سأل أحدُ الزائغين من غلاة الصوفية الإمام أبي حامد الغزالي يقول إن
المقصود من شعائر الدين كالصلاة والحج هو حصولُ المعرفة، فإن حصلت المعرفة عند
امرئ فلا يحتاج إلى الصلاة والحج لأنه وصل مرتبة عظيمة من الولاية. فكان جواب
الإمام أن المعرفة من الأمور
المقصودة ولكنها ليست كل المقصود من شعائر الدين والعقل قد يصل إلى معرفة بعض
المقصود ولكنه يجهل كل الحِكم التشريعية فيجب التسليم بالأحكام التشريعة وعدم
قياسها عقلياً وعليه لا تسقط أداء الواجبات مثل الصلاة والصيام عن أحد مهما بلغ
علمه لأن العقل يقصر عن إدراك كثر من الأمور.
ومن الأمثلة التي ذكرها لتعزيز رأيه أنه قال عن السائل صاحب الشبهة:
"مَثَلُ هذا الرجل المنخدع بهذا الظن كمثل رجل بنى له أبوه قصراً على رأس جبل، ووضع له فيه
سَدًّا من حشيش طيب الرائحة، وأكّد الوصيّة على ولده مرّة بعد أخرى ألاّ يُخْلى
هذا القصر عن هذا الحشيش طول عمره، وقال له: إيّاك أن تسكن هذا القصر ساعة من ليل
أو نهار إلا وهذا الحشيش فيه.
فلما مات الأب، زرع الولد حول القصر أنواعا من الرَّياحين، وجلب من
البرِّ والبحر أوقاراً [أحمالا]
من العُود والعنبر والمِسْك، وجمع في حديقة قصره جميع ذلك، مع شجرات كثيرة من الرياحين الطيبة الرائحة.
فانغمرت رائحةُ هذه الروائح. فقال الرجل: لا أشك أن والدي ما أوصاني بحفظ هذا
الحشيش إلا لطيب رائحته. والآن قد استغنيتُ بهذه الرياحين عن رائحته، فلا فائدة
فيه الآن. وهو يضيق علي المكان. ثم أمر بالحشيش فرُمِيَ من القصر.
فلما خلا القصر من الحشيش ظهرت من بعض ثُقَبِ القصر حَيَّةٌ هائلة،
وضربته ضربةً أشرف بها على الهلاك، فتنبّه حيث لم ينفعه التنبُّه، وفطن إلى أن
الحشيش كان من خاصيته دَفْعُ هذه الحية المُهْلِكَة. وكان لأبيه في الوصية
بالحشيش غرضان: أحدهما انتفاع الولد برائحته، وذلك قد أدركه الولد بعقله، والثاني أن تَرُّدَّ الرائحةُ الحيات
المهلكة، وذلك مما قَصَّرَتْ عن إدراكه بصيرةُ الولد، فاغترّ الولد بما عنده من
العلم، وظنّ أنه لا سرَّ وراء معلومه ومعقوله "والمغرور من اغتر
بعقله".
من كتاب "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين السبكي (ج6 ص270-271) بتصرف يسير.
