د.
لطيفة الكندري د. بدر ملك
كلية
التربية الأساسية- الكويت
كان
الطلاب في القرون الماضية يُلازمون الشُّيوخ
وفي هذه المُلازمة "الصُحبة" يقوم
الطَّالب بتدوين "تعليق" ما يراه مُهماً
من العلوم والتي يكون قد تعلَّمها من شيخة
وربَّما كانت عنده أكثر من تعليقة إذ يُعلِّق
على كل شيخ يدرس عنده تعليقة مُنفردة. وقد ترد
التَّعليقة بمعنى التَّحضير الفصلي (دفتر
تحضير الدُّروس) إذ يقوم المعلم بتدريس
الطُّلاب من مُحتوى التَّعليقة أو أن تكون
التَّعليقة رسائل يدونها أحدهم فيقول علقت
كذا وكذا. وهكذا فإنَّ التَّعْلِيْقَة تَرِد
بمعنى مُذكِّرة الطَّالب أو دفتر تحضير
المعلم أو ما دوَّنه المؤلف.
في
صدر شبابه كان الغزالي يرحل في طلب العلم
ويدوِّن العلوم دون حِفظ وتسميع وهذا المنهج
يُسمى التَّعْلِيْقَة ثم غَيَّرَ منهجه في
التَّعلم فقام بالتَّركيز علىالحفظ وصار
صدره مستودعاً أميناً للعلوم التي سمعها
ودوَّنها في صحائفه من مشايخه.
قرأ الإمام الغزالي في صباه طرفاً من
الفقه ببلده على أحمد بن محمد الراذكاني، ثم
سافر إِلى جرجان إِلى الإمام أبي نصر
الإسماعيلي، وعلَّق عنه التَّعْلِيْقَة، ثم
رجع إِلى طوس، وهناك كما يقول الغزالي "قطعت
علينا الطريق، وأخذ العيارون جميع ما معي،
ومضوا فتبعتهم، فالتفت إِلى مقدمهم وقال:
ارجع! ويحك! وإلا هلكت. فقلت له: أسألك بالذي
ترجو السَّلامة منه أن تَرد علي تعليقتي فقط،
فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما هي
تعليقتك؟ فقلت: كُتب في تلك المخلاة، هاجرت
لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال:
كيف تدعي أنَّك عرفت علمها وقد أخذناها منك؛
فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بعض
أصحابه فسلَّم إليّ المخلاة. قال الغزالي وهو
يعلِّق على هذه القصَّة العجيبة: هذا مستنطق
أنطقه الله ليرشد به أمري، فلما وافيت طوس
أقبلت علىالاشتغال (أي التَّعلم) ثلاث سنين،
حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قُطع
علي الطَّريق لم أتجرد من علمي" (النَّدوي،
1989 م، ص 145-146 بتصرُّف).
اليوم
وبعد أكثر من تسعمائة سنة يتمتَّع علماء
القانون والفقه وغيرهم بالاطِّلاع على
تعليقة الغزالي "المنخول من تعليقات
الأصول" التي علَّقها عن شيخة إمام
الحرمين الجويني ومما جاء في نهاية الكتاب
والذي من شأنه أن يكشف عن مقصد
التَّعْلِيْقَة ومنهج إعدادها عند
السَّابقين "هذا تمام القول في الكتاب، وهو
تمام المنخول من تعليق الأصول، بعد حذف
الفضول، وتحقيق كل مسألة بماهية العقول، مع
الإقلاع عن التَّطويل، والتزام ما فيه شفاء
الغليل، والاقتصار على ما ذكره إمام الحرمين
رحمه الله في تعاليقه، من غير تبديل وتزييد في
المعنى وتعليل، سوى تكلُّف في تهذيب كل كتاب
بتقسيم فصول، وتبويب أبواب روماً لتسهيل
المطالعة عند مسيس الحاجة إلى المراجعة" (ص،
618). عندما اطَّلع الجويني على تعليقة تلميذه
الغزالي قال "دفنتني وأنا حي، هلا صبرت حتى
أموت". أي أنَّ تعليقة الغزالي كطالب كانت
تُضارع كتاب الجويني في القوة العلمية بل
صارت أشهر.
وقول
بعض المؤرخين فلان علَّق عن شيخه
التَّعْلِيْقَة أي سمع ودوَّن من شيخه دون أن
يحفظ العلم في صدره. ويقولون علَّق الطَّالب
الفلاني عن شيخه تعليقة وقد تكون في جزءٍ صغير
أو في عشرات المجلَّدات (ابن العماد، ج 5، ص 397)
أي أنَّه كتب من علم شيخه بعدما شرح الشَّيخ
في الدَّرس فهي ملاحظات يقتنصها المتعلِّم
ويقيِّدها عنده في دفتره مُلخَّصاً. أبو حامد
الإسفراييني (ت 406 هـ = 1015 م) كانت له تعليقة في
نحو خمسين مجلداً وكان يحضر درسه سبعمائة
فقيه (ابن العماد، ج5، ص 27).
لعبت
التَّعْلِيْقَة دوراً علمياً تربوياً كبيراً
في حياة المسلمين قديماً ومما ورد في أبجد
العلوم للقنوجي أنَّ "محمود بن علي بن
أبي الرَّجاء التَّيمي، الأصبهاني. صاحب
الطَّريقة في الخلاف، برع فيه، وصنَّف
التَّعْلِيْقَة التي شهدت بفضله وتحقيقه
وتبريره على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين
الفِقه والتَّحقيق، وكان عمدة المدرِّسين في
إلقاء الدُّروس عليها، واشتغل عليه خلق كثير،
وانتفعوا به، وصاروا علماء مشاهير، وكان له
في الوعظ اليد الطُُّولى، وكان مُتفنناً في
العلوم، خطيباً بأصبهان مدة طويلة. توفي في
سنة خمس وثمانين وخمسمائة". وكان العلماء
يصفون تعليقاتهم بعدَّة أوصاف منها
التَّعْلِيْقَة الكبرى، الجليلة، العالمية،
المنيفة، النَّافعة.
التَّعْلِيْقَة
تميِّز طرق تدريس العلماء فالمؤرخ يشير في
سيرة العالم إلى أسماء تعاليقه إن وُجدت
فيقولون عنه.. "ذو الرِّحلة الواسعة،
والتَّصانيف والتَّعاليق" (ابن العماد، ج6،
30). أحمد بن على الجَوْبَقيّ (ت 340 هـ = 951 م) كان
أديباً وشاعراً درس الفِقه وعلَّق عن شيخه
المّرْوَزِيّ "شرح مختصر المُزَنِيّ" (السُّبكي
في طبقاته، ج3، 21). ولما دخل ابن عساكر بغداد
سمع الدَّرس في المدرسة النِّظامية مدة مقامه
بها "وعلَّق مسائل الخلاف على الشَّيخ أبي
سعد الكرماني (الحموي، ص 1009). زين الدِّين أبو حسن
الحنبلي الآمدي العابر (ت 712 هـ = 1312م) كانت "له
تعاليق كثيرة في الفقه والخلاف وغير ذلك" (الصَّفدي،
ص 159-160) ومثل هذا الوصف يدل على نشاط الطَّالب
في مرحلة الدِّراسة وكثرة العلوم التي درسها.
قبل
أن تظهر التَّعليقة بشكل واسع في الأوساط
العلمية كانت كلمة مُسند أيضاً مشهورة عند
أهل الحديث النَّبوي ويتم ترتيبه حسب اسم
الصَّحابي لا حسب الموضوعات فالأحاديث التي
رواها الصَّحابي تُمثل فصلاً مُستقلاً وكانت
كلمة مُدَّونة مَشهورة في ساحة العلم عند
فقهاء المالكية خاصة. كانت مُدَوَّنَةَ ابْنِ
الْقَاسِمِ أَصْلُهَا مَسَائِلُ دوَّنها
أَسَد بْنِ الْفُرَاتِ وهي ثمرة دروس ترتكز
على فقه مَالِك بن أنس إِمام المدينة المنورة
في القرن الثَّاني الهجري. المدونة عادة هي
نقلٌ حَرفي لما قاله المعلِّم وهي تُستخدم في
مجالس الحديث النَّبوي في الغالب أمَّا
التَّعليقة فلقد ارتبطت في بداياتها بالفقه
ومسائل الخلاف والرَّد على الخصوم، وتلخيص
المسائل. رواد المذهب المالكي - مثل أسد بن
الفرات - كانوا في دُروسهم يهتمون بجمع وشرح
وتلخيص المُدونات. أشهر مُدونة هي مُدونة ابن
القاسم واسمه عبدالرحمن بن القاسم بن خالد
المصري (ت 192 هـ = 807 م) وهذه المُدونة تعني
مجموعة المسائل العلمية التي جمعها الطُّلاب
من العالم المالكي ابن القاسم الذي كان
مُقيماً في مصر وعليها يعتمد التَّلامذة في
تحصيلهم لفهم مسائل المذهب المالكي. ولأنَّ
المُدونة هي في أصلها مُذكرة التِّلميذ
الخاصة فإنَّها قد تُنسب إلى اسم التِّلميذ
الذي قام بجمعها فيُقال "مُدونة أشهب"، و"مُدونة
ابن سحنون" "والأُسدية" نِسبة لأسد بن
الفرات. ولقد ذكر ابن كثير في ترجمته لسحنون (ت
240 = 854 م) أن المُذكرات (المُدونات) كانت تمر في
مرحلة الإضافة عليها والحذف منها كلَّما
توفرت الأدلة.
مُذكِّرة الطَّالب أيضاً
تُسمى بالأمالي وهذه الكلمة لها صلة
بالتَّعليقة فهما حصيلة مجالس العِلم
يقتنصها التَّلاميذ وهذه المذكرات لها مكانة
غالية في نفس الطَّالب لأنَّه أخذها بعد عناء
وحرص. ذكر حاجي خليفة أنَّ الأمالي "جمع
الإملاء وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته
بالمحابر والقراطيس فيتكلم العالم بما فتح
الله سبحانه وتعالى عليه من
العلم
ويكتبه التَّلامذة فيصير كتاباً ويسمونه
الإملاء والأمالي وكذلك كان السَّلف من
الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها في
علومهم فاندرست لذهاب العلم والعلماء والى
الله المصير وعلماء الشَّافعية يُسمون مثله
التَّعليق". هذه الطَّريق في التَّدريس كما
يؤكد الباحثون كانت مشهورة بين المعلمين
وعندما تطورت حركة التَّعليم في الأقاليم
الإسلامية وزادت مؤسسات التَّعليم أصبح
الإملاء من أعلى مراتب التَّعليم فَيُملي
المُعلم ما يُريد تعليمه، ويكتب الطُُّلاب
خلفه "وبعد الانتهاء، يعرج على الشَّرح
والإيضاح والتَّفسير للفقرات الغامِضة،
ويدوِّن الطُّلاب هذه الشُّروح على هامش
الأوراق التي كُتب عليها الأصول" (القزويني،
1986 م، ص 220).
طريقة الإملاء كطريقة من
طرائق تدريس الميراث النَّبوي من القرن
الهجري الأول لها شواهدها من فعل الصَّحابة
رَضِي اللهُ عَنْهُم ففي دِمشق مثلاً واثلة
بن الأسقع بن كعب (ت 85 هـ = 704 م) كان يُملي على
النَّاس الأحاديث وهم يكتبونها بين يديه وفي
المسجد الجامع بدمشق كان عند كل عمود شيخاً،
وعليه النَّاس يكتبون العلم. الطلاب والعلماء
يسجلون العلم لاستخدامهم الشَّخصي. ولكنَّ
الأيادي سريعاً ما تتناقلها". من اللافت
لنظر الباحثين أنَّ اهتمام العلماء كان
كبيراً بتدريس الفِقه من خلال نظام الأسئلة
والأجوبة إذ يعتمد الطَّلاب على ما يُسجلونه (أبيض،
1980، ص 289، 290، 292، 306).
لقد جرت عادة مجالس العلم
والمدارس بأن تُجهز بالقراطيس والمحابر
والأقلام بالمجان فيحضر أهل العلم لمعاهدهم
وفيها كل مُستلزمات التَّحصيل الدِّراسي
فيكتب الطَّالب ما يسمعه في الدَّرس مع تحديد
اليوم والمكان وكانت مجالسهم مُزدهرة
فالشَّيخ الواحد ربما جاوزت مجالسه المئات
ولقد ورد (رشاد، 1990، ص 33) أنَّ ابن حجر
العسقلاني أملى أكثر من ألف مجلس وكان شيخه
الحافظ العراقي قد قام بإملاء أكثر من
أربعمائة مجلس كلها من حفظه ولقد استفاد منها
ابن حجر استفادة كبيرة لأنها مُتَّقنة في
ترتيبها، مُهذبة في مادتها. هذه العِناية
البالغة بأمر الكتابة ساهمت في عملية رواج
الكتاب في أوساط النَّاس لعدة قرون في
تاريخنا الإسلامي فأصبحت الكُتب والمكتبات
والكتابة من شيم المجتمع المسلم مما جعل
المُؤرخ اليوغسلافي د. إلكسندر ستيبتشفيتش
(1993 م) يَعتبرَ بعض المدن الإسلامية مثل
القاهرة من أكبر مراكز الثَّقافة للعالم في
وقتها (ص 242).
وتتجلى
فائدة الأمالي والتَّعاليق والمُدونات من
النَّاحية التَّربوية في أنَّ الطَّالب يكتب
من مُعلِّمه المعلومات مُباشرة فلا يقع في
أغلاط الوهم والتَّصحيف ويعرف الكلمات مع
طريقة نُطقها بالشَّكل الصَّحيح كما أنَّ
فرصة مناقشة المعلومات مُتاحة. "وفائدة
الأمالي أنَّ الشَّيخ يشحذ ذهنه، ويقوم
بإملاء ما يشعر بنفعه، أو فائدته الجليلة،
أكثر من أي شيء آخر يعلمه، وذلك لعلمه أنَّه
يُدون عليه من قِبل تلاميذه" (السَّيد، 1990م،
ص 5). من المعلوم للمعلمين أنَّ التَّدوين لا
يتم بشكله الصَّحيح إلا عندما يستمع ويُصغي
الطَّالب لِمُعلمه وهو من أهم مُستلزمات
التَّعلم المنهجي الفَعال. إضافة لما سبق
فإنَّ تدوين العلم يحصل به تحصين المُتعلم
والعالم من آفة النِّسيان التي جُبل عليها
الإنسان كما أنَّ الكُراسة تُعين الطَّالب في
عملية المُراجعة والمذاكرة من فترة إلى أخرى.
إنَّ المنهج الذي سار عليه سلفنا وبه أوجدوا
تُراثنا ينبع من فلسفة تؤمن بأنَّ العلم
يُنْسِي بعضه البعض وأنَّ الكتابة قيد للعلم
الذي صَوَّروه بأنه يشبه الصَّيد وعلى طالب
العلم أن يُقيد صيوده بالحبال الواثقة وهي
الكتابة الواعية.
طَريقة
الأحناف في الإملاء والتَّدوين مُختلفة عن
سائر الطُّرق حيث يدونون المسائل بعد
مُناقشتها بصورة جماعية. "كان
أصحاب أبي حنيفة الذين دَوَّنوا الكُتب
أربعين رَجلاً، فكان في العَشرة المتقدِّمين
: أبو يوسف، وزفر بن الهذيل ...كانوا يختلفون
عند أبي حنيفة في جواب المسألة، فيأتي هذا
بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه،
ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب - أي من
قرب - ، وكانوا يُقيمون في المسألة ثلاثة
أيام، ثم يكتبونها في الدِّيوان (انظر مقدمة
كتاب نصب الرَّاية الزَّيلعي).
كان التِّلميذ يحاول أن
يُتقن كتابة ما يسمعه ثمَّ مع مرور الزَّمن قد
تتحول كُراسة الطَّالب إلى أساس يعتمد عليه
اللاحقون في ميادين العلم كما هو حال كُتب
الأمالي والتَّعاليق والمدونات فغدت كُراسات
الطّلاب وملخصات المعلمين مُفخرة أثيرة في
مسيرة حضارتنا وهي من أهم مصادر تراثنا. أسد
بن الفرات الذي رحل رحلة طويلة من المغرب إلى
المشرق "جمع ما أخذه مِن ابن القاسم من
مسائل وأفاض عليها من ذهنه الذي اختمرت فيه
علوم تونس والمدينة والعراق وجعلها في رسالة (مُدونة)
سماها الأُسدية. وأراد الطُّلابُ نسخها فأبى،
وقال عملتها لنفسي، فرفعوا عليه دعوى. دعوى
طريفة جداً حار فيها القاضي ثمَّ حكم بأنَّ
الكتاب يجمع مسائل ابن القاسم وهو حي يستطيع
المدَّعون أن يأخذوا منه مثل ما أخذ أسد وحكم
برد الدَّعوى. رد الدَّعوى كقاضي لأنَّه لم
يجد نصاً مُلزماً ولكنَّه توسط شخصياً
فَرَجَا أَسَداً أن يعطيهم الكتاب ففعل
وتناقلوه عنه (الطَّنطاوي، رجال من التاريخ،
ص 122، بتصرف يسير) وفُرجت الأزمة الثََّقافية
التي تدل على حرص النَّاس على ما يدونه
الطُُّلاب من العلوم وتدل على علو هممهم
وأنَّ طلب العلم كان همهم والشُّغل الشَّاغل
لهم.
من
الواضح جداً أنَّ هذه المُذكرات كانت تعتمد
على جمع المسائل مع براهينها فالعلم لا بد له
من أدلَّه وهو المنهج الذي سار عليه
السَّابقون في تعليقاتهم ومُدوناتهم.
الدَّليل هو الذي يولِّد البصيرة وهو أساس
التَّعلم كي يكون مُفيداً فإِنَّ العلم لا
يَثبُت بمجرد الدَّعاوى والمزاعم. الذي
يُدونه التِّلميذ من أستاذه هو جوهر
التَّعليقة ولا يتمَّ الأمر بدونه فأصبح فن
التَّحصيل الدِّراسي في مجالس ومدارس
المسلمين لا يستقيم أمره إلا بِمُذكِّرة
الطَّالب يُدونها بدقَّة ويقرن فيها المسائل
بالدَّلائل كما أنَّ الطَّالب قد يودع في
مُذكرته خلاصة ما يَطَّلع عليه في التَّصانيف
وأهم ما يسمعه من العلماء وله صلة وثيقة
بالموضوعات التي يدرسها. وهكذا نعلم أنَّ
مُذكرة الطَّالب (مُدونته أو تعليقته) كانت
ذات أهمية كبرى وأَنَّها من أركان العملية
التَّعليمية سابقاً فالعالم والمُتعلم
والكِتاب في مجلس العلم بحاجة إلى جهد
الطَّالب في عمل مُذكرة تقتنص المسائل
العلمية وتُضاعف من فُرص التَّحصيل
الدِّراسي. مهارة التَّعليق من المهارات التي
استفاد منها المتعلمون قديماً ومازلنا ننتفع
بكُتبهم التي كانت مُذكرات دراسية خاصة كما
تَدل الشَّواهد المُستفيضة.
عندما
ندرس التُّراث نُدرك أنَّ الكثير من المدارس
الفقهية مثلاً اندثرت ولا نملك إلا القليل من
تراثها فعلى سبيل المثال اللَّيث بن سعد ( ت 175
هـ = 773 م) كان صاحب علم غزير ولكن ضاع تُراثه
بسبب عدم وجود من يحمل عِلمه ويحافظ عليه من
خلال تدوينه وشرحه فلولا التَّدوين الأمين
والمعلقات لاندثر الكثير مما بين أيدينا. ابن كثير وغيره من المؤرخين يذكرون أنَّ
الليث كان إمام الدِّيار المصرية بلا
مُدافعة، قال الشَّافعي كان اللَّيث أفقه من
مالك إلا أنَّه ضيَّعه أصحابه بمعنى أنَّ
تُراثه اندثر بسبب التَّفريط في تدوين وتعليق
ونشر علمه. كانت الأمالي والتَّعاليق ترصد
عصارة المُحاضرات التي ألقاها العلماء فلها
الفضل في حفظ تراثنا الحضاري.
عالِم
الحديث النَّبوي الشَّريف محمد أَنورشاه
الكَشميري ( ت 1352 هـ = 1933م) من نوابغ القرن
الرَّابع عشر الهجري لم يؤلِّف كتاباً لكن له
أمالٍ عديدة أهمها فيض
الباري على صحيح البخاري. كُتُبه تتفاوت من
حيث المزايا وذلك تبعاً لقدرة الطَّالب
ونبوغه في عرض محاضرات شيخه الكشميري وكل
منهم يَحْتَطِب بِحَبله ويستفيد منه ويُدون
عنه حسب مَقدرته (الغوري، 2000 م، ص 98). كان
طُلابه يأخذون عنه العلم فيكتبون مُحاضراته
ويجمعونها وينظِمونها ويوضحونها حسب استطاعة
كل واحد منهم. أمالي الكشميري نالت قبولاً
عاماً فلقد هيأ الله سبحانه لهذا العالِم
نُخبة من الطُُّلاب يسمعون دُروسه ويُقيدون
بالكتابة علومه فما زالت تعاليق طُلابه
مَرجعاً هاماً تُثري المَكتبة الإسلامية.
يشهد جميع طُلاب الكشميري بعمق علم شيخهم
ويُشيدون بِمحاضراته التي ألقاها وأملاها
بعد طول بحث وفحص وتحقيق للمسائل.
كَتَبَ
جورج مقدسي (Maqdisi,
1981, P. 122)
عن ظهور الكلِّيات في التَّارِيخ الإسلامي
ويرى أنَّ التَّعْلِيْقَة وتُسمى الطَّريقة
هي عِبارة عن عمل يتضمن المسائل الهامة في
موضوع ما ويُعِدّه الطَّالب في المرحلة
النَّهائية من دراسة الفقه وقد يُسمى هذا
العمل تعليقة أو أي اسم آخر وقد يعتمد
الطَّالب أو المُعَلِّم على تعليقة أحد
السَّابقين مما يعنى أنَّ التَّعْلِيْقَة
ظهرت بصور عِدِّة. يبدو أنَّ علماء المَذهب
الشَّافعي في المساجد ثم المدارس هم رواد هذا
المنهج الذي انتشر وتطوَّر مع انتشار المدارس
في العالم الإسلامي ومع استقرار المدارس على
اعتماد المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة.
مقدسي في دراسته التَّارِيخِيَّة يُؤكِّد
على أنَّ الفقهاء من المذهب الشَّافِعِيّ
والحنفي هم أول من طبَّق هذا المنهج في
مدارسهم ثم المذهب
الحنبلي أخذ بتطبيق الفكرة في القرن الخامس
ثم انتشرت هذه الطَّريقة أخيراً في مدارس
المذهب المالكي في القرن السَّادس الهجري.
بسبب
نجاح مَنهج التَّعْلِيْقَة في كلِّيات
الحقوق فإنَّها انتشرت أيضاً في حلقات علم
الكلام، واللُُّغة، والطِّب وقد تكون مادَّة
التَّعليقة أساس امتحان الطَّالب فلذلك قد
يقوم الطُّلاب بحفظ التَّعليقة. يرى مقدسي
أنَّ التَّعليقة التي ظهرت في السَّاحة
التَّعليميَّة في النِّصف الثَّاني من القرن
الثَّالث (التَّاسع ميلادي) قد تحتوي على
أصناف من المعرفة والعلوم وأنَّ نظام
التَّعليم قبل التَّعْلِيْقَة كان يعتمد على
دراسة العلم كما هو وكتابته حرفياً والاعتماد
على أسلوب الحِفظ وهذا هو المنهج الذي تعلَّم
من خلاله العلماء مثل أبي جعفر محمد بن أحمد
التِّرمذي (ت 295 هـ = 908 م) ثمَّ جاء الفقيه ابن
سُريج الشَّافعي فبدأ بتنظيم المسائل وطرحها
بأسلوب التَّعْلِيْقَة وكذا تلميذه ابن أبي
هريرة (ت 345 هـ = 946 م) وبدأت كلمة
التَّعْلِيْقَة تشتهر بين الطُُّلاب وفي
مجالس العلم وكتب القاضي الحنفي أبو جعفر
محمد بن أحمد النَّسفي (ت 414 هـ = 1023 م)
تَعْلِيْقَة معروفة في زمنه. ولقد وجد أبو
يعلى القاضي أنَّ الحنابلة لم يكتبوا شيئاً
في هذا الباب فبدأ بالتَّصنيف وقام أحد طلابه
بكتابة تعليقته المكونة من عِدَّة أجزاء.
كانت التَّعْلِيْقَة أحياناً صغيرة أو
مُتوسطة أو كبيرة وقد تصل إلى أكثر من تسعة
أجزاء وبعضهم كانت تعليقته تحتوي على عشرات
المُجلَّدات تتضمن مُلخصات أو مُختارات من
كلام الأستاذ مع إضافة بعض المسائل
العِلميَّة ذات الصِّلة والطَّالب قد يكتب
أكثر من تعليقة وليس بالضَّرورة أن تُسمى
تَعليقة فقد يضع لها عنواناً يختاره ولكن
العمل في النَّهاية يخدم أهداف
التَّعْلِيْقَة (ص 117-121).
التَّعْلِيْقَة
عند طالب العلم المبتدئ تحتوى على قواعد
عامَّة ثمَّ في المرحلة المتوسطة يبدأ
الطَّالب يتفرَّع لدراسة المسائل
القانونيَّة الخلافيَّة وفي المرحلة الأخيرة
يكون الطَّالب مُقتدراً على أن يَنتقد
ويُحَلِّل المسائل الخلافيَّة في تعليقته.
يرى مقدسي أيضاً أنَّ الفَرْق بين قولهم
عًلَّق وكَتب عن أو على فلان أنَّ علَّق
تُستخدم في دروس الفقه ولا تعني كتابة الكلام
حرفياً بل تكون الكتابة للمعنى العام في حين
أنَّ "كَتب" تُستخدم عادة في دروس الحديث
النَّبوي الشَّريف تعني تقييد ما سمعه
المتعلَّم من مُعلِّمه حَرفياً.
كلمة
تعليقة وردت في مُناسبات مُتعدِّدة والمعاني
تختلف حسب السِّياق. ومن أقدم
الإشارات التُّرَاثية عن التَّعْلِيْقَة
وأثرها في العلوم هي تعليقة أبي الأسود
الدؤلي التي ألقاها إليه علي بن أبي طالب رضي
الله عنه (معجم الأدباء، ياقوت الحموي، ص
50). قال أحد المعلمين لتلميذه "لا تُعلِّق
كثيراً مما تسمع منَّا في مجالس الجدل، فإنَّ
الكلام يجري فيها على ختل الخصم، ومغالطته
ودفعه ومغالبته" (الذَّهبي، ج 17، ص 195). وقيل
عن البخاري أنَّه في اللَّيلة الواحدة قد
يقوم "يستذكر أشياء يُعلِقها في ليلة ثمان
عشرة مرَّة" (الذَّهبي، ج12، ص 404). ولقد
انتقد العلماء التَّعاليق التي تُكتب
بعبارات قلقة ركيكة مع نُكت (أي فوائد) غريبة (ابن
العماد، ج 8، ص 179).
ألمح
ابن الجوزي إلى الدور الحيوي للتَّعْلِيْقَة في نشر
العلم وخدمة الطُّلاب ومُساعدة الأساتذة
فقال في مُقَدِّمة كتابه الباز الأشهب
المنقضّ على مُخالفي المذهب أنَّ المذهب
الحنبلي في زمنه يحتاج إلى التَّعاليق وأنَّه
قام بإعداد بضعة منها وذكر أسماء الكتب التي
دوَّنها كي تكون في مُتناول يد الأساتذة كي
يشرحوا المسائل العلميَّة مع أدلَّتها.
كانت
التَّعليقة في تُراثنا التَّربوي أساس تقييم
المُستوى العلمي لكلٍ من الطَّالب والمعلم
ولقد حرص المؤرخون على تتبع التَّعاليق لبيان
الحقائق فيقولون مثلاً "له تعاليق في الفقه
والنَّحو تدل على حُسن بصيرته بالعلم" (العسقلاني،
رفع الإصر عن قضاة مصر، ص 52). ونجد بعض
العلماء مثل ابن سينا في قانونه يتتبع مصادر
التَّعاليق فيُبين أنَّ العالم الفلاني
استخرج تعاليقه من كتاب كذا. النُّعيمي في
كتابه الدَّارس في تاريخ المدارس تحدَّث
عن أحد المعلمين المشهورين في حقل التَّدريس
فذكر اسم المدارس التي قام بالتَّدريس فيها
وأشار بأنَّ له تعاليق مفيدة (ص 12). ياقوت
الحموي في مُعجم الأدباء ذكر الحسن بن علي
بن أبي مسلم فقال "كان صحب أبا محمد بن
الخشاب النَّحوي وقرأ عليه وبحث معه وعلَّق
عنه تعاليق وَقفتُ على بعضها فوجدتها منبئة
عن يد باسطة في هذا الفن من العلم ورأيت
بخطِّه في حلب تعاليق وكتباً واختيارات
ونظماً ونثراً تدل على قريحة سالمة ونفس
عالمة تُقلِّل النَّظير وتؤذن بالعلم الغزير"
(ص 674). الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني (406 هـ = 1015)
كان
فقيهاً شرح كتاب المزني في تعليقة حافلة
نحواً من خمسين مجلداً وله تعليقة أخرى في
أصول الفِقه والتَّعليقة الكبرى وكان يحضر
تدريسه سبعمائة مُتَفَقِّه (ابن كثير، البداية
والنَّهاية، في أحداث سنة ست وأربعمائة).
في
بداية كتاب الرَّد على المنطقيين نقرأ "وَقَالَ
شَيْخُ الإِسْلامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّةَ
قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنِّي كُنْت دَائِمًا أَعْلَمُ أَنَّ
الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ لا يَحْتَاجُ
إلَيْهِ الذَّكِيُّ وَلا يَنْتَفِعُ بِهِ
الْبَلِيدُ. وَلَكِنْ كُنْت أَحْسَبُ أَنَّ
قَضَايَاهُ صَادِقَةٌ لِمَا رَأَيْنَا مِنْ
صِدْقِ كَثِيرٍ مِنْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لِي
فِيمَا بَعْدُ خَطَأُ طَائِفَةٍ مِنْ
قَضَايَاهُ وَكَتَبْت فِي ذَلِكَ شَيْئًا;
وَلَمَّا كُنْت بالإسكندرية اجْتَمَعَ بِي
مَنْ رَأَيْته يُعَظِّمُ الْمُتَفَلْسِفَةَ
بِالتَّهْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ فَذَكَرْت
لَهُ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ
التَّجْهِيلِ وَالتَّضْلِيلِ. وَاقْتَضَى
ذَلِكَ أَنِّي كَتَبْت فِي قَعْدَةٍ بَيْنَ
الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنْ الْكَلامِ عَلَى
الْمَنْطِقِ مَا عَلَّقْته تِلْكَ
السَّاعَةَ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ
هِمَّتِي لأَنَّ هِمَّتِي كَانَتْ فِيمَا
كَتَبْته عَلَيْهِمْ فِي "الإِلَهِيَّاتِ"
وَتَبَيَّنَ لِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا
ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ هُوَ مِنْ
أَصُوَلِ فَسَادِ قَوْلِهِمْ فِي
الإِلَهِيَّاتِ مِثْلَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ
تَرْكِيبِ الْمَاهِيَّاتِ مِنْ الصِّفَاتِ
الَّتِي سَمَّوْهَا ذَاتِيَّاتٍ. وَمَا
ذَكَرُوهُ مِنْ حَصْرِ طُرُقِ الْعِلْمِ
فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُدُودِ
وَالأَقْيِسَةِ الْبُرْهَانِيَّاتِ بَلْ
مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي
بِهَا تُعْرَفُ التَّصَوُّرَاتُ. بَلْ مَا
ذَكَرُوهُ مِنْ صُوَرِ الْقِيَاسِ
وَمَوَادِّهِ الْيَقِينِيَّاتِ. فَأَرَادَ
بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَكْتُبَ مَا
عَلَّقْته إذْ ذَاكَ مِنْ الْكَلامِ
عَلَيْهِمْ فِي الْمَنْطِقِ فَأَذِنْت فِي
ذَلِكَ; لأَنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ مَعْرِفَةِ
الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مَا فُتِحَ مِنْ بَابِ
الرَّدِّ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أَضْعَافَ
مَا عَلَّقْته" (مجموع الفتاوى، ج 9، ص
82).
ومما
سبق يتبين أنَّ قول السَّابقين علَّق فلان لا
تعني بالضَّرورة في حلقة العلم مباشرة على يد
الطَّالب بل التَّعليقة قد تكون نقداً، أو
شرحاً، أو مناقشة أو ملحوظات مُحددة على كتاب
يستدرك فيه كاتب على كاتبٍ آخر كما حصل لكتاب
من كتب ابن تيمية فقال "ذُكِرَ لِي أَنَّ
بَعْضَ النَّاسِ عَلَّقَ مُؤَاخَذَةً عَلَى
الْفُتْيَا "الحموية" وَأُرْسِلَتْ
إلَيَّ وَقَدْ كَتَبْت فِيمَا بَلَغَ
مُجَلَّدَاتٍ".
كان الرِّزاي، الطَّبيب
المعروف - "يدوِّن ملاحظاته في كراسات
يضعها في حافظات. وكانت كل حافظة من حافظات
الأوراق مخصَّصة لموضوع من الموضوعات
الطَّبِيَّة، وترتيبها جميعاً على نظام خاص،
من القرن (الرَّأس) إلى القَدم (الرِّجل) وكان
الرَّازي يدوِّن كل ما يقرأ- حتى تلك الآراء
التي حَكَمَ ببطلانها. فكان يُسجل هذه مشفوعة
بنقد يكتبه بوضوح تام لا لبس فيه، بعد كلمته
المأثورة: "لي". وكثيرا ما نقَّح
الرَّازي المادة التي نقلها من المراجع،
مُسجِّلا تلك العبارات المنقَّحة عقب قوله
"لي مصلح ". وبذلك فقد ضرب لنا المثل
الأعلى في الأمانة العلمية ذاكراً ماله وما
لغيره من الأطبَّاء والفلاسفة. واستعان
الرَّازي بمذكِّراته الخاصَّة في تأليف
كُتبه الطِّبيَّة التي تمتاز بجمال الأسلوب
وأصالة المادة". كان كتاب الحاوي في
الطِّب للرَّازي مجموعة من المذكرات
الخاصة، جمع فيها ملاحظات إكلينيكية عن أمراض
ووعكات أصابت الرَّازي نفسه كما دوَّن
الرَّازي فيها بيانات مُفصَّلَة عن حالات
مرضاه إضافة إلى مقتطفات من كتب الطِّب التي
قرأها، من مصادر متنوعة منها القديمة
والمعاصرة. وبذلك المنهج في تدوين العلم
حَفِظ لنا الرَّازي من الضَّياع مادَّة بعض
الكتب التي فقدت أصولها اليونانية منذ قرون
عديدة مع تعليقاته النَّافعه وتلخيصاته
القيِّمة (اسكندر، 2001 م). وجاء رشيد الدِّين بن
يعقوب المسبحي (ت 646 هـ = 1248م) فعلَّق على الحاوي
تعاليق. هذه التَّعاليق النَّفيسة انتفعت
منها البشرية لعدَّة قرون وما زال كتاب الحاوي
له أهميته. الطَّبيب اليهودي فرج بن سالم في
القرن السَّابع الهجري ترجم كتاب الحاوي إلى
اللاتينيَّة (الموسوعة العربية العالمية،
2001 م، ج 16، ص 427) ليصبح من الكتب الطِّبيَّة
المعتمدة في نابولي وصقلية ومدن أوربا الكبرى
إبان العصور الوسطى فكانت العلوم الإسلامية
من أهم جسورها نحو الحضارة والحرِّية العلمية.
إذا تتبعنا الكتب التي كانت
تعاليق استفاد منها الطُُّلاب واستند إليها
الأساتذة فنجدها كثيرة جداً أشار الحاجي
خليفة في كشف الظُّنون إلى العشرات منها
وهي تشمل ما أملاه المعلم في مجالسه وما
تمََّّ جمعه من بطون الكتب العربية وغيرها
وربَّما علَّق التِّلميذ على كتابٍ نافع
يختاره فيقولون "علَّق عليه تعليقة"
يوضِّح فيها مقاصد الكتاب ويكشف غوامضه
المغلقة ثمِّ قد يُترجم إلى اللَّغة الفارسية
أو التُّركية وأحياناً من غير تَصرف ولا
تغيير.
وهكذا
وبعد جولة في ثنايا الكُتب التُّراثية نجد
أنَّ التَّعاليق التَّعليميَّة لَعِبت دوراً
عالمياً وعظيماً في خدمة العلوم والمعارف
وساهمت في تحقيق أهداف المجتمع المُسلم
لمدَّة قرون مُتطاولة وبعد أكثر من ألف سنة من
العطاء في حقل التَّعليم توقفت هذه الطَّريقة
فأصبحت غريبة حتى عند المعلمين ولا نكاد نجد
في كتبنا الأكاديميَّة العربية المعاصرة
إشارات عامة مُتفرقة فضلاً عن دراسات تفصيلية
كثيرة تتحدَّث عن التَّعليقة كطريقة تعليمية
تفقَّه بها وتعلم منها أعلام الأمة وعامَّة
الطُّلاب وأثبتت الأيام قوتها وأصالتها فهي
نتاج العبقرية الإسلامية فهل ننجح في إعادة
روح هذه الطَّريقة في واقعنا ومن حولنا
تحديات تحاول أن تقتلع جذور هويتنا باسم
العولمة والعَلمانية والحداثة؟
التَّعليقة
كمشروع نَقترحه بالصُّورة التي ذكرناها قمنا
بتطبيقه في كلية التَّربية الأساسية في دولة
الكويت وعلى ضوء هذا المشروع فإنَّنا نسعى
نحو تأصيله نظرياً كما فعلنا في هذا الكتاب
ونأمل من طُلابنا وطالباتنا أن يقوموا بتحديث
وتطوير أمر التَّعليقة في حياتهم العملية
كمعلمين ومُعلمات بعد أن عَرفوا وجَرَّبوا
التَّعليقة مَعنا لبضعة شهور. وإذا كُنَّا لم
نظفر في دراساتنا بمادة تعليمية كافية كُتبت
بيد نساء مُسلمات في تاريخنا الإسلامي
كَتعاليق فإنَّنا نستبشر خيراً بالجيل
الجديد.
من
شأن هذا المشروع الذي نُنادي به أن يُساهم في
عملية البعث التَّعليمي والبحث العلمي إذا
أَحسنا في عَرضه وأبدعنا في تطويرآلياته
وأدواته في المستويات الأخرى مثل مُحاولة
تَطبيقه في مرحلة الثَّانوية العامَّة وسائر
المراحل. التَّعليقة دعامة تعليمية تربط كل
من المعلم بالمتعلم وذلك بروابط العلم
ومنهجية تعتمد على مهارة الكتابة وفن التدوين
والتَّلخيص والتَّعليق. لقد حرصنا في هذا
الفصل على تقديم "مُقترحات" وأهمها فكرة
التَّعليقة كدعوة مفتوحة للمعلمين
والطُُّلاب والمربين لإحياء وتطوير
التَّعليقة كمشروع فيه الأصالة والمعاصرة في
آنٍ واحدٍ بتوفيق الله سبحانه. وقبل أن نُنهي
دراستنا الإستقصائية عن التَّعليقة
وتطبيقاتها قديماً وحديثاً، لا بُدَّ لنا من
الإشارة السَّريعة إلى أنَّ السَّاحة
الثَّقافية على المستويين العربي والإعلامي
بحاجة إلى تقديم أفكار إبداعية أصيلة تخدم
الواقع التَّربوي وتدفع به نحو الأمام ولا
يكون هذا بمجرد ترجمة الكُتب الغربية ولا
بإحياء تُراث السَّابقين كما هو ولكن الغاية
المطلوبة تتحقق بحركة ثقافية واعية شاملة
تسعى نحو المستقبل وتحمل من الماضي ما ينفع من
معايير ومعارف، ثمَّ تنفتح على الخبرات
الجيدة المُعاصرة وتعمل على نخلها والإضافة
إليها والإبداع فيها حسب احتياجاتنا
وثوابتنا. نأمل أن تكون "تَعليقتنا" خطوة
نافعة نحو حركة شاملة لبعث تربوي حضاري لتعود
للشُّعوب العربية والإسلامية المكانة
المرموقة التي تَستحقها في عالم الثَّقافة
والفكر والفنون وعلى هذه المكانة المرموقة
تَقوم عِزّ الأمم.
