فوبيا صدام

فوبيا صدام

د. بدر ملك

  هذه حكاية رمزية نشرت في جريدة الرأي العام العدد رقم 11217 في يوم الأحد 8 مارس 1998 م. وقام الرسام أحمد البغلي برسم لوحة وضعت مع مقالتي التي كنت أكتبها تحت زاوية حديقة الحكايات. رسم الفنان أحمد البغلي لوحة فيها صدام - رئيس جمهورية الخوف - وهو يدخن سجارة كبيرة ومعه سلاحه ويقول للديك الذي باض ثلاث بيضات: ليش الدجاج يبيض إلا أنت. فأجاب الديك: سيدي إني ديك.

فوبيا صدام

من الحكايات التي تُروى أن الطاعون ذلك المرض المعدي المعروف وقف عند باب مدينة من المدن وقبل أن يدخل فيها خرج إليه بعض من كان في المدينة الكبيرة ليساوموه ويفاوضوه عسى أن يرجع ولا يُلحق الأذى بهم وقالوا له:ماذا تريد من مدينتنا الآمنة المسالمة؟

 قال الطاعون: أنا شر نازل لا محالة بمدينتكم وإذا وقفتم أمامي فستكون الخسائر أعظم فارجعوا إلى  بيوتكم  فإني أتوقع أن عدد الموتى من هذا البلاء سيكون أقل من أربعة آلاف نسمة. قالوا بعد تردد: هذا أخف الضررين فرجعوا إلى البيوت وأوصدوا الأبواب هلعاً من الطاعون

بعد فترة من الزمان وبعد أن خرج وباء الطاعون من المدينة وجدوا أنه قضى على حياة جمهرة من الناس في كل حي من أحياء المدينة وأن أعداد الموتى أكثر بكثير من أربعين ألفا وليس بأقل من أربعة آلاف كما وعدهم الطاعون عندما كان على مشارف المدينة قال الناس لقد كذب الطاعون فيما زعم وتوقع..لأنه وعد فأخلف.

فأجابهم الطاعون: لم أكذب، فالحق والحق أُحدثكم.. إنني لا أعرف الغيب ولكن الحقيقة أن توقعاتي كانت صحيحة تماماً فإن المرض لم يقتل إلا أقل من أربعة آلاف من أبناء مدينتكم أما البقية فالذنب ليس ذنبي لأنهم ماتوا من الخوف والجبن قبل أن أبدأ عملي.

إن الوهم والخوف كالبؤس واليأس صديقان قد لا يفترقان في نفوس البعض وإذا استوطنا قلوب الناس وساحات النفوس.  في الأزمات تكثر الإشاعات فيتحتم على العقلاء أن يقوموا بدورهم المنشود في طمأنة القلوب وتثبيت الحشود لتحقيق الأمن النفسي.صدام الذي غاض خيره وانتشر شره أصبح وحشاً وكابوساً يداهم حتى الأطفال في أحلامهم ومن أسباب ذلك أننا قد نكون -أحياناً ومن غير قصد- بالغنا في تضخيم الأحداث باسم الحيطة والحذر حتى هجم وهم الخوف الغير طبيعي على أفئدة بعض الناس حتى قاموا بتخزين الأطعمة والمعدات بشكل غير معقول. هناك فرق شاسع بين التأهّب والتهيّب.فالأول استعداد إيجابي والثاني خوف سلبي يستولي على أقطار النفس. في كل وقت وخاصة في المحن يكون المطلوب هو رفع الهمم وتعزيز معاني الولاء للبلد ودعم اليقظة الفردية والوحدة الوطنية ثم التوكل الخالص على الله سبحانه. لا شك في أن الإيمان الكامل بالقدر لا يعني عدم أخذ الحيطة والحذر. إن الاعتدال في كل الأمور أمر حميد وكل ما سبق ذكره  من خصال كريمة من تلاحم وثبات تجلت صوره على أرضنا ساعات المحن بشهادة تاريخنا المجيد وعندنا القدرة على ترجمتها من جديد.

 

Hosted by www.Geocities.ws

1