وسطية الحضارة الإسلامية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وسطية الحضارة الإسلامية

أساسياتها واسهاماتها ومستقبلها

 

 

 

اعداد

ناصر بدر ملك

 

 

1424 هـ - 2003 م

 


 

الفهرس

الفهرس.. 2

آية من كتاب الله. 4

شكر وتقدير 5

ملخص الدراسة 6

المقدمة 7

تعريف مصطلحات البحث.. 9

وسطية 9

الحضارة 10

الإسلام 11

أهمية البحث.. 13

هدف البحث.. 14

أسئلة البحث.. 14

منهج البحث.. 15

الفصل الثاني. 16

خصائص الحضارة الإسلامية 16

أسس وسطية الحضارة الإسلامية 20

الأسس القرآنية للوسطية 20

الأسس النبوية للوسطية 21

الأسس التراثية للوسطية 23

تحليل الأسس القرآنية والنبوية والتراثية 25

أمثلة ونماذج تدل على وسطية الحضارة الإسلامية 28

ميادين الوسطية في الحضارة الإسلامية 34

التوسط في الأخلاق عند ابن قيم الجوزية 38

معوقات الوسطية 41

قانون التفاعل الحضاري. 43

الفصل الثالث.. 48

خاتمة 48

النتائج. 49

التوصيات.. 50

المراجع الأجنبية 58

 


 

آية من كتاب الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ

شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً "

(سورة البقرة: آية 143).

 

 

 

 

 

 

                                    


 

 

 

شكر وتقدير

 

أتوجه بالشكر الجزيل لكل من شجعني على كتابة هذا البحث فوجهني برفق وحكمة نحو المراجع والمصادر المطلوبة فجزاهم الله خيرا على اثراء البحث وارشادي إلى المنهج الموضوعي في الكتابة المنهجية والتي ساهمت في تشجيع الباحثين على الانكباب على المطالعة والتفكير والكتابة والمناقشة وارتياد المكتبات العامة والابحار في مواقع الانترنت والرجوع لأهل العلم وتنمية الثقافة بصورة دائمة.

ورد في الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي الحديث النبوي التالي: من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء[1].




ملخص الدراسة

 

قام الباحث في هذه الدراسة التحليلية الوصفية ببيان أساسيات وإسهامات الحضارة الإسلامية التي تتسم بالوسطية السمحة وتحارب كل أشكال الغلو والتفريط فأكد على وسطية الإسلام في ميادين كثيرة وأهمها: الميدان العقدي، والتشريعي، والتربوي وميدان العبادة. وأكدت الدراسة على أن حضارتنا الإسلامية الوسطية تهتم بالجانب المادي والمعنوي على حد سواء وتحرص الحرص كله على أن تكون الحياة معتدلة، متوازنة ومتناسقة لتحقيق سعادة الفرد ومصالح المجتمع.

ينقسم هذا البحث إلى ثلاثة فصول وهي كالتالي:

يناقش الفصل الأول خطوات البحث الموضوعي الذي اختارها الباحث.

يناقش الفصل الثاني أساسيات وإسهامات ومستقبل الحضارة الإسلامية.

 يناقش الفصل الثالث نتائج وتوصيات هذا البحث.

واستعرض الباحث أهمية قانون التفاعل الحضاري كآلية نابعة من وسطية الإسلام الذي يشجع التواصل الفعال من الآخرين كأفراد وحكومات وثقافات على أساس التفاعل الحضاري المتبادل من جهة، مع الاحتفاظ الكامل بالهوية الذاتية والقسمات المميزة من جهة أخرى. وأوصت الدراسة بضرورة تنسيق الجهود بين المؤسسات الدينية وسائر المؤسسات المدنية لتوحيد لغة الخطاب، وتعزيز الفكر النافع لاظهار جمال وتميز الفكر الإسلامي الحضاري ودفع شبهات الناقمين بحكمة وصبر وإيمان مع تشجيع مفاهيم التعارف ونشر المعرفة الصحيحة والتعاون في المعروف بين جميع الملل والنحل والدول.

 

 

 


المقدمة

 

إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (سورة آل عمران: 102)، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا" (سورة  النساء: 1). "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" (سورة الأحزاب: 70-71). أَمَّا بعد، فإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ e وَشَرُّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.

فهذه رسالة موجزة تُجلّي لنا جانبًا مهمًّا من جوانب حضارتنا الإسلامية المشرقة.  لقد سلكت الحضارة الإسلامية في جميع مجالاتها النهج الوسطي القائم على الاعتدال، والاعتدال هو القسط الذي هو ثمرة لتعاليم الإسلام الذي يحض على الإيمان، ويحث على العلم والعمل فهما شريكان لا غنى لأحدهما عن الآخر.

قال تعالى "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ {25}" (سورة الحديد). فالدين في ظاهره وباطنه، ومن أدناه إلى أقصاه يدعو الناس كافة لممارسة العدالة في جميع أنماط وجوانب الحياة. هذا العدل هو القسط الذي بشر به الإسلام ليتمم مسيرة الرسالات السماوية.

يهدف هذا البحث إلى بيان أساسيات وإسهامات الحضارة الإسلامية التي تتسم بالوسطية السمحة وتحارب كل أشكال الغلو والتفريط. تظهر وسطية الإسلام في ميادين كثيرة نوجزها في أربعة ميادين وهي الميدان العقدي، والتشريعي، والتربوي وميدان العبادة. تلك الميادين الرئيسة شكلت الحضارة الإسلامية عبر القرون وباختلاف الأقاليم الجغرافية.

قال مفتي مصر د. أحمد الطيب (2003 م): " والقرآن الكريم صريح فى أن الوسطية ثابتة لهذه الأمة ثبوت الوصف اللازم لموصوفه، وهو وصف ثابت غير عارض ولا طارئ على حضارة هذه الأمة بحيث يثبت لها مرة وينحسر عنها مرة أخرى حسب تبدل الظروف والأحوال .. والثابت من استقراء التاريخ أن الوسطية كانت دائما أول ملمح يلمحه الآخر من مظاهر هذه الحضارة وتجلياتها، وأول ما يشجعه على تقبل ما تحمله إليه من قيم وتشريعات وأنماط ثقافية وسلوكية ، وأنه كثيرا ما رأى فيها طوق نجاة ومنقذا يخلصه من دمار حضارى محقق".

يدعو الإسلام بكل تشريعاته وكافة معتقداته إلى تعمير الحياة والسير في مناكب الأرض، والتأمل في مخلوقات الله عز وجل، والانكباب على التفكر والتدبر في هذه الحياة دون نسيان نصيب الآخرة. "فلا حرج على المسلم أن يستمتع ـ وهو في قمة ارتقائه الروحي ـ بطيبات المأكل والمشرب، وطيبات الملبس والزينة، وطيبات المسكن والمأوى، وطيبات الحياة الزوجية، وطيبات اللهو والترويح" (القرضاوي، 2003 م، الحياة الربانية). هذه الوسطية هي ميزة ظاهرة للحضارة الإسلامية لا ينكرها إلا متكبر.

ينقسم هذا البحث إلى ثلاثة فصول وهي كالتالي:

يناقش الفصل الأول خطوات البحث الموضوعي الذي اختارها الباحث.

يناقش الفصل الثاني أساسيات وإسهامات ومستقبل الحضارة الإسلامية.

 يناقش الفصل الثالث نتائج وتوصيات هذا البحث وهذه النتائج والتوصيات انبثقت من معطيات هذا البحث.

آمل أن يحوز هذا البحث المتواضع على اعجاب القراء مع يقيني التام بأن الموضوع يستحق أن نفرد له دراسات أكثر عمقاً وأوسع مساحة كي يسير الأحفاد على خطى الأجداد في وسطية لا تعرف الغلو والتطرف ولا تؤمن بالافراط والتساهل.


الفصل الأول

تعريف مصطلحات البحث

يركز هذا البحث على ثلاثة مصطلحات وهي: وسطية وإسلام وحضارة. فيما يلي تعريفات عامة لها من دون الخوض في التفصيلات والتعليقات لانتفاء الحاجة لها في هذا المقام.

وسطية

ورد في القاموس المحيط، للإمام الفيروزآبادي أن الوَسَط، من كلِّ شيء: "أعْدَلُهُ. {وكذلك جَعَلْناكم أمةً وسَطَاً}، أي: عَدْلاً خِياراً " . وورد في مختار الصحاح لأبي بكر الرازي "[وسط] و س ط: وَسَطَ القوم من باب وعد و سِطَةً أيضا بالكسر أي تَوَسَّطَهُم والإصبع الوُسْطى معروفة و التَّوْسِيطُ أن يجعل الشيء في الوسط وقرأ بعضهم {فَوَسَّطْنَ به جمعا} بالتشديد و التَّوْسِيط أيضا قطع الشيء نصفين والتَّوَسُّط بين الناس من الوَسَاطة و الوَسَط من كل شيء أعدله ومنه قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي عدلا وشيء وَسَطٌ أيضا بين الجيد والردئ و وَاسَطةُ القلادة الجوهر الذي في وسطها وهو أجودها قلت قال الأزهري هي الجوهرة الفاخرة التي تجعل وسطها".

 من هذا الاستعراض السريع في بعض كتب اللغة نجد أن كلمة وسط تعني الخير والعدل. ويراد بوسطية الأمة أن الله جعل "هذه الأمة, وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء, بين من غلا فيهم, كالنصارى, وبين من جفاهم, كاليهود, بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة, لا تشديدات اليهود وآصارهم, ولا تهاون النصارى" (السعدي، 2003 م).

التطرف ضد كلمة الوسط "التطرف في اللسان العربي مشتق من "الطـَّرَف" أي "الناحية"، أو "منتهى كل شيء". وتطرّف "أتى الطرف"، و"جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط". وكلمة "التطرف" تستدعي للخاطر كلمة "الغلوّ" التي تعني تجاوز الحد. وهو من "غلا" "زاد وارتفع وجاوز الحد". ويقال الغلو في الأمر والدين: "لا تغلوا في دينكم" (النساء: 171، المائدة: 77) "و"التطرف" مصطلحًا يضاد مصطلح "الوسطية" الذي هو من الوسط "الواقع بين طرفين"، كما يقول الأصبهاني في مفردات غريب القرآن. وهو يحمل في طياته معنى "العدل" (الدجاني، 2004 م).

المراد بوسطية الحضارة الإسلامية في هذا البحث أن حضارتنا تحرص الحرص كله على أن تكون الحياة "معتدلة، متوازنة ومتناسقة مع جوانب الحياة المادية الأخرى، فلا يقبل فيها التنطع، ولا الغلو، الذي يجوز به المسلم على نفسه، وعلى حقوق الآخرين. وهذا العنصر مكمل لعنصر اليسر والسهولة ... لم يطلب الإسلام من المسلم أن يعتزل الناس والحياة، ليتعبد الله في صومعة أو يترهب في دير، بل أنكر على الذين ابتدعوا الرهبانية من عند أنفسهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها" (القرضاوي، 2003 م، الحياة الربانية، باختصار).

يعرف عبدالصبور مرزوق (2003 م) وسطية الحضارة الإسلامية فقال "الوسطية: ويعبر عنها أيضا بالتوازن ويعنى بها التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين بحيث لا ينفرد أحدهما بالثأثير ويطرد الطرف المقابل ، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثرمن حقه ، ويطغى على مقابله ويحيف عليه. ومن الآيات الدالة على هذه الخصيصة قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}البقرة:143."

 

الحضارة

الحضارة لغة كما في المعجم الوجيز تعني "الإقامة في الحضر وهي ضد البداوة. و-: مظاهر الرقي العلمي والفني والاجتماعي في الحضر" (ص 164). قال ابن منظور في لسان العرب والحِضارَةُ: الإِقامة في الحَضَرِ؛ عن أَبي زيد.  وكان الأَصمعي يقول: الحَضارَةُ، بالفتح؛ قال القطامي:

فَمَنْ تَكُنِ الحَضَارَةُ أَعْجَبَتْه * فأَيَّ رجالِ بادِيَةٍ تَرانَا

والبداوة: الإقامة في البادية، تفتح وتكسر، وهي خلاف الحِضارة.

قال ابن خلدون في مقدمته الخالدة وهو يعرف الحضارة "والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها بعضاً وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف وما تتلون به من العوائد‏‏ فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة لضرورة تبعية الرِّفه للملك‏.‏ وأهل الدول أبداً يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم‏.‏ فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب يأخذون ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة‏" (ص 334).‏

والواقع أن تخصيص مصطلح الحضارة للدلالة المكانية واقتصارعلى أهل المدن والحواضر فيه افتئات كبير على أهل البادية، فالحضارة صفة فطرية لا صلة لها بالمدينة أو البادية (محمود، العبدالغني، سهيل، 1997 م، ص 9- 10).

عرف ول ديورانت الحضارة بأنها " نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية والنظم السياسية والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وإزهارها" (ص 1).

يفرق بعض الباحثين (مؤنس, 1998 م, ص390)  بين الثقافة وبين الحضارة  "فالثقافة، تختص بالتعبير عن الدراسات الأدبية والنظرية والعقلية والفلسفية وما يتعلق بالأمور المعنوية والدينية والروحية.

وأما الحضارة: فتختص بالتعبير عن الوسائل والمخترعات والابتكارات الصناعية والمادية والتجارب الكونية" (محمد وآخرون، 1998 م، ص 10).

 

الإسلام

ذكرت الموسوعة الفقهية الصادرة من وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت أن " من معاني الإسلام في اللّغة : الإذعان والانقياد ، والدّخول في السّلم ، أو في دين الإسلام . والإسلام يكون أيضاً بمعنى : الإسلاف ، أي عقد السّلم ، يقال : أسلمت إلى فلانٍ في عشرين صاعاً مثلاً ، أي اشتريتها منه مؤجّلةً بثمنٍ حالٍّ .

أمّا في الشّرع فيختلف معناه تبعاً لوروده منفرداً ، أو مقترناً بالإيمان .

فمعناه منفرداً : الدّخول في دين الإسلام ، أو دين الإسلام نفسه . والدّخول في الدّين هو استسلام العبد للّه عزّ وجلّ باتّباع ما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم من الشّهادة باللّسان، والتّصديق بالقلب ، والعمل بالجوارح .

ومعناه إذا ورد مقترناً بالإيمان هو : أعمال الجوارح الظّاهرة ، من القول والعمل كالشّهادتين والصّلاة وسائر أركان الإسلام . وإذا انفرد الإيمان يكون حينئذٍ بمعنى : الاعتقاد بالقلب والتّصديق باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه مع الانقياد" (ج4).

يقول عبدالصبور مرزوق "مفهوم كلمة الإسلام بمعناه الشامل يعنى:الاستسلام والانقياد للخالق جل وعلا، فهو بهذا اسم للدين الذى جاء به جميع الأنبياء والمرسلين. فنوح عليه السلام قال لقومه:{وأمرت أن أكون من المسلمين} يونس:72. ويعقوب يوصى أولاده {يابنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون}البقرة:132،133. وموسى يقول لقومه {ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} يونس:84.

أما المعنى الخاص لكلمة الإسلام فهو يعنى: تلك الشريعة التى جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العالمين ، والتى لا تقتصر على جنس أو قوم ولكن إلى الناس كافة، وهى بهذا شريعة عالمية كاملة. ويدل على هذا: أن النبى قبله صلى الله عليه وسلم كان يرسل إلى قومه خاصة كما حكت آيات القرآن فى قوله {والى عاد أخاهم هودا} (الأعراف:65. (والى ثمود أخاهم صالحا}(الأعراف:73) .{والى مدين أخاهم شعيبا}(الأعراف:85) ، أما رسول الإسلام فقد أرسل للناس كافة وخاطبه القرآن بقوله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء:107 ) ،{وما أرسلناك إلا كافة للناس} (سبا: 28(.
وعلى هذا المعنى الخاص جاءت نصوص القرآن والسنة النبوية الشريفة، فمن القرآن الكريم قوله تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة:3 (. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم (بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة،وإيتاء الزكاة،وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا) متفق عليه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لجبريل حين جاء سائلا عن الإسلام (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا).رواه مسلم  ومن هذين الحديثين تظهر أركان الإسلام الخمسة التى يدل عليها هذا الإطلاق الخاص للإسلام (باختصار).

وقال بعض العلماء بأن الإسلام هو " الإستسلام لله بالتوحيد والإنقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله". (فالح, 2000م, ص42).

 

أهمية البحث

يمر العالم كله والعالم الإسلامي على وجه الخصوص بسلسلة من التحديات الصعبة التي تستدعي المزيد من الوعي لفقه المقاصد العامة لهذا الدين العظيم. يمقت الإسلام الإسراف والإفراط كما يمقت التفريط والتقصير ولا بد من احياء معاني الوسطية في الإسلام لهداية البشر في ظل التسامح والرفق.  

يستمد هذا البحث أهميته من عدة أمور أهمها

1.      "البحث العلمي يعد من الموضوعات الأكثر أهمية وخطورة في حضارة اليوم التي يمكن أن نطلق على أحد سماتها: "حضارة البحوث"؛ إذ إن كثيرا من ناتج البحث العلمي ذو صلة وثيقة بالتربية والاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والفنون" (الفارس، 2002 م، ص 305).

2.      البحث العلمي في دول مجلس التعاون، ولا سيما في الآونة الأخيرة لم ينل من العناية ما يتناسب مع حيوية الدور المتوقع منه القيام تجاه الدراسات الإسلامية لوجود عوائق كثيرة (الشايجي وآخرون، 2002 م، ص 299).

3.      قامت مجاميع من المتهورين بأعمال ارهابية استغلها أعداء الإسلام اعلاميا في تشويه صورة الدين عالميا وترويج فكرة التشدد والغلو والتطرف رغم براءة الإسلام السمح من تلك المفاهيم الشاذة والمضادة له.

4.      يرحب الإسلام السمح بالحوار والتفاهم والتعايش مع الحضارات (Islamic Horizons, 2001, p. 6 & Siddiqi, 2001, p. 30) دون التنازل عن الحقوق والثوابت ولا بد من نشر هذا الفقه الحضاري كي نتعارف ونتعاون مع الشعوب لقوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {13}" (سورة الحجرات).

5.      لا بد  للمسلم من أن يتزود بالثقافة الإسلامية ومنها معرفة الجوانب التاريخية "وهي شرط أساسي لاستقامة وضعه في هذه الحياة، ولامكانية توازنه مع نفسه ومع مجتمعه... ويجب الإلمام بأساسيات الحضارة الإسلامية لأن ذلك جزء لا يتجزأ من كياننا ومقومات حياتنا" (الفقي، 1990 م، ص 11، بتصرف). وكما قال جان جاك روسو – الفيلسوف الفرنسي – "ثقافة المرء هي التي تحدد سلوكه" (عبود، 2001 م، ص 316).

6.      "أنظارنا إلى جيل الشباب، ونحن نستحضر خصائصه، ونسبة الشباب في البلاد العربية مرتفعة تقارب نصف السكان. ومن بين خصائص جيل الشباب التي أشار إليها فخر الدين الرازي صاحب كتاب الفراسة "استبداد الغضب فيهم، ومتى كان الأمر كذلك فإنه يقل الخوف فيهم؛ لأن الخوف والغضب لا يجتمعان. وقد يتجه بهم هذا إلى ارتكاب الظلم الجهار وإن عاد عليهم بالخزي والعار. وقد يتجه بهم إلى الرحمة إذا عرفوا من الإنسان كونه مظلوماً. وبالجملة فتوقع الرحمة منهم أشد من توقعها من الشيوخ". وهذه الخاصية تقترن بخاصية "إفراط حسن الظن بالنفس إلى درجة الاعتقاد بكمالها" وبخاصية "حب السرور والصداقة والصفاء، وقد يتجه بهم هذا الحب إلى تحصيل اللذة وللميل إلى الهزل والعبث، كما قد يتجه لتحصيل المنافع العقلية".

ولما كانت الأمة العربية على "الصعيد العمري" أمة شابة، حيث نصف أبنائها على الأقل هم دون الخامسة والعشرين، فإن من المتوقع أن يوجد فيها نزوع إلى التطرف بين شبابها يخرج من مكمنه بفعل مؤثر" (الدجاني، 2004 م).

7.      يتفق أغلب المفكرين على أن التعصب بأشكاله المختلفة يشكل أخطر الأمراض الاجتماعية والثقافية والأمنية التي يعانيها المجتمع العربي المعاصر، فداء التعصب والتطرف والتمحور حول الذات يهدد الوجود الحضاري والإنساني لمجتمعنا العربي (وطفة، 2002 م، ص 7). يطالب المصلحون بدراسة أسباب فشل النهضة المعاصرة في تحقيق قيم الإسلام لحماية حقوق الفرد ومصالح الجماعة في اطار الوسطية الإسلامية (المرزوقي، 2003 م، ص 99)، ذلك كله يستدعي من الباحثين والمفكرين والتربويين العمل على دراسة مكامن داء التطرف وتقليصه وزيادة مساحة الفكر الوسطي فالتطرف يتنافى كليا مع أولويات وأبجديات الإنتماء لهذا الدين العظيم.

 

هدف البحث

يهدف هذا البحث إلى تحديد موقف الإسلام إزاء مفهوم الوسطية كمنهج حضاري لحياة الأفراد والأمم. إضافة إلى ذلك فإن البحث يحاول ابراز محاسن الوسطية الحضارية من خلال الأمثلة التطبيقية. وباختصار شديد فإن هذه الدراسة تضع في عين الإعتبار وسطية الحضارة الإسلامية من حيث أسسها، واسهاماتها، ومستقبلها من خلال التفاعل الحضاري المتزن.

أسئلة البحث

يحاول البحث أن يجيب على الأسئلة التالية:

ما المراد بالوسطية في الإسلام؟

ما محاسن الوسطية في الحضارة الإسلامية؟

كيف نستفيد من منهج الوسطية في بناء الحضارة في هذا العصر؟

منهج البحث

يستخدم الباحث المنهج الإستقرائي الوصفي التحليلي؛ لأنه الأنسب في تفهم القيم الكامنة في نشأة الوسطية الحضارية الإسلامية كمفهوم أساسي مع فهم أعمق للاسهامات المرتبطة بذلك. ولتحقيق أركان المنهجية العلمية قام الباحث "بالإطلاع على كتب التفسير والحديث والسير والتراجم والتربية والمعاجم اللغوية والفقهية" كما هو معروف في الدراسات الاكاديمية (الماجد, 2003 م ص 20).

 


الفصل الثاني

خصائص الحضارة الإسلامية

        يدرك المسلمون في المشارق والمغارب أن الإسلام أساس الحضارة الخالدة (Islam as the basis of a lasting civilization) وهذا المفهوم الأصيل منطلق للدراسات الموسعة والموضوعية عند المسلمين (ِAli, 1990, p. 7). وتتفرّدُ الحضارة الإسلامية بخمس خصائص متميزة كما ذكر الباحثون (التويجري، 2002 م) وفيما يلي الخصائص الخمس بصورة موجزة:

1.                   حضارة إيمانية.

2.                   حضارة إنسانية المنزع عالميةٌ في آفاقها وامتداداتها.

3.      حضارة معطاء؛ أخذت واقتبست من الحضارات والثقافات الإنسانية التي عرفتها شعوب العالم القديم.

4.                   حضارة متوازنة؛ وَازَنَت بين الجانب الروحي وبين الجانب المادي.

5.      بقاء الحياة على وجه الأرض، تستمد بقاءها من الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، وقد تكفل الله تعالى بحفظ الدين الحنيف.

وفي كتابات سيد قطب خصائص قريبة المعني للخصائص السابقة حيث أكد في كتابه التصوير الفني في القرآن على خصائص التصور الإسلامي فذكر العديد من النقاط التي يمكن أن نوجزها فما يلي:  

ü       الربانيــة: فهو تصور اعتقادي موحى به من الله – سبحانه - ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره ‏.‏‏.‏ وذلك تمييزاً من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية.

ü      الثّبات: هناك ‏"‏ثبات‏"‏ في ‏"‏مقومات‏"‏ هذا التصور الأساسية، و ‏"‏قيمه‏"‏ الذاتية‏.‏ فهي لا تتغير ولا تتطور، حينما تتغير ‏"‏ظواهر‏"‏ الحياة الواقعية، و‏"‏أشكال‏"‏ الأوضاع العملية ‏.‏‏.‏ فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع، يظل محكوماً بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور‏.‏‏.‏ ولا يقتضي هذا ‏"‏تجميد‏"‏ حركة الفكر والحياة‏.‏ ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة –بل دفعها إلى الحركة- ولكن داخل هذا الإطار الثابت، وحول هذا المحور الثابت‏.‏‏.‏

ü        الشُّمُول: إن هذا التصور يقوم ابتداء على تعريف الناس ببداياتهم وبخلق الكون وبربهم تعريفاً دقيقاً كاملاً شاملاً يعرّفهم بذاته سبحانه، ويعرفهم بصفاته، ويعرفهم بخصائص الألوهية المتفردة، التي تَفْرِقها تماماً من خصائص العبودية‏.‏ كما يعرفهم بأثر هذه الألوهية في الكون، وفي الناس، وفي جميع العوالم والأمم الحية‏.‏

ü      التوازن: يتم التوازن في الاعتقاد والشعور، كما يتم التوازن في النشاط والحركة‏.‏ فيثير التصور الإسلامي في الضمير الرغبة في الخير والاستقامة، وفي الحركة والفاعلية‏.‏ مع الاستعانة بالله الذي بيده كل شيء‏.‏ والتوازن في علاقة العبد بربه، بين موحيات الخوف والرهبة والاستهوال، وموحيات الأمن والطمأنينة والأنس‏.‏‏.‏ فصفات الله الفاعلة في الكون، وفي حياة الناس والأحياء، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك‏.‏ في توازن تام‏.‏

ü        الإيجابيـــة: الإيجابية الفاعلة في علاقة الله –سبحانه- بالكون والحياة والإنسان‏.‏ والإيجابية الفاعلة كذلك من ناحية الإنسان ذاته‏.‏ في حدود المجال الإنساني.

ü       الواقعيــــة: فهو تصور يتعامل مع الحقائق الموضوعية، ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي‏.‏ لا مع تصورات عقلية مجردة، ولا مع ‏"‏مثاليات‏"‏ لا مقابل لها في عالم الواقع، أو لا وجود لها في عالم الواقع‏.‏

ü       التوحيـــد: الدين هو إسلام الوجه لله وحده، واتباع منهج الله -وحده- في كل شؤون الحياة، والتلقي من الله – وحده - في هذا الشؤون كلها، والعبودية لله وحده بطاعة منهجه وشريعته ونظامه، والعبادة لله وحده سواء في الشعائر التعبدية أو في نظام الحياة الواقعية.

لا بد من الإشارة إلى أن هذه الخصائص المباركة متداخلة تقود بعضها إلى البعض الآخر وهي متصلة دائما وغير منفصلة أبدا كما أن هذه الخصائص تصبغ الفكر الإسلامي في جميع الميادين وفي كافة العلوم والفنون والآداب.

لقد اعتنت الحضارة الإسلامية باللغة العربية التي لاقت اهتماما كبيرا في جميع القرون لأنها لغة القرآن الكريم وسياج تميز الحضارة المسلمة. بذل المسلمون العرب وغيرهم جهودا عملاقة لصيانة اللغة العربية من رياح التغيير والعبث في الأصول. لقد وسعت اللغة العربية جميع ابداعات المسلمين وتقبل في بوتقتها الكلمات الجديدة المفيدة فتتطور دون أن تتغير أصولها وهكذا فإنها لغة وسطية بين اللغات فهي مرنة وقادرة على استيعاب التطورات ونجحت لمدة قرون طويلة في تلبية احتياجات كل الشعوب التي تشرفت بالإسلام.

يقدر أنه يوجد قرابة ربع مليون من المخطوطات محفوظة في مكتبات العالم كتبت باللغة العربية لهذا فإن المعجزة الحقيقية في الحضارة الإسلامية كما يقول المسلمون وغيرهم" هي أن اللغة العربية أصبحت لغة الشعوب التي عاشت ما بين بغداد وقرطبة" (الحسن وهيل, 2001 م, ص 33)

يقول الشيخ عطية صقر (2003 م)" وإلى جانب فضل اللغة العربية فى فهم القراَن والسنة وإتقان العبادة ، لها فضل كبير فى توحيد الأمة الإسلامية ، التى دخل فيها الفارسى والحبشى والرومى ، ونسوا لغتهم الأصلية ، وروى الحافظ ابن عساكر أن رجلا عاب على غير العرب مناصرة محمد العربى ، يريد أن يصرفهم عنه لاختلاف أجناسهم ولغاتهم ، فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وخطب فى المسجد "يا أيها الناس إن الرب واحد ، والأب واحد ، وإن الدين واحد وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هى اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربى ... إن اللغة العربية بمقوماتها وبقبولها للتطعيم بألفاظ من اللغات الأخرى يمكن أن تساير كل عصر وتتمشى مع كل حضارة ، فهى البحر الذى يكمن فى أحشائه الدر كما يقول شاعر النيل " (بتصرف).

فيما يلي جدول إحصائي يبين محتويات بعض عدد محتويات موسوعات اللغة العربية

 

المعجـم

متوسط عدد المواد للـحرف:

عـدد المـواد بالمـعـجم:

عـدد المشتـقات بالمعـجم:

عـدد الكلمـات بـالمـعجم:

المحيط

1.429

40.000

40.000

810.000

محيط المحيط

400

11.200

84.965

1.300.000

الوسيط

250

7000

30.000

450.000

الغني

1.071

30.000

195.000

2.000.000

القاموس المحيط

390

11.000

70.000

733.000

لسان العرب

335

9.393

158.149

4.493.934

نجعة الرائد

---

142

5.629

119.176

http://lexicons.ajeeb.com/intro/stat.asp

 

قام جون إسبوزيتو بدراسات موسعة عن الفكر الإسلامي وتتبع الأفكار المعتدلة (Moderate) في الفكر المعاصر (Esposito & Voll, 2001, p. 183). ولقد تحدث جون إسبوزيتو عن الحضارة الإسلامية فقال " وكانت الحياة السياسية والثقافية للمسلمين وغير المسلمين في الدول الإسلامية, على الرغم من الإختلافات القبلية والدينية, تدور داخل إطار الدين الإسلامي والغة العربية. وتم تعريب أفكار وممارسات جديدة وصبغها بالصبغة الإسلامية نتاجا لعملية تغيير نشطة ودينامية جعلت المسلمين يستعيرون من الثقافات الأخرى بحرية. ولقد أبدوا إحساسا بالإنفتاح والثقة بالنفس نابعا من كونهم السادة للخدم, والحاكمين وليس المحكومين. وعلى النقيض من حالهم في القرن العشرين, كان المسلمون آنذاك يتمتعون بإحساس السيطرة والأمن. وكانوا يشعرون أنهم أحرار في أن يستعيروا من الغرب طالما أن هويتهم واستغلالهم لم يكونا مهددين بشبح الهيمنة السياسية والثقافية. وبينما كانوا يستعيرون, كانو ايضا يقدمون تراثا إالى الغرب. وكان نموذج الحركة الثقافية الباكر قد انعكس حين ولت أوربا- النهضة من غياهب العصور الوسطى- وجهها شطر المراكز الإسلامية التعليمية لكي تستعيد الكثير من تراثها الضائع ولكي تتعمل من تقدم المسلمين في الرياضيات والطب والعلوم" (إسبوزيتو, 2002م, ص 56).

 

أسس وسطية الحضارة الإسلامية

تتجلى وسطية الإسلام في توجيهاته القرآنية وتطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للفرد والمجتمع والأمة. فيما يلي طائفة عطرة من الشواهد القرآنية والنبوية والتراثية التي شكلت نهر الحضارة الإسلامية الخالدة.

 

الأسس القرآنية للوسطية

ينادي القرآن بضرورة الجمع بين الدنيا والدين في حس المسلمين  وتصورهم ودعائهم وتحركاتهم لقوله سبحانه"رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {201} أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {202}" (سورة البقرة).

 وقال تعالى واصفا منهجه العادل لعباده " يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {31} قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {32} قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {33}" (سورة الأعراف).

"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {77}" (سورة القصص).

"وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً {29}" (سورة الإسراء).

"وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً {67}" (سورة الفرقان).[2]

وقال تعالى "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {48}" (سورة الأنعام).

وقال تعالى "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{8}" (سورة الممتحنة).

 

الأسس النبوية للوسطية

تتضح وسطية الحضارة الإسلامية بالتفاؤل والحث على العمل الإيجابي مهما كانت الظروف المحيطة بالفرد. قال الرسول صلى الله عليه وسلم " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"[3].  ولايمكن فهم الأحاديث النبوية إلا بنظرة تفاؤلية فعن عَنْ علي بن أبي طالب. قَالَ: إذا حَدّثَتكم عَنْ رَسُول صلى اللّه عليه وسلم حديثا فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه"

عن أنس "أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أنام على فراش وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكن أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" (رواه أحمد في مسنده).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا (رواه مسلم).

قال النووي في رياض الصالحين المتنطعون " المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد" (ص 54).

" وعن أبي جحيفة وهب بن عبد اللَّه رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ قال: آخى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال له: كل فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل . فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم.  فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم. فلما كان من  آخر الليل قال سلمان : قم الآن. فصليا جميعا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكر ذلك له، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: صدق سلمان" رَوَاهُ الْبُخَارِيّ (انظر النووي: رياض الصالحين، ص 55).

وفي سنن ابن ماجه " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ:  قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ. وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ (اُلْقُطْ لِي حَصَى) فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعض حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ. فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ (أَمْثَالَ هؤُلاَءِ فَارْمُوا) ثُمَّ قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوَّ فِي الدِّينِ).

وفي صحيح البخاري " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  قَالَ: " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ."

وورد في سنن ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَالاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قَالَ "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ"

قال النووي في شرح صحيح مسلم " قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ يُحْرَمِ الرُّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ". وفي رواية: "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَىَ الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَىَ الْعُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَىَ مَا سِوَاهُ". وفي رواية: "لاَ يَكُونُ الرِّفْقَ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ".

وفي رواية: (عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ).

أما (الْعُنْفِ) فبضم العين وفتحها وكسرها حكاهن القاضي وغير الضم أفصح وأشهر، وهو ضد الرفق.

وفي هذه الأحاديث فضل الرفق، والحث على التخلق وذم العنف والرفق سبب كل خير"

 

 

الأسس التراثية للوسطية

قال وهب بن منبه "خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُهَا" (الدرر السنية، 2003 م). وورد في زيادة الجامع الصغير، والدرر المنتثرة للإمام السيوطي عن وهب بن منبه أنه قال: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ طَرَفَيْنِ وَوَسَطاً، فَإِذَا أُمْسِكَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنَ مَالَ الآخَرُ، وَإذَا أُمْسِكَ الْوَسَطُ اعْتَدَلَ الطَّرَفَانِ، فَعَليْكُمْ بِالأَوْسَاطِ مِنَ الأَشْيَاء".

وجاء في جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري عن قتادة عن مطرف بن عبد الله، قال: خير هذه الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين. فقلت لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟ فقال: {الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا}... الآية.

قال ابن منظور في لسان العرب "أَلا ترى إِلى قول عليّ- رضوان اللّه عليه: ((خير الناس هذا النمَطُ الأَوْسَط يَلْحق بهم التَّالي ويرجع إِليهم الغالي؟)). قال الحسن للأَعرابي: ((خيرُ الأُمور أَوْساطُها)). قال ابن الأَثير في هذا الحديث: كلُّ خَصْلة محمودة فلها طَرَفانِ مَذْمُومان، فإِن السَّخاء وسَطٌ بين البُخل والتبذير، والشجاعةَ وسَط بين الجُبن والتهوُّر، والإِنسانُ مأْمور أَن يتجنب كل وصْف مَذْمُوم، وتجنُّبُه بالتعَرِّي منه والبُعد منه، فكلَّما ازداد منه بُعْداً ازداد منه تقرُّباً، وأَبعدُ الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسَطُهما، وهو غاية البعد منهما، فإِذا كان في الوسَط فقد بَعُد عن الأَطراف المذمومة بقدر الإِمكان.

وفي الحديث: ((الوالِد أَوْسَطُ أَبواب الجنة)). أَي: خيرُها. يقال: هو من أَوسَطِ قومِه أَي: خيارِهم. وفي الحديث: ((أَنه كان من أَوْسَطِ قومه)). أَي: من أَشْرَفِهم وأَحْسَبِهم. وفي حديث رُقَيْقةَ: ((انظُروا رجلاً وسِيطاً)). أَي: حَسِيباً في قومه، ومنه سميت الصلاة الوُسْطَى لأَنها أَفضلُ الصلوات وأَعظمها أَجْراً، ولذلك خُصت بالمُحافَظةِ عليها، وقيل: لأَنها وسَط بين صلاتَيِ الليل وصلاتَيِ النهار، ولذلك وقع الخلاف فيها فقيل: العصر، وقيل: الصبح، وقيل بخلاف ذلك.

وفلان وسِيطٌ في قومه إِذا كان أَوسطَهم نسَباً وأَرْفعَهم مَجْداً؛ قال العَرْجِيُّ:

كأَنِّي لم أَكُنْ فيهم وسِيطاً * ولم تَكُ نِسْبَتي في آلِ عَمْرِ

والتوْسِيطُ: أَن تجعل الشيء في الوَسَط.

ومَرْعىً وسَطٌ أَي: خِيار؛ قال:

إِنَّ لها فَوارِساً وفَرَطا * ونَفْرَةَ الحَيِّ ومَرْعىً وَسَطا

ووَسَطُ الشيءِ وأَوْسَطُه: أَعْدَلُه، ورجل وَسَطٌ ووَسِيطٌ: حسَنٌ من ذلك.

وفي التنزيل العزيز: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143].

قال الزجاج: فيه قولان: قال بعضهم وسَطاً عَدْلاً، وقال بعضهم خِياراً، واللفظان مختلفان والمعنى واحد لأَن العَدْل خَيْر والخير عَدْلٌ، وقيل في صفة النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ((إِنه كان من أَوْسَطِ قومِه)). أَي: خِيارِهم، تَصِف الفاضِلَ النسَب بأَنه من أَوْسَطِ قومه، وهذا يَعرِف حقيقَته أَهلُ اللغة لأَن العرب تستعمل التمثيل كثيراً، فَتُمَثِّل القَبِيلةَ بالوادي والقاعِ وما أَشبهه، فخيرُ الوادي وسَطُه، فيقال: هذا من وَسَط قومِه ومن وَسَطِ الوادي وسَرَرِ الوادي وسَرارَته وسِرِّه. ومعناه: كله من خَيْر مكان فيه، وكذلك النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - من خير مكان في نسَب العرب، وكذلك جُعِلتْ أُمّته أُمة وسَطاً أَي: خِياراً" (باختصار).

ورد في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الاثير "كُلُّ خَصْلَة مَحْمُودَة فَلَها طَرَفَان مَذْمُومان، فإنَّ السَّخاءَ وَسَطٌ بَيْن البُخْل والتَّبْذير، والشَّجاعَة وَسَطٌ بَيْن الجُبن والتَّهَوُّر، والإنسانُ مأمورٌ أنْ يَتَجَنَّبَ كُلَّ وَصْفٍ مَذْموم، وَتَجَنُّبُه بالتَّعَرِّي منه والبُعدِ عَنْه، فكُلَّما ازْدَادَ مِنه بُعْداً ازْدادَ مِنْهُ تَعَرِّياً. وأبْعَدُ الجِهات والمَقادِير والمَعانِي من كُلّ طَرَفَيْن وَسَطُهُما، وهُو غاية البُعْد عنهما، فإذا كان في الوَسطَ فَقَد بَعُد عَن الأطْراف المَذْمومةِ بَقَدْر الإمْكان."

وذكر العجلوني في كشف الخفاء " وروى البيهقي في مناقب الشافعي عن ابنه محمد أنه قال رآني أبي وأنا أعجل في بعض الأمر، فقال يا بني رفقاً رفقاً، فإن العجلة تنقص الأعمال، وبالرفق تدرك الآمال. وعن ابن مسعود "الرفق يمن والخرق شؤم،وهو عند البيهقي وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شانه، وعن أنس إذا أراد الله بأهل بيت خيرا نَفَعَهم في الدين، ووقر صغيرهم كبيرهم، ورزقهم الرفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصَّرهم عيوبهم، فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هَمَلاً."

يقول الإمام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة "فقد ورد الشَّرع في الأخلاق، بالتَّوسط بين كل طرفين مُتقابلين، لأنَّ الماء الفاتر، لا حار ولا بارد، فكأنَّه بعيد من الصِّفتين، فلا ينبغي أن يُبالغ في إمساك المال، فيستحكم فيه الحرص على المال ولا في الإنفاق، فيكون مُبذراً، ولا أن يكون مُمتنِعاً عن كل الأمور، فيكون جباناً، ولا مُنهمكاً في كل أمرٍ، فيكون مُتَهَوِّراً، بل يطلب الجُود، فإنَّه الوسط بين البُخل والتَّبذير، والشَّجاعة، فإنَّها الوسط بين الجبن والتَّهور، وكذا في جميع الأخلاق. وعلم الأخلاق طويل، والشَّريعة بالغت في تفصيلها، ولا سبيل إلى تهذيب الأخلاق، إلا بمراعاة قانون الشَّرع، في العمل، حتى لا يَتَّبع الإنسان هواه، فيكون قد اتَّخذ إلهه هواه، بل يقلِّد الشَّرع، فيُقْدِم ويُحجِم بإشارته، لا باختياره فتتهذَّب به أخلاقه" (ص286).

قال الشاعر المصري الشهير حافظ إبراهيم:

فتوسطوا في الحالتين وانصفوا    فالشر في التقييد والاطلاق

"وقد جاء الفقه ليؤكد على تمثل روح التيسير والسماحة، وليجعل من القواعد الأصولية قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. ويحفل فقه المعاملات بما يحث على الأخلاق الحميدة، وينهى عن السخط والضجر والفحش والشطط والمغالاة، وغير ذلك من صور التطرف" (الدجاني، 2004 م).

 

تحليل الأسس القرآنية والنبوية والتراثية

 

إن تنمية الفرد المسلم على الوسطية كون مجتمعاً قوياً والمجتمع المسلم القوي حقق أمة متحضرة لها فنونها وعلومها وآدابها وثقافتها المتميزة.

" وهذه خصيصة أخرى من أبرز خصائص الإسلام، وهي "الوسطية"، ويعبر عنها أيضا بـ "التوازن"، ونعني بها التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه. مثال الأطراف المتقابلة أو المتضادة : الربانية والإنسانية، الروحية والمادية، الأخروية والدنيوية، الوحي والعقل، الماضوية والمستقبلية، الفردية والجماعية، الواقعية والمثالية، الثبات والتغير، وما شابهها. ومعنى التوازن بينها: أن يفسح لكل طرف منها مجاله، ويعطي حقه "بالقسط" أو"بالقسطاس المستقيم"، بلا وكس ولا شطط، ولا غلو ولا تقصير، ولا طغيان ولا إخسار" (القرضاوي، 2003 م، مدخل لمعرفة الإسلام).

إن الإسلام دين الأنبياء كلهم من لدن آدم عليه السلام ويرد أصل الفطرة في التدين إلى النبوات الأولى. إن الإسلام "عنوان جديد لحقيقة قديمة. إن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بانياً لا هادما. جاء مؤكداً أو مصدقا لمن قبله، لا حرباً عليهم ولا خصماً لهم. ودينه ال‘سلام هو الطبيعة البشرية الوضيئة التي يجب أن تتسامى بها، وأن تلتقي عليها" (الغزالي، 1999 م، ص 13).

من الأخطاء التاريخية الكبرى المنتشرة في الكتب العربية أن الإنسان لم يعرف الحضارة في بداية الحياة على الأرض إذ كان متوحشا وهمجياً كما يزعم الأستاذ الخوري (1992 م، ص 98) والمشكلة أنه يعرض أفكاره كحقائق مطلقة ثابتة يجب التسليم بها. فالإسلام يقوم الحقائق ويصوب المفاهيم ويكشف أن آدم عليه السلام عرف الحضارة بمعنى الحياة وفق منهج واضح أساسه التوحيد وعموده الوسطية وعلى هذا النمط سار المصطفى صلى الله عليه وسلم ووضع أساس الحركة الحضارية لمن خلفه إلى يوم الدين.

تناولت الموسوعة العربية العالمية (1996 م، ج9، ص 413) أسس حضارة الإسلام وهي بأكملها يمكن أن تعتبر أساسيات الوسطية لهذه الحضارة إذ أن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة السابقة - وغيرها بطبيعة الحال - ترشد إليها علانية. ذكرت الموسوعة العربية العالمية ثمان نقاط يمكن ايجازها بما يلي:

1. عقيدة التوحيد أي الاقرار بأن الله هو رب كل شيء وخالق كل شيء والتوجه بالعبادة لله وحده لا شرك له.

2. وحدة الأمة بمعنى أن رابطة العقيدة هي الأصل الذي يجتمع ويتفرق عليه الناس.

3. العدل مع المسلمين وغيرهم.

4. العلم من أجل معرفة الله سبحانة وبناء العقل الإنساني.

5. الجهاد لتحقيق بمبادئ العدل المساواة والاخاء والحرية.

6. الأخلاق الفاضلة وتربية لمجتمع تربية صحيحة في شتى مجالات الحياة.

7. العمل الذي يشيد صرح الحضارة حيث حث الإسلام على المثابرة في العمل.

8. الوعي بالزمن من خلال تربية الإنسان المسلم على محاسبة نفسه واستغلال كل لحظه للصالح العام والخاص[4].

 

من الواضح من الآيات والأحاديث المطهرة في موضوع الوسطية أن الإسلام يحارب التطرف والغلو بكل صوره، وبكافة أشكاله الظاهرة والباطنة، القلبية والعملية. "التطرف لغة:الوقوف فى الطرف ، والطرف بالتحريك:جانب الشىء، ويستعمل فى الأجسام والأوقات وغيرها .واصطلاحا:مجاوزة حد الاعتدال. والعلاقة بين المعنيين اللغوى والعرفى واضحة، فكل شىء له وسط وطرفان، فإذا جاوز الإنسان وسط شىء إلى أحد طرفيه قيل له: تطرف فى هذا الشىء، أو: تطرف فى كذا ، أى جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط. وعلى ذلك فالتطرف يصدق على التسيب ، كما يصدق على الغلو، وينتظم فى سلكه الإفراط ، ومجاوزة الحد ، والتفريط والتقصير علي حد سواء؛ لأن فى كل منهما جنوحا إلى الطرف وبعدا عن الجادة والوسط. فالتقصير فى التكاليف الشرعية والتفريط فيها تطرف ، كما أن الغلو والتشدد فيها تطرف ؛ لأن الإسلام دين الوسط والوسطية وإلى هذا ينبه القرآن الكريم فى قوله تعالى:{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط}الإسراء:29. ويقول:{وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}الأعراف:31 .ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى}(أخرجه البزار فى مسنده عن جابر وأخرج أحمد أوله فى مسنده عن أنس" (عبد الصبور، 2003 م).

 

 

 

 


أمثلة ونماذج تدل على وسطية الحضارة الإسلامية

1- شجعت الحضارة الإسلامية الفقراء على العطاء والنبوغ فالشافعي والغزالي وغيرهما كثير تربوا في عوائل فقيرة ولكنها تعشق العلم وتقدر العلماء.

2 – يقدر الإسلام العقل وبميزانه الوسطي يتفاعل معه ولا يغالي فيه. قال سيد قطب (2003 م) إن العقل‏ البشري "‏ ليس منفياً ولا مطروداً ولا مهملاً في مجال التلقي عن الوحي، وفهم ما يتلقى وإدراك ما من شأنه أن يدركه، مع التسليم بما هو خارج عن مجاله‏.‏ ولكنه كذلك ليس هو ‏"‏الحكم‏"‏ الأخير‏.‏ وما دام النص مُحكماً، فالمدلول الصريح للنص من غير تأويل هو الحكم‏.‏ وعلى العقل أن يتلقى مقرراته هو من مدلول هذا النص الصريح‏.‏ ويقيم منهجه على أساسه". لهذا نجد مؤلفات ابن تيمية كلها تؤكد عى درء تعارض العقل والنقل.

3 – اهتم الإسلام بالفنون وارتقى بتصوراتها. لاحظ المستشرقون أن الاهتمام بالخط العربي لقي نصيباً كبيرا عبر التاريخ الإسلامي (Schimmel, 1995, vol. 1. p. 243). لم تجر الحضارة الإسلامية خلف الفنون اليونانية والرومانية التي مجدت التماثيل وقدست الرسم بل أضافت للفن والنحت والعمارة ابداعات انطلقت من التفنن في الخط العربي.

تؤكد الموسوعة البريطانية (Encyclopædia Britannica) على أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا الفنون إلا قرض الشعر الذي أبدعوا فيه (The Arabs before Islam had hardly any art except poetry)  ولكن عندما جاء الإسلام قاموا برعاية الفنون وأسلمتها (Islamized) بمعنى تكييفها مع البيئة الإسلامية فعلى سبيل المثال أهملت الحضارة الإسلامية الأوثان والأصنام كما ذكرت الموسوعة في حديثها عن الفنون الإسلامية تحت باب الدين والفنون (Religion and the arts).

لقد شجعت الحضارة الإسلامية الفنون الجميلة ولم تحرم الاستماع بها ولكنها حذرت من الغلو فيها كأن تصبح الرسومات والتماثيل مادة للتقديس والعبادة والفتنة. ومن الفنون التي نبغ فيها المسلمون فن الخط العربي ومن أبرز رواد هذا الفن الخطاط الكبير المشهور ابن البواب. لقد خدم هذا الفن – الخط – القرآن الكريم أيما خدمة إذ وجد الفنانون مساحة واسعة لابراز مواهبهم ونسخ ونشر آيات من الذكر الحكيم. لا نجد الحضارات الأخرى تهتم بهذا الفن كما هو في حضارتنا التي تعج بكم هائل من المخطوطات البديعة في متاحف العالم لتحكي قصة وسطية الحضارة الإسلامية التي تقدر الفنون الجميلة النافعة.

قال الأستاذ أحمد تمام (2003 م):

 يذكر المؤرخون أن ابن البواب هذب طريقة ابن مقلة الخطاط العظيم، ونقحها وكساها طلاوة وبهجة. وابن مقلة هذا بلغ من الإتقان والذيوع إلى الحد الذي وصفه "أبو حيان التوحيدي" بأنه نبي في الخط، أُفرغ الخطُّ في يده كما أوحي إلى النحل في تسديس بيوته. ويصفه الثعالبي بأن خطه يضرب به المثل في الحسن؛ لأنه أحسن خطوط الدنيا. فإذا كان هذا هو حال ابن مقلة الخطاط الكبير، فانظر إلى مبلغ ابن البواب في هذا الفن.

ويرى القزويني في "آثار البلاد": "أن ابن البواب نقل طريقة ابن مقلة إلى طريقته التي عجز عنها جميع الكتاب من حسنها وحلاوتها وقوتها وصفائها، فإنه لو كتب حرفًا واحدًا مائة مرة لا يخالف شيء منها شيئًا؛ لأنها قلبت في قالب واحد".

وقد درس المستشرق "رايس" خصائص خط ابن البواب، مستعينًا بالمصحف الشريف الذي خطّه ابن البواب، والمحفوظ في مكتبة "جستر بيتي" بدبلن، وقام بالمحاولة نفسها الباحث العراقي هلال ناجي في كتابه "ابن البواب" عبقري الخط العربي عبر العصور. واستطاع أن يقف على خصائص طريقة ابن البواب في الكتابة من خلال الاستعانة بنصوص له، تصف الطريقة المثلى لشكل كل حرف وهيئته.

4- شجعت الحضارة الإسلامية منذ عصر مبكر العلوم المادية مثل علم الرياضيات الذي طوروا فيه تطويراً كبيراً بعدما اقتبسوه من الهند (رمضان وجامع، 1995 م، سعد ، 1999 ، ص 261) ولقد نبغ بناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية في الأقاليم العربية والإسلامية.

قال عطية صقر (2003 م) في معرض كلامه عن الإسلام والتطور " شجع الإسلام على العلم فهو أساس التطور، ورفع قدر العلماء، والنصوص في ذلك كثيرة، والمراد بالعلم كل معرفة تفيد الفرد والجماعة في إطار الدين ، وذكر القرآن في الآيتين : 27 ، 28 ، من سورة فاطر ما يؤكد أن العلماء الذين يؤمنون بالله أو يزدادون به إيمانا ويخشون عقابه {إنما يخشى الله من عباده العلماء} هم علماء الفلك والطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان وطبقات الأرض والعلوم الإنسانية كلها من طب واجتماع وفلسفة وغير ذلك."

من اللافت للنظر أن حضارتنا العتيدة اهتمت بشكل واضح ببناء المدارس ووضع اللوائح التنظيمية لضمان الحياة الحرة الكريمة في رحاب المدارس ولعل أعظم دليل لدعم هذه الحقيقة كتاب النعيمي الدارس في تاريخ المدارس حيث تتبع مئات المدارس القديمة في بلاد الشام فقط وفي زمن معين. من هنا نعلم أن تشييد المدارس من أسباب رقي المجتمع المسلم في عصوره الزاهرة.

عاش موسى بن شاكر في بغداد في القرن الثالث الهجري "زمن الخليفة العباسي المأمون، وكان من المقربين من الخليفة، وقد اهتم بالفلك والتنجيم. وعندما توفي موسى بن شاكر، ترك أولاده الثلاثة صغاراً فرعاهم المأمون، وكلف إسحاق بن إبراهيم المصعبي بالعناية بهم. فأدخلهم إسحاق إلى بيت الحكمة الذي كان يحتوي على مكتبة كبيرة وعلى مرصد فلكي، إضافةً إلى القيام بترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية من اليونانية. فنشأ بنو موسى في هذا الوسط العلمي وأصبحوا أبرز علماء بيت الحكمة. وقد اشتهر الأبناء الثلاثة، وهم محمد وأحمد والحسن باسم بنو موسى، أو الإخوة  الثلاثة. وقد كان أكبرهم أبو جعفر محمد عالماً بالهندسة والنجوم و"المجسطي" ؛ وكان أحمد متعمقاً في صناعة الحيل (الهندسة الميكانيكية) وأجاد فيها، وتمكن من الابتكار فيه ؛ أما الحسن فكان متعمقاً في الهندسة. توفي أكبرهم سنة 872 م ـ 259هـ" (الغراري، 2003 م).

5- تتصف الحضارة الإسلامية بالأمانة التي هي من مقومات الأمة الوسطية الشاهدة بالعدل في الدنيا والآخرة. الأمانة صفة ميزت الحضارة الإسلامية "عن كثير من الحضارات السابقة عليها واللاحقة بها. فإذا كان علماء هذه الحضارة قد ترجموا ونقلوا الكثير من علوم اليونان والفرس والهنود وغيرهم, فإنهم لم ينسبوا ما نقلوه إلى انفسهم, وإنما على أصحابه الذين نقلو عنهم. فهم يقولون ان هذا الأمر عند جالينوس كذا, وان بطليموس السكندري قال كذا, وان اقليدس ذكر كذا, وإن أرسطو أو أفلاطون يرى كذا.....

وهنا يبدو الفارق واضحا بين رواد الحضارة الاسلامية من ناحية وعلماء اليونان الذين نقلوا كثيرا عن غيرهم ونسبوه إلى انفسهم من ناحية اخرى" (عاشور وآخرون 1986 م, ص 20). تأكيدا لماسبق فيمكن ايراد دراسة جورج جيمس في كتابه: التراث المسروق أن المصريين الأوائل هم مصدر المعرفة التي يزعمها أعلام الفلسفة اليونانية (انظر James, 1992). أفلاطون على سبيل المثال ذهب إلى مصر ليتعلم ثم نسب المؤرخون إليه مدرسة فلسفية ضخمة ولم يتحدثوا عن مدى تأثر فلاسفة اليونان بعلوم الفراعنة التي بلغت حدا عظيما من الدقة والإتقان. ومن الأدلة التي ذكرها جيمس أن العلوم المصرية انتشرت في أنحاء متفرقة من العالم قبل أن تصل لأثينا وأنه من الصعب إثبات صحة نسبة المبادئ إلى أشخاص معينين لأن التواريخ اليونانية متضاربة، إضافة إلى ذلك فإن ما ينسب من علوم فلسفية إلى اليونان من الواضح أنها لا صلة لها بطبيعة وحوادث المجتمع اليوناني. في ذلك الكتاب يحشد جيمس عددا كبيرا من الأدلة لبناء نظريته ولبها أن الحضارة المصرية هي التي صنعت الحضارة الإغريقية ولكن الغرب لأسباب تسلطية وعرقية يرفض أن يقر بأن القارة الأفريقية "السوداء" قدمت إسهاماً عظيما للبشرية" (الكندري وملك، 2002، ص 57).

 وهكذا فإن الأمانة التاريخية محل نقاش عند الأمم ولكن الأمة الإسلامية نجحت في ارجاع الفضل لأهله دون إفراط أو تقصير ورفض المسلمون أن ينسبوا لأنفسهم ما لم يقوموا بفعله لأن الله أمرنا بأداءالأمانات وعاب على الأمم التي فرطة في حمل الأمانة فقال عز من قائل " لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {188}" (سورة آل عمران).

6 – قدمت الحضارة الإسلامية خدمات تربوية جليلة للفكر الإنساني. " لقد انتشرت الكثير من مؤسسات التَّعْلِيْم في البلاد الإسلامية حتى وصلت إلى الأندلس وسالرنو في جنوب إيطاليا، وصقلية وبعد ذلك عرف الغرب بعض آفاق التربية الإنسانية، ومعنى التعليم العالي والمجاني، وأخذ بمبدأ حُرِّية البحث والابتكار العِلمي، وأهمية التَّخصص وكيفية تخريج الْعُلَمَاء ووسائل إعدادهم وفق أُسس حضارية راقية. هذا الالتقاء والاقتباس والتَّمازج الحضاري لا يمكن للغرب أن ينكره أو يتجاهله فالتَّرجمات المكثفة لكتب المسلمين مثل ابن رشد وابن سينا والرَّازي والغزالي منذ بضعة قرون من الأدلة القطعية على أنَّ الكتب الإسلاميَّة كانت المراجع الأساسيَّة والمناهج العِلْمِيَّة لجامعات الغرب لمدة عدَّة قرون حتى سُمِّي كتاب القانون في الطِّب لابن سينا بالإنجيل عند الغرب لروعته وسبقه وأصبح أكثر وأشهر كتاب طبي عرفه واستخدمه الشَّرق والغرب في الْتَّارِيْخ العالمي" (ملك والكندري، 2003 م، ص 40).

7- وفقت الحضارة الإسلامية بين متطلبات الفرد واحتياجات الجماعة بما يحقق العدالة الاجتماعية بأكمل صورها التكافلية. لا يقر الإسلامية الرأسمالية الفردية الليبرالية كما أنه يرفض الاشتراكية الشيوعية الجماعية فالإسلام نظام إلهي وسطي يقر بحق الفرد ولا يفرط بالجماعة. وضع الإسلام نظامه القائم على التوحيد لتربية الجانبين الفردي والجماعي بطريقة متوازنة تؤكد على التناغم وترفض التصادم بل العبادة في الإسلام تربي المسلم على الصلاة الفردية والجماعية في اطار واحد. " وتوازن بين ما رسمه الله من حدود لهذا الإنسان لا يتجاوزها, وما تدفعه إليه شهوات نفسه ورغائب قلبه, وتوازن بين الفردية والجماعية, فالمجتمع لا يسحق الفرد, فالشورى حقه, والكرامة مقررة له من ربه, فلا يهان ولا يذل ولا يفزع ولا يرهب, وجماعة المسلمين إخوانه, صلاح أمرهم صلاح لنفسه ولدينه, فهو يسارع إلى ما ينفعهم ولا يرى نفسه منفصلا عن خير يتحق لهم, بل يطالبه الله بحقووق تجاه جيرانه وقومه, هي فرض عليه وإلزام, وإذا كانت له الشورى فعليه الطاعة إذا التقى المسلمون على أمر وعزموا عليه."(عبدالمعطي, 1998 م,  ص 41).

قال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف (2003 م) الفرد فى الشريعة الإسلامية قوام الجماعة، والجماعة فيها عضد للفرد وظهير له فى أداء رسالته والتمتع بحقوقه... الإسلام يبيح الملكية المطلقة للأفراد ويوجب بجانب ذلك على الأغنياء حقوقا للفقراء يؤدونها إليهم، كما يوجب على الفرد العمل كى لا يكون عالة على غيره، ولتقوى الأمة بالعمل والإنتاج... الإسلام يحارب الإقطاعات الشائعة اليوم فى النظام الرأسمالى الذى يبيح الملكية المطلقة، كما يحارب الشيوعية اللادينية التى تنادى بأن تكون الأرض ملكا للدولة فينهار بذلك ركن من أركان الاقتصاد السليم فضلا عن تجاهل المبدأ الغريزى فى الإنسان وهو حب التملك ، وأن الحل الوسط بين الرأسمالية والشيوعية هو أن يتملك الإنسان بقدر طاقته الزراعية وما زاد عن ذلك يجب أن يعطيه ليغيره من المعدمين مجانا" (باختصار).

"يكسب الإسلام التربية توازنا بين النظرية والتطبيق، وتوازنا بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وتوازنا بين أشواق الفرد الروحية وتلبية حاجاته المادية والاجتماعية. وهذا التوازن في التربية الإسلامية يجعلها أقرب ما تكون إلى طبيعة الأشياء" (الخطيب، وآخرون، 1995 م، ص 111).

عندما نتفحص كتاب معيد النعم ومبيد النقم لتاج الدين عبدالوهاب السبكي (ت 771 هـ = 1369 م) ونقد الطالب لزغل المناصب لشمس الدين الصالحي الدمشقي (880 – 953 هـ = 1475 – 1546 م)، نجد أنهما جمعا بين الوظائف الدينية كالإمامة والخطابة وبين الوظائف الدنيوية كالكحال والحائك وخازن الكتب[5] مما يدل على أن الحضارة الإسلامية توازن دائما بين مصالح الدنيا ومقاصد الدين لكي تقيم حضارة ترعى حوزة الدين ولا تنسى نصيبها من الدنيا.

نظر العلماء إلى العلم كبوابة من بوابات العبادة وكمعبر للآخرة. "لقد كان أبو بكر الرازي يتحدث في بعض كتبه الطبية والفلسفية العديدة عن الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الطبيب ودارس الطب فيقول: "يجب ألا يتخذ الطب مجرد وسيلة لجمع المال، بل أن يتذكر أن أقرب الناس إلى الله هو: أعلمهم وأعدلهم وأرحمهم وأرأفهم بالناس"، "وكان هو نفسه يتنزه عما في أيدي الناس ولم يحتج إليهم" (الهنيدي، 2000 م، ص 387). ولد الرازي في الري 865 م وتوفي في 925 وظلت كتبه الطبية تدرس في حامعات العالم لعدة قرون وكان الرازي حجة في الطب (الموسوعة العربية الميسرة، ج2، ص 1167).

لقد اعتنى المسلمون عبر القرون بالتربية البيئية دون تعظيم وتقديس للبيئة ودون تهاون وتساهل فيه فالوسطية سمة أساسية في المنهاج الحضاري في الإسلام. فعلى سبيل المثال نجد الجاحظ قبل أكثر من 1200 سنة تقريبا يتحدث عن الطيور وحسن معاملتها، والرفق بها باعتدال يعكس حسن السلوك الإنساني فيقول وهو يحث على ذلك كله "فاعلموا أن الحمام من الطير الرقيق، الذي تسرع إليه الآفة، وتعروه الأدواء، وطبيعته الحرارة اليبس. وأكثر أدوائه الخنان وهو داء بالحلق، والكباد وهو مرض في الكبد، والعطاش وهو داء العطش، والسل، والقمل. فهو يحتاج إلى المكان البارد والنظيف وإلى الحبوب الباردة كالعدس والماش والشعير المنخول" (بتصرف، ج3، ص 273).

 

ميادين الوسطية في الحضارة الإسلامية

جاءت الحضارة الإسلامية جامعة  لتجدد ثلاثة ميادين رئيسة وفق التصور الوسطي وهذه المفاهيم تشميل الميادين التالية:

1.                   ميدان العقيدة.

2.                   ميدان العبادة.

3.                   ميدان الشريعة.

4.                   ميدان التربية.

العقيدة والشريعة هما وجهان لعملة واحدة والتربية وسيلة لنشر هذه العملة الغالية وفق منهج متميز. فيما يلي نبذة يسيرة عن النقاط السابقة.

قال سيد قطب " جاء الإسلام، وفي العالم ركام هائل، من العقائد والتصورات، والفلسفات، والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال‏.‏‏.‏ يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة‏.‏‏.‏ والضمير البشري – تحت هذا الركام الهائل – يتخبط في ظلمات وظنون، لا يستقر منها على يقين‏.‏ والحياة الإنسانية – بتأثير هذا الركام الهائل- تتخبط في فساد وانحلال، وفي ظلم وذل، وفي شقاء وتعاسة، لا تليق بالإنسان، بل لا تليق بقطيع من الحيوان‏!‏

وكان التيه الذي لا دليل فيه، ولا هدى ولا نور، ولا قرار ولا يقين ‏.‏‏.‏ هو ذلك التيه الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها وصفاتهن وعلاقته بالكون وعلاقة الكون به، وحقيقة الإنسان، ومركزه في هذا الكون، وغاية وجوده الإنساني، ومنهج تحقيقه لهذه الغاية ‏.‏‏.‏ ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص‏.‏‏.‏ ومن هذا التيه ومن ذلك الركام كان ينبعث الشر كله في الحياة الإنسانية، وفي الأنظمة التي تقوم عليها‏".‏

"تميزت الثقافة العربية الاسلامية عن الثقافات الاخرى بالتوحيد وقد اشتهرت في العالم على هذا الاساس والتوحيد كهدف لا يقتصر على المعنى الديني المحدود بل يشمل كل جوانب الثقافة العربية وابداعاتها وذلك لسبب جوهري هو اختلاف معنى الدين في الاسلام عن المعنى الذي جرت عليه الديانات السابقة ((فلقد تجاوز الدين في مفهومه الجديد تلك الحدود اولا من صلات الانسان مع قوى الغيب العلوية الى حدود اخرى اعطاها نفس الاهتمام، الا وهي صلات الانسان مع الانسان ثم فوق ذلك حمل المخاطبين به على الاحتكام في كل تلك الصلات مع الله والانسان الى العلم والعقل والفكر" (هيشان، 2003 م).

ولقد أشار المنصفون من المستشرقين إلى وسطية الإسلام المذهلة فقال المستشرق السويسري روجيه دوباسكويه (1994 م):

 تجسدت في الحضارة الإسلامية – التي تشبعت بالحس الديني- حكمة منعتها من المغالاة. لا تؤله الحضارة الإسلامية الطبيعة, ولكن تتبين صنعتها الرمزية, وأنها تعبير من الحقيقة العليا, ولذلك فهي تحترمها وتعيش في توافق معها, وعلى النقيض, فإنها لحقيقة صارخة أن الحضارة المادية الحالية تمنح قيمة مطلقة للعالم المخلوق, في الوقت الذي لا تستطيع قراءة آيات الله فيه, وتزيل أي قداسة منه, لتنتهي بتدمير توازنه, ومع كل العواقب البعيدة- وبشكل صارخ بالبيئة- لهبة الطبيعية. 

لم يعلمن الفلاسفة والدارسون والفنانون المسلمون العالم. أدركوا القوانين العالمية التي تنظم كل مستويات الوجود, وسلموا بها.  نظروا للنظام المخلوق من خلال منظور شامل يحدد لكل شي مكانه في النظام العالمي. عاش المسلمون في عصرهم الكلاسيكي عالما متكاملا متماسكا, لكل شي معنى ودور, ليس فقط يساهم في الكل المتناسق المتوازن, ولكن أيضا لا يتوقف عن تذكيره بأهدافه النهائية (ص 135).

الآراء الغربية في معظمها إما "مثالية تدعو للرهبنة والتَّبتل والعُزلة وترك الدُّنيا، أو إباحية مُطلقة تُقْبِل على مُتعِ الدُّنيا بلا حدود وتجرِّد الإنسان من القيم والفضائل في حين أنَّ الفكر الإسلامي يُؤمن بالوسطية ويحاول الموازنة في كل الأمور لِيُحقِّق الاعتدال" (ملك والكندري، 2003 م، ص 29).

يربي الإسلام أتباعه في كل تشريعاته على الخلطة الحسنة فمخالطة الناس والصبر على أذاهم خير من التعبد في مكان منعزل فلا رهبانية في الإسلام. والرهبانية كما يقول الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن الكريم: غلو في تحمل التعبد، من فرط الرهبة. قال تعالى: }ورهبانية ابتدعوها{ [الحديد/27]، والرهبان يكون واحدا، وجمعا، فمن جعله واحدا جمعه على رهابين، ورهابنة بالجمع أليق. يقول ابن عثيمين (2003 م) في كتابه الإعتدال في الدعوة  "فالذي ينبغي للإنسان سواء كان داعية لغيره إلى الله أم متعبداً لله أن يكون بين الغلو والتقصير مستقيماً على دين الله – عز وجل" " لا ينبغي لنا بل لا يجوز لنا أن نغلو في دين الله سواء في دعاء غيرنا إلى دين الله، أو في أعمالنا الخاصة بنا، بل نكون وسطاً مستقيماً كما أمرنا الله تعالى بذلك، وكما أمر بذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فالله – عز وجل – يقول: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، والنبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم" وأخذ حصيات وهو في أثناء مسيره من مزدلفة إلى منى أخذ حصيات بكفه وجعل يقول: "يا أيها الناس بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين". وضد ذلك: من يتهاون في الدعوة إلى الله – عز وجل – فتجده يرى الفرص مواتية والمقام مناسباً للدعوة إلى الله ولكن يضيع ذلك، تارة يضيعه لأن الشيطان يملي عليه أن هذا ليس وقتاً للدعوة، أو أن هؤلاء المدعوين لن يقبلوا منك، أو ما أشبه ذلك من المثبطات التي يلقيها الشيطان في قلبه فيفوت الفرصة على نفسه".

لا يحبذ الإسلام الرق في كل تشريعاته بل جاء لتجفيف منابعه وتهذيب التعامل الإنساني ولولا أن الأعداء يأخذون الأسرى بعد الحروب كعبيد لهم لما أقر الإسلام الرق ورغم ذلك فلقد طالب الإسلام الرفق في التعامل مع الرقيق وشجع العتق. وبهذا نعلم أن الإسلام واقعي في منهجه لا يطالب بالمثالية رغم أنه يحاول أن يتدرج بالناس نحو الأفضل دائما على قدر استطاعتهم. الأخلاق الوسطية تحكم سلوك المؤمن في السلم والحرب، في السر والعلن، في الظاهر والباطن.

       العبادات في الإسلام " لا تكون بمشقة مجهدة تمنع استمراريتها, بل بجهد معتاد يضمن لها الاستمرار والدوام, وأن تعذيب الجسم في ذاته معصية, وإن مخالفة الفطرة من غير تهذيب روحي معصية, وترك سنة الفطرة في الزواج منهي عنه, والتعذيب في العبادة منهي عنه, بل أن التيسير في العبادة يقرب إلى الله أكثر من قصد المشقة فيها." (الصاوي, 1999 م, ص 200).

قال البوطي (2003 م) " ولقد وقع بعض الباحثين فى هذا العصر, من هذه المسألة, في إفراط, كما وقع فريق منهم فى تفريط. فالفريق الأول يزعم ان مامن قاعدة تنتمي إلى علم ما, إلا وفي الفرقان (القرآن) حديث عنها ونص عليها... والفريق الثاني ألغي صلة ما بين القرآن والعلم, مصرا على أنه ليس أكثر من كتاب وعظ وهداية وتبصير بالشرائع والأحكام والواقع أن القرآن قائم من هذه المسألة بين هذين التصورين المتناقضين.

فالقرآن يضع القارئ أمام عناوين العلوم ومسائلها, ويطل بهم على ظواهرها مشوقا  إلى معرفتها والخوض فيها, دون أن يبت فيها بقرار علمي, هذا بالاضافة إلى أنه يحاكم الناس كلهم إلى العلم فى كل شيء, لاسيما الدين. ومن ثم كان القرآن الحافز الأول فى حياة العرب إلى العلم".

 

التوسط في الأخلاق عند ابن قيم الجوزية

"ضعف الخلق دليل على ضعف الإيمان" (الغزالي، 2002 م، ص 10) "والإنسان ليس في أصله خيرا مطلقا، وليس شرا مطلقا بل خلق سويا محايداً، جبلت نفسه على بعض نواحي الضعف التي تظهر بين الحين والحين، ومع ذلك قابليته للشر، وفي المنهج والأهداف التي ينبثق عنها، فهناك توازن وثيق بين الجسم والعقل والروح. والفكر التربوي الإسلامي متوازن فلم يكن لجانب أن يطغى على آخر في الإنسان، فلم يهتم بالقيم الروحية على حساب القيم المادية بل وازن بينها" (العمايرة، 2000 م، 58).

تقوم التربية الأخلاقية من منظور الإسلام على الوسطية في كل شيئ و بالأخلاق الوسطية تقوم الأمم وترتقي الشعوب.  فيما يلي نظرة موضوعية للوسطية في ميدان الأخلاق عند ابن قيم الجوزية من كتابه الفوائد.

حدود الأخلاق

" للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا, ومتى قصّرت عنه كان نقصا ومهانة, فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة, والأنفة من الرذائل والنقائص, وهذا كماله. فاذا جاوز حده, تعدى صاحبه وجار, وان نقص عنه, جبن ولم يأنف من الرذائل.

  وللحرص حد, وهو الكفاية في أمور الدنيا, وحصول البلاغ منها, فمتى نقص من ذلك كان مهانة واضاعة, ومتى زاد عليه, كان شرها ورغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه.

  وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال, والأنفة أن يتقدم عايه نظيره, فمتى تعدى ذلك صار بغيا وظلما يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود, ويحرص على ايذائه, ومتى نقص عن ذلك, كان دناءة وضعف همة وصغر نفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا حسد الا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق, ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس" رواه البخاري ومسلم, فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به  نفسه أن يكون مثل المحسود, لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود.

  وللشهوة حد, وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك, فمتى زادت على ذلك صارت نهمة وشبقا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات, ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفا وعجزا ومهانة.

  وللراحة حد وهو اجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها, فمتى زاد على ذلك صار توانيا وكسلا واضاعة, وفات به أكثر مصالح العبد, ومى نقص عنه صار مضرا بالقوى موهنا لها وربما انقطع به كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

  والجود له حد بين طرفين, فمتى جاوز حده صار اسرافا وتبذيرا, ومتى نقص عنه كان بخلا وتقتيرا.

  وللشجاعة حد متى جاوزته صار تهوّرا, ومتى نقصت عنه صار جبنا وخورا, وحدها الاقدام في مواضع الاقدام, والاحجام في مواضع الاحجام, كما قال معاوية لعمرو بن العاص: أعياني أن أعرف أشجاعا أنت أم جبانا تقدم حتى أقول من أشجع الناس, وتجبن حتى أقول من أجبن الناس, فقال:

شجاع اذا أمكنتني فرصة                    فان لم تكن لي فرصة فجبان

  والغيرة لها حد اذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئا بالبرئ, واذا قصّرت عنه كانت تغاقلا ومبادئ دياثة.

 

  وللواضع حد اذا جاوزه كان ذلا ومهانة, ومن قصر عنه انحرف الى الكبر والفخر.

  وللعز حد اذا جاوزه كان كبرا وخلقا مذموما, وان قصر عنه انحرف الى الذل والمهانة.

  وضابط هذا كله العدل, وهو الأخذ بالوسط الموضوع  بين طرفي الافراط والتفريط, وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة, بل لا تقوم مصلحة البدن الا به. فانه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك. وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك, اذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وان انحرفت الى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا.

  فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود, ولا سيما حدود الشرع المأمور والمنهي. فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود, حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخل فيها. قال تعالى:{ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله}التوبة 97. فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلا, وبالله التوفيق".


معوقات الوسطية

إن الكاتبين في الفكر الإسلامي يشيرون إلى أن هناك العديد من المعوقات تواجه مفهوم الإعتدال والوسطية. " لقد اصبحت المجتمعات الإسلامية – في مجملها- ورغم الصيحات التي تفجرت في العصور الحديثة, ورغم الصحوة الإسلامية الكبرى في هذا القرن, والمشروع الحضاري العربي الغسلامي الكبير في كتابات بعض المفكرين, اصبحت مجتمعات تتسم بالتسيب القيمي والفساد الإقتصادي والإداري,والاستبداد السياسي, أنها مجتمعات مغزوة ثقافيا وتربويا, والسبب في كل ذلك يرجع إلى عدم الإعتراف بواقع التجزئة والتبعية. وبدلا من استحداث برامج ومشاريع تكاملية تستطيع عل المدى البعيد أن تتخطى الإشكالية الحضارية التي تكتنفها تحاول هذه المجتمعات القفز من فوق هذا الواقع لمعانقة أحلام وردية في الوحدية والتنمية والتحديث, وبالتالي تجد نفسها مظطرة في معظم الاحيان إلى اللجوء إلى استجابات كبيرة معظمها ردود أفعال وقتية أو مشاركات وهمية في العمل السياسي والإقتصادي والاجتماعي, وهي على العموم استجابات باهضة التكاليف في إطار نموذج غربي للتنمية والتحديث (موسى, 1987م, ص 186).   

"وإذا كان هناك من يتعرض بالتجريح بعض النظريات (سواء في العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية مثل نظرية دارون ونظرية فرويد) – فإن النقد والتمحيص من المختصين المتمكنين لا ممن قرأ بضع كلمات أو سطور أو كتب منقولة عن ناقل- هذا التمحيص هو الذي يرجى من خلاله تميز النافع لنا من غيره.

إن هناك من يرمي الفكر الإنساني كله بالكفر وبالجاهلية, والحق  أن الفكر الإنساني فيه بقية هدى أنتجتها الفطرة الكامنة في الإنسان, وفيه جهد العقل الإنساني الذكي المتراكب على مدى عمر الإنسانية, وفيه مع هذا وذاك قدر من الخطأ والإنحراف يزيد وينقص.

وقد ترتب على هذه السلبية من الفكر الإنساني موقف غير صحيح يخفي وراءه روح الإنعزالية, ويخفي وراءه روحا مغالية في التعالي, والشعور بالتعالي يؤدي على إخفاء ما عند الغير من أشياء نافعة, و التهوين من أمره, مما يقطع الطريق إلى معرفة الحق والخير. ويخفي هذا الموقف السلبي ان الفكر الإنساني روحا يملؤها الشعور بالنقص (الشعور بالنقص كما قد يؤدي أحيانا إلى الإنبهار بكل ما عند الأقوى فهو يؤدي أحيانا أخرى إلى الخوف والحذر إزاء كل ما عند الأقوى).

إن الصراع ليس هو جوهر العلاقة بين الحضارات, بل الجوهر هو التفاعل والتبادل, والأخذ والعطاء. على أن التفاعل قد يظلل أحيانا بعض مظاهر الصراع, يسبقه أو يصحبه أو يتبعه حرب أو حروب لمحاولة بعض الحضارات أن تفرض سلطانها على الآخرين.

ولكن ونحن نحاول المحافظة على قيمنا, وفي نفس الوقت نحرص على اقتباس النافع من غيرنا كيف نفرق بين ما يسمى الغزو الفكري وبين التفاعل الحضاري (أي بين التغريب والتحديث) ؟

الغزو الفكري هو فرع من الغزو الإستعماري, وهو نوع من التشويه الفكري, مقصود به تهياة البلاد المستعمره المتخلفه للإستمرار في حالة تخلف والخضوع للإحتلال والسيطرة الخارجية.

الغزو الفكري: يعني انتقاء المستعمر لنواحي فكرية منحطة من حضارته, فيقدمها بغية تحقيق هدف استعماري, وهو يختار ما يهدم لا ما يبني, وإن كان ولا بد من قدر من البناء تحت الضغط الجماهيري فهو محدود أيضا بالهدف نفسه, وهو يمكن المستعمر من تحقيق أكبر كسب من تلك الصور المنحطة.

والمستعمر هنا سلبي يتلقى ما يلقى إليه, دون اختيار أو تمحيص بينما التفاعل الحضاري: جهد إيجابي شاق في الدراسة والبحث والتمحيص فيما لدى الحضارة الأخرى, ثم في الاختيار والإنتقاء ثم في التأقلم والتكيف مع خصائص حضارتنا الأصلية, ومع ضروف بلادنا.

التغريب يعني: قبول ثقافة الغرب قبولا مطلقا بخيرها وشرها وحلوها ومرها...

والتحديث: هو الاختيار الجاد لأحسن ما في ثقافة الآخر, لتعمل في وحدة مع أحسن مافي تراثنا لبناء حياتنا الحديثة, وبذلك نحافظ على شخصيتنا كأمة لها تاريخ ولها

رسالة على مستوى العصر, بل في أرقى مستوى للعصر. 

من أسباب الصراع الحضاري قديما وحديثا تنوع الثقافات والرغبة الجامحة في السيطرة وبسط النفوذ على الثقافات الأخرى.

يبين الجدول التالي نسبة سكان العالم الملتزمين بالتقاليد الدينية الرئيسية  (%) وهو جدول أورده صامويل هنتجتون 1998 أثناء حديثه عن صدام الحضارات.[6]

 

 

الدين

1990

1970

1980

1985

(تقديري)

2000

(تقديري)

مسيحي غربي

26.9

30.6

30.0

29.7

29.9

مسيحي أرثوذوكسي

7.5

3.1

2.8

2.7

2.4

مسلم

12.4

15.3

16.5

17.1

19.2

لاديني

0.2

15.0

16.4

16.9

17,1

هندوس

12.5

12.8

13.3

13.5

13.7

بوذي

7.8

6.4

6.3

6.2

5.7

شعبي صيني

23.5

5.9

4.5

3.9

2.5

قبلي

6.6

2.4

2.1

1.9

1.6

ملحد

0.0

4.6

4.5

4.4

4.2

 

 يرى ادوارد سعيد (1996 م) أن العالم العربي يعاني من ندرة الأفكار الأصيلة فهو مازال يقوم بالنسخ المباشر الذي لا صلة له بخصوصياتنا. قال ادوارد سعيد "ولهذا أعتقد أننا لم ننل قسطنا بعد من سيرورة التنوير والتحرر بالمعنى الفكري. وأعتقد أن اللوم يقع على المثقفين إذ ليس بوسعنا أن ننحي بالائمة على الإمبريالية أو الصهيونية" (ص 143).

 

 

قانون التفاعل الحضاري

كيف نستفيد من منهج الوسطية في بناء الحضارة في هذا العصر؟

الإسلام دين حضارة تستوعب التغيرات، والإنسانية في حاجة ماسة إلى الإستفادة من جميع الحضارات على اختلاف مشاربها والتاريخ يحدثنا أن الأمم جميعها ساهمت في ازدهار العلوم ورقي الفنون ومن غير المعقول أبداً الغاء حضارة من الحضارات وتهميش اسهاماتها. يحث الإسلام العمل والانتاج وان تنوعت الأشكال. قال تعالى " قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً {84}" (سورة الإسراء).  تسع العقلية المسلمة الاختلافات العالمية لأنها طبيعة بشرية لقوله تعالى " وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ {251}" (سورة البقرة)، ولهذا فإن الإسلام ينبذ الإكراه والقسر والاجبار لأنه يشجع الحوار بين الثقافات والتعارف والتسامح والاعتدال لقوله تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {13}" (سورة الحجرات).

تعالت صيحات تنادي بالحوار بين الثقافات (DIALOGUE AMONG CIVILIZATIONS) والإسلام استنادا لما سبق بيانه يرحب بذلك إذا كان هدفه مصلحة البشرية ولأن الحوار سنة من سنن التفاعل الحضاري بين الأمم منذ الأزل.

قال الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد باشا عن قانون التفاعل الحضاري "يمكن القول بأن المعادلة التي تبلورت من خلال الدراسات الموضوعية الجادة في تاريخ المعرفة والحضارة الانسانية قد أصبحت في حكم الحقيقة التاريخية الثابتة التي تعبر عن العلاقة بين ثقافات الأمم على أساس التفاعل المتبادل من جهة، مع الاحتفاظ بالهوية والقسمات المميزة من جهة أخرى. أما التفاعل المتبادل فيعني أن الثقافة الانسانية ذات موارد متعددة بين شرقية وغربية، يغذي بعضها بعضاً، دون أن تقام بينها حواجز منيعة، لا تسمح باتصال أو تبادل، ومن ثم نجد أن حضارات العصور القديمة والوسطى قد أخذت وأعطت مثلما تأخذ الأمم اليوم وتعطي، لتبقى شجرة العلوم والمعارف خضراء يانعة، وارفة الظل وغزيرة الثمار."

المطلوب هو تعميق القاسم المشرك بين الشعوب فيما يتصل بالمعرفة والمعروف ولا يقصد بالتفاعل التخاذل والتنازل.

المهم هو أن نتفاعل لا أن نتقاتل، وأن نتستفيد ونفيد، ونأخذ ونعطي، ونفكر ونختار، ولا تعني السماحة الرضوخ للخلل.

ما الفرق بين الفعل والتفاعل؟

تقول الباحثة خديجة عبالهادي المحميد أن "الفرق بين الفعل والتفاعل أن الفعل قد يصدر من طرف واحد بإزاء مجموعة، ولكن التفاعل هو عبارة عن ايجاد فعل متبادل بين الأفراد ومن لا يساهم في هذا الفعل فهو خارج عن مقولة التفاعل" (ص 94).

تأسيساً على ما سبق بيانه، فإن احتفاظ كل حضارة بخصوصياتها، والإبقاء على مقوماتها مع الإستفادة من غيرها وبمحض إرادتها أساس التفاعل الحضاري.

وإذا كان "الإنغلاق" مستحيلا.. وإذا كانت "العزلة" تقود إلى الذبول والإضمحلال.. ولما كان "التقليد" يقود إلى التبعية, التي تعني, هي الأخرى, الذوبان والذبول, أي اضمحلال الذاتية والخصوصية.. فلابد – في العلاقة مع الآخر الحضاري- من البحث عن الموقف الثالث.. الوسط.. العدل.. الحق في هذا الموضوع.. وهو الذي أسميه بـ"التفاعل الحضاري", من موقع الراشد المستقل, الذي ينفتح على كل حضارات الدنيا, دون أن يفقد ذاتيته وهويته واستقلاله الحضاري.." (عمارة, 2000 م , ص269).

أورد د. محمد عمارة مجموعة أمثلة لتعزيز رأيه بالأمثلة التاريخية مثل:

ü انفتح المسلمون على الحضارة الإغريقية والرومانية.. لكنهم أخذوا تدوين الدواوين, ولم يأخذوا شريعة الرومان وقانونهم.. وأخذوا العلوم الطبيعية, دون الإلهيات والآداب.

ü وانفتح أسلافنا على الحضارة الفارسية.. لكنهم أخذوا "التراتيب الإدارية", دون المذاهب الفارسيه.

ü وانفتح أسلافنا على الحضارة الهندية .. لكنهم أخذوا حسابها وفلكها, دون فلسفتها..

ü عندما انفتحت الحضارة الغربية على حضارتنا الإسلامية, أخذوا عنا ما هو مشترك إنساني عام – من المنهج التجريبي.. إلى العلوم الطبيعية- .. ولم يأخذوا التوحيد الإسلامي, ولا الوسطية الإسلامية, ولا المثل والمقاصد والأخلاقيات ..

 

"تتفاعل الحضارات الانسانية مع بعضها بعضاً بما يعود على الانسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة، فالتفاعل عملية صراعية ولكنها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن، عكس نظرية (صدام الحضارات) التي هي مقولة صراعية تدفع الغرب بإمكاناته العلمية والمادية لممارسة الهيمنة ونفي الآخر والسيطرة على مقدراته وثرواته تحت دعوى وتبرير أن نزاعات العالم المقبلة سيتحكم فيها العامل الحضاري" عزوزي، 2003 م).

"إن الإنفتاح على التجارب الإنسانية والإنتفاع بإيجابياتها, والأخذ بأقوم النظم والمناهج التي ثبتت صلاحيتها وسلامتها ومنافعها, من الوسائل المساعدة على إنجاز الأعمال الكبيرة التي تفيد الأمة والإنسانية نفعا عظيما. فالعالم تضيق جوانبه باستمرار, والتجربة الإنسانية حق مشاع لكل البشر, والحضارة الإنسانية, إنما هي جماع إبداع الشعوب والأمم وخلاصة عطاءاتها عبر الأزمان والأحقاب. ولذلك يتوجب على الأمة الإسلامية أن تفيد من العطاء الحضاري الإنساني, وأن تتفاعل معه, وأن تضيف إليه وتسهم فيه" (التويجري, 2001, ص81).

لعل كتابات الشيخ محمد عبده وفتاواه الاصلاحية تحمل بذور مفهوم التفاعل الحضاري في العصور الباكرة حيث نادى بضرورة الإستفادة من التقدم الغربي وأن الإصلاح الحقيقي الداخلي هو أفضل وسيلة لتحرير العالم الإسلامي (بني المرجة, 1996م, ص202).

"والاسلام كدين وحضارة عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات ينكر (المركزية الحضارية) التي تريد العالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى، فالاسلام يريد العالم (منتدى حضارات) متعدد الأطراف، ولكنه مع ذلك لا يريد للحضارات المتعددة أن تستبدل التعصب بالمركزية الحضارية القسرية، إنما يريد الاسلام لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام." (عزوزي، 2003 م).

يؤد العلماء على "إن التهجم على الغرب ليس بالحل الذي يجدي, فما يغمر العالم الإسلامي من العجز, ليس من صنع الغرب, وإن كان الغرب يحاول باستمرار أن يؤسسه ويطيل بقاءه, إنما هو نابع أساسا من الجمود الإسلامي السائد منذ قرون طويلة.. ومن الحالة الانفصامية التي يحياها المسلم يوميا بين تشريع ونظرات لا توافق العصر, وبين عصر يتجاوز الآفاق باستمرار مفتتحا المزيد من الفتوحات العلمية والمعرفية.

وعلينا – نحن.. الآن– أن نهيئ ونبلور منهاج التفاعل الحضاري مع الآخرين –غربا وشرقا- وأن نحدد مساحة الخصوصية الحضارية.. والهوية الثقافية.. والبصمة القومية.. ومساحة المشترك الإنساني العام.. لننفتح على الدنيا, ونصافح الجميع, دون أن نفقد هويتنا, فننجو من إفراط "العزلة و الانغلاق".. ومن تفريط "التبعية والتقليد"..

 


الفصل الثالث

خاتمة

الوسطية منهج عقدي وتشريعي وتربوي يهدف إلى تحريك الأمة من أجل تحرير النفس من خلال التوحيد الخالص الذي غير أمة العرب من ركام لا ذكر لها إلى أمة قائدة رائدة بالإيمان والعلم والعمل. هذه الوسطية السمحاء من شأنها أن تغير مجرى التاريخ إذا تحققت شروط النهضة الحضارية وعلى رأسها أن نفقه طبيعة الإسلام ومقاصده ثم نستوعب طبيعة العصر الذي نعيش فيه فنقيم قانون التفاعل الحضاري وعلى ضوء ذلك نعمل ونجتهد وكما قال تعالى " إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ {120}" (سورة التوبة).

لقد وازن الإسلام بين الدين والدنيا، والعقل والنقل، والمثالية والواقعية، والترغيب والترهيب من خلال منهجه الوسطي الذي يستوعب الميادين التي ركز عليها البحث ألا وهي العقيدة، والعبادة، والشريعة، والتربية. لم تكن الرسالة الإسلامية لتشجع العلم على حساب العمل ولكنها وازنت بين الفضيلتين أو كما قال أبو حامد الغزالي "العلم شجرة والعمل ثمرتها" (عبود، 2001 م، ص 317).

قال د. مصطفى السباعي في كتابه القيم هكذا علمتني الحياة " عش مع أهلك وسطاً بين الشدَّة واللين، وعش مع الناس وسطاً بين العزلة والانقباض، وعش مع إخوانك وسطاً بين الجد والهزل، وعش مع تلاميذك وسطاً بين الوقار والانبساط، ... وعش مع الحاكمين الصالحين وسطاً بين التردد والانقطاع، وعش مع بطنك وسطاً بين الشبع والجوع، وعش مع جسمك وسطاً بين التعب والراحة، وعش مع نفسك وسطاً بين المنع والعطاء، وعش مع ربك وسطاً بين الخوف والرجاء، تكن من السعداء".

نعيش في عصر متقلب تزداد فيه التحديات يوما بعد يوم ورغم كل المحن فإن بوارق الأمل مازالت تلمح من بعيد لأن الإسلام حضارة ودين، وعقيدة وشريعة قوامها الوسطية الخالدة.


النتائج

ü  لا صلة للحضارة بالمدينة أو البادية فهي صفة إنسانية فطرية تنمو بالمعرفة والعطاء والابداع.

ü  جعل الله جل ثناؤه هذه الأمة, وسطا في كل أمور الدين فلا تأخذ بالتشديدات ولا تميل إلى التهاون فالحسنة بين السيئتين، فيمقت الإسلام الإسراف والإفراط كما يمقت التفريط والتقصير.

ü  حضارتنا الإسلامية الوسطية تهتم بالجانب المادي والمعنوي على حد سواء وتحرص الحرص كله على أن تكون الحياة معتدلة، متوازنة ومتناسقة لتحقيق سعادة الفرد ومصالح المجتمع.

ü  قامت مجاميع من المتهورين بأعمال ارهابية استغلها أعداء الإسلام اعلاميا  في تشويه صورة الدين عالميا وترويج فكرة التشدد والغلو والتطرف رغم براءة الإسلام السمح من تلك المفاهيم الشاذة والمضادة له.

ü  لا بد من بيان سماحة الوسطية في الإسلام نظريا وعمليا لأنه دين السلام الذي يرفض الظلم بكافة صوره.

ü  تتجلى وسطية الإسلام في توجيهاته القرآنية وتطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للفرد والمجتمع والأمة.

ü  شجعت الحضارة الإسلامية منذ عصر مبكر العلوم المادية مثل علم الرياضيات الذي طوروا فيه تطويراً كبيراً بعدما اقتبسوه من الهند ولقد نبغ بناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية في الأقاليم العربية والإسلامية.

ü      المراد بالعلم والحضارة  كل معرفة وإسهامات تفيد الفرد والجماعة في إطار الدين.

ü  التفاعل مع الآخرين والتواصل معهم من خصائص الإسلام ولهذا فإن الحضاري من مستلزمات الوسطية الإسلامية.  إن احتفاظ كل حضارة بخصوصياتها، والإبقاء على مقوماتها مع الإستفادة المتوازنة من غيرها وبمحض إرادتها أساس التفاعل الحضاري.

 

التوصيات

1.         تشجيع الناشئة على الحوار وتأصيل مفاهيم التسامح والثبات على الدين بحكمة.

2.                               نشر مفهوم التفاعل الحضاري النابع من وسطية الإسلام.

3.                               تنشيط أجهزة الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية لتقوم بدورها في نشر قيم الإسلام وسماحته دون إفراط أو تفريط.

4.                               تنسيق الجهود بين المؤسسات الدينية وسائر المؤسسات المدنية لتوحيد لغة الخطاب، وتعزيز الفكر النافع.

5.         ودفع شبهات الناقمين بحكمة وموضوعية وصبر وإيمان مع تشجيع مفاهيم التعارف ونشر المعرفة الصحيحة والتعاون في المعروف بين جميع الملل والنحل والدول.

6.                               مراجعة شاملة منهجية مؤسسية للواقع بغرض تقديم الحلول العملية.

كشف حيل الغلاة وتتبع طرقهم في الزج بالشباب في أتون مواجهات جائرة لا تخدم الإسلام.

7.         تطوير نوعية الخطاب الدعوي ليستوعب ويشارك في استغلال التكنولوجيا الحديثة لنشر المفهوم الصحيح عن الإسلام وموقفه إزاء القضايا الكبرى.

8.         الاعتناء بشريحة الشباب ومحاورتهم وتنمية مواهبهم. "إن من أهم جوانب الحوار الرسمي هو ذلك الذي يتصل بجيل الشباب في المجتمع، وعلى صعيده يجب أن يتجلى التجمل بالصبر في أروع صوره؛ ذلك لأن لجيل الشباب خصائصه التي من بينها نزوع إلى الغلو والتطرف. وهذا النزوع لا يتعامل معه بالقمع الذي يورث العنف. وإنما بتوظيفه لصالح المجتمع من خلال الحوار، ولن يفتأ الشيخ المفكر يذكر بحق جيل الشباب على جيله وجيل بلوغ الأشد، بينما هو يتابع بأسى ما ينساق إليه "السلطان" أحياناً من "عنف" في التعامل مع بعض أبنائنا من الشباب. ويسلم الشيخ المفكر بأن الغلو في مجموعه ليس حسنًا، ولكن السماح به من خلال حرية الفكر يمكن أن يخفف منه ويأتي به إلى الوسطية والاعتدال، هذا فضلاً عن أن في الشباب "حدس" أشار إليه ابن الخطاب كما ذكر الماوردي في أدب الدنيا والدين، تشتد حاجة صاحب القرار للاغتناء به حين يبلور قراره" (الدجاني، 2004 م).

 

 

 

 

 


المراجع العربية

ابن الأثير(1424هـ- 2003 م). النهاية في غريب الحديث والأثر. موقع المحدث:

http://www.muhaddith.org

ابن خلدون، عبدالرحمن (بدون سنة طبع). مقدمة ابن خلدون. القاهرة: دار الشعب.

ابن عثيمين، محمد بن صالح (1424 هـ - 2003 م) الإعتدال في الدعوة. موقع ابن عثيمين:

http://www.binothaimeen.com/

ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي (1424 هـ - 2003 م). الفوائد.

ابن ماجه  (1424هـ- 2003 م). سنن ابن ماجه. موقع المحدث:

http://www.muhaddith.org

ابن نبي, مالك (1420هـ = 2000م). مشكلات الحضارة: شروط النهضة. ترجمة: عمر كامل مسكاوي وعبدالصبور شاهين. بيروت: دار الفكر.

أبو شقة، عبدالحليم، (1421 هـ - 2001 م). نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج. تقديم د. محمد عمارة. ط 1. الكويت: دار القلم.

الأصفهاني (1424 هـ - 2003 م). مفردات ألفاظ القرآن الكريم. موقع الدرر:

http://www.dorar.net/default.asp

الألباني, محمد ناصر (1406هـ - 1986 م). صحيح الجامع الصغير. بيروت: المكتب الإسلامي.

إسبوزيتو, جون ل (1422هـ-2002م). التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة. ترجمة قاسم عبده قاسم, ط2, القاهرة: دار الشروق.

باشا، أحمد فؤاد (1424 هـ - 2003 م). التقدم العلمي في ظل العولمة والنموذج الاسلامي لتفاعل الحضارات. في موقع البلاغ (الموسوعة الإسلامية):

http://www.balagh.com/islam/z003zncg.htm

بني المرجة, موفق (1417 هـ- 1996 م). صحوة الرجل المريض. ط 8, بيروت, دار البيارق.

البوطي، محمد سعيد رمضان (1424 هـ - 2003 م). العلوم في الإسلام. في ندوة العلوم في الإسلام. موقع إسلام ست:

http://www.islamset.com/arabic/asc/

تمام، أحمد (1424 هـ - 2003 م). ابن البواب عبقري الخط العربي. موقع إسلام أون لاين:

http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/07/article23.shtml

التويجري، عبدالعزيز بن عثمان (1423 م – 2002 م). خصائص الحضارة الإسلامية وآفـاق المستقبل. منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ  1423هـ/  2002م. موقع الإيسيسكو:

 http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Civisl/Civ.htm

التويجري, عبدالعزيز بن عثمان (1422 هـ- 2001 م). (الدور الحضاري للأمة الإسلامية في عالم الغد) في الإسلام اليوم. العدد الثامن عشر, السنة الثامنة عشرة, الرباط: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. 

الجاحظ, عمرو بن بحر (1388 هـ = 1969 م). الحيوان. تحقيق وشرح: عبدالسلام هارون. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

الحجي, حياة ناصر (1412هـ- 1992م). صور من الحضارة العربية الإسلامية في سلطنة المماليك. الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع.

الحسن, هيل (1421 هـ- 2001). التقنية في الحضارة الإسلامية. ط1, الكويت: مكتبة الفلاح.

الخطيب، محمد شحات وآخرون. (1415هـ ، 1995م). أصول التربية الإسلامية. ط1، جدة: دار الخريجي للنشر والتوزيع.

الدرر السنية (1424 هـ - 2003 م). تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. موقع الدرر السنية:

http://www.dorar.net

الدجاني، أحمد صدقي (1424 هـ = 2004 م). مفهوم التطرف وسياقاته: قراءة في شروط الوسطية والاعتدال. موقع إسلام أون لاين:

http://www.islamonline.net/Arabic/mafaheem/2004/02/article02.shtml

الدمشقي, شمس الدين محمد بن طولون الصالحي. (1412هـ- 1992م). نقد الطالب لزغل المناصب. حققه: محمد أحمد دهمان وخالد محمد دهمان. ط1, بيروت: دار الفكر المعاصر.

الدمشقي, عبدالقادر بن محمد النعيمي (1410هـ- 1990م). الدارس في تاريخ المدارس. أعد فهارسه: إبراهيم شمس الدين  ط1, ج2 بيروت: دار الكتب العلمية.

ديورانت، ول (2003 م). قصة الحضارة. المجمع الثقافي:

http://195.229.184.189/

الرازي، أبو بكر (1424 هـ - 2003 م). مختار الصحاح. موقع المحدث:

http://www.muhaddith.org/cgi-bin/dspl_cgi.exe/form

رمضان, خيرية وجامع, علي (1415هـ- 1995م). تطور الرياضيات عبر العصور: دراسة تاريخية علمية. ط1, الكويت: دار الترجمة.

السباعي، مصطفى (1424 هـ = 2003 م). هكذا علمتني الحياة. موقع الوحدة الإسلامية:

http://www.alwihdah.com/download.asp

السُّبْكِيّ، تاج الدين عبد الوهاب بن عَلِيِّ (1407هـ - 1986م). مُعِيد النِّعَم ومُبِيد النِقَم. بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية.

سعد, قاسم علي (1420 هـ- 1999م). الأرقام العربية تاريخها وأصالتها وما استعمله المحدثون وغيرهم منها. في الأحمدية. العدد الثالث. دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث.

السعدي، عبدالرحمن (1424 هـ - 2003 م). تفسير السعدي. ملتقى أهل الحديث:

http://www.ahlalhdeeth.com/

سعيد, إدوارد (1996 م). تعقيبات على الإستشراق. ترجمة: صبحي حديدي, ط1, بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

السيوطي، عبدالرحمن (بدون سنة طبع). الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير. بيروت: دار الكتب العلمية.

السيوطي، عبدالرحمن  (1424 هـ - 2003 م).  زيادة الجامع الصغير، والدرر المنتثرة. موقع المحدث:

  http://www.muhaddith.org

الشايجي, عبدالرزاق والمعتوق, عبدالله  والهاجري, شافي (1423هـ- 2002م). آراء أعضاء هيئة التدريس بكليات الشريعة وأقسام الدراسات الإسلامية بدول مجلس التعاون الخليحي حول (معوقات البحث في العلوم الإسلامية). في الأحمدية.  العدد الثاني دبي: دار البحوث والدراسات الإسلامية وإحياء التراث.

الصابوني, محمد علي (1417 هـ- 1997 م). صفوة التفاسير. ط1, القاهرة: دار الصابوني.

الصاوي, محمد وجيه (1999م). دراسات في الفكر التربوي الإسلامي. ط1, الكويت: مكتبة الفلاح.

صقر، عطية (1424 هـ - 2003 م). الموضوع (321) الإسلام والتطور.

في موسوعة دار الإفتاء المصرية (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر. القاهرة: موقع الأزهر

http://www.alazhr.org

صقر، عطية (1424 هـ - 2003 م). (الموضوع 336) اللغة العربية واللغات الأخرى. في موسوعة دار الإفتاء المصرية (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر. القاهرة: موقع الأزهر

http://www.alazhr.org

الطيب، أحمد (1424 هـ - 2003 م). وسطية الحضارة الإسلامية ج1. موقع مجلة اللواء الإسلامي:

http://al-lewaa-al-islami.masrawy.com/27052003/142058news.htm

عاشور، سعيد عبدالفتاح، عبدالحميد، سعد زغلول، والعبادي، أحمد مختار (1406 هـ - 1986 م). دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية العربية. ط2، الكويت: ذات السلاسل.

عبدالمعطي, يوسف, (1999). تربية المسلم في عالم معاصر. الكويت: الصندوق الوقفي للثقافة والفكر.

عبود, منير ب. (2001).  موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية: أكثر من عشرة آلاف مثل وحكمة وقول. بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع.

العجيري, صالح محمد (1387هـ - 1967م). تقويم القرون لمقابلة التواريخ الهجرية والميلادية خلال عشرين قرنا هجريا تبدأ بسنة 1 هجرية إلى سنة 2000 هجرية ويطابق ذلك من سنة 622 ميلادية إلى 2562 ميلادية.  الكويت: مكتبة العجيري.

عزوزي، حسن (1424 هـ - 2003 م). الإسلام وترسيخ الحوار الحضاري. موقع بلاغ (الموسوعة الإسلامية):

http://www.balagh.com/mosoa/fekr/x105hmqu.htm

عمارة, محمد (2000 م ). الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.

الغراري، حليمة (1424 هـ - 2003 م). بناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية. منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو -  موقع الإيسيسكو:

http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/fikr/fikr.htm

الغزالي, محمد (2002 م). خلق المسلم. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والتوزيع والنشر.

 الغزالي, محمد (1420هـ = 1999م). هذا ديننا. ط1, بيروت: الدار الشامية.

الفارس, جاسم (1323هـ- 2002م)( أسس البحث العلمي الإسلامي ). في الأحمدية.  العدد العاشر دبي: دار البحوث والدراسات الإسلامية وإحياء التراث.

فالح, عامر عبدالله (1420هـ2000م). معجم ألفاظ العقيدة. ط2, الرياض: مكتبة العبيكان.

الفقي, عصام الدين عبدالرءوف (1410هـ - 1990م). معالم تاريخ الاسلام. ط1 , الكويت: مكتبة الفلاح

الفيروزآبادي (1424 هـ - 2003 م). القاموس المحيط. موقع المحدث:

http://www.muhaddith.org/cgi-bin/dspl_cgi.exe/form

القرضاوي، يوسف  (1424 هـ - 2003 م). الحياة الربانية. موقع د. يوسف القرضاوي:

http://www.qaradawi.net

القرضاوي، يوسف  (1424 هـ - 2003 م). مدخل لمعرفة الإسلام. موقع د. يوسف القرضاوي:

http://www.qaradawi.net

قطب، سيد (1424 هـ - 2003 م). خصائص التصور الفني في القرآن. موقع نداء الإيمان:

http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=310&CID=1

الكندري, لطيفة حسين وملك, بدر محمد ( 1423هـ = 2002م). تعليقة أصول التربية. ط1, الكويت: مكتبة الفلاح.

الماجد, كلثم عمر عبيد, (1423هـ- 2003 م). معالم تربوية من سير أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهم. ط1, دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث.

مؤنس, حسين, (1998م). الحضارة دراسة في اصول وعوامل قيامها وتطورها. ط2, الكويت: المجلس الوطني للثقافه والفنون والآداب.

محمد, محمد عبدالسلام وآخرون (1418هـ- 1998م). دراسات في الثقافة الإسلامية. ط7, الكويت: مكتبة الفلاح.

محمود, محمود عرفة والعبد الغني, عبدالرحمن محمد, والسهيل, نايف عيد (1417 هـ - 1997 م ). دراسات في الحضارة العربية الإسلامية. ط1 الكويت: مكتبة ابن كثير.

مخلوف، حسنين محمد (1424 هـ - 2003 م). الموضوع ( 701 ) الشريعة الإسلامية بها ما يحقق العدالة الاجتماعية. في موسوعة دار الإفتاء المصرية (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر. القاهرة: موقع الأزهر

http://www.alazhr.org

مجمع اللغة العربية (بدون سنة طبع). المعجم الوجيز.

مرزوق، عبد الصبور (1424 هـ - 2003 م). موسوعة المفاهيم (الإسلام). في موسوعة دار الإفتاء المصرية (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر. القاهرة: موقع الأزهر

http://www.alazhr.org

مرزوق، عبد الصبور (1424 هـ - 2003 م). موسوعة المفاهيم (التطرف). في موسوعة دار الإفتاء المصرية (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر. القاهرة: موقع الأزهر

http://www.alazhr.org

المحميد، خديجة عبدالهادي (1420 = 2000 م). المرأة المسلمة ومتطلبات التنمية والبناء. ط2،  بيروت: المركز الإسلامي للدراسات.

المرزوقي، أبو يعرب (1424 هـ - 2003 م). العدوان على حقوق الإنسان في الحضارة الإسلامية. في الحياة الطيبة: العدد الثاني عشر, السنة الرابعة. بيروت: معهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) العالي للشريعة والدراسات الإسلامية.

ملك، بدر محمد والكندري، لطيفة حسين (1424 هـ = 2003 م). مختصر كتاب تراثنا التربوي: ننطلق منه ولا ننغلق فيه. ط1. الكويت: مكتبة الفلاح.

الموسوعة الشعرية (1424 هـ = 2003 م). الإمارات: المجمع الثقافي.

http://www.cultural.org.ae/a/Poetry/defualt.htm

موسى, محمود أحمد (1987م). قضايا المجتمع. في الفكر التربوي العربي الإسلامي الأصول والمبادئ. تونس:  المنظمة العربية للتربية والثَّقَافَة والعلوم.

الموسوعة العربية العالمية. (1416 هـ - 1996 م). الرياض: مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع.

الموسوعة العربية الميسرة.  (1422هـ - 2001 م).  الطَّبعة الثانية المحدَّثة. بيروت. دار الجيل بترخيص من الجمعية المصرية لنشر المعرفة

الموسوعة الفقهية (1424 هـ - 2003 م). الكويت. موقع وزارة الأوقاف:

http://www.awkaf.net

موقع عجيب (1424 هـ - 2003 م). معاجم اللغة العربية.

http://lexicons.ajeeb.com/intro/stat.asp

النووي, محي الدين أبي زكريا بن أشرف (1422 هـ - 2001 م). رياض الصالحين. بيروت: المكتبة العصرية.

الهنيدي, جمال محمد محمد (1421هـ - 2000م). تربية علماء الطبيعيات والكونيات المسلمين: في القرون الخمسة الأولى من الهجرة. ط1 المنصورة:  دار الوفاء.

هنتجتون, صامويل (1998م). صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة: طلعة الشايب. مصر: دار الكتب المصرية.

هيشان، صباح عدامه (1424 هـ  -  2003 م). أساليب التربية العربية - الإسلامية في مواجهة العنف (( رؤية منهجية )). مؤتمر نحو بيئة خالية من العنف للأطفال العرب، عمان - نيسان. موقع أمان:

http://www.amanjordan.org/conferences/vaciaw/main.htm

وطفة, علي أسعد (2002 م). التربية إزاء تحديات التعصب والعنف في العالم العربي. ط1, أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

 

 

المراجع الأجنبية

 

Ali, M. (1990). The Religion of Islam. Lahore: The Ahmadiyya Anjuman Isha'at Islam.

 

Encyclopædia Britannica (1995). Britannica CD.

 

Esposito, J. L. & Voll, J. D. (2001).  Makers of contemporary Islam.  New York, NY: Oxford University Press.

 

Islamic horizons (September-October 2001). Religions have unity in diversity. In Islamic horizons.

 

James, George G.  M. (1992). Stolen legacy.  Virginia:  U.B.& U.S. Communications systems, Inc.   

 

Schimmel, A. (1995). Calligraphy and Epigraphy. In J. Esposito (Ed.), The Oxford encyclopedia of the modern Islamic world (Vol. 1. p. 243).  New York, NY: Oxford Univ. Press.

 

Siddiqi, M. (September-October 2001). Religions have unity in diversity. In Islamic horizons.

 

 

 



[1] التخريج (مفصلا): الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أسامة بن زيد تصحيح السيوطي: صحيح. رقم الحديث (8820). انظر موقع المحدث:

http://www.muhaddith.org

 

[2] أي وكان إنفاقهم وسطا معتدلا بين الإسراف والتقتير ( الصابوني, 1997 م, ص 339)

1 رواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب عن أنس وضعفه السيوطي وصححه الألباني.

[4] تقوم الحضارات على حسن استغلال الوقت وكا يقول مالك بن نبي – المفكر البارز- (2000 م) في كتابه شروط النهضة "الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل!. فهو يمر خلال المدن يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباء؛ وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب ومجال كل فرد، بفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير (ثروة)، وفي مجال آخر يتحول عدما. فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها له ما أنجز فيه من أعمال" (ص 145).

 

1  مهمة خازن الكتب "المحافظة على الكتب المدرجة في خزانة المدرسة وكذلك المصاحف الشريفة" (الحجي، 1992 م، ص 191).

[6] انظر هنتجتون (1998), صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي ص 107.


Hosted by www.Geocities.ws

1