د. بدر ملك
من أدب الحوار الناجح إعطاء كل طرف من المتحاورين فرصة عادلة للتعبير
عن رأيه في ظل الاحترام المتبادل. ومن المواقف الرائعة في السيرة النبوية المطهرة عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة
وكان سيدا حليما قال ذات يوم: وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه
وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه
أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة بن عبد
المطلب ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى،
فقم يا أبا الوليد فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السعة في العشيرة والمكان في النسب،
وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم
ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك
أن تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا
أبا الوليد أسمع، فقال [أبو الوليد]: يا ابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت من
هذا القول مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد شرفا
شرفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان
هذا الذي يأتيك رئي (رئي: يقال للتابع من الجن) تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك
طلبنا لك الطبيب وبذلنا فيه أموالنا حتى يبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل
حتى يداوى منه، أو لعل هذا الذي يأتي به شعر جاش به صدرك، وإنكم لعمري يا بني عبد
المطلب تقدرون منه على ما يقدر عليه أحد! حتى إذا سكت عنه ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يستمع منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟
قال: فاسمع مني، قال: افعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بِسْمِ
اللّه الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ. حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً
وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [سورة فصلت]. فمضى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقرأها عليه.
فلما سمعها عتبة أنصت له وألقى بيده خلف ظهره
معتمدا عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم للسجدة فسجد فيها
ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك! فقام عتبة إلى أصحابه
فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به! فلما
جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما
سمعت بمثله قط! والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة! يا معشر قريش أطيعوني
واجعلوها في، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله
الذي سمعت نبأ! فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه
ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! فقال:
هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.
لم يؤمن عتبة فمات
مشركاً ولكن أسلم ابنه أبوحذيفة ومات شهيداً.
