص 258، 193، 74). ويقولون "وهو كتاب جميل وكناش نبيل" (ابن العبري، تاريخ
مختصر الدول، ص 151).
قام
محمود العابدي (1972 م) بتأليف كتاب كناش معلم
وكتب في مقدمة الكتاب أنه لم يراع فيه ترتيبا معينا للموضوعات
"فهي أشبه بأبحاث متناثرة أو كسنابل القمح. وقد سميتها
"كناش معلم" والكناشة في القاموس (مجموعة
كالدفاتر تدرج فيها النوادر والفوائد) ولا سيما للمعلم
وجعلتها دائماً في متناول يدي. وأرجو أن تكون لك قارئي العزيز خير رفيق" (ص
4). نستخلص من كتابات العابدي وغيره أن الكناشة أو التعليقة تضم نوادر
وخواطر يدونها المعلم في دفتره فيلخص ويقتبس ويصف ويحلل كل ما يعتقد أهميته في
الموضوع الذي يتخصص فيه ويجده في بطون الكتب التي يطالعها. فهذا الدفتر يقيد
العلم، ويفتح مغاليق الفكر، ويتناول كبار المسائل، في موضوع معين من مصادر متنوعة.
يؤكد د.
جورج مقدسي (George Makdisi)
(1920 – 2002 م)[1]
على أن التعليقة
لها تطبيقاتها في الغرب المسيحي وهي تعادل كلمة التقرير (report)[2]
ودراسة جورج مقدسي لاقت عناية فائقة في جامعة الملك عبدالعزيز
فترجمت كتابه نشأة الكليات عام 1994 م كما قام المجمع العلمي العراقي
بترجمة كتابه تاريخ بغداد وخططها. تخصص جورج في الدراسات العربية
والإسلامية في جامعة بنسلفانيا (University
of Pennsylvania) كما درس في السوربون وهارفرد ودراساته تحتوي على الكثير من الشواهد الدالة على أن التعليقة في العالم الإسلامي سبقت منهج كتابة التقارير عن
المحاضرات الدراسية وهي مرحلة هامة لظهور الدراسة النظامية في الغرب.
يقول
مقدسي "من الواضح أن (التقرير) هو نفس الشيء الذي أنتجه الأدب الفقهي
الإسلامي باسم (التعليقة). فالمذكرات التي يدونها
الطالب هي عملية التعليق سواء أكتبها من محاضرات المدرس أم من تعليقته،
أم من مؤلفاته المكتملة الإعداد. وتصلح تعليقة الغزالي
للمقارنة مع تقرير نيكولوس فيوريوسوس".
في
تاريخ 12 – 11 – 2003 م قمت بالبحث عن كلمة "تعليقة"
في موقع الوراق فكانت النتيجة أنها تكررت (283) مرة في (283) صفحة في (39) كتاب.
وتكررت 98 مرة في (120) كتاب في موقع المحدث، و(34) مرة في كتاب نشأة الكليات
لجورج مقدسي.
[2] تَعْلِيق وتَعْقِيب في اللغة الإنجليزية: comment, remark, commentary; critique, review وتَعْلِيقُ الحَوَاشِي (فِي هَوَامِشِ كِتَاب): تَحْشِيَة glossing, annotation, commenting
on; commentary, comments تَهْمِيشَة: تَعْلِيقَة، حَاشِيَة marginal annotation,
(marginal) note, (marginal) gloss, commentary, scholium.
