تراثنا التربوي
ننطلق منه ولا ننغلق فيه
د. بدر ملك د. لطيفة الكندري
© جَمِيعُ الحُقوق مَحْفُوظَة لِلمُؤلِفَين
الطَّبعة الأولى
1422 هـ = 2002 م
N
التعليقة المتميزة لفضيلة د. يوسف عبدالمعطي
]الفَصْلُ الأَول: مُنْطَلَقَات[
القِسم الأول: مُنطلقات الأصالة
موقِفُنا مِن النَّكبات الفكريَّة
المنهجُ العِلْمِي للتَّفكير في الإسلام
تقدير لا تقديس العلماء والمُجتهدين
الفكر التَّربوي يقبل الاختلاف لا الانحراف
القسم الثَّاني: مُنطلقات المُعاصرة (الفِكر الغربي والإسلام)
القَسمات الثَّقافيَّة والأخلاقيَّة للمجتمع الغربي
التَّقدُّم والعلم في العقل الغربي
رأي بعض خبراء التّربية الغربية بمساهمات تراثنا التَّربوي
أثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالَم
الرِّحْلَةُ العِلْميَّة في تراثنا وشبهات المستشرقين
كَلِمَات تُنير حركة الحَياة
"وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون {78}" (سُوْرَةُ الْنَّحْلِ). "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {2}" (سُوْرَةُ الْجُمْعَةِ). "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5} كَلا إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى {6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى {7} إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى {8}" (سُوْرَةُ الْقَلًمِ).
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي[1] فِيِه عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنّةِ، وَإِنَّ المَلاَئِكَةَ لتَضَعُ أَجْنحِتَهَا رِضًى لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي اْلأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي المَاءِ[2]، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، إِنّمَا وَرّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرمِذِيّ وَأَحْمَد وابْنُ ماجَه[3].
طَلَبَ الأَمِيْرُ أَبُو مُحَمَّد المُوَفَقُ مِنَ الإِمَامِ سُلَيْمَان بِنِ الأَشْعَثِ الْسجستَانِي اْلمَعْرُوْفُ بِأَبي دَاوُد (202 - 275 هـ = 817 – 888 م) أَنْ يُخَصِّصَ لأَوْلاَدِ الخُلفَاءِ مَجْلِساً لِيعُلِّمَهُمْ لأنَّهُم لاَ يُرِيدُوْنَ أَنْ يَجْلِسُوْا مَعَ عَامَّةِ اْلنَّاسِ فَقَالَ أبُوْ دَاوُد لِلأََمِيرِ: "أَمَّا هَذهِ فَلاَ سَبِيْلَ إِلَيْهَا، لأَنَّ النَّاسَ [شَرِيفهم وَوَضِيعهم][4] فِي الْعِلْمِ سَوَاءٌ" [5].
التعليقة المتميزة لفضيلة د. يوسف عبدالمعطي[6]
بسم الله الرحمن الرحيم
اطلعتُ على كتاب: تراثنا التربوي, ننطلق منه ولا ننغلق فيه للأخ الفاضل الدكتور بدر محمد ملك, والأخت الفاضلة الدكتورة لطيفة حسين الكندري, فأحسست بسعادَةِ مَنْ بَحَثَ عَنْ أَمْرٍ عُمراً, ثم فُوجئ به أمامه!
كنا نحس ونحن في كلية التربية بعد انهاء الدراسة الجامعية، في أول الخمسينات بألم وحسرة، حين ندرس التربية اليونانية والرومانية باعتبارها المَعين الذي انطلقت منه فلسفة بناء الإنسان! ونمضي مستعرضين –وفقا لتلك المناهج- تطور الفكر التربوي ليقال لنا: إن التربية الحديثة بمنهجها البرجماتي النفعي هي رائدة ذلك وعصف بقلوبنا حزنٌ وأسى نتساءل: والمسلمون في هذا السياق كله أين هم؟ أليس لهم في بناء الإنسان فكر ولا منهج للتربية؟ كيف؟ وكتاب ربنا، وبعثة رسوله، موجه لهداية الإنسان إلى نهج الحياة الذي يحقق رسالته على الأرض, ويعده لثواب الآخرة. فلا نجد للتربية الإسلامية ذكراً في كليات التربية, وكان حوارنا مع أساتذتنا دائما حواراً ساخناً فقد عادوا من البعثات بفكر أهل تلك البلاد, دون أن يرجعوا إلى هويتهم وتراثهم وهدى ربهم!
كتابكما أسعد قلبي ونفسي فجزاكم الله خير الجزاء, ووفقتم في عنوانه أيما توفيق، لخصتم القضية في هذا العنوان: ننطلق منه لأنه هدى ربنا ورسالته ونهجه الذي أهداه إلينا نورا نمشي به, في رحلتنا على الأرض، دون أن ننغلق فيه: "فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها لا يبالي من أي وعاء خرجت" "… فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" فالمبشرون من عباده هم الذين أحسنوا الاستماع (استمعوا) وميزوا الحسن فاتبعوه فهم منفتحون على الخير، باحثون عنه، مقبلون عليه لأنه الحق، والحق أحق أن يتبع فلا انغلاق. نعيش عالمنا ولنا فكر وهوية ورؤية للكون، والحياة والإنسان: أصولها العامة أهداها إلينا ربنا، والفكر والتأمل والبحث والتجريب يقودنا إلى تفاصيلها، ومستجداتها، وما يلائم ظروفنا.
وتوقفت طويلاً أمام: التعليقة التعليمية كوسيلة لإحياء وتطوير تراثنا التربوي وأشهد أن كتابكما قَدَّم بهذا الأمر "فتحاً" جديداً. فاستخرج من التراث هذه الممارسة فشرحها، وأوضحها، وأثراها بإضافات، وأصَّلها بمعايير، وقدَّم إضاءة تعين المتعلم، وتوجهه لكيفية كتابتها, وأورد الفروق بينها وبين البحث الذي يتوجه لمعالجة موضوع مفرد وعمل على إقناع المتعلم بما يعود عليه بالفعل حين يحرص على ممارستها نهجاً يتخذه في تعلمه, إذكاءً لفكره, وتواصلا مع رواد العلم قبله, وتدوين أهم ما توصلوا إليه مما يتصل بما يدرسه المتعلم وبحثاً في مناحي حياته وتجربته, وما يطلع عليه حوله مما يؤيد ذلك, وهو في هذا التسجيل صادق أمين يسجل عثراته, وإنجازاته, واستنتاجاته بل وحيرته وتساؤلاته فالتعليقة بذلك صديق مصاحب وعالم يلخص له جوهر المسائل, ووقفة تمد البصر بين ما يدرسه وما يعيشه: إيجابا وسلبا, واقتناعا, واستمرارا في البحث والتساؤل.
والتعليقة بكل ذلك سجل عقله, ورحلة فكره, في ما يقرأ ويسمع, ويفسر مما أورده الآخرون عبر التراث, أو في تفسير أساتذته وتعليقاتهم على ذلك ولكن الأكثر أهمية في كل ذلك هو وجوده هو نفسه في التعليقة التي تحمل رؤيته وفكره فهو حاضر يقظ متابع حريص متسائل وليس مجرد متلقٍ. يعلم أن العقل هدية الله إليه فيسعى جاهدا ليستثمرها ويعملها باحثا عن الحق.
إن هذا الفتح الذي وفقكم الله إليه, هو نقلة جديدة في طرائق التربية وجسر حي يمتد بين التراث والواقع وتصل بإذن الله أطرافه إلى المستقبل احتراما لعقل المتعلم, وتدريبا ليقظته وملاحظته, ورصده الواعي لما يمر به من خبرات تعليمية. لكن أكثر الأمور أهمية هو منحه الحق في أن يخطئ ويراجع نفسه ويسجل ذلك فقيمة "التعليقة" فيما تتضمنه من صدق وصراحة وتسجيل للرحلة الباحثة عن الصواب وهي خلال ذلك تمر بأخطاء كثيرة يشرف المرء بتسجيلها ولا يخجل. لو نجحنا في إشعار المتعلم بتقبلنا لذلك فإننا نكون قد قطعنا شوطا هاما, جزاكما الله الخير.
وحاليا أعيش مع الكتاب الذي ألوم نفسي أنني لم أعرفه قبلا فحرمت من جهد وعمل علمي يعبر عن توجه أصيل نحو تربية تحمل إلى الدنيا هدي ربنا في انفتاح وتفهم وجهد ودأب. إن مراجع هذه الدراسة رد على من يغفلون الإشادة بأن بين ظهرانينا من يسترخصون الجهد ويُعْمِلون العقل وينفتحون على كل فكر في روية وتدقيق. إن بحثكم عن الواقعية، والوسطية, والشمولية، والعالمية بقلب متسامح وعقل واع هو أمل يسعد المرء أن يرى الساعين إليه. إن تمييزكم بين الدين والتدين, وإبراز التفكير كفريضة إسلامية, وفضيلة إنسانية وتفصيلكم المتكرر لدور الفكر, ومكانته "كقوة باحثة عن الخير" موقف أسأل الله أن يثيبكم عنه وما قرأته في الكتاب من عرضكم للمنهج العلمي كنهج إسلامي في وظائفه وتطبيقه وتقديره للعمل العلمي دون تقديس بما يؤكد هذا النهج المتوازن الذي نتواصى به هو عرض موضوعي محمود.
لكن جوهرة الكتاب؛ موقفكم من المرأة: إنصافاً, وإبرازاً لإسهاماتها في التراث والعلم, وتصويباً لاتجاهات عزلها وحرمانها من القيام في مسؤوليتها في النصيحة المشورة ونشر العلم, وحرصكم في هدأة وأمانة على عرض وجهات النظر المختلفة موقف محمود وودت لو رأيت بين المراجع كتابا أراه كتاب هذا القرن للأستاذ عبدالحليم محمد أحمد أبو شقة رحمه الله فقد توفي منذ عامين وعنوان كتابه: (تحرير المرأة في عصر الرسالة).
اسمحا لي أن أقدم جهدا متواضعا في هذا المسار الكريم الذي قدمتما فيه هذا العمل الرائع وهو أحد كتبي: تربية المسلم في عالم معاصر. وأشكر الحفيدة التي أهدتني نعمة التعرف عليكما, ووجدت من خطوطها على صفحات الكتاب, وما سجلته في الهوامش بداية "تعليقة" لها سعدت بها.
رعاكما الله
تحريرا في 29 من المحرم 1423 أخوكما
12 إبر يل 2002 يوسف عبدالمعطي
المُقَدِّمة
الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي كًرَّمَ الإِنْسَانَ بِالفِكْرِ الْكَرِيْمِ، وَبَعَثَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِالْذِّكْرِ الْحَكِيْمِ.
وبَعد:
ففي عالمٍ مُتَغَيِّرٍ يَتَحَرَّك بِوَتِيرةٍ مُتَسَارِعَةٍ، ويضمُّ مَنظُومَاتٍ فِكْرِيَّةٍ مُتَصَارِعَةٍ، وفي ظِلِّ عُزْلَة الأُمَّة المُسلمة وغيابها عن عَمَلِيَّة المساهمة الحضاريَّة الفاعلة في ميدان العلوم الكونِيَّة، والبحريَّة، والزِّراعيَّة، والتِكْنُولُوجِيَّة والطِّبِيَّة والعسكريَّة وغيرها من الميادين المُتنامية نكون أمام ثلاثة خيارات في تحديد المنظور التَّربوي. إِمَّا أنْ نختار الخيار التَّغريبي وهو الانخراط في تيَّار ثقافة الغرب لنلحق بالرَّكب وإن تنكَّرنا لأُصُولِنا، وخسرنا تميزنا وذاتيتنا، وإمَّا أن نَقبل الخيار الثَّاني وهو الانغلاق في دائرة التُّراث المندثر فنقاطع التَّطوير ونكتفي بتمجيد شكليات الماضي، وإمَّا أن نتَّجه نحو الخيار الثََّالث وهو الذي يتمثَّل في تيار إسلامي راشد. تيار مُعتدل يُحرِّر العقل من رِقِّ التَّقليد الأعمى ويجاهد في تَعلُّم العلوم النَّافعة أينما كانت في القارَّات الخمس وغيرها فنفهم الدِّين كمنهج حياة، وننتفع من محاسن ذخائر التُّرَاث على أساس سليم لنقيم من جديد صرح حضارة التَّوحيد النَّاضرة التي تفيض رحمة وعدلاً وإنسانيَّة. الخيار الإسلامي الوسط كمنهج للأُمَّة ومَخرج من الأزمة هو الإطار الْعِلْمِي والتَّوجُّه الإيجابي الذي نعتقده ونعتمده في دراستنا هذه وكل دراساتنا إن شاء الله تعالى، وهو الأمل الأوَّل والأخير لأُمَّتِنا.
إنَّ التُّرَاث القديم الضَّخم بِشقَّيه المادِّي والأدبي نتج من جهد بشري مُتراكم وهو مدد للفِكر العالمي المعاصر إذ تستلهم الإنسانيَّة منه الأفكار الخصبة لتطوير مناهج البحث، وطرق تعمير الأرض، وفهم الكون وإقامة العدل، ونقد الذَّات والمجتمع. التُّرَاث بما فيه من سلبيات وإيجابيات، وتحدِّيات وتيَّارات، من شأنه أن يُبصِّرنا بجذور بعض الحقائق، ويمدَّنا برؤية تحليليَّة لثقافة المجتمعات، وعوامل ازدهارها وانهيارها مادِّياً وروحياً، ثقافياً وأخلاقياً. وهذا الأمر يجعل عُلَمَاء التَّربية يدرسون أُصول التَّربية التي يَتَفَرَّع منها دراسة التَّارِيخ والدِّين والفلسفة وعلم الاجتماع وهي مكوِّنات أساسيَّة لاستيعاب التُّرَاث التَّربوي وتحليله.
إنَّ دراسة نفائس الفكر التَّربوي تقود السَّالِك في مدارِجِهِ إلى تقدير واحترام مساهمات السَّابقين مع مراجعتها، وتنقية الثَّقَافَة القديمة مع تعزيزها لإثراء الحاضر وتنمية مسيرة المستقبل. استناداً لما سبق فنحن نحاول أن ندرس التُّرَاث دراسة واعية متوازنة لا لِنَنْغَلِقَ في تمجيد القديمٍ المفقود، ولكن لِنَنْطَلِقَ من قَوَاعِدِهِ إلى آفاقِ الطَّريقِ القويم المنشود.
كَتب محيى الدِّين صابر (2001 م) عن التُّراث ومُستقبل الأمَّة فأكَّد على أنَّ "تصور الاعتماد الكامل على التُّراث، وإعادة إنتاجه، لا يقل استحالة عن إلغائه وتجاهله … وأنَّ عملية الانتقاء التُّراثي، والتشبُّث المطلق بالتُّراث، لمجرد أنَّه تُراث، موقف عاطفي أكثر منه موقفاً موضوعياً، ذلك أنَّه ينبغي وضع التُّراث في سياقه التَّاريخي والحفاظ على ثوابته وتطويرها، بما تأذن به طبيعتها، والانتفاع بمعطيات الثَّقافة المعاصرة، حتى لا يغترب المجتمع عن واقعه، أو يُصاب بانفصام الشَّخصية فيعيش بطريقة، ويفكر بطريقة أخرى".
نأمل أن تكون دراستنا هذه محاولة اجتهاديَّة توفيقيَّة توثيقيَّة نافعة لتطبيق مفهوم الأصالة والمعاصرة في فهم الفِكر التَّربوي لمواجهة التَّحدِّيات الحضاريَّة. تنبثق هذه الدِّراسة من إيمان عميق بأنَّ الأصالة والمعاصرة بينهما علاقة تكامل وتساند لا تناقض وتعاند. إنَّها في بعض جوانبها نظرات ترجيحيَّة كتبناها أو نقلناها أو ترجمناها وناقشناها أو طوَّرناها وهي ليست قطعيَّة في بابها فلن تسلم من النَّقص شأنها شأن أي محاولة استكشافيَّة فِكريَّة محضة يَعْسُرُ فيها التَّوصُّل إلى القول الفَصل في كلِّ بنودها. في نهاية قراءة هذا البحث قد يشعر القارئ أنَّنا قدَّمنا بعض الأسئلة ولم نُجب عليها، وأنَّنا فتحنا أبواباً قد تتطلَّب المزيد من الجهد لتقصي حقائقها وهذا شأن البحث الإنساني الذي إذا بدأ يَصعُب أن ينتهي بنتائج إيجابيَّة قطعيَّة في كل المسائل.
يتطرَّق هذا الكتاب في البداية إلى لفيف من المنطلقات الفِكْرِيَّة الأساسيَّة المُعينة لفهم التُّرَاث التَّربوي والشَّارحة لخصائص الفكر الإسلامي الزَّاخر بالمفاخر مع التَّنويه على بعض التَّحدَّيات والإشكاليات القديمة والحديثة التي تعترض طريقنا مثل قضايا تعليم المرأة بين الواقع والمثال مع عرض بعض الصّور التَّعْلِيْمِيَّة التي تعكس قسمات التَّربية في تراثنا وأيضاً سنعرض في هذا الكتاب دراسة لبعض أعلام التَّربية الإسلاميَّة الذين صاغوا بشكلٍ أو بآخر تراثنا الفكري، وفي ثنايا هذا الكتاب نظرات عميقة لمفكرين معاصرين حرصنا على الإشارة إليها كلما سنحت الفرصة المُناسبة.
يحتوي هذا الكتاب على ستَّة فصول:
الفصل الأول (مُنطلقات): يحتوي هذا الفصل التَّمهيدي على بعض القواعد التَّأصيليَّة العامَّة لفهم التُّرَاث التَّربوي الإسلامي. ومَنْ صَحَّت مُنْطَلَقَاتِه، زَادَ رُقيّه، كالبناء الشَّاهق لا يعلو إلا بقوة قواعده. نعتقد بقوة أنَّ بلورة هذه المنطلقات من ركائز تمكين الفكر الإسلامي وأن غيابها أو عدم تطبيقها من أسباب ارتباك الفكر وحركة الحياة معاً. ولأنَّ فلسفة التربية الإسلاميَّة تقوم على عنصري الأصالة والمعاصرة فإنَّنا سنُقسِّم هذا الفصل إلى قِسمين:
مُنطلقات الأصالة: وسَيتناول هذا القسم المفاهيم الهامَّة لدراسة التُّراث مِثل الثََّروة التُّراثِيَّة، أهميّة دراسة التُّراث، تعريف الفِكر التَّربوي ثمَّ سنحاول أنْ نستنبط بعض القواعد التي نعتقد أنَّها هامَّة في رحلتنا في دنيا التُّراث التَّربوي مثل تأصيل المنهج العِلْمِي للتَّفكير والعلم ومصادر تحصيله ثمَّ مُناقشة موقفنا من النَّكبات الفكريَّة.
مُنطلقات المعاصرة: يحتوي هذا القسم على التَّحديات الحديثة التي تواجه العقل المسلم وتزوِّد القارئ بمنطلقات عامَّة تتيح له رؤية واضحة لموقع التَّربية الإسلاميَّة على الخارطة الفكرية عالمياً مع بيان القَسمات الثَّقافيَّة والأخلاقيَّة للمجتمع الغربي ثمَّ سنقوم بنقد مفهوم التَّقَدُّم والعلم في العقل الغربي من منظور إسلامي كما سيتناول هذا القسم منطلقاً عصرياً هاماًّ يتحدَّث عن أَثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالَم.
الفصل الثَّاني (مُنجزات): يحتوي هذا الفصل على سرد أنماط ومؤسسات تعليميَّة كانت شائعة في تراثنا ويمكننا تَبنِّي بعضها اليوم. وفيه سنتحدَّث عن فضل علماء الإسلام في تطوير البحث العلمي وتنويع طرق التَّدريس وأثر ذلك في تاريخ العلم، وعمارة الأرض، وتثقيف الأمم الأخرى، وتطبيق مكارم القيم الإنسانيَّة. النَّفائس التُّراثيَّة جسر إلى تعميق شعور الانتماء لهذا الدِّين العظيم، وتُراثه الكريم. كما أنَّ الإطَّلاع على الرَّوائع التُّراثية في فضاء حضارتنا يدفعنا إلى المزيد من التَّقدير للجهود المُضنية التي بُذلت في سلك التَّربية والتَّعليم وهذا من شأنه المحافظة على مُنجزات السَّابقين والاقتداء بها، والإضافة عليها. إنََّ الدَّعوة إلى تنمية الوعي الصّحيح بِمُنجزات تراثنا التَّربوي بقصد تعمير الحياة ومواكبة متطلباتها تنفخ فينا الأمل لتفجير ينابيع الخير المذخورة في إمكاناتنا، والكامنة في أفكارنا كي نُكمل مسيرة العطاء التَّربوي الحضاري في عصرنا هذا بعيداً عن الجمود والجحود. ونقصد بالجمود هنا هو الغلو في المحافظة على التُّراث إلى حد الانغلاق في قوالب التَّقاليد الرَّاكدة، والجحود هو التَّقصير فيه إلى درجة الانسياق في تيارات الغرب الوافدة.
الفصل الثَّالِث (مُخْتَارَات): يحتوي هذا الفصل على قراءات تربويَّة مُخْتارة لنُخبة من كواكب فكريَّة تألَّقت في فضَاء الحضَارة الإسِلاميَّة. هذه الكوكبة تشمل: ابن مِسكويه، وابن سينا، والماوردي، وابن تيميَّة، وتلميذه ابن قيِّم الجوزيَّة وأخيراً ابن خلدون. هذه النَّماذج تُقَرِبنا من هؤلاء الأعلام فنتعرف على طريقتهم في صياغة الأفكار والألفاظ التي كانت دارجة عندهم لوصف حركة التَّعليم في زمنهم، والموضوعات التي يرون أنَّها أولويات تربوية ينبغي للمعلم أن يحيط عِلماً بها. الهدف من هذا الفصل أيضاً هو محاولة تشجيع الطُّلاب والطَّالبات في كليِّات التَّربية في مقررات "تطوُّر الفكر التَّربوي" "وأصول التَّربية" وغيرهم على استقراء التُّرَاث العربي في مَظَانّه بعد محاولة تأهيلهم لبدء الخوض في رحابه في الفصلين السَّابقين من الكتاب. هذه المُنتخبات مادَّة علميَّة ثرِيَّة، وأرض جيِّدة خصبة لتوليد الملكة التَّربوية وكتابة الأبحاث والدِّراسات الجادَّة كي يكشف المُربُّون موضوعات ومسائل ومضامين الحقل التَّربوي لبناء نظريات تعليمية معاصرة من منظور التَّربيةِ الإسلاميَّةِ الرَّائدةِ.
الفصل الرَّابع (مُشكلات): يحتوي هذا الفصل على مناقشة وعرض لبعض التَّحديات الفِكْرِيَّة التي واجهت من سبقنا ومازالت تواجهنا فتتضارب فيها الآراء. يهدف هذا الفصل إلى تَحسُّس هموم الأمَّة وتنمية اليقظة الفِكرية بالأخطار الدَّاخلية المُحدقة بنا كما يؤكِّد على ضرورة مواجهتها وفق رؤية تؤمن بالخلاف وترفض الانحراف. في هذا الفصل ستكون رحلتنا مع جملة مواضيع وهي: نقد الخَوَانِق والتَّربية الباطنيَّة، وإشْكَالِيَّة فهم التُّرَاث بين الأصالة والمعاصرة، وإِشْكَالِيَّة التَّربية الموسيقِيَّة في الفِكر التَّربوي قديماً وحديثاً، وإِشْكَالِيَّة سُرعة تَقَبُّل العلوم الجديدة، والإِشْكَالِيَّة الاجْتِمَاعِيَّة في مسألة تربية المرأة، وأخيراً سنقف عند العوامل التي ساهمت في انهيار الحضارة الإسلاميَّة.
الفصل الخامس (مُناقشات): يحتوي هذا الفصل على جولة مع ثلاثة مفكِّرين يمثلون نماذج موسوعيَّة هَامَّة في تاريخ التَّربية والتَّعْلِيْم: الإمام الشَّافِعِيّ صاحب المكان المكين في الفكر الإسلامي، ثم الإمام الغزالي موسوعة التَّربية الإسلامية، وختاماً سنتناول آراء عَلاّمة الأمة ابن خلدون السَّباق إلى آفاق عِلْم الاجتماع، كما نناقش أثر هذا التُّرَاث وغيره في ميدان التربية والتَّعْلِيْم قديماً وحديثاً. نقصد بالنِّقاش هنا محاولة للتَّحليل الموضوعي للآراء الواردة لعظماء العلماء مع بيان أهميتها وأثرها في دائرة التَّربية. رحمهم الله جميعاً ورحم شيوخهم وطلابهم الذين باركوا بفكرهم حركة الحياة العِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة.
الفصل السَّادس (مُقترحات): يحتوي هذا الفصل الختامي على سرد جملة من التَّوصياتِ الْنَّظَرِيَّة والْتَّطْبِيْقِيَّة المنبثقة من هذه الدِّراسة وغيرها من الدِّراسات مع التَّركيز على عرض مشروع إِحْيِاَءِ وَتَحْدِيْثِ فِكْرَةِ التَّعْلِيْقَةِ التَّعْلِيْمِيَّةِ فِيْ مَدَارِسِنَا. ظهرت التَّعْلِيْقَةُ منذ زمن مُبكِّر في تاريخ التَّعليم الإسلامي وذلك في حلقات الفِقه عند بعض المذاهب الأربعة المشهورة ثم عمل بها طلاب العلوم الأخرى في العلوم العقليَّة والنَّقليَّة على حدٍ سواء واستمرت هذه الكلمة تُلازم المدارس الإسلاميَّة والحياة العلميَّة في أرجاء العالم الإسلامي إلى أن جاء عصر الاحتلال الأجنبي والتَّغريب والخمود. تحت اسم التَّوجيه العصري والتَّجديد الحديث ضاعت المفاهيم الأصيلة وحلَّت محلها النُّظم التَّعليميَّة الوافدة. كان طالب العلم قديماً يكتب مُلخَّصاً لما يسمعه من أُستاذه ولما يدور من نقاش في مجالس العلم ومن جميع المصادر التي يمكن أن يغنم منها العلم. يحتفظ الطَّالب بتعليقته "مذكِّرته" لينتفع بها ككتاب في مكتبته بعد أن يتم تحصيله.
ودورنا في المشروع هو محاولة إحياء بعض الكلمات النَّافعة من نفائس تراثنا التَّربوي وتحديثها وفق تطورات العصر لتلعب دورها الفاعل في تعجيل نهضة التَّعليم. هذا يستلزم التَّعريف بفكرة التَّعْلِيْقَةِ من واقع التُّراث، وبيان تاريخها ونماذجها وأثرها بغرض توسيع نطاق الثَّقافة المعاصرة وتطعيمها بأفكار ومصطلحات أصيلة يمكن أن تعود إلى حركة الحياة المدرسية المعاصرة بعد انقطاع طويل. سنحاول في هذا الفصل وضع بعض الضَّوابط المُعِينة على تطبيق مثل هذه الأفكار في مؤسساتنا التَّعليميَّة وتقريب الفكرة عسى الله عزَّ وجل أن يكتب لها النَّجاح ويبارك فيها فيستفيد منها المعلمون، ويقتفي أثرها المثقَّفون، ويطوِّرها المُبدعون فيعود نفعها العميم على منهج إعداد الأجيال القادمة.
إنَّ تراثنا الفكري التَّربوي إذا أَحْسَنَّا فهمه، وأنصفنا في اقتباس المناسب منه، وأخلصنا في تطبيقه وفق حاجات العصر المستجدة وثوابت الدِّين المُحكمة فإنَّ ذلك كفيل برفع همم المربِّين، وتشغيل الطَّاقات المعطَّلة، ورسم المسارات الجديدة لتغيير الواقع بعد انكسار نفسي وفكري أورث في باطنِنا ضعفاً، وبعد انحسار ثقافي حضاري أثمر في ظاهرِنَا تخلُّفاً.
إنَّ العمل على فهم التُّرَاث التَّربوي وتنقيته من الزَّلل، ومضاعفة خيره بالإضافة إليه، والتَّطوير فيه هو طريقنا إلى تربية تفي بحاجة المُعَلِّمين والمتَّعلمين كي ينهج الأحفاد نهج الأجداد في مَرَاقِيَ الاعتلاء في آفاق العلم.
الْلَهُمَّ إِنَّنَا نَسْأَلُكَ الْرَّشَادَ، فِي الْقَوْلِ والْعَمَلِ وَالاِعْتِقَادِ. وَالْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْصَّلاَةُ وَالْسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ فِي كُلِ حِيْنٍ، وَحَيْثُماَ طَاَرَ طَيْرٌ وَارْتَفَعْ، وَلاحَ نَجْمٌ وَسَطَعْ.
د. بدر ملك د. لطيفة الكندري
كلية التربية الأساسية - الكويت
20 من شعبان 1422 هـ
5 من نوفمبر 2001 م
]الفَصْلُ الأَول: مُنْطَلَقَات[
القسم الأول: منطلقات الأصالة
الثَّروة التُّراثِيَّة
أهميّة دراسة التُّراث
تعريف الفكر التَّربوي
ملامح الفكر الإنساني
مُنطلقات عامة لفهم التراث
موقفنا من النَّكبات الفكريَّة
التَّفكُُّر فريضة وتطبيق
المنهج العِلْمِي للتَّفكير في الإسلام
تقدير لا تقديس العلماء والمُجتهدين
الفكر التَّربوي يقبل الاختلاف لا الانحراف
العلم ومصادر تحصيله
القسم الثَّاني: منطلقات المعاصرة (الفكر الغربي والإسلام)
القَسمات الثَّقافيَّة والأخلاقيَّة للمجتمع الغربي
التَّقَدُّم والعلم في العقل الغربي
المرأة في الغرب
رأي بعض خبراء التّربية الغربية بمساهمات تراثنا التَّربوي
أثر الحضارة الإسلاميّة في حضارات العالَم
الرِّحْلَةُ العِلْميَّة في تراثنا وشبهات المستشرقين
'
]الفَصْلُ الأَول: مُنْطَلَقَات[
القِسم الأول: مُنطلقات الأصالة
وردت كلمة التُّرَاث في القرآن الكريم مرة واحدة فقط وذلك في قوله سُبْحَانَهُ "وَتَأْكُلُونَ التُّرَاث أَكْلاً لَّمًّا {19}" (سُوْرَةُ الفَجْرِ). وهي كلمة تعني لغةً الميراث والصِّلة الجزئية بين طرف وآخر والتُّراث يرد بمعنى ما يُخَلِّفه الإنْسان لورَثَتِهِ وهو المعنى المعروف. إنَّنا نقصد بالتُّرَاث هنا كل موروث ناتِج من فكر ونشاط بشري مُكتسب يتوارثه المسلمون ومعظمه ظهر في ظل الحضارة الإسلامية المترامية الأطراف جغرافياً، والممتدة على أزمنة مختلفة، في شعوب وأعراق مُتنوعة. مدلول التُّرَاث الواسع كما نراه، والعميق كما يمكن أن نُدركه، يحتوي على صور إنتاجية متعدِّدة نجدها مبثوثة في نتاج العلوم العقليِّة والنَّقليِّة والْتَّطْبِيْقِيَّة والفنِّية والصِّناعيَّة إلى غير ذلك مما تتواصل الأجيال تلو الأجيال في نقله ودراسته بصورة معنويّة كالعلوم والآداب أو مادِّية كالمباني والآثار. وبعبارة موجزة فإنَّ التُّراث هو كل ما ورثناه من سعي الأسلاف.
هذا التُّرَاث البشري المتراكم عبر الأزمنة المُتطاولة منه ما قد يتَّفق مع مبادئ الدِّين الحنيف فيوافقه ولا يُخالفه فهو الأصيل المحمود وغيره دخيل مذموم ينبغي ردّه بالحسنى، ونقده بالحكمة وبإشراف أهل الاختصاص. التُّرَاث بمعناه العام يتَّسع مضمونه التَّربوي ليتضمن نتاج شريحة الْعُلَمَاء كأفراد ومذاهب وتيارات، وفي نفس اللَّحظة يندرج في النَّسيج التُّرَاثي عطاء عامَّة أفراد الشُّعوب في جميع المضامير- المادية والمعنوية - التي لها علاقة بمجرى التَّربية والتَّعْلِيْم طالما أنَّها تشكَّلت وانصهرت في ضوء مبادئ الإسلام.
التُّرَاث من الرَّحابة بمكان بحيث يتَّسِع لجميع الشَّرائح والطَّوائف والفصائل التي ساهمت في المسيرة الإسلاميَّة المتواصلة فالبعض أحسن وأصاب في جوانب معينه، والبعض انحرف وأخطأ في جوانب أخرى.
لعبت ينابيع العروبة دوراً عظيماً في تشكيل تراثنا الإسلامي كيف لا والعرب الأوائل طلائع الفتح الإسلامي الكريم الكبير في تاريخنا وهذا لا يعني أنَّ تراثنا عربي خالص لا أثر لغيره فيه أو أنَّه نشأ بمعزل عن إسهامات غير العرب. العروبة وعاء والدَّاء في أن نتصور أن الوعاء في حد ذاته نهاية المطاف، ومن الخطأ أن نقبل من العروبة ما مِن شأنه أن يُقَلِّص المعاني الإسلامية من تصورات زائغة عن الحق تنحو منحى اعتبار العروبة فيصل الأمور كلها، وأنَّ النَّسب أساس الولاء والبراء. قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَمَنْ ادّعَى دَعْوَى الْجَاهِلّيةِ، فَإِنّهُ مِنْ جُثَى جَهَنّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولُ الله وَإِنْ صَلّى وَصَامَ؟ فَقَالَ وَإِنْ صَلّى وَصَامَ. فَادْعُوا بِدَعْوَى الله الّذِي سَمَاكُم المُسْلِمِينَ المُؤْمِنينَ عِبَادَ الله" (رواه التِّرمذي, قال التِّرمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. المجلَّد الرَّابع: 3- باب ما جاء مثل الصَّلاة والصِّيام والصَََّدقة. الحديث رقم: 3023).
إنَّ الإسلام يُجِلُّ وشائج العقيدة ويجعلها أساس التَّناصر، ويحارب العصبيَّة العرقيَّة لأنها أساس التَّناحر. ترفض التَّربية الإسلاميَّة النَّعرة العرقيَّة الجاهليَّة لأن العزَّة كلَّها، فكراً وعملاً، في اتباع موكب الإسلام ولقد كانت معركة بدر الكبرى من أقوى تطبيقات معاني العقيدة. يومها وقف العربي المسلم فحارب قبيلته المُشْرِكة ليكون الميزان الإيماني هو الفيصل النهائي. من هذا المنطلق العادل ظهر أفضل مجتمع بشري عَرَفَهُ التَّارِيخُ الإنساني – في قيمه وواقعه -وذلك في المدينة المنوَّرة على ساكنها أفضل الصَّلوات، وأتمّ السَّلام. وهنا تكمن الخصوصية الحضارية لتراثنا حيث تَرجم المسلمون في كثير من الأحيان تعاليم الدِّين فتركوا لنا نماذج رائدة تُشجِّع على الإقتداء بها، وتربية النَّاشئة عليها.
وفي عجالة يمكننا الإشارة إلى وظيفة التُّرَاث الإنساني فنقول إنَّه يتراكم في ذاكرة التَّارِيخ ليمثِّل الزَّاد الثَّقافي العِلْمي الخصب لأهل الأبصار ويمد بخبراته التَّربية المعاصرة ومقاصدها برصيد استراتيجي من شأنه تأصيل وتوسيع نطاق العمل في هذا الحقل. من هنا ارتبط التُّرَاث بالتَّربية لدرجة يصعب فيها الفصل بينهما. ولهذا الاعتبار وغيره من الاعتبارات فإنَّ الأمُّة التي تحترم تُراثها - المتمثل بحصيلة العلوم والفنون والآداب والقِيم - ثم تعمل على تنميته، والنُّهوض به لاستئناف المسيرة الحضارية هي الأمُّة المُحصَّنة عَملياً وفِكرياً من اجتياح الغزو التَّغريبي، والقادرة على مواجهة حملات "العَولمة"، ومقاومة حركات "الأمركة"، ومناهضة الاستبداد مهما كان اسمه أو رسمه وهذا أضعف الإيمان. أما أكمل الإيمان، وأفضل الإحسان فإنَّه يكون بتفعيل التُّرَاث الذي ازدهر بجهود القدامى وتقديمه عالمياً كنموذج عملي حضاري يُعزِّز رصيد المبادئ الإنسانية، ويثري الحياة الروحية والعِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة للجنس البشري كله.
الثَّروة التَّراثية الإسلاميَّة ذات قيمة شديدة الأهميَّة فمنها كانت انطلاقة أوربا ثم بعدها أمريكا نحو العِلْمِ والمعرفة والفن فأضافوا للمعرفة كمّاً هائلاً وبرزوا في ميادين لم يُسبقوا إليها ونحن في الشَّرق قد نجهل معظمها لا لعجز فينا ولكن لتقصير منا فهي مُنجزات لا مُعجزات. إنًََّ البصمة الإسلاميَّة على صفحات الفكر والثَّقافة العالمية من الأمور المعروفة لأهل الاختصاص ولسوف نتناول موضوع أثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالم بالدِّراسة والتَّحليل في عدَّة أماكن وبصورة مُتنوعة في بحثنا هذا.
يجب أن يكون إحياء الصَّالح من تراثنا التَّربوي من استراتيجياتنا نحو انطلاقتنا الكبرى لتعود الأمَّة المسلمة شاهدة على سائر الأمم في هذه الدُّنيا وفي الآخرة. قال تعالى "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (سُوْرَةُ البقرة: الآية 143). إنَّ استئناف مسيرة الأمة الحضاريَّة عبر استلهام الرَّصيد التُّراثي مسئولية فِكرية جَسيمة، كما أنَّها فضيلة دينية عظيمة تستدعى همَّة عالية، وتضحية مُتواصلة، ونية صادقة، وعقليَّة مُجتهدة، وتعاون ومثابرة من أجل دراسة واستثمار تراث خير أمَّة أخرجت للنَّاس جميعاً.
التُّراثُ مستودع واسع مُتنوع يُنمي الفكر ويساعد على معرفة لماذا وكيف وصلت الشُّعوب إلى ما هي عليه الآن، وكيف كسبت وحقَّقت المُنجزات، وكيف كان منهج السَّابقين في التَّربية والتَّعليم، كما أنَّ التُّراث يعطينا الخلفية الْتَّارِيْخية الكافية لمسائل قد نناقشها اليوم ولا نعلم جذورها. من غير هذا التُراث لا يمكن تقدير جهد السَّابقين في تطوير العلوم والتَّغلب على مصاعب الحياة وهو في النَّهاية من المتطلبات الْهَامَّة في مرحلة إعداد المعلمين والمربين الفضلاء لأن التُّراث يعطينا هوية من سار في هذه المهنة قبلنا.
نقد التُّراث بمعنى تحليله وتتبُّع مواطن القوَّة وأماكن الضَّعف من أهم النَّتائج الفكرية التي يمكن تحصيلها من الدِّراسة المنهجية لجوهر التُراث. هذه الثَّروة التُّرَاثية الغير مُنظَّمة بحاجة إلى آليات وأدوات فِكْرِيَّة تُسهِّل عَمَلِيَّة تنظيمها واستيعابها واستقرائها، وتضبط مسارها، وتحُدِّدَ معالم الإفادة من مِشكاتها، وتكشف مُشكلاتها التي قد تظهر في بعض شُعَبِهِا، وهو ما نحاول أن نجلِّيه في كتابنا هذا على أمل أن يتواصل المسلمون عبر الزمن في نقل التُّرَاث النَّافع كمصدر إلهام في عالم التَّربية والإصلاح كي يكون لنا فيه السَّلامة من كل رذيلة، وندعو به الأمم إلى كل فضيلة.
يتَّفق عُلَمَاء التَّربية على أنَّ التَّارِيْخ يمثِّل أصلاً هاماً من أصول التَّربية فلذلك لا يكاد يخلو كتاب من الكتب التي تدرس أساسيات التَّربية، من ذكر أسماء بعض رُواد التَّربية والتَّعْلِيْم قديماً ويتوغل البعض في شرح مضامين أفكارهم. والحق أنَّ الحضارة السُّومرية والمصرية واليونانية والرُّومانية … من الحضارات العريقة التي لعبت دوراً هاماً في دفع عجلة التَّعْلِيْمِ، وإرساء أساليب التَّربية، وبيان أنماط التَّعامل مع الآخرين. تكمن القيمة العِلْمِيَّة للتُّراث الفكري في أنَّه وعاء يمكن أخذ الحِكمة منه حاضراً ومستقبلاً لأنَّه يحتوي على دقائق أخبار السَّابقين، ولطائف فضائل الماضيين. ولعل تجربة اليابان الشَّاملة في القرن الماضي لاستلهام ماضيها لبناء حاضرها من دون أن تخرج من إهابها من الدروس الْهَامَّة والدَّالة على بقاء قوة التُّرَاث روحياً وفكرياً في ضمير الأمم.
إنَّ ظهور نظام الكتابة زمن السُّومريين في العراق وعند المصريين أعطى عَمَلِيَّة التَّعْلِيْم أهمية أكبر وفي القرن الخامس عشر بدأت تنشط مسيرة الطِّباعة فإذا بالتَّعْلِيْم يصبح حاجة ضرورية في المجتمعات المدنية عالمياً وفي هذا القرن أخذ الحاسب الآلي يصوغ بعض أهداف التَّربية ويُحَدَّدَ كيفية التَّعلم بأنماط جديدة … وهكذا نجد أنَّ الحاجة إلى إعداد الإنسان لمواجهة التَّوجهات الجديدة والتَّغيرات الحياتية المستمرة سمة من سمات الْتَّارِيْخ البشري. إنَّ التَّارِيْخ في أحداثه المستمرة حركة متغيرة (دِيناميكية) لا كتلة جامدة (استاتيكِيَّة) ومِن ثمَّ فإنَّ التُّرَاث البشري وعاء مُتجدد متوقد يتغير تِباعاً ولا يتوقف أبداً طالما أنَّ الإنسان يعيش في هذه الحياة فاعلاً ومتفاعلاً.
إنَّ وقائع الْتَّارِيْخ السَّارة والأليمة تُعَدُّ مدرسة واسعة من شأنها أن تدفع الإنسان إلى التَّقدم إذا أحسَنَّا الاستفادة من دروس وعبر الأمس. يقول الغزالي في كتابه الحكمة في مخلوقات الله عز وجل عن نعمة الكتابة "وبها تخلد في الكُتبِ العلوم والآداب، ويعلم النَّاس ذكر ما يجري بينهم في الحساب والمعاملات، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وَدَرَسَت[7] العلوم وضاعت الفضائل والآداب وعظُم الخَلل الدَّاخل على النَّاس في أمورهم بسبب عدمها" (ص 2). في نفس هذا المعنى يقول ابن خلدون في مقدِّمته الخالدة "اعلم أنَّ فنَّ الْتَّارِيْخ فن عزيز المذهب، جمُّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياساتهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدِّين والدُّنيا".
من الأخطاء التي وقعت في عَمَلِيَّة تدوين الأخبار وتوثيق الْتَّارِيْخ عالمياً أنّ بعض المؤرِّخين دوَّنوا الْتَّارِيْخ السِّياسي وأهملوا تدوين الجانب الاجتماعي منه فاهتموا بِسِير الملوك أكثر من تدوين حياة المفكرين أو المفكرات ولم يَصِفُوا الحياة الاجْتِمَاعِيَّة لعامة النَّاس. تراثنا الإسلامي ولله الحمد لم ينزلق في هذا المزلق في كثير من الأحيان فإنَّنا نجد تراجم الفقراء من الْعُلَمَاء إلى جانب تراجم الأثرياء من المحسنين إلى جانب تراجم النِّساء المُبدعات كلها في كتاب تاريخي يُوثِّق منجزاتهم دون غضاضة.
يؤمن توماس كارليل (1795-1881م) الأديب الإنجليزي المرموق صاحب كتاب الأبطال بأنَّ الْتَّارِيْخ في حقيقته يحتوي على سِيرة الأبطال الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث ولكن يصعب قبول مقولته على هذا الإطلاق من دون بعض القيود إلا أنَّ المرء قد يتَّفق معه في أنَّ الْعُلَمَاء، قادة الفكر، في تاريخ الأمم والشُّعوب ويمثلون معالم هَامَّة في الْتَّارِيْخ ولكنهم قطعاً لا يمثلون الْتَّارِيْخ بأكمله وسوف تظل سيرتهم محل دراسة واستفادة وموضع إعجاب وإكبار.
إنَّ الوقوف أمام إنتاج السَّابقين من رجال الفكر ورواد التربية بغرض الاعتبار والاستبصار خُلُقٌ نبيل حث عليه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَاب" (سُوْرَةُ يوسف: 111) وقوله سُبْحَانَهُ "فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176}" (سُوْرَةُ الأعراف) وبذلك يُزوِّد المسلم نفسه بثقافة ثرية. وفي سورة الأنعام قال جلَّ ثناؤه: "قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}"، وفي سورة الروم قال الحقُّ سُبْحَانَهُ يحثُّ عباده: "قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ {42}". ولأنَّ العِلْم رديف العمل فإنَّ أحداث الماضي لا تُروى لمجرد الاستماع والتَّسلي بل الغرض الأسمى وراء استعراض سيرة الماضين الصَّالحين هو الإقتداء بمحاسنهم وينبغي للبشر كافة أن يعلموا ذلك لقوله سُبْحَانَهُ "أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ {90}" (سُوْرَةُ الأنعام).
ولقد ورد في الحديث النَّبوي الشَّريف أنَّ بني إسرائيل هلكوا لما قَصُّوا أي انشغلوا عن العمل بالرِّواية والسَّرد بغرض التَّسلية والسَّمر لا للاستفادة منها فكان الهلاك والدَّمار مآلهم. قال ابن الأثير في النّهاية في غريب الحديث والأثر: (إنَّ بني إسرائيل لَّما قَصُّوا هَلَكوا)[8] وفي رواية (لَّما هَلَكُوا قَصُّوا) أي اتَّكلوا على القَول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكِهم، أو بالعكس، لما هلكوا بتركِ العمل أخْلَدوا إلى القصَصِ.
يقول أمير الشُّعراء:
|
اقرأ الْتَّارِيْخ
إذ فيــه العبر |
|
ضــاع قوم ليس
يدرون الخبر |
دراسة الفكر الجيد في تاريخ البشر يهبنا الآراء الْنَّافِعَة ويطلق مواهبنا التي تنير جنبات الحياة بالعمل الهادف والْتَّارِيْخ بعد ذلك كله مصباح للصَّلاح، وشعاع للعقل يهدي إلى الهُدى، وينهى عن الهوى.
إنَّ صياغة القوانين التَّربوية وما يلحق بها من سياسات ونظم إدارية تضبط مسيرة المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة لا تتم بمعزل عن فهم ثقافة المجتمع، وثقافة المجتمع لا بد أن تحتوي على تراث السَّابقين فهي حلقة من سلسلة استحكمت وتكاملت حلقاتها وحركاتها، أولها يقود إلى آخرها. الأمة التي تُعلِي من شأن العِلْم وتشجِّع العمل الجاد، وتمدح الكدح هي الأُمَّة التي تُفلح وتنال مُرادها لأنَّها واصلت السَّعي فوصلت، وزرعت فحصدت. من هنا تأتي أهمية دراسة التُّرَاث التَّربوي للاسترشاد به مع غيره من المصادر في صياغة الفلسفة التَّربوية لبناء الذَّات والمجتمع ورسم السِّياسات التَّعْلِيْمِيَّة المستقبليِّة على أسس صالحة صلبة.
هناك عدَّة تعريفات لكلمة الفكر كمصطلح يتم استخدامه وتداوله بين الباحثين بكثرة في عدد من حقول العلوم الإنسانيَّة والاجْتِمَاعِيَّة أثناء الحديث عن التُّراث. لقد تزايدت العلوم الإنسانيَّة والاجْتِمَاعِيَّة وتفرَّعت مناهجها بشكل كبير في القرنين الماضيين كما زادت التَّأثيرات اللاَّدينيَّة في صياغة قوالبه ومضامينه لكون معظم فروع العلوم الإنسانيَّة والاجْتِمَاعِيَّة خاضعة لضغوطات الفِكر الغربي المادي المُتنامي في القرون الأخيرة. ظلَّت كلمة فكر ومفكر وتفكير ولمدة عدَّة قرون مرتبطة إلى حد بعيد بالتَّراث الدِّيني ثمَّ بدأت كلمة مُفكِّر تتَّسع لتشمل كل الباحثين في ميادين العلوم والفنون والآداب ولم تعد الكلمة مُحتكرة بين المصلحين الدِّينيين والسِّياسيِّين أو تحت الهيمنة العقليِّة المُطلقة لعلماء الدِّين كما كان الأمر في العالَم النَّصراني.
الفِكر عموماً هو فعل إنساني يقوم على الإدراك والتَّأمُّل والاستنتاج والقدرة على الاختيار في المسائل والمشاكل بعد الملاحظة والقياس أو مجرد التَّأمل وذلك حسب مقدرة كل إنسان وثقافة العصر ومُقتضى الواقع وظروف كل موقف. الفِكر هو محاولة للوصول للعلم وفهم أمر من الأمور كما هو على حاله دون زيادة أو نقص، وهي نعمة جليلة أكرمنا بها ربّ العالمين ويتفاوت النَّاس في طبقاتها وفي طرق تنميتها كما أنَّ المعوقات التي تحدّّ من بركاتها كثيرة أهمها اتِّباع الظَّنِّ والهوى، والوهم والكبر، والتَّقليد الأعمى. تختلف اختيارات النَّاس وأحكامهم ومقاييسهم نتيجة لتفاوت القدرات العقليَّة واختلاف المؤثرات البيئيَّة ومن هنا أصبحت مسألة الخلاف بين البشر طبيعة إنسانيَّة لا يمكن تجاهلها إن كان لها ما يُبرِّرها ولكن يمكن التَّعايش معها والتَّحاور فيها وإلا تعطَّلت وتضاربت مصالح النَّاس.
الفكر في نهاية المطاف مسئولية عظيمة بموجبها يُقَرِّر الإنسان الكثير من معتقداته وأنشطته وتطلُّعاته التي ترسم إطار حياته وتحدِّد طرق صرف طاقاته الإنسانيَّة. الفكر أساس فهم العلوم كلها، وأكرم الآلاء وأكملها وتنميته من أهم وظائف التَّربية عبر القرون، وبه يضاعف الإنسان جهوده للتَّغلب على محدوديَّة الإمكانات البشريَّة والمشاكل النَّاتجة منها فينال فرصاً أكثر وأكبر في إدارة بعض جوانب الحياة. إنَّ الفكر الرَّاشد هو سلاح الإنسان يستخدمه وهو يكافح مخاطر الحياة، وشهوات النَّفس، ومطالب المجتمع. به يرسم مُخطَّطاته، ويُصرِّف طاقاته.
فيما يلي سنتحدث عن الفِكر التَّربوي الإسلامي لغةً واصطلاحاً. قال العلاَّمة الرَّاغب الأصفهاني في معجم مفردات القرآن "الفكرة قوة مُطرقة لِلعِلْمِ إلى المعلومِ، والتَّفَكُّر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان" (ص430). ورد في لسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروز آبادي أنَّ الفِكْر: إعمال الخاطر في الشَّيء. وفي المعجم الوسيط الفِكر: "إعمال العقل في المعلوم للوصول إِلى معرفة مجهول".
كل باحث يُعرِّف الفكر من منظور خاص به، فهناك المنظور الفلسفي وهناك المنظور النَّفسي ومن هذه التَّعريفات العامَّة للفكر ما ذكره د. محسن عبدالحميد (1984 م) "بأنَّ الفكر إفراز عقلي لإدراك ما حوله من وجود" (ص18) والفِكرة كما يقول مُحَمَّد باقر الصَّدر (1989 م) من زاوية فلسفية "نشاط إيجابي فعّال للنَّفس" (ص 343). ومن منظور نفسي يقول يوسف ميخائيل أسعد (1996 م) "الفِكر عبارة عن تيار فكري مستمر، بل إنَّه سلسلة من التَّفاعلات الذِّهنيَّة المستمرة بين ما سبق تفاعله وتراكبه من مدركات وذكريات وأخيلة ومفاهيم، وبين الجديد الذي يستقبله المرء من الواقع الخارجي. ومعنى هذا أن الفكر عبارة عن عمليات ديناميكيَّة، أي أنَّه عمليات انبثاقيَّة، تتأتى نتيجة الاستمرار في التَّعاملات الذِّهنية التي لا تتوقف، سواء على مستوى الشُّعور أم على مستوى اللاَّشعور" (ص17).
لا شك في أنَّ الفكر وثيق الصِّلة بالمهارات الحركيَّة والتَّصرفات السُّلوكيَّة فإنَّ الفكر يولد أولاً من خلال التَّصور ثم يبدأ الإنسان عادة بالعمل. وعليه فإنَّ معظم تصرفاتنا تنبع من تصوراتنا. والفكر لا يوجد من فراغ ولا يتشكل من لا شيء فهو في غالبه إحساس وربط وتحليل ينمو أو يتراجع حسب مُتغيرات نفسيَّة واجتماعية وتاريخيَّة وبيئيَّة مُتداخلة مُتفاعلة يَصعب تحليلها. يقول المفكر مالك بن نبي (1984 م) "إنَّ الأفكار هي المنوال الذي تُنسج عليه الأعمال، وهي تتولد من الصّور المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي فتنعكس في نفس من يعيش فيه" (ص 82).
يقول عطيَّة صقر (2001 م) "الفكر قد يراد به المعنى المصدري وهو حركة العقل أي التَّفكير، وقد يراد به المعنى الحاصل بالمصدر، وهو القضايا النَّاتجة عن هذه الحركة وغيرها، ويجب أن نعلم أنَّ في الإسلام قضايا لا يصلح أن يطلق عليها اسم الفكر الإسلامي، وهي القضايا التي مصدرها الوحي بدءاً أو نهايةً، كاجتهاد الرَّسول الذي أقرَّه الوحي الإلهي، وذلك كالعقائد وما عُرف من الدَّين بالضَّرورة. وفيه قضايا هي نتاج العقل والنَّظر، سواء في الأصول والفروع".
يُفضِّلُ بعض الباحثين المعاصرين تسمية الفكر الإسلامي بالتَّصور الإسلامي أو التُّرَاث الإسلامي أو المذهبية الإسلامية ولا مشاحة في الاصطلاح إذا تم تحديد المقاصد وتحرير النُّقاط - كما في لغة الفقهاء - فإنَّ الكثير من المفاهيم التَّجريديَّة قد تتَّضح معانيها ودلالاتها في سياق الاستعمال أو بضرب المثال وقد يزول الإشكال. إنََّ اختلاف صيغ التَّعبير لن يُغير جوهر الموضوع في الغالب وهذا اختلاف مَقبول إذا كان له ما يُبرِّره من أسباب وجيهة.
يعرف بعض الباحثين الفكر التربوي بأنه "إسهام شعب ما أو أمة بعينها بجملة من الآراء والنظريات والأفكار في مختلف مجالات التربية والتعليم، وذلك في لحظة تاريخية معينة لها قسماتها وتفاعلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية" (نصار، أحمد، 1998م، ص8، رفاعي وآخرون، 2000 م، ص 15). يرى د. سعيد إسماعيل أنَّ المقصود بالفكر التَّربوي "مجموع الأسس النَّظرية والمفاهيم والمعاني التي تكمن خلف مظاهر السُّلوك الإنساني" أمَّا د. عمايرة (2000م) في كتابه أصول التَّربية فقد عرَّفه بأنَّه "دراسة آراء المُفكِّرين والمُربِّين فيما تركوه في مؤلفاتهم بما يتعلَّق بالعملية التَّعليميَّة وفلسفتها وأهدافها ووسائل تحقيق هذه الأهداف، سواء ما تركوه على شكل توجُّهات وتتعلَّق بالتَّعليم بشكل مباشر ومُستقل، أم من خلال تحليل ما انطوت عليه آرائهم السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والدِّينيَّة فيما يتعلَّق بالتَّعليم، ومدى ارتباط ذلك بالواقع" (ص 29). "والفكر التَّربوي الإسلامي هو ما أُثر عن علماء التَّربية المسلمين من آراء ونظريات من أمثال الغزالي والماوردي والقابسي وغيرهم من قدامى ومُحْدَثِين على السَّواء" (رفاعي وآخرون، 2000 م، ص 15-16).
في هذا البحث نقصد بالفكر التَّربوي الإسلامي كل ما ورثناه من اجتهادات أسلافنا القوليَّة والفعليَّة والتَّقريريَّة وهو حصيلة روافد شتى ويمكن أن يخدم العمليَّة التَّربوية والتَّعليميَّة كمبادئ وأساليب وأفكار وممارسات. هذا التُّراث التَّربوي المُتراكم عبر تطاول القرون ومشاركة الأجيال يُشكِّل مجموعة تصورات تساعد على فهم الإنسان والمجتمع والحياة والكون ومضامين ومفاهيم التَّربية والتَّعليم من منظور الفكر الإسلامي الذي يجتهد في أن يستمد نظراته وممارساته وأساليبه من نبع الإسلام وكل ما يستقيم معه من تجارب الآخرين وعلومهم ومعارفهم وآدابهم وفنونهم بغرض تربية الإنسان والمجتمع من خلال برامج وتوجيهات هادفة في أي مضمار من مضامير الحياة العامَّة أو الخاصَّة. التُّرَاث بِشقَّيه المادِّي والمعنوي كمحصلة لجهد بشري محض قابل للقبول والرَّفض بعد مناقشته ودراسته وهو كرصيد حضاري للأمم له محاسنه الصَّحيحة وعليه معايبه السَّقيمة يدوم بالمحافظة عليه، وينمو بالإضافة إليه فيقبل التَّوسُّع ويطاوع التَّطور والتَّقدُّم ليكون الفكر التَّربوي من طرق التَّنشئة الاجتماعيِّة الصَّالحة.
لا شك في أنَّ الأفكار الاجتهاديَّة المُستمدة من قطعيات الدِّين صَّحيحة بلا نزاع لأنَّها مبنية علىالوحي المنزَّه عن النَّقص والتَّناقض أما الاجتهادات الأخرى فَتُقبل وتُرد حسب قوة الدَّليل العلمي وكما قال الإمام أبو حنيفة النُّعمان "عِلمُنا هذا رأي فمن أتانا بأحسن منه أخذناه" وفي عبارة أخرى قال "فإنَّنا بشر نقول القول اليوم، ونرجع عنه غداً". وهكذا فإنَّ الفِكر غير معصوم من الزَّلل. قال ابن تيمية عن رأي علماء الشَّريعة في هذا الموضوع: "اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مَعْصُومًا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ إلاَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَئِمَّةِ: كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلاَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَهَؤُلاءِ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ رَضِي اللهُ عَنهم قَدْ نَهَوْا النَّاسَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ... وَقَالَ أَحْمَد: لا تُقَلِّدُونِي وَلا تُقَلِّدُوا مَالِكًا وَلا الشَّافِعِيَّ وَلا الثَّوْرِيَّ وَتَعَلَّمُوا كَمَا تَعَلَّمْنَا" (مجموع الفتاوى، ج20، ص 211 باختصار).
من المعلوم أنَّ تيارات الفكر الإسلامي تأثرت بتيارات الفكر الأجنبي بعد العملية الضَّخمة لترجمة علوم الأوائل النَّقليَّة والعقليَّة لا سيَّما في القرن الثَّاني الهجري، ولكن الفكر الإسلامي له سماته الخاصة به من قبل وبعد هذا الالتقاء الثَّقافي إذ ظهرت فيه عقليات أصيلة امتازت بالنُّضج وبُعد النَّظر والدِّقة والعمق، وصفاء التَّفكير، والميل إلى الاستقصاء في البحث، واستقلال الرأي فقاموا بتفصيل مسائل التَّربية وصار للكثير منهم فضل السَّبق في تجلية وكشف مضامين التَّعليم. إنَّه "على الرَّغم من أهميَّة موضوع تطور الفكر التَّربوي فإنَّ المكتبة العربيَّة تُعاني من نقص شديد في الكتابة عنه" (خضر، 1996 م، ص 3). الباحثون في حقل الفكر التَّربوي الإسلامي أيضاً يعلمون أنَّ الحاجة ماسة إلى المزيد من الدِّراسات لتحليل أفكار أعلام التَّربية الإسلامية من منظور معاصر وبما يخدم أغراضنا التَّعليميَّة، ويُرسِّخ هويتنا الإسلاميَّة التي هي المصدر الرَّئيس والسَّبيل المستقيم لهذه الأمَّة.
نود هنا أيضاً أن نفصِّل القول في الفرق بين الفكر التَّربوي وتاريخ التَّربية. يميل بعض الباحثين التَّربويين إِلى التَّفريق بين مصطلحي الفكر التَّربوي وتاريخ التَّربية إذ أنَّ الفِكر أخص والْتَّارِيْخ أعم لأنَّ الْتَّارِيْخ يدرس ما وقع فعلاً في عصر من العصور ويرصد الجوانب المتنوعة مثل الجوانب الْسِّيَاسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة وأثرها على الحالة التَّعْلِيْمِيَّة في كل عصر في حين أنَّ الفِكر التَّربوي يميل إِلى التَّركيز بشكل أكبر علىالإنتاج الْعِلْمِي والعملي لرواد التَّربية سواء ما طبَّقوه في واقعهم أو ما كانوا يطمحون إليه في مستقبلهم.
عِلْمُ الْتَّارِيْخ يَتفرَّع منه العناية بعلم التَّراجم والذي يهتم بأخبار وأسماء وأنساب من سلف، وكناهم، وألقابهم، وبلدانهم، وتاريخ ميلادهم ووفياتهم، ومناهج تعليمهم أما الفكر التَّربوي فإنَّه يتتبَّع ثقافة الشُّعوب وأبرز المفكرين والمفكرات بُغية فهم أنماط التَّربية والتَّعْلِيْمِ ودور المُؤَسَّسَات في عَمَلِيَّة التَّنشئة الاجْتِمَاعِيَّة. ومما لا شك فيه أنَّ الباحث في كلا الْعِلْمينِ يحتاج إلى التَّجمُّلِ بخلُقِ الحِياد والأمانة والدِّقة في النَّقل والتَّوثيق والتَّعليق والتَّحليل.
إنِّ المفكر في العموم يتأثر سَلباً وإيجاباً بأحوال بيئته لأنَّ المرء ابن عصره فالعلاقة المتبادلة بين الفكر والْتَّارِيْخ علاقة وثيقة تجعل الفرق بين الميدانين في إطار الفروق النِّسبيَّة عند بعض الباحثين. لا يمكن الوصول إِلى فهم كامل لتاريخ التَّربية في عصر ما أو مكان ما دون الإفادة من دراسة فكر بعض المربين في ذلك الوقت وكذلك لا يمكن فهم الفكر التَّربوي لأي مفكر من دون الرِّجوع إِلى دراسة تاريخ العصر الذي عاش فيه ذلك المفكر.
إنَّ الفكر نتاج التأثُّر بالمعطيات الْتَّارِيْخيَّة، والتَّفاعلات الاجْتِمَاعِيَّة، والاقتصاديَّة، والثَّقافية إِلى حد كبير ولكن العلاقة بين آراء المفكر وظروف عصره ليست حتميَّة جامدة لأنَّ الفكر الإنساني في صيرورة دائمة، والفروق الفردية لا يمكن تجاهلها. يرى ماركس أن الظروف الْتَّارِيْخيَّة وعلى رأسها الجوانب الاقتصاديَّة هي التي تحُدَّدَ الأنماط الفِكْرِيَّة في حين أنَّ المًؤرخ المشهور ويل دورانت يرى أنَّ الْتَّارِيْخ في حقيقته يُصاغ من قِبَل إنتاج العباقرة والحق أن الفرد والظروف معاً يشكِّلان الفكر وليس لأحد من العنصرين هيمنة مُطلقة في التَّأثير وإلا فَقَدَ الإنسان إنسانيَّته وأصبح مُسيَّراً أو مُخَيَّراً في كل أموره.
تقوم مُعظم مؤسسات التَّعْلِيْم العالي في كلّيات التَّربية في العالم العربي بتدريس مُقرَّري "تطوُّر فكر تربوي" و"تطوُّر فكر تربوي إسلامي" أي دراسة معالم التَّطوُّر الْتَّارِيْخِي في هذا المجال ولكن تظل للبعض تسمية "تطوُّر فكر تربوي" من المصطلحات المُشكِلة فكلمة "تطوُّر" إنْ صلحت لوصف الفكر الغربي الذي انتقل من عصر الظُُّلمات إلى عصر التِّكنولوجيا فإنَّها لا تصلح لوصف المسيرة الفِكْرِيَّة الإسلاميَّة على الأقل. من المعلوم أنَّ كلمة تطوُّر ارتبطت في القرنين الماضيين بنظرية تشارلز دارون (1809 – 1882 م) وهي نظرية أثَّرت على جميع ميادين المعرفة في كل المُستويات وكانت العلوم الاجتماعية والإنسانيَّة من ضمن الميادين التي تفاعلت مع هذه النَّظرية التي أحدث جدلاً واسعاً. هذه نقطة لن نُعلِّق عليها وذكرناها بعُجالة لنرسم الصُّورة العامة ونستدعي للذِّهن ملابساتٍ قد تلمس مسألة نشوء المصطلحات بصورة قريبة أو بعيدة.
مصطلح تطور فكر تربوي إسلامي قد يُفهم منه أنَّ الفكر يتقدم للأفضل وهو أمر لا شك في أنَّه غير صحيح فالفكر قد يرتقي في ميدان وينتكس في آخر والتَّغير قد يكون للأسوأ أو للأفضل أما التَّطور فعادة يُفهم منه أنَّه تغير إيجابي. ولهذا السَّبب ولأسباب أخرى اخترنا في دراستنا عنوان "تُراثنا التَّربوي" كمصطلح عام نعتقد أنَّه قد يكون الأقرب للمعنى الُمراد في كتابنا هذا أو على الأقل لا يحمل معه الإشكال الذي ذكرناه.
إنَّ الفِكر السَّليم يعتمد على جملة مؤثرات داخلية تخص الفرد ذاته، وخارجيَّة تتصل بالظُّروف المحيطة بالمجتمع من العادات التي يداولها النَّاس بينهم. من أهم ملامح الفكر الموزون: سعة الإطِّلاع، وصحَّة انتقاء الدَّليل، وسلامة التَّعليل، وقدرة على الاستِّفادة من التَّجارب المُتاحة والرُّجوع إلى مصادر المعرفة. التَّفكير محاولة ذهنيَّة نشطة لربط عدة مسائل متفرِّقة بشكل منظَّم تتحول فيه الإدراكات من حاشية الشُّعور إلى بؤرة التَّركيز كي يستوعب العقل الأحداث أو يُصدر الأحكام. إنَّ الفكر في حقيقته له قسمات يجدر معرفتها ومنها أنَّ:
الفكر الحر كلَّما تحرَّر من قيود الهوى والجهل البسيط والمُركَّب والتَّقليد الأعمى كلَّما اقترب من الصَّواب. الفكر الحُرّ من هيمنة العوالق والعوائق هو الذي يقبل النَّصيحة الصَّحيحة وينبذ الوصاية الفِكْرِيَّة، ويرفض احتكار الآراء، ولا يُسفِّه الآخرين، ويتقيد بأدب المحاورة والمناظرة.
قد يعمل العقل دون أن يدعوه الإنسان للعمل عبر الخواطر وغيرها. قد يتذكر الإنسان أحداثاً حزينة لا يود تذكّرها وقد يرى في منامه ما لا يحبه ولكن العقل قد ينقل الصُّور في المُخيِّلة.
قد يركِّز العقل على بعض أجزاء الصُّورة التي يشاهدها ولا ينتبه إلى الأجزاء الأخرى في صورة يراها مع أنَّه يظن أنَّه شاهد الصُّورة بأكملها فالحواس قد تكون معرَّضة للزَّلل وضبابها في الألباب مثل السَّراب على التُّراب. وينبني على هذا أنَّ النَّاس قد يختلفون في أمور لها حقيقة واحدة ويختلفون في فهمها وأنَّ دلالة الحواس ليست قطعيَّة دائماً فهناك قضايا لا نراها ولكن لا يمكن أن ننكرها لمجرد أنَّنا بالعين المُجرَّدة لم نستطع تحقيق الرُّؤية.
فِكر الإنسان غير مُنزَّه عن السَّهو والنِّسيان ولهذا قالوا "آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ"[9]. الأفكار والأخبار المُبعثرة سريعة النِّسيان بينما المعلومات المُنظَّمة أرسخ في ذهن الفرد فالمرء يحفظ أحداث القصَّة المسموعة لأنَّها مُتسلسلة ويمكن عرض الفقه الإسلامي والعلوم الإسلامية بأسلوب القصص لتثبُت في العقل. تقول إحدى الدِّراسات أنَّ الفرد الذي يستمع لمحاضرة مدَّتها 10 دقائق يتذكر عادة 50 % من معلومات المحاضرة وبعد يومين يتذكر 25 % منها وبعد أسبوع يتذكَّر 10 % فقط.
غرس الأفكار في عقل المُتعلم منذ مرحلة الصِّغر دائماً أقوى أثراً وأشدّ رسوخاً.
الفكر كي ينطلق بحاجة إلى بيئة صِحيِّة والمرء يتأثر ببيئته المحيطة به بشكل كبيرٍ سلباً وإيجاباً فهو يؤثر فيها كما يتأثر بها.
الحالة النَّفْسِيَّة قد تتحكم بكيفية التَّفكير وسلامة القرارات خاصة حالة الغضب والحقد والحسد والانهزام أمام المصاعب والمصائب وفي مواقف الخوف الشَّديد.
الفكر الفردي والجمعي شديد التَّأثر بالتُّرَاث الفكري الإنساني العام كما أن العادات والتَّقاليد والأعراف قد تكون ضاغطة أو ضابطة للتَّفكير الفردي والجماعي.
الكثير من تصرفاتنا نابعة من تصوراتنا النَّاتجة عن تفكيرنا مما يجعل الفلسفة التي نتبناها أساساً يُحَدَّدَ نمط التَّنشئة الاجْتِمَاعِيَّة في واقعنا.
الفكر المُستقل يصل إلى الخيال المُبْدِع، والخيال المُبْدِع مادة الإلهام للعقل البشري، وأهم مصدر للتَّغيير في نمط الحياة. وكم من فكرة مضيئة أنارت الحياة، وأجرت بكل حرفٍ منها بحراً من الخير، وكم من فكرة فاسدة أضلَّت صاحبها، وأغوت النَّاس من بعده فأَوجدت بكل حرف أوسع خرق في سفينة المجتمع، وأحيت فِتَناً كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِم قلَّما يسلم منها العاقل ولهذا قال رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنّ فِي الإِسْلاَمِ سُنّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ. مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنّ فِي الإِسْلاَمِ سُنّةً سَيّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" (رواه مسلم، باب الحث على الصَّدقة).
قد يطغى الفكر المادي على الفكر الرُّوحي كما هو الحال في الفكر الغربي وكي نرى ماديَّة الفكر الغربي نذكر مثالاً ذكره المفكِّر مالك بن نبي حيث لاحظ أن قصَّة روبنسون كروز الغربية مقتبسة من قصة عربية للفيلسوف المسلم ابن الطّفيل الذي ركَّز في قصته على البحث عن فكرة وجود الله بعد أن فكَّر في أمر الرُّوح وخلودها وخالقها أما بطل القصَّة الغربية فكانت اهتماماته أكثر بالوقائع المحسوسة مثل كيفية صنع الطَّاولة (مشكلة الأفكار، 1992م، ص21). يميل المفكر العربي كثيراَ نحو الوصف الرُّوحي والفكر الغربي صلته بالمادَّة أكبر والحق أَنَّ الُموزانة بين مُتطلبات الحِس والرُّوح من التَّحدِّيات الدَّائمة للعقل البشري والعاقل هو مَن يُوَفَّق إلى أن يُعْطِى كُلّ ذِي حَقٍ حَقَّه.
يعجز العقل بمفرده عن الوصول إلى الحقيقة ولا بد للعقل من إتِّباعٍ لدين صادق يرشده إلى إجابات قاطعة تُجيب على كثير من الأمور التي يجهلها الإنسان عن مسيرته ومصيره. قال الغزالي "والمغرور من اغتر بعقله". ما زال العِلم اليوم يجهل أسرار العقل البشري ومن الغريب أنَّنا نعرف عن المعلومات التي نُخزِّنها في عقولنا ولكنَّنا نجهل التَّفاصيل التي تُعلِّمنا كيف تعمل العقول لتصنيف تلك المعلومات بدقَّة. إنَّ الفكر من أجَلِّ النِّعمِ الإلهيَّة ولا يعرف الْعِلْمُ الحديث إلا النَّزْر اليسير من بحر أسرار مسيرته. لا جدال بعدئذ في أنَّ سمة من سمات العقل البشري القصور والنَّقص والتَّناقض.
الفكر الإنساني يتَّفق على جملة أمور منها الإحسان إلى الوالدين، ورفض أشكال معينة من الظُُّلم، وتعظيم منزلة العلماء، وإكرام اليتيم وعلى أهميَّة إيجاد مساحة ينبغي استثمارها في ميدان التَّعاون الدُّولي بين الشُّعوب والحكومات والمؤسَّسات. هذا يقودنا إلى أنَّ الكثير من النَّظريات التُّرَاثية والمعاصرة فيها سمات مشتركة لأنَّها تعتمد على بدهيات يُجمع النَّاس عليها.
الفكر مهما سما وعلا وكان مداه بعيداً، وغوره عميقاً، وقصده صالحاً، وقراره صائباً فإنَّه لا يستغني أبداً عن أمرين: تّربية مُستمرة، ودِّين صحيح في كل زمان ومكان. جهابذة الفِكر عندما ينحرفون عن هذا المعيار تتخبط آراؤهم، وتشط أفكارهم.
الفكرة التَّربوية الأصيلة الصَّحيحة كما نراها لها قسمات ودلالات وتطبيقات ومضامين وقد تقوم على الأقل على ثلاثة أركان ألا وهي:
تأصيل.
تدليل.
تمثيل.
المراد بالتأصيل عَمَلِيَّة بناء وبلورة فكرة معينة محَدَّدَة يمكن استخلاصها بوضوح من إنتاج المفكر وقد تكون قابلة للمناقشة كما أنَّ مضامينها تدل على أهميتها في عالَمَي الفِكرة كنظرية، والحركة كتطبيق. والفكرة الأصيلة شأنها شأن كل شيء بديع لا يُتصوَّر أن ينشأ من فراغ ولأنَّ المعاني والأفكار تُولد قبل مرحلة ظهور الألفاظ والأسماء فإنَّ الفكرة تولد بعد أن تتخمر في الذهن ثمَّ تأتي مرحلة إطلاق التسميات فُتعرف بنظرية كذا وتُسمى بقاعدة كذا. الفكرة النَّاضجة قد تمرُّ بمرحلة جمع للمعلومات وفحص لها وتأمل فيها ثم قد يحتاج المُفكر إلى قريحة جيدة، وسليقة سليمة كي يصوغ فكرته المضيئة.
أما التَّدليل كشرط ففيه يحشد أو ينتقي المفكر الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة على قدر الإمكان لإثبات الفكرة في مقام التَّحليل والتَّعليل ليبرهن مدى صدقها أو ثباتها وفيها يذكر المفكر أسباب وجاهتها وأسس اختياره أو ابتداعه لهذه الفكرة. وإذا كان العلمانيون اللادينيون يخجلون من استمداد الأدلة من القرآن والسُّنَّة في التَّدليل لأنَّها مبنية على الغيب كما يزعمون فإنَّ الباحث المسلم عليه أن يستقي منهما ما بلغه جهده. الفكر الغيبي – كما يسمونَّه اللادينيون - والتَّفسير الغير مادي للأمور إن كان يستمد نظراته من مصدر صحيح صريح فإنَّه يزيد البحث قوةً والاستدلال فيه من مُستلزمات المنهج العِلْمي الإسلامي في البحث في ميدان العلوم الطَّبيعيَّة، والتَّطبيقيَّة، والإنسانيَّة، والدِّينيَّة.
وأمَّا التَّمثيل ففيه القدرة على ضرب الأَمْثِلَة التَّوضِيحيَّة لشرح الفكرة كي تكون قريبة من العقل سهلة على اللسان وهي مرحلة وثيقة الصِّلة بالتَّدليل إلا أنَّ التَّمثيل يُراد به التَّفهيم والتَّعْلِيْم في حين أنَّ التَّدليل لا يهتم بتوصيل الفكرة بقدر اهتمامه بإثبات الأسباب الوجيهة لاختيار الأفكار فهي عَمَلِيَّة تعليليَّة محضة.
من الأَمْثِلَة الْتَّطْبِيْقِيَّة للأركان الثَّلاثة المثال التَّالِي: يرى ابن خلدون أنَّ الإفراط في الشِّدة على المتعلِّمين مضرَّة بهم فهذه فكرة متميِّزة تتحقَّق فيها شرط التَّأصِيل وإذا أردنا معرفة التَّدليل في هذه المسألة فإنَّ ذلك يتَّضح مع تعليل وتحليل ابن خلدون في قولة أنَّ الإفراط في الشِّدة يدفع المتعلِّم إلى الخوف والجبن والكذب والكسل فهذا التَّدليل في حقيقته تعليل أمَّا التَّمثيل فنجد أنَّ الإفراط في ضرب الصَّبي بالعصا مثلاً هو شدِّة، وضرب الوجه شدَّة وليس بتأديب. وبهذا نجد أنَّ الفكرة قائمة على التَّأصيل لوجود فكرة واضحة قابلة للنِّقاش وأنَّ كاتبها عرَّف بها بعد بلورتها، وفيها شرط التَّدليل وشرط التَّمثيل في أنها ليست فكرة خياليَّة أو فلسفيَّة جدليَّة نسبيَّة لا يمكن معرفة آثارها الواقعيَّة العمليَّة. وفي مقام التَّدليل يمكن أيضاً الاستدلال ببعض الآثار النَّبوية لتعزيز هذا الرَّأي فعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا ضَرَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَتّقِ الْوَجْهَ" (سُنَنُ أبي دَاوُد باب في ضرب الوجه في الحد، 4493) وأنَّ هديه صلى الله عليه وسلم في التَّعْلِيْم يقوم على الحِلم واللُّطف لا اللَّطم والعنف.
فيما يلي سيكون حديثنا عن المنطلقات العامَّة لفهم التُّرَاث الإسلامي والتي ينبغي أن يحيط بها الدَّارس قبل خوض غمار البحثِ في المسائل التُّرَاثيَّة. إنَّ التَّربية الثَّقافيَّة السَّليمة لها معالم هَامَّة ينبغي مراعاتها كي ترشدنا إلى أمثل الطُّرق للفهم والتَّفاعل مع مُعطيات التُّرَاث. هذه الأصول التي سنذكرها والممتدَّة على بضع صفحات قادمة في فصل "المُنطلقات" هي بعينها النُّقاط التي سنتوسع في مناقشتها لاحقاً وسيتفرَّع منها معظم موضوعات هذا الكتاب. هذه المنطلقات هي مبادئ تتمحور حولها عدَّة مسائل منها مسائل تتصل بأخلاقيات الباحث المسلم في ميدان الفكر التَّربوي، وأخرى تُفَصِّل بعض الضَّوابط العِلْمِيَّة الكفيلة بتوسيع وتأصيل فهمنا للتُّراث التَّربوي الإسلامي القائم على خصوصياته الذََّاتية والْتَّارِيْخيَّة، ومنها موضوعات في بيان أهمية تفعيل الْعِلْمِ من أجل العملِ.
يمكننا القول على وجه اليقين والتَّحقيق لا التَّخمين والتَّعليق أنَّ جَهل أو تَجاهل هذه المعالِم - من منطلقات وتحديات نذكرها في هذا الفصل - قد يُسَبِّب الوقوع في التَّخبط والتَّخليط في فهم تراثنا فلِكل حَقل أصول تُسَهِّل للطَّالب طُرق الوصول لسبيل الصَّواب وتوجِّه السَّالك وتُوضِّح المسالك. قال ابن تيمية "فَإِنَّ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الأَشْيَاءِ وَمَبَادِئِهَا وَمَعْرِفَةَ الدِّينِ وَأَصْلِهِ وَأَصْلِ مَا تَوَلَّدَ فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُلُومِ نَفْعًا. إذْ الْمَرْءُ مَا لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِحَقَائِقِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ حَسَكَةٌ" (مجموع الفتاوى، 10، ص 367). أي أنَّ الحرمان من معرفة أصول العلوم شوكة صلبة من شأنها أن تمنع القلب وتُعيقه من النَّظرة الرَوِيَّة الصَّحيحة. هذا ولقد أوردنا بقدر الحاجة عدداً من الشَّواهد القرآنية الكريمة، وأردفنا ذلك بالأحاديث النَّبوية الكريمة، وعززنا الأمر بالأبيات الشِّعرية، وذكرنا تعليقات جهابذة المفكرين بقصد توطيد وتدعيم هذه المُنطلقات كمفاهيم أساسيَّة للسَّالكين في دراسة التُّراث.
هذه المُنطلقات والمبادئ مُنبثقة من أصل شجرة واحدة باسقة الأغصان ففروعها متشابكة متشابهة تمتص خصائصها من أصلها الثَّابت ولولا ضرورة التَّبسيط في التَّعْلِيْمِ والعرض، ولولا منافع التَّرتيب والتَّنظيم، لما وضعناها وعرضناها على شكل نقاط مُستقلَّة وفقرات مُتَفرِّقة متنوعة كما سيرى القارئ الكريم على صفحات هذا الفصل.
فيما يلي أهم المنطلقات العامَّة المعينة على فهم التُّرَاث الإسلامي التَّربوي بصورة صحيحة:
1- إننا نتعلَّم لنطبِّق خير ما نَعلم وهذا الهدف التَّربوي هو مُقتضى البيان الإلهي ومقصد الهدي النَّبوي. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ {18}" (سُوْرَةُ الزّمر). ومن دعاء خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء قوله صلى الله عليه وسلم "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ" (رواه مسلم في كتاب الذِّكر والدُّعاء والتَّوبة والاستغفار). إنَّ المناهج التَّعْلِيْمِيَّة التَّهذيبيَّة الزَّاهرة هي التي تُعِدُّ الفرد لخيري الدُّنيا والآخرة. ورد في شرح الحكم العطائية للشَّرنوبي أنَّ "الْعِلْم النَّافع هو الذي ينبسط في الصَّدر شُعاعه، ويكشف به عن القلبِ قناعه. خير الْعِلْمِ ما كانت الخشية معه. يعني أنَّ الْعِلْمَ النَّافع هو ما كان صاحبه ملازماً للخشية، وهي خوف مع إجلال ينشأ عنه العمل. وقد أثنى الله تعالى على الْعُلَمَاء بذلك فقال:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}" (سُوْرَةُ فاطر، آية: 28). ولهذا قال الصَّالحُون "إنَّ الإيمان ليس بالتَّحلي ولا بالتَّمني، إنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل". قال ابن زرُّوق (899 هـ = 1493 م) "كل عِلْم بلا عمل وسيلة بلا غاية ـ وعمل بل عِلْم جهالة" (ابن العماد، ج 9، ص 548).
إنَّ من يتتبَّع آيات القرآن الكريم يجد العلاقة الوثيقة بين الْعِلْمِ والعمل ففي سورة هود يقول سُبْحَانَهُ: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ {46} قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ {47}". ولقد قَرَنَ القرآن الكريم بين الإيمان وبين العمل فقال في فَوَاتِحِ سُورَةِ البقرة "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3}". ومن يَقْرَأْ فَوَاتِحَ سُورَةِ البقرة يتجلى له منهاجاً تربوياً متكاملاً فيه غاية التَّربية الإنسانية، ووسيلتها العَمَلِيَّة، وسِماتها الكُلِّيَّة، والسَّعيد هو من يُلهمه اللَّه سُبْحَانَهُ الْعِلْمَ والعَمَل وفق مُقتضيات هذا المنهج الإلهي العظيم الرَّحِيم.
ومن الآثار التي وردت في كُتُب السَّابقين في رَبط الْعِلْمِ بالعَمَلِ: "من عمل بما عَلِم علَّمه الله ما لم يَعلم"، "إذا علم العالِم ولم يعمل كان كالمصباح يضيء للنَّاس ويحرق نفسه"، "ما اكتسب مكتسب مثل فضل عِلْمٍ يهدي صاحبه إلى هُدى أو يرده عن ردى، وما استقام دينه حتى يستقيم عقله". وقالوا "أول الْعِلْمِ الصَّمت، ثم حُسن السُّؤال، ثم حسن اللَّفظ، ثم نشره عند أهله" وقال سهل التَّستري (ت 283 هـ = 896 م) "شكر العلم العمل، وشكر العمل زيادة علم" (ابن العماد، ج2، ص250، ج 3، ص 342). قال ابن تيمية "وَأَمَّا الْعِلْمُ النَّافِعُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ وَيَسْعَدُ بِهِ الْعِبَادُ فَلا يَحْصُلُ إلاَّ بِاتِّبَاعِ الْكُتُبِ الَّتِي جَاءتْ بِهَا الرُّسُلُ … مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْهُدَى وَالإِيمَانَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ طَرِيقِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ بِدُونِ الْعِلْمِ فَقَدْ ضَلّ" (مجموع الفتاوى، ج13، ص 236).
إنَّ العلوم مهما كانت زاخرة إذا لم توصل صاحبها إلى نجاة الآخرة فهي ضلال ووبال على صاحبها. ولا شك في أنَّ الْعِلْمَ مُقدَّم على العَمَلِ فلا يكون العمل صحيحاً إلا بعِلْم صحيح وكون العِلم يتقدَّم العمل لا يعني عدم لزوم العمل به فمِن مقتضيات العِلم النَّافع العمل الصَّالح. الْعِلْمُ النَّافع هو الذي يقود إلى نماء وصفاء النَّفس ومُسالمة النَّاس. وخير العلوم هي التي تُقَرِّبنا إلى الله سُبْحَانَهُ، والله لا يُعْبَد على جَهْل أبداً.
2-ندرس التراث لا لننغلق فيه بل لننطلق منه. ندرس الماضي لا لننغلق في غفلة الأحلام بل لننطلق منه للأمام. نحتاج الحنين إلى المجد المؤثل عندما كانت حضارتنا منارة رائدة للعِلْمِ والعمل النافع فطابت في أوطاننا الحياة الكريمة ولكن النظر للخلف يجب أن يكون بغرض التزود لنهضة شاملة قادمة بإذن وعون الله سُبْحَانَهُ. النكوص يعني التَّغني بماضينا العظيم والشرود عن حاضرنا الأليم. نعم، نُحِب أن نُربي أنفسنا على الافتخار بما سلف من إسهامات أسلافنا لنستلهم منها النَّجاح ولكن من دون أن نجهل الحكمة العربية الأصيلة التي تقول:
|
كنِ ابنَ من شئتَ
واكتسبْ أدباً |
|
يغنيكَ محمودُه عن
النَّسـبِ |
ولله در القائل:
|
لسنا وإِن أحسابُنا
كَرُمَتْ |
|
أبداً على
الأَحْسابِ نتكلُ |
نحن ندرس الفِكر التربوي بغرض إثراء خبراتنا التربوية كي تعزز كفاءاتنا وقدراتنا كمعلمين في بيوتنا ومدارسنا ومجتمعنا وهذا هو الهدف الرَّئيس من تجشم مشقَّة البحث عن آراء السَّابقين في بطون كتبهم التي كُتِبت في عصور غير عصرنا، وفي ظروف غير الظروف التي نعيش فيها.
3- الأدب مع نصوص الوحي ومع شعائر الدِّين من أهم أساسيات البحث في مسيرتنا نحو فهم تراثنا الفكري. لا يحق لأي باحث مسلم أن يتعامل مع القرآن والسنة إلا على أساس أنهما من وحي التنزيل الإلهي. على الباحث أيضاً أن لا يتحدث عن الصحابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أَجْمَعِيْن إلا بأسلوب مُؤدَّب ولا يغفل عن ذكر فضل صحبتهم، وسابق إحسانهم وذلك كلّه يُعَدُّ من تعظيم شعائر الله "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ {32}" (سُوْرَةُ الحج).
الموضوعية في البحث الْعِلْمِي لا تعني إغفال هذا الأصل بل الصَّواب هو أنَّ البحث الْعِلْمِي الموضوعي في منظور الإسلام يُحَتِّم على الباحث إكرام من أكرمهم الوحي من لدن الأنبياء إلى جيل الْصَّحَابَة، قادة التَّربية والتَّعْلِيْم، ومن سار على دربهم. ومن دون هذا الضَّابط تشيع الفوضى في دراساتنا ويتحول الحق إلى باطل والبحث إلى عبث. قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (لاَ تسُبُّوا أصحابي. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ) (تهذيب سنن أبي داود، لابن قيم، 36 ـ كتاب السُّنة:1680 ـ باب في النَّهي عن سبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث رقم: 4646).
قال النَّووي في رياض الصَّالحين "قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا" حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وفي رواية أبي داود: "حق كبيرنا" (باب توقير الْعُلَمَاء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم).
4- نقد الأفكار التربوية لا يعني بحال من الأحوال تجريح ذوات الأشخاص والطعن في النيات. محاولات الاختيارات التربوية والمفاضلة العادلة في حال الترجيح بين الآراء لا يقصد منها التنقيص من شأن من لم يُؤخذ برأيه إذ يستحيل أن يتبنى المرء كل ما قيل في شأن ما وإن كان الرَّأي قد صدر من أهل الْعِلْمِ فالتَّفاضل يكون في الرَّأي نفسه لا في الشَّخص الصَّادر عنه الرَّأي.
5- الأمانة العِلْمِيَّة في دراسة الفِكر التَّربوي الإسلامي تقتضي فَهم أقوال الْعُلَمَاء بأمانة ونقلها بدقَّة عَلَى حَسَبِ طَاقَتِنَا مهما كان الرَّأي الْعِلْمي المطروح يُخالف توجُّهاتنا الشَخْصِيَّة أو أفكارنا العِلْمِيَّة. إذا وُجِد خلافٌ مُعتبر له وزنه في موضوع ما فالأمانة العِلْمِيَّة تقتضي أنْ يعرضَ الباحثُ الآراء المخالفة لوجهة نظره بكل أمانةٍ مع إظهار مشاعر الاحترام للآخرين. الإسلام منظومة قيم مُستمدة من رسالة سماوية إنسانية تؤكِّد على العدالة فكراً وفلسفةً، تَصوُّراً وتَصرُّفاً، فلا يليق بالباحث أن يحيد عن هذه الجادَّة خاصة مع المُخالفين لرأيه فلا يضمر الكيد لفكر هؤلاء المخالفين، ولا يبطن لهم ترصداً لهفواتهم وإنما يتحرَّى الأمر الظَّاهر القطعي الثُّبوت عنهم فيشير إليه ويتناقش فيه.
إِنَّ الأَمانَةَ في نَقل الأفْكَارِ تُوَرِّث أَجْوَاء الطُّمَأْنِينَةَ، وتَطْرِد التَّطرُّف، وتكُف الرِّيبَة، وتَمْنَع الخُصُومَة واخْتلاط المَسائل بغيرها مما لا صِلة أو مصْلحة في إيرادها. أهم ناقض ينقض عرى الأمانة العلميّة هو إعجاب كل ذي رأي برأيه، والتَّعمد في تهميش فكر الآخرين. يقع هذا عندما يتجاهل الباحث عرض أدلَّة كلام مَن لا يَتَّفقون مع رأيه رغم أهميّته وهذه العَمليَّة في إلغاء الطَّرف الآخر من الظواهر التي لا تنسجم مع مبادئ الدِّين القويم ولا تتَّفق مع طبيعة النَّفس السَّمحة الباحثة عن الحكمة.
6- من أولويات الباحث المسلم العِلْمِيَّة أن يُبرز روائع الحضارة الإسلامية الزّاهرة من خلال دراسة واظهار سبق عُلَمَاء الإسلام في الميادين العِلْمِيَّة المتنوعة مع بيان مجالات النَّجاح والعطاء وتوجيه النَّاشئة خصوصاُ والمجتمع عموماً نحوها لصنع مستقبل تعليمي كريم. من جهة أخرى فإنَّ رد شبهات المستشرقين ومن شايعهم في الشَّرق مِنَ الذين يلمزون التَّربية الإسلامية جوراً وجهلاً، ويرمونها بالعجز والتَّخلف والجمود يُعَدُّ من أهم ميادين الجهاد الْعِلْمي في العصر الحديث. إِنَّ مِدَادَ الْعُلَماءِ وَالْبَاحِثِيْن فِي سَاحَةِ الفِكْرِ قَدْ يُوَاَزِي فِي الشَّرَفِ دِماء الشُّهَدَاء وَالْمُجَاهِدِين فِي سَاعَةِ العُسْرِ.
7- الإطار النَّظري العام لدراسة التُّرَاث التَّربوي الإسلامي هو أنَّ الإسلام منهج شامل للحياة يكفل العدل وينظِّم معيشة الفرد والمجتمع في مضامير الحياة المختلفة. ينبني على هذا الفهم أنَّ قادة الفكر الإسلامي كتبوا في ميادين إصلاحية مُتَنَوعة لأنهم فهموا طبيعة هذا الدِّين الشَّامل. رواد التَّربية الإسلامية من أمثال الشَّافِعِيّ، وابن سحنون، والقابِسي، والغزالي، وابن تيمية، وابن خلدون، ومُحَمَّد عَبْدُه كتبوا عن شئون الدِّين كما تحدثوا عن مسائل الاقتصاد ووضعوا معالم السِّياسة الدَّاخلية والخارجية وتكلموا عن المواثيق الدولية والتَّربية الجهادية ..ومن الخطأ النَّظر إلى تراثهم على أساس جُزئي. لقد سقط اللِّيبراليون من العَلمانيين "اللاَّدينيين" في سوء فهم عجيب حيث درسوا الفكر الإسلامي من جانب ديني مرتبط بالسُّلوك الشَّخصي فقط والصَّواب أنَّ الإسلام بتعاليمه فرض على المفكرين المسلمين أن يعالجوا مسائل متنوعة تمس حياة المسلم في دينه ودنياه.
"رجل الدِّين" بمعنى العالِم يتحدَّث عن مسائل وأحكام الدِّين دون ربطها بحياة النَّاس قد يكون وَضْعه صحيحاً في الفكر الغربي ومنه جاء مفهوم "رجل دين" أما المُفكِّر المسلم فلا يسعه أن يوافق على إباحة الزِّنا مثلاً بِحُجَّة أنَّها مسألة اقتصادية سياحية في عصر يتَّصف بالانفتاح الثَّقافي، وحريّة التَّصَرُّف. غير المسلم قد يكون مطالباً بعبادة ربه في الكنيسة أو المعبد حسب ما ينص عليه دينه المُحرًّف أما المسلم فهو يعبد ربه في المسجد وفي نطاق الأسرة والمدرسة وكل مؤسَّسات المجتمع.
العبادة عند المسلم تكون باتباع توجيه الخالق سُبْحَانَهُ دون تمييز بين الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي أو السِّياسي فكل أمر أو نهي في القرآن أو السُّنة يجب اتباعه ما أمكن. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في سُوْرَةِ الأحزاب "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا {36}". قال الحق سُبْحَانَهُ عمَّن يُهمل الإيمان به، والعمل بشرعه "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى {124} قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا {125} قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى {126} وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى {127}" (سُوْرَةُ طه).
8- الفكر الإسلامي التَّربوي له خصائصه المميزة، فهو فكر يقوم على دعائم الواقعية والوسطية والشُّمولية والعالمية كما أنه يُحاول جاهداً أنْ يعتمد على الوحي كإطار لتوحيد وتسديد الرُؤى. إنَّه فكر تمَّ تجريبه عملياً وكان من آثاره نشر العدل والحب والحرية والمساواة والإخاء والتسامح الديني وكم مِن كنيسة وبَيْعَة قامت على مدى صفحات التَّاريخ في ديار المسلمين وأصحابها من رهبان وحاخامات كانوا أقليات يمكن التَّخَلُّص منهم بلمح البصر كما فعل غير المسلمين مع الجاليات الإسلامية في بلادهم قديماً وحديثاً.
الفِكر الإسلامي ثمرة لجهود المسلمين، ومَن ارتضى مساندتهم وعاش في كَنَفِهم على اختلاف بيئاتهم وأزمانهم وأعرافهم فالعربي والأعجمي، والأبيض والأسود، والذَّكر والأنثى جميعاً ساهموا في إرساء قواعد نهضة حضارتنا وليس كما يزعم غير المسلمين أنَّ حضارتنا هي "حضارة العرب". الجميع ساهموا في عَمَلِيَّة إنشاء وإرساء قواعد نهضة حضارتنا لأنَّ القاعدة الإنسانية السَّماوية قد جاءت في القرآن لتقرِّر بوضوح وحدة الأصل، ووحدانية الخالق "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {13}" (سُوْرَةُ الحُجرات). أخرج ابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التَّشريق خطبة الوداع فقال: "يا أيها النَّاس ألا إنَّ ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتَّقوى، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلَّغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلِّغ الشَّاهد الغائب"[11]. هذه أُسُس حضارة الإسلام ومن ينظر إلى جهاد الأمم والشُّعوب اليوم كي تظفر بالمساواة والعدالة والإخاء يعلم عظمة وسبق وتميز هذا الدِّين القويم. مَن لم يعلم أهمية هذا المنطلق الحق فليسأل "الرَّجل الغربي الأبيض" الذي لمئات السِّنين ضيَّع بغروره حقوق غيره.
9 - هناك فرق هام وكبير بين الدِّين Religion الذي هو شرع الله الذي أنزله على رُسُلِهِ وهو ثابت لا يتغير وبين التَّدين Religious "التدين" الذي هو فهم الدين أو ما نسميه الفقه وقد يتعرض للتَّغير حسب البيئة والوقت. الأول هو ما أنزله اللهُ عز وجل، القرآن والسنة أما الثاني فهو يُمثِّل فَهْم النَّاس والْعُلَمَاء للدِّين وفي كثير من الأحيان هناك مسافة فاصلة بين الدِّين والتَّدين. الدِّين شيء مُقدَّس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أبداً أما التَّدين فهو في كثير من الأحوال اجتهاد لفهم النُّصوص وهو سعي يصيب ويخطئ. في الأمور القطعيَّة المُجمع عليها لا مجال للاجتهاد أو تباين وجهات النَّظر لأنها واضحة في ثبوتها ومعناها فالأخذ بها لا محيد عنه. الفكر الإسلامي في نطاق دراسة التُّرَاث يقع في كثير من مسائله في دائرة التَّدين لا الدِّين وعليه فإنَّ مناقشة بعض أفكار الْعُلَمَاء لا تعني المساس بُقُدْسيَّة الدِّين.
10- وحدة المسلمين من أهم الفرائض، ونعمة الإخاء من أكرم النِّعم، فلا ينبغي لعِلْم مثل عِلْمِ الفكر التَّربوي أن يُهدِّد هذا الأصل الأصيل. الفِكر التَّربوي نافذة للتَّعارف والتَّآلف لا مادة للتَّناحر والتَّخالف. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {103} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {104} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {105}" (سُوْرَةُ آل عمران).
11 - ينطلق الفكر الإسلامي من مفهوم واضح لمصطلح العبادة وهو ما يميز طرح قادة الفكر الإسلامي. الغاية من وجود الإنسان على هذه الأرض تدور حول ثلاث غايات كما ذكرها الرَّاغب الأصفهاني في كتابه الرَّائد الذَّريعة في مكارم الشَّريعة حينما قال "والفعل المختص بالإنسان ثلاثة أشياء:
عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: "وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها" [هود 61]، وذلك تحصيل ما به لتوفير المعاش لنفسه ولغيره.
وعبادته المذكورة في قوله تعالى [سُوْرَةُ الذَّاريات] "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56)"، وذلك هو الامتثال للباري عزَّ وجل في أوامره ونواهيه.
والقيام بحق الخلافة في الأرض المذكورة في قوله تعالى: "وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)" (سُوْرَةُ الأعراف) على قدر طاقة البشر باستعمال مكارم الشَّريعة.
ومكارم الشَّريعة هي الحكمة والقيام بالعدالة بين النَّاس، والحلم والإحسان والفضل والقصد منها أن تبلغ إلى جنَّة المأوى، وجوار رب العزَّة تعالى" (ص91 باختصار وتصرف).
هذه هي الغايات العليا التي خُلق لها الإنسان وهي الغايات الكبرى لتربية الإنسان المسلم إذ تبدأ من الحاجات الأساسية المادية مثل أمر المعاش وضرورات الحياة وتعمير الأرض وتمر في العبادة كتهذيب للنَّفس وتقرب للرَّب وتنتهي بإقامة العدل ونشر الخير وهي المساهمة الحضارية المنشودة. فالجانب المادي ضرورة "بيولوجية" والجانب الدِّيني ضرورة روحية، والجانب الاجتماعي ضرورة حضارية يستكمل الإنسان فيها الفضائل ويترك أثراً طيباً على وجه هذه الأرض.
لم تأت الرِّسالة الإسلامية إلا من أجل إقامة العدل بكافة صوره لقول اللّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(25)" (سُوْرَةُ الحديد).
يقول د. أبو اليزيد العجمي في مقدمته لكتاب الذَّريعة إلى مكارم الشَّريعة للرَّاغب الأصفهاني "حَدَّدَ الرَّاغب غاية وجود الإنسان في العبادة والخلافة والعمارة، وبدت كأنها متفرقة والحق أنَّها شيء واحد ذو وجوه، يجمعها كونها حمل الأمانة لنقلها من جيل إلى جيل خلفاً عن خلف وفي حملها عمارة الأرض لأنَّ من فروض الدِّين الأمر بالسَّعي والعمل، وبذا لا تتحقَّق إنسانية الإنسان بما أودع فيه من طاقات. لكنَّها تتحقَّق باستخدام ذلك فيما خلق له" (ص 92).
موقِفُنا مِن النَّكبات الفكريَّة
الْتَّارِيْخ الإسلامي فيه مواقف انتكاسٍ، وساعات ضعفٍ، وليس من الحكمة تضخيمها أو غض الطَّرف عنها وتجاوزها دون أخذ العبر والعظات منها إذا كان ذلك ممكناً مأموناً وكلٌ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ. يدل الاستقراء الصَّحيح الحكيم لتاريخ الإسلام على أنَّ الالتزام العام بأحكام الإسلام له صلة وثيقة بازدهار الفكر الإسلامي وأن التَّفريط في التَّمسك بتعاليم الدِّين فيه انحدار رهيب لواقع المسلمين. حبنا لتاريخنا وتُراثنا لا يعني عدم الاعتراف بنقد بعض مساراتنا الْتَّارِيْخيَّة بموضوعيَّة دون مبالغة وتضخيم، ومن غير تشويه وتحطيم.
من أجلِ المواقف الفِكْرِيَّة قُتل سعيد بن جبير، وسُجِن من سُجِن، وضايق السَّلاطينُ الْعُلَمَاء بسبب أفكارهم العِلْمِيَّة فتعرضوا للأذى ومن يقرأ سِيرة أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والبويطي، وابن الجوزي، والسَّرخسي، والطَّبِيْب الحاذق ابن رشد، وغيرهم يجد أنَّ بعضهم قد طُرد من بلده، وبعضهم عُذِّب بالضَّرب، وبعضهم مات ظُلماً في ظُلمة السجون بفعل فساد السَّاسة ممن حَكموا البلاد، وتحكَّموا في العباد. للأسف الشَّديد، كانت عَمَلِيَّة تصفية الحسابات جسدياً سَوءة تدلُّ على التَّخلُّفِ السِّياسي، والتَّسلط الفردي، والبطش العسكري. هذه العوامل وغيرها من أهم أسباب انهيار الحضارة الإسلاميَّة وكما قال القرطبي "الجور والظلم يخرِّب البلاد، بقتل أهلها وانجلائهم عنها، وترفع من الأرض البركة" (الجزء 9، تفسير سُوْرِة الرَّعد، الآية: 41).
في العصر الحديث مجموعة من العلماء لقوا مصرعهم على أيدي بعض قادة المسلمين. هذا شأن ومصير الْعُلَمَاء فكيف بحال البُسطاء .. سمل الأعين، وخنق الرِّقاب، وخصي العبيد، وتشويه الجثث، وقطع الأيدي عدواناً أمْرٌ مُرٌّ مَرَّ به تُراثُنا ولا يمكن محوه من ذاكرة الْتَّارِيْخ عند المسلمين وغيرهم قديماً وحديثاً.
بَيَّنَ مُحَمَّد رضا[12] (ت 1369 هـ = 1950 م) موقف المؤرِّخ المسلم، ومسؤولية الباحث الأمين إِزاءَ هذا الأمر فقال: "المؤرِّخ يستطيع أن يستعرض الحوادث وأن يستنتج منها ما يبني حُكمه عليه كالقاضي النَّزيه، وليس من شأنه أن يلتمس المعاذير ويميل كل الميل مع قوم دون آخرين. فإنَّ من عَدَّ السَّيئات حسنات، والأغلاط في حكم الصَّواب جرياً وراء إحساسه وعواطفه، أو خشية الرَّأي العام، أو البيئة، أو لإشباع شهوة في نفسه، أو للتَّظاهر بالْعِلْمِ، أو الصَّلاح لا يُعد في نَظرنا مؤرِّخاً، بل مُتحيزاً، أو مُغرِضاً. وقد تصدَّى قوم لتدوين سير بعض السَّلف فنزَّهوهم عن جميع الهفوات معتبرين ذلك تَعبداً، وصلاحاً، ونسكاً، غاضين الطَّرف عن الحوادث المؤلمة التي ترتبت عليها. وهذا فضلاً عن كونه مخالفاً مخالفة صريحة للتَّاريخ ولآراء المعاصرين من السَّلف الصَّالح الذين هم أعرف من غيرهم بالدِّين وأصوله، وبأساليب الحكم في زمانهم، وأسباب السَّخط العام، فإنَّه مضيع للفائدة المرجوة من الْتَّارِيْخ وما فيه من عبر يعتبر بها الخلف. ومن المؤرِّخين من يتصدَّى للطَّعن، واللَّعن، وتشويه الحقائق، وتشويه للمحاسن بدافع التَّعصب لرأي، أو لكي يعدُّ من أرباب العقول الرَّاجحة. وهؤلاء ينفثون سمومهم ولا يدركون مغبَّة ما تخطُّه أقلامهم الجامحة من إفك وبهتان" (عثمان بن عفان ذو النورين، 2001 م، مُقَدِّمة الكِتاب).
إنَّ المتتبع للحركة الفِكْرِيَّة وتقلباتها في تاريخ العالم الإسلامي يجد فترات من الرُّكود تتمثل في إغلاق باب الاجتهاد عن طوائف كثيرة، ونشأت في عصور الانحطاط والرُّكود فترات ضعف وتشرم حتى في أداء الصلاة كانت كل طائفة تصلى منفردة عن الأخرى في مسجد واحد، والمُسلمة قد لا تُزوج من رجل مسلم لأنَّه يتمذهب بمذهب معين من المذاهب الفقهيَّة الأربعة المشهورة. ولقد شاعت البدع والخرافات التي يمارسها النَّاس عند قبور الصَّالحين وفي قصور السَّلاطين، وتمجيد التَّقليد قد تَرَسَّخ في النَّفوس ولولا جهاد من ثبت على الحق من الْعُلَمَاء المجتهدين في الثَّورة على هذا التُّرَاث الجامد لساد التَّقليد كتبنا التُّرَاثية كلها ولأصبحت عِصمة الأولياء عقيدة في كل عصر، والتَّسليم المطلق لسيادة العلماء شريعة في كل أمر وهذا من شأنه أن يجعل التُّراث قيداً في عنق الأمَّة يخنق العقل ويُسَفِّه الفكر ويمنعه من محاولات التَّجديد والحركة والابتكار.
مَن يستعرض حال المسلمين يرى أنَّ التَّعصب للمذاهب الفقهيَّة وغيرها في بعض الفترات الْتَّارِيْخيَّة لعب دوراً عظيماً في تفرِّق الجماعة المسلمة المُتضامنة، وتشويه مسيرة الْمَدَاَرِس التَّعْلِيْمِيَّة. قام التَّقليد الجامد بتمزيق شمل الأمة وهو الأمر الذي ساقنا إلى الضَّعف والتَّمزق إضافة إلى جملة أمور أخرى أسهمت أيضاً في الانحطاط الذي يحيط بواقع الأمَّة اليوم.
قال ابن تيمية في فتاويه واصفاً آفة التَّعصب للمعلمين والمرشدين "أَمَّا تَرْجِيحُ بَعْضِ الأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلَ مَنْ يُرَجِّحُ إمَامَهُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِهِ، أَوْ يُرَجِّحُ شَيْخَهُ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ .. فَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَرَاتِبِ الأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ وَلا يَقْصِدُونَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ تَهْوَى نَفْسُهُ أَنْ يُرَجِّحَ مَتْبُوعَهُ فَيُرَجِّحَهُ بِظَنِّ يَظُنُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى تَحَاجِّهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (مجموع الفتاوى، ج20، ص 293).
لقد انحرفت القيم والموازين التي أقامتها التَّربية الإسلامية الصَّحيحة في ميدان تهذيب النَّفس، وتحصيل العلم، ورُقي المجتمع، وضاعت قيم تعظيم العمل، وتقدير البحث الحر الجاد فغلبت على الفكر الإسلامي جدلية اليونان الميتافيزيقية، وصوفيَّة الغلاة الانعزالية، والسِّياسة الفردية المُتسلِّطة القائمة على الإرهاب، وغابت المفاهيم الكليَّة لتطبيق مبادئ العدل وتشجيع عطاء المرأة في خدمة العلم والمجتمع وحركة الحضارة، واستحكمت الخلافات المذهبيَّة الحادَّة، وحلت مُناقشة الجزئيات الثَّانويَّة الضيِّقة محل الاتجاهات الشَّاملة العميقة في فهم الدِّين والحياة فضعف الوعي الإسلامي (المبارك، 1970 م، ص 39) الصَّحيح في المجتمع المسلم وفَقَدَ تدريجياًّ قيادة الفكر العالمي بعد أن كان يقود الأمم لمدة عدة قرون مُتطاولة في ميادين والسِّياسة والثَّقافة. كي تستأنف الأمة مسيرتها لا بدَّ من تصويب المفاهيم العامة التي شاعت فأفسدت الأوضاع.
إلى منتصف القرن العشرين وكثير من المجتمعات المسلمة تسحق حقوق الإنسان فكان الإنسان الأسود البشرة عبداً عند الأمراء والأثرياء يسومونه سوء العذاب بعد أن يتحايل تُجَّار الرَّقيق في سرقة الأطفال من أفريقيا ثمَّ يبيعونهم في أماكن أخرى دون أدنى شفقة، وكانت المرأة سوءة لا يُسمح لها بالتَّعلم، وكانت الدِّماء قد تسيل في حروب لا معنى لها بين قبائل المسلمين وكل فريق يرفع راية الدِّين، لا لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل بل لِيمْحَقَ المُخَالِفِين .. كانت مؤسَّسات التَّربية والتَّعليم بصورة أو بأخرى إما تُسَوِّق وتُسوِّغ أو تستر وتُمرِّر الكثير أو القليل من هذه المساوئ السَّائدة من خطف وسرقة وقتل وظلم. إنَّ دراسة الحقائق التُّرَاثية الأليمة بصورة واعية لا تزوير فيها أو تحوير قد تعصم الأمة من نكبات كثيرة جديدة، أو على الأقل قد تُقلِّل من احتمالات تكرار الكوارث.
تَعرَّضَ الفكر الإسلامي وما زال للعديد من الهجمات الشَّرسة، والضَّربات المستمرة المتمثلة في مكائد اليهود المأجورة، والحملات النَّصرانية المشهورة، وموجات العَلمانية "اللادينية" المسعورة، وهي كلّها رغم اختلاف توجهاتها ومناهجها وفلسفاتها التَّفصيليَّة تتفق على أمر واحد وهو توجيه أجهزة الإعلام والتّعليم نحو "تجفيف الينابيع" وتشويه وتحريف التراث الإسلامي بأوسع معانيه وأقوى أركانه كي ينشأ الفتيان والفتيات بمعزل عن الثقافة الإسلامية. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في مُحكمِ التَّنزيلِ "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120}" (سُوْرَةُ البقرة). إذا كانت الآية تُخاطب النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة فغيره من البشر أولى بالحذر إذا أراد النصر.
على أنَّ أشدّ وأقسى الهجمات هي هجمات أبناء المسلمين ممن جهلوا عظمة الدِّين الإسلامي وراحوا يهاجمون بجهلهم قلعة الإسلام باسم حرِّية الفكر تارة وباسم التَّقدم كَرَّة أخرى كما أنَّ ظُلم الطَّواغيت واضطهادهم للعُلَمَاء واستكانة المجتمعات كان حصاده مُرّاً دَمَّر حال أمة الإسلام. لاَ جَرَمَ أنَّ العَلمانية بصورتها الأصيلة كما ظهرت في باطنها وظاهرها انسلال من ربقة الإسلام لأنَّها تفصل الدِّين عن تنظيم شئون المجتمع وتريد أن تضع أهواء النّاس فوق القيم خضوعاً لضغوط ما يُسمونه "التَّقدم".
يقول المفكّر مُحَمَّد رضا في كتابه مُحَمَّد رسول الله "إنَّ الأجانب قد درسوا حالتنا الاجْتِمَاعِيَّة وما وصلنا إليه من انحطاط وجهالة وخور في العزائم وأخيراً حكموا بأنَّ هذا راجع إلى جوهر ديننا وتعاليمه لينفِّروا منه، ويصدونا عنه لئلا ترجع إلى الإسلام شوكته الأولى وعِزَّه القديم. وقد اغتر بكلامهم بعض قصار النَّظر من المسلمين فعززوا آراءهم وطعنوا على الدِّين طعنات شتى زاعمين أنهم مصلحون. وهم في الحقيقة مفسدون يخرِّبون بيوتهم بأيديهم. ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد بل حلَّلوا المحرمات ونشروا الفساد وروَّجوا الضَّلال وتعلَّقوا بمظاهر المدنيَّة الغربيَّة من خمور وفجور ولهو وخلاعة وإباحيَّة وما دروا أن عُلَمَاء أوربا وعقلاءهم ساخطون ناقمون على انتشار الفساد وقد صرَّحوا مراراً أنَّ هذه المساوئ مُنذرة بسقوط الأمم، ومؤذنة بخرابها مع أنَّها الآن في غاية القوة والمنعة". يصف مُحَمَّد رضا واقع الفكر الإسلامي في القرن الماضي قائلاً "إلاَّ أنَّ معاول الهدم أقوى أثراً وأسرع فعلاً من مجهودات المصلحين" (بتصرّف).
لقد بلغ بالعَلمانيين (اللادينيين) في الدِّيار الإسلامية أنَّهم دَرَّسوا تُراثنا بمناهج هزيلة لتُجسِّد النَّقائص، ووضعوها في قوالب منفِّرةٍ لتُمثِّل التَّناقض، وعرضوها بصورة باهِتةٍ في الوقت الذي قدَّموا التُّرَاث الغربي في أبحاثهم ومُنتدياتهم بصورة جملية برَّاقة مع زخم اعلامي هائل لتلميع دُعاته فقاموا بعملهم هذا بترويج المذاهب الكاسدة، والعقائد الزائفة وليس هذا غرض دراسة الفكر التَّربوي للباحث المُنصِفِ. كان الأليق بهؤلاء أن يدرسوا التُّرَاث من المصادر الأصيلة، وبقلوب باحثة عن الحق، وعقول قويمة، ومناهج سليمة، ليُكْتَب لهم النَّجاح في أكمل نماذجه. وقديماً قالوا:
|
فَظُلْمُ ذَوِي
القُرْبَى أشَدُّ مَضَاضَةً |
|
عَلَى الْمَرْءِ
مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّد |
إنَّ التَّفكُّر فريضة إسلامية وفضيلة إنسانيَّة لها تطبيقاتها الفاعلة في حركة الحياة. من مفاخر الإسلام أنَّه لا يُصادر الاجتهاد الْعِلْمي باسم الدِّين فإنَّ حرِّية الرَّأي والتَّفكير لمن تتوفر لهم آلة الاجتهاد جاءت مُتَّسِقة مع سماحة الإسلام ورحابة تعاليمه. وعليه فإنَّنا نجد أنَّ كل بحث علمي أو عملي جاد من قِبَل المتخصِّصين في أي عِلْمٍ من العُلوم يُشجِّعه ديننا الحنيف ويُبارك فيه ويدعو إليه لأنَّه دين يرّحِّب بالحقائق ولا يهابها وتظل الحكمة دائماً ضالَّة المسلم يطلبها بنهمٍ ولا يشبع منها أبداً. وأبعد وأعمق من ذلك كله أنَّ حرِّية الفِكر لم يكفله الإسلام فحسب بل أوجبه على كل العباد في إطار معرفة واختيار الدِّين الحق ومن أجل القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكر مع التَّأمل في آيات الله المسطورة في كتابه الكريم والمنظورة في كونه الفسيح.
وفي سُور كثيرة نجد القرآن الكريم يدعو المسلمين دعوة مباشرة إلى التَّفكر والتَّدبر في خلق الله سُبْحَانَهُ فيقول اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في سُوْرَةِ الرُّوم: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {21}. وفي سُورَةِ الزُّمَر قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: "اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {42}". وفي سورة الجاثية نجد قوله سُبْحَانَهُ:" وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {1}". وفي سُوْرَةِ الحشر قال سُبْحَانَهُ "لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {21}".
ومِن خلال تحليل الآيات السَّابقة وغيرها نجد أنَّ منهج الإسلام في تربية العقل يعملُ من خلال حثِّه على النَّظر وندبه إلى التَّأمل وإيقاظه لأخذ العِبر مِن المخلوقات التي يراها وهكذا فلا مكان للخرافة والشَّعوذة في حس المسلم الذي يريد منه ربه أن يتفكَّر في المخلوقات ويبني استنتاجاته على أُسس مُنهجية نشأت من الملاحظة، والتَّجربة، والقياس، والتَثَبت. هذه الاستنتاجات تتفاعل وتتناغم فيها حركة الحواس والعقل والنَّفس بهدف معرفة المعلوم على ما هو عليه. ما تشهد به الحواس من العلم بالأمور لا تقل أهميَّة عن قبول الأخبار الصِّادقة فكما "لا يجوز إنكار العلم الواقع بالحواس لم يجز إنكار العلم الواقع بالأخبار" (الشِّيرازي، اللُمَع، باب القول في الخبر المتواتر). الدَّعوة إلى الفكر لا تقف عند التَّفكر في الماديات المحسوسة ولكنَّها تمتد لتشمل الاتعاظ من الموت والحياة وإثراء الرُّوح بالإيمان الواعي الذي ينمو بتعاليم الوحي.
إنَّ التَّفكر في آلاء الله عزَّ وجلّ أفضل العبادات، وأكمل الطَّاعات لأنَّها تُقرِّب المخلوق إلى معرفة خالقه وهذا التَّفكر يشمل على تقوية العقيدة ويوصل إلى تطهير القلب ومن هنا تبدأ التَّربية العميقة. المسلمون لهم أن يتفكَّروا في كل شيء إلا ذات الله سُبْحَانَهُ فالعقل البشري قاصر ولا طاقة له بذلك. الاجتهاد ثمرة من ثمار حُرِّية الفكر في الإسلام ومن يتأمَّل حياة عُلَمَاء السَّلف يجد دعوتهم الدَّائمة والمتكررة إلى نبذ التَّقليد الأعمى، والتَّرغيب بلزوم التَّقوى، والتَّحذير من اتِّباع الهوى. ولذلك فإنَّ كل أحد مأخوذ من كلامه ومردود إلا الأنبياء.
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيِه عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنّةِ، وَإِنّ المَلاَئِكَةَ لتَضَعُ أَجْنَحِتَهَا رِضًى لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنّ العَالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السّمَاواتِ وَمَنْ في اْلأَرْضِ حَتّى الْحِيتَانُ في المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إنّ الأنبياء لَمْ يُوَرّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، إِنّمَا وَرّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرمِذِيّ وَأَحْمَد وابْنُ ماجَه. قال المناوي في شرحه لهذا الحديث العظيم أنَّ كلمة (عِلماً) جاءت "نَكرة ليشمل كل علم وآلته ويندرج فيه ما قلَّ وكثر بقصد وجه اللّه به … (سهل اللّه له به) أي بسببه (طريقاً) في الآخرة أو في الدَّنيا بأن يوفِّقه للعمل الصَّالح (إلى الجنَّة) أي يسِّهل اللّه له بسبب العلم طريقاً من طرق الجنَّة وذلك لأنَّ العلم إنَّما يَحصل بتعب ونصب ومن تحمل المشقَّة في طلبه سهلت له سُبل الجنَّة، فأبان أنَّ العلم ساعد السَّعادة وأس السِّيادة والمرقاة إلى النَّجاة في الآخرة والمُقوِّم لأخلاق النُّفوس الباطنة والظَّاهرة فهو نعم الدَّليل والمرشد إلى سواء السَّبيل. هذا الحديث حجة باهرة على شرف العلم وأهله في الدُّنيا والآخرة" (باختصار وتصرف).
الحضارة الإسلامية أقل الحضارات القديمة عُمُراً ومن أكثرها عُمْقاً وتَأثيراً وفي رِحابها نجد أنَّ مفهوم التَّفكير ليس من النَّوافل المندوبة التي يمكن تَركها .. فحق التَّفكير لا يمكن التَّنازل عنه … كما أنَّه ليس امتيازاً يمكن سَحبه في أي لحظة ..بل التَّفكير في الإسلام فريضة قيِّمة وعبادة عظيمة وقد يُؤثم المرء على تركها ويُؤجر على الإقبال عليها.
كلّ الرِّسالات السَّماويَّة جاءت بالمعجزات الحِسِّيَّة على يد الأنبياء فصارت معلومة كأساس لإقناع الشُّعوب بصدق المرسلين في فترة من الفترات ثمَّ جاء الإسلام ومعه الكثير من المعجزات الحسيَّة التي ظهرت في عصر البعثة النَّبويَّة ولكنَّ المعجزة الكبرى الدَّالة على صدق وصلاحيَّة الرِّسالة الإسلامية تتمثَّل في القرآن الكريم الذي جاء لِيُلبي حاجة العقل البشري وليكون حجَّة له أو عليه إلى الأبد.
هدف الفِكر الإسلامي في نِطاق تربية الإنسان كخليفة في الأرض هو تحريره من سيطرة المخلوقين وهدايته إلى سُبل تَعمير الأرض بالحكمة من خلال تطبيق مكارم الشَّريعة ولا سبيل إلى تحقيق هذه الهداية الشَّرعيَّة الشَّاملة للَّذات والمجتمع من غير إعمال التَّفكير كقوة باحثة عن الخير. هذا الصَّراط المستقيم يتطلب السَّمع والطَّاعة لمتطلبات الدِّين من فِعْلِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَتَرْكٍ لِلْمَحْظُورِ مِنه، وَسعي نحو الْمَقْدُورِ عَليه. بهذه الرُّؤية الواضحة يحوز المسلم على عِزّ الدُّنيا العاجلة ويفوز بنعيم الآخرة الآجلة.
هذا الهدف يدفع إلى هدف آخر يتَّصل به وهو أنَّ هدف الفكر الإسلامي هو توجيه النَّاس نحو السَّعي لكسب الرزق، وتشجيع العمل المُنتج النَّافع كالإجارة والتِّجارة والزِّراعة، والصَّيد، والصِّناعة. عندما نستعرض كتبنا التُّراثية نجد كتب الفقه والتَّزكية والأخلاق كلها تحث على التَّعفف في السَّعي والحثِّ على الكسب وبذل السَّبب والتَّفاني في العمل والتَّحذير من البطالة والكسلِ. تكلم العلماء في مصنفاتهم عن فضائل الكسب الحلال وقاموا بالتَّنفير من ذل "التَّسول" وفي الحديث "(لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل النَّاس، أعطوه أو منعوه" (رواه البخاري في صحيحه باب: الاستعفاف عن المسألة. حديث رقم: 1402). قال القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن "ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصَّنائع وغيرها" (ج1، قي شرح سُوْرِة البقرة، آية: 22).
ينظر الإسلام إلى ثمرة فكر وكدح وكسب الإنسان نظرة تكريم واجلال فإذا أكل من كدَّ عمله ونتيجة جهده وكسبه واستطاعته فإنَّه سلك خير السُّبل الموافقة للتَّكاليف الإسلاميَّة. إِنَّ اليَدَ العُليَا العاملة المُعطية خَيرٌ من اليَدِ السُّفلَى الآخذة السَّائلة التي تقنع بصدقات النَّاس ولا تهرع إلى العمل ولأنََّّ منهاج المرسلين هو العمل المنتج المفضي إلى اجتلاب طلب المعيشة وكما جاء في الحديث "ما أكل أحد طعاماً قط، خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود عليه السَّلام كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري في صحيحه: باب: كسب الرَّجل وعمله بيده، الحديث رقم: 1966) وورد في حديث آخر "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلاّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً. وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا أَكَلَ السّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا أَكَلَتِ الطّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَلاَ يَرْزَؤُهُ[13] أَحَدٌ إلاّ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ" (رواه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة والمزارعة). قال النَّووي شارحاً هذا الحديث: إنَّ فيه "فضيلة الغرس وفضيلة الزَّرع، وأنَّ أجر فاعِلي ذلك مستمر ما دام الغراس والزَّرع وما تولد منه إلى يوم القيامة. وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب وأفضلها فقيل التِّجارة وقيل الصَّنعة باليد وقيل الزِّراعة وهو الصَّحيح".
كانَّ الصَّحابة يَكرهون رؤية من لا يحترف صنعة من الصَّنائع تعينه على طلب الحلال وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغاً لاَ فِي عَمَلِ الدُّنْيِا وَالآخِرَةِ" (رواه الطَّبراني في معجمه الكبير، باب الظاء. عبد الله بن مسعود الهذلي . خطبة بن مسعود ومن كلامه..). مرَّ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بقوم تركوا العمل فقال ما أنتم؟ قالوا متوكلون؟ فأنكر عليهم تكاسلهم وتواكلهم وانحراف فكرهم الذي لا يحملهم على التَّخصص في صنعة نافعة. "إنَّما المتوكل من ألقى حبه في الأرض وتوكل على ربه فليس في طلب المعاش والمضي في الأسباب على تدبير اللّه ترك التَّفويض والتَّوكل بالقلب … فإنَّ قعود الرَّجل فارغاً من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعنيه من سفه الرَّأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة" (المناوي، ج، في شرح الحديث رقم: 1872).
قال ابن تيمية في فتاويه عن حقيقة التَّوكل "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَسْبَابِ وَشَرَعَ لِلْعِبَادِ أَسْبَابًا يَنَالُونَ بِهَا مَغْفِرَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَثَوَابَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَوَكُّلِهِ مَعَ تَرْكِهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ الأَسْبَابِ يَحْصُلُ مَطْلُوبُهُ وَأَنَّ الْمَطَالِبَ لا تَتَوَقَّفُ عَلَى الأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَسْبَابًا لَهَا. فَهُوَ غالط فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضَمِنَ لِلْعَبْدِ رِزْقَهُ وَهُوَ لا بُدَّ أَنْ يَرْزُقَهُ مَا عَمَّرَ فَهَذَا لا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرِّزْقُ الْمَضْمُونُ لَهُ أَسْبَابٌ تَحْصُلُ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَغَيْرِ فِعْلِهِ" (ج8، ص 526) "وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ " (مجموع الفتاوى ج10، ص 22). هذا وغيره يدل قطعاً على واقعية الفكر الإسلامي في مقاصده التَّفصيليَّة الدِّينيَّة، ومطالبه التَّطبيقيَّة الدُّنيويَّة. تشجيع العمل الشَّريف من أركان الفكر الإسلامي الصَّحيح من أولَّ عصوره الزَّاهية.
توجيه التَّفكير نحو الأنشطة التَّطبيقيَّة تظهر بصور شتى على صفحات تراثنا فالتَّأليف في فن الفروسيَّة ورمي السِّهام وتعلم العوم تبين صلة التَّربية بلوازم العصر وضرورات الحياة. قيل "لأبي هاشم الصُّوفي: فيم كنت؟ قال: في تعليم ما لا يُنسى وليس شيء من الحيوان عنه غِنى. قيل: ما هو؟ قال: السِّباحة، وقال عبد الملك للشَّعْبِيّ: علِّم ولدي العوم فإنَّهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يَسْبَح عنهم، وقد غرقت سفينة فيها جماعة من قريش فلم يعطب ممن كان يسبح إلا واحداً ولم ينج ممن كان لا يسبح إلا واحداً (والرمي) بالسَّهام ونحوها لما فيه من الدَّفع عن مهجته وحريمه عند لقاء العدوّ (والمرأة المغزل) أي الغزل بالمغزل لأنَّه لائق بها واللّه يحب المؤمن المحترف ويكره البطال والبطالة تجر إلى الفساد لا سيما فيهنَّ" (المناوي، الجزء الرابع: حرف العين، الحديث رقم: 5477).
لقد ركَّز الْعُلَمَاء المسلمون في أبحاثهم النَّظرية أيضاً على الأمور الواقعية العَمَلِيَّة التي تنفع النَّاس لأنَّ هذا من صميم مقاصد عملية الفِكر وهو أهم نتائجه. في دراساتهم الْنَّظَرِيَّة البحتة كانوا يهتمون باختيار الموضوع الوثيق الصِّلة بالحياة العامَّة فهذا الإمام السَّخاوي (ت 902 هـ = 1496 م) يكتب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة وعلى نهجه يكتب العجلوني (ت 1162 هـ = 1748 م) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة النِّاس. كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدَّواء الشَّافي لابن قيم الجوزية (ت 751 هـ = 1350 م) كَتَبه جواباً شرعياً تربوياً نفسياً لسؤال واقعي سُئِل عنه وهو أن رجلاً ابتلي ببلية مستمرة أفسدت دنياه وآخرته وقد اجتهد في رفعها عن نفسه بكل طريق فما يزداد إلا شدَّة فما الحيلة في رفعها؟ باصطلاح اليوم هذه الدِّراسات الأنثروبولوجية في بعض جوانبها الاجتماعية تحتوي على معلومات دقيقة تُلامس احتياجات وثقافة المجتمع فلم يعش الْعُلَمَاءُ في بروجهم العاجيَّة في معزل عن توجيه الواقع على قدر استطاعتهم.
وإذا انتقلنا إلى موضوع أبعاد وآفاق الفكرة وأثرها في صفاء النَّفس الإنسانيَّة فإنَّنا في سورة آل عمران نجد قول الحقِّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)". في شرحه لكيفية التَّفكر أو المراد بالتَّفكر في الآية السَّابقة ذكر العلامة ابن كثير (ت 774 هـ = 1372م) طائفة من أقوال السَّلف في الحثِّ على التَّفكر فقال"عن الحسن البصري أنَّه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة … الفِكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك… يا ابن آدم كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلثه الآخر تتنفَّس للفِكرة، وقال سفيان بن عيينة: الفكر نور يدخل قلبك وربما تمثَّل بهذا البيت:
|
إذا المرء كانت له
فكـــرة |
|
ففي كل شي له
عِبــــرة |
وعن عيسى عليه السَّلام أنه قال: طوبى لمن كان قوله تذكُّراً وصمته تفكُّراً ونظره عبراً. قال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ولا فهم امرؤ قط إلا عِلْم ولا عِلْم امرؤ قط إلا عمل. وقال عمر بن عبدالعزيز: الكلام بذكر الله عز وجل حسن والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنَّ ضياء الإيمان التَّفكر" (باختصار، وتصرف). قال ابن تيميَّة في فتاويه "فَالْفِكْرُ لِلْقَلْبِ كَالإِصْغَاءِ لِلأُذُنِ" (مجموع الفتاوى، ج9، ص 307).
ومن المواعظ التهذيبية الغالية للخليفة الرَّاشد علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما نقله تلميذه التَّابعي زياد بن كميل إذ قال: أخذ بيدي علي بن أبي طالب .. وتنفَّس ثم قال: يا كميل إنَّ هذه الْقُلُوبُ[14] أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، احفظ عني ما أقول لك: النَّاس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور الْعِلْمِ ...، يا كَميل: العِلم خير من المال، العِلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعِلم يزكوا على العمل والمال تنقصه النَّفقة…الْعِلْم يكسب العالم الطاعة لربه في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله، والعِلم حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل مات خزان الأموال وهم أحياء والْعُلَمَاء باقون ما بقي الدَّهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة".
يلخِّص الحجَّاجي (1988م) بعض ثمار عملية الفكر من منظور ابن قيم بالآتي:
"أنَّه سبب في حصول الإيمان.
يكشف عن حقائق الأمور.
يفرِّق بين الوهم والخيال والحقيقة.
يَكف النَّفس عن المحارم.
وهو أصل كلّ طاعة.
وبه صَلاح القلب.
وهو مفتاح كلّ خير.
يورث القلب قدرة على كسب العلم والمعرفة" (ص495).
وهذه الأهداف هي الثِّمار المرجوة من عملية التَّفكر والتَّعقل والتي يُنادى بها كافََّة العلماء في عامَّة مناقشاتهم التَّربويَّة وأنشطتهم الفكرية.
استناداً لما سبق عرضه آنفاً يتبين أنَّ من خصائص الفِكر الإسلامي ما يلي:
من الواضح أنَّ التَّفكر في فَهمِ السَّلف الصَّالح يدل على التَّأمل في خلق الله كله لأخذ العظة والتَّدبر.
هدف التَّفكر هو العمل لا التَّرف الفكري المجرد فالفِكر وسيلة لغاية أكبر. لا يمكن فصل الْعِلْمِ والتَّعلُّم والتَّفكير في الإسلام عن الأخلاق والسِّلوك والتَّطبيق.
التَّفكُّر في كلام السَّلف الصَّالح يرشد إلى زيادة الإيمان باللّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتصفية النَّفس والتَّشوق للآخرة وعلومه الزَّاخرة. ومراجعة كلام السَّلف الصَّالح يقودنا إلى التَّفكر الذي يفضي إلى الْعِلْمِ النَّافع.
التَّفكر في الإسلام عبادة بل من أعظم العبادات الجليلة التي يحث عليها في عَمَلِيَّة بناء شَخْصِيَّة المسلم. التَّفكير والتَّعلم عبادة تُعادل الجهاد في فضلها أو كما قال معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "تعلموا الْعِلْمَ فإن تعلّمه لله خشية وطلبه عبادة، ومدارسته تَسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصَّاحب في الخلوة، والدَّليل على الدَّين، والمُصبِّر على السَّراء والضَّراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنَّة، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة يقتدي بهم، أدِّلة في الخير تقتصّ آثارهم وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلَّتهم وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس لهم يستغفر حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البَّر وأنعامه والسَّماء ونجومها".
الْعِلْمُ والدِّين الإسلامي وجهان لعملة واحدة بينهما علاقة اتحاد وتساند وائتلاف لا تضاد وتعاند واختلاف. فِكرة الاستعانة بالعقل مُطلقاً والدَّعوة إلى تحكيمه دائماً مُستقلاً عن توجيه الدِّين فكرة سقيمة نادى بها الفلاسفة قديماً وحديثاً. لا يمكن للعقل بحال من الأحوال الاستغناء عن نور الوحي وهذا هو الفرق الأساسي بين منهج الإسلام وسائر المناهج في وزن وتقدير حقيقة العقل.
الفِكر الإسلامي فكر واقعي ينطلق لخدمة احتياجات النَّاس فلذلك يشجِّع على تعلم وإتقان كل حِرفة شريفة يرتزق منها الإنسان كوسيلة لإشباع حاجاته وتحسين معيشته.
الفكر الإسلامي يحثُّ على الأخذ بالمنهج الْعِلْمي القرآني المُتَّزِن في التَثبُّتِ والنَّقل والتَّفكير والعمل لأنَّه مبني على حُجَجٍ عَقْلِيَّةٍ وَدّلائِل نَّقْلِيَّةٍ هي فحوى ومحتوى القرآن الكريم، معجزة الإسلام الكبرى. يهدف الدِّين الإسلامي إلى إيجاد المسلم المتحرِّر في تفكيره من التَّقليد الأعمى، والمتحرِّر في نفسه من اتِّباع الهوى. مما سبق نعلم أنَّ نعمة التَّفكير في الإسلام هي قدرة نفيسة وغَرِيزَة نَّبيلة فطرها اللَّهُ تَعَالَى فِي الإِنْسَانِ كي يَعْقِلُ ويعمل وفق مقياس سليم يضمن فيه اتِّباع طريق الرَّشاد في القول والعمل والاعتقاد.
الباحث المسلم يستمد مصادره الفِكْرِيَّة من القرآن الكريم، والسُّنة المطهرة، وهدي السَّلف الصَّالح ثم يقتنص حسب استطاعته كل حِكمة فإنَّ الأفكار الكريمة ذات النَّفع هي ضالته دائماً وأينما وُجدت سواء كانت صغيرة أو كبيرة، قريبة أو بعيدة، في فن أو فنون.
الْعِلْمُ النَّافِع هو الْكَنْزُ الخالد الذي فيه الخير والفوز. قال ابن تيمية في فتاويه "وَالْحَقُّ الْمُبِينُ: أَنَّ كَمَالَ الإِنْسَانِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ عِلْمًا وَعَمَلاً كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ وَهَؤُلاءِ هُمْ عِبَادُ اللَّهِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ وَحِزْبُ اللَّهِ الْمُفْلِحُونَ وَجُنْدُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَهُمْ الَّذِينَ زَكُّوا نُفُوسَهُمْ وَكَمَّلُوهَا <و> كَمَّلُوا الْقُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ وَالْقُوَّةَ الإِرَادِيَّةَ الْعَمَلِيَّةَ" (ج12، ص 94).
المنهجُ العِلْمِي للتَّفكير في الإسلام
وَضَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ للإنْسَانِ أَرْضَاً تُقِلّه، وسماءً تُظلّه، ومنهجاً يَحمِله فيهديه إلى إِعْمَالِ عقله بما ينسجم مع سلامة فِطرته وحَواسِّه، والأدلَّة الصَّادقة التي يحصل عليها. المنهج الْعِلْمِي للتَّفكير الإسلامي في إدراك الشَّيء على حقيقته له أصوله وخصائصه، ومكانته ومُكوناته، وتاريخه وغاياته. هدف هذا المنهج في تَصَور المعاني واستنباط المسائل هو توجيه إدراك الإنسان لفهم طبيعة القوانين التي تحكم الحياة فَيُسَخِّر طاقاته الرُّوحيَّة والحِسِّية إلى ما فيه اجتلاب الخير بفعل الواجبات، واجتناب الشَّر بترك المنكرات ومكوناتها، ولا يتحقق ذلك إلا باتباع توجيهات شرع الله سبحانه الذي خلق العباد وهو أعلم بما يُصلِح حالهم في دنياهم وأُخراهم "أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {14}" (سُوْرِةُ المُلك).
لهذا المنهج وظائف ومنافع كثيرة أساسها تجنب الجهل الذي يشل نشاط العقل فينحرف الفعل ولكي يسلم الفكر من خطر المزالق فلقدَّ حذَّر الإسلام من العوائق التي تُعيق العقل من التَّدبُّر. في مقابل هذا التَّحذير نجد الإسلام يدعو الإنسان دائماً إلى اليقظة في ملاحظة الظَّواهر من حوله ومُعاينتها ميدانيّاً مع تحري الأمانة في تدوين ونقل النَّتائج وتطبيقها.
البرهان قرين الصِّدق ومنه يتكون العِلْم الحقّ لقوله اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {111}" (سُوْرَةُ البقرة)، "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ {24}" (سُوْرَةُ الأنبياء)، "وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {64}" (سُوْرَةُ النمل)، "وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ {75} " (سُوْرَةُ القَصَص). ومن دلالات هذه الآيات نعرف أنَّ البُرهان هو بيان للحُجَّة ويشمل الخبر الصَّادق، والإجتهاد المنظَّم، والتَّجربة الموضوعيَّة وبذلك يتحرر الإنسان من العوائق الذَّاتية والخارجية كالهوى والتَّقليد الأعمى، والفكر الغيبي الخرافي، وتقديس النَّاس، وكل أمر لا يغني عن الحق شيئاً. بهذا المنهج العقلي القويم المُتحرِّر يَعرف الإنسان ربَّه، ويهتدي قلبه، ويستنير دربه فيعرف رسالته في الحياة. لا يُصدر العقل المسلم أو يقبل أحكاماً عامَّة أو خاصَّة إلا بعد تمحيص ودراسة أساسها الملاحظة المباشرة، وموازنة الأمور وترجيح الأدلَّة.
وبهذا المنهج العقلي القويم كنظام للقياس العقلي تنمو الفطرة السَّليمة فيستغل الإنسان نعمة الحواس من قلب، وسمع، وبصر، وشمٍّ، ولمس كأدوات للمعرفة السَّليمة، وكقنوات للاستدلال العميق في العلوم بِالدَّلائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ من جهة، وفي الحياة اليوميَّة من جهة أخرى. هذا المنهج القرآني الفذ الفريد في تأسيس العقلية العِلْمِيَّة العَمَلِيَّة لا يضاهيه أي منهج آخر لأنَّه منهج إلهي شامل عميق دقيق يفتح لنا أبواب المعرفة والثَّقَافَة والفنون والآداب الخالية من شوائب الشِّرك، والجهل والدَّجل، والغلو وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وهو المنهج الذي سار على خُطاه وهداه نوابغ الفكر الإسلامي.
الخير هو في هذا المنهج السَّليم في التَّفكير ومِن غير هذا المنهج فإنَّ النَّاس في المشرق والمغرب ممن لا يدينون بالإسلام سيؤمنون بالخرافة والشَّعوذة والشِّرك، ولا يعرفون وزن البرهان في قياس الحقائق وتوجيه السُّلوك. جاء الإسلام ليُمزِّق الأوهام، ولِيُبدِّد دياجير الشُبُهات، ويكشف مواطن الغش الفِكري، والخداع النَّفسي فحثَّ في كل مناسبة على تتبِّعِ الدَّليل، وإِعمال العقل، ودراسة الطَّبِيْعَة بعناية، والبحث عن الحقيقة بقوَّة، ومواجهة مطالب الحياة بالعلم النَّافع والإيمان الصَّادق. العلم النَّافع لا نناله إلا بأن تجتهد الجوارح بالعمل، والإيمان لا نحققه إلا بأن يهتدي القلب بالتَّوكًّل على الله سبحانه فلا نجاح للعمل بلا توكل ولا يصح التَّوكُّل من دون عمل الجوارح.
هذا كله دفع العلماء إلى بلورة علم أصول الفقه الذي استفاد من معينه علماء الشَّريعة والعلماء في العلوم الأخرى. أصول الفقه ميدان لضبط التَّفكير الموضوعي والاجتهاد في إصدار الأحكام المناسبة لمسائل واقعة في حياة النَّاس وفق أسس علمية دينيَّة حضاريَّة. وضَعَ العلماء قواعدَ الأُصُولِ وحدَّدُوا طرائقَ الوصُوُلِ وفائدتها أنَّها تمنَحُ الباحث مَلكَةَ التَّفكيرِ بالصَّواب مع بيان الأدلَّة (حبش، 2001، شرح المعتمد في أصول الفقه، مسرد المنظومة). هذا المنهج العلمي والعقلي لم يكن يخدم الفقهاء في العلوم الدِّينيَّة فقط ولكنه كان لكل العلماء في العلوم الاجْتِمَاعِيَّة والطَّبيعيَّة على حد سواء كما يقول عبدالحليم الجندي في كتابه "الإمام الشَّافِعِيّ". المعنى الخاص – الاصطلاحي - لعلم أصول الفقه هو معرفة الأحكام الشَّرعية العملية المكتسبة من أدلتها التَّفصيليَّة. وقد فهم العلماء الأوائل المعنى الشَّامل لتعبير أصول الفقه "على أنَّه إنَّه يعني الأدلة الأحكام الشَّرعية والمبادئ الأساسيَّة للفهم الإسلامي للحياة والواقع ومنها – بطبيعة الحال – المبادئ العامة لأحكام الفقه الإسلامي" (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1986، ص 62).
لقد حدَّد الشَّافعي من خلال علم أصول الفقه شروط ومُؤهلات الُمجتهد، وضرورة توفير الحرية الكاملة للمجتهدين وأوضح بموضوعيَّة تامَّة النَّتائج المُترتبة على عملية الاجتهاد وأهمها أنَّ العمل لا يقوم إلا على نتائجه مع الإيمان بِحريَّة الخلاف الموضوعي. يتَّفق الباحثون (عبدالحميد، 1984م، ص 35، الجندي، ص 255-228، ملك وخليل، 1989م، ص 122-125، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1986، سالم، 1980، ص 262) على أنَّ هذا المنهج الإسلامي الموضوعي الأصيل الذي أرساه الشَّافعي، وأعاد صياغته وتقنيه في منهج مُستقل، وضبط قواعده في كيفيَّة الاجتهاد وفق أصول الفقه قد يَسَّرَ للعقول الإسلامية طريقة علميَّة إيمانية قرآنية فريدة للاعتبار والاستخلاص تستوي في ذلك العلوم الاجتماعية والرِّياضية والطَّبيعيَّة والتَّطبيقيَّة بجميع صورها وبهذا يسَّر على المجتهدين حرِّية البحث العلمي، والتَّجربة الدَّقيقة، والتَّغيير الموضوعي الذي ساهم في تقدًّم العلوم وهو المنهج الذي انتفعت منه أوربا فخرجت من ظُلمة وضيق الفلسفة التَّجريدية والوصاية الكَنسيَّة إلى نور وسعة العلم والبحث.
عندما أكَّد الشَّافعي بثاقب فكره على ضرورة اتباع القرآن الكريم وحُجيَّة السُّنة النَّبوية وكيفيَّة الاستدلال كأصل من أصول الفقه لم يكن يَتحدَّث إلى معشر الفقهاء فقط بل كان بداهة يتحدَّث إلى كل باحث ومُجتهد في كل علم ويُطالبه بالالتزام بذلك سواءً كان هذا الباحث يَدرس علم الأخلاق أو النَّفس أو الفلك. كان الخطاب مُوجهاً إلى كلُ من يريد أن ينتقل "من الكفر والعمى إلى الضِّياء والهدى" على حسب تعبير الشَّافعي وهو يصف أهم خصائص القرآن الكريم. كان الفقهاء في العصور الإسلاميَّة القديمة يعملون في الميادين العلمية المختلفة فابن رشد فقيه وطبيب وفيلسوف وغيره كثير ومن النَّادر أن نجد عالماً في العلوم الطَّبيعية أو الأدبيَّة أو التَّطبيقيَّة لا يمتلك قدراً مُناسباً من الثَّقافة الشَّرعيَّة مما يدل على أنَّ إعداد العلماء في جميع التَّخصَّصات لا يكن تَصَّوره من غير تحصيل التَّأصيل الشَّرعي الكافي كمعرفة الحلال والحرام وبعض القواعد الفقهية مثل أنَّ درء المفاسد أهم من جلب المنَّافع، وأنَّ ليس مع النَّص قياس، وأن لا يدع العالم "الاجتهاد في موضعه لخوف الخطأ" (السَّرخسي، ج 5: أدب القاضي). الطَّبيب مثلاً عليه أن يعرف أنَّ ضرورة المداواة تستلزم أن يكشف على عورة المريض وأن يستخدم المُخدِّر وأن يصف الوصفات الغير المُستحبَّة إذا دعت الضَّرورة وذلك كله وفق قاعدة فقهيَّة تُنظِّم حياته العلمية وحياة المريض العملية استناداً إلى قاعدة فقهيَّة تقول "إنَّ الضَّرورات تُبيح المحظورات" و"أنَّ الضَّرورة تُقدَّرُ بقدرها". وهذه القواعد وغيرها المُستنبطة من أصول الدِّين يحتاج إليها المسلم في حياته العامَّة وتشتدُّ إليها الحاجة في الحياة العِلميَّة لأنها قوانين كُليَّة تُعين المُجتهد في جميع الميادين. فالفقه هنا معناه الفهم في الأمور كلِّها والأصول هي مقاييس منطقيَّة تُساعد على الفهم الصَّحيح. هذه المقاييس تمَّ استنباطها من قواعد الإسلام العامَّة ولم تتأثر بالمنطق اليوناني الجدلي أو غيره.
لقد كان الشَّافعي من خلال كتابه الرِّسالة ينظر إلى الرِّسالة الإسلاميَّة كوسيلة وحيدة لسعادة الإنسانيَّة وقدَّم للمسلمين علم أصول الفقه الذي مازال العلم المُعتمد للفقه الإسلامي منذ أكثر من ألف سنة فقال في مُقدِّمة كتابه واضعاً أسس هذا العلم وخلاصة تحصيله العلمي"والنَّاس في العلم طبقات، موقعُهم من العلم بقدْر درجاتهم في العلم به. فحقَّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدِهم في الاستكثار من علمه، والصَّبرُ على كل عارض دون طَلَبِه، وإخلاص النِّية لله في استدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرَّغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خيرٌ إلا بعونه. فإنَّ من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة … فليست تنـزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدَّليلُ على سبيل الهدى فيها. قَالَ اللهُ تَبَارَك وَتَعَالَى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {1}" (سُوْرَةُ إبراهيم) وقال: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {44}" (سُوْرَةُ النَّحل) وقال: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {89}" (سُوْرَةُ النَّحل) وقال: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {52}" (سُوْرَةُ الشُّورى).
من هنا تمَّ توطيد أسس هذا العلم الجليل القدر ففتح الإمام الشَّافعي أبواب الحركة والتَّغيير والاجتهاد في إطار القوانين الواضحة الضَّابطة لحركة الفِكر والحضارة والقيم ليستثمر الإنسان عقله، والمجتمع نشاطه في تعمير الأرض وتصريف الأمور، وتدبير المسائل، واكتشاف الجديد وفق السُّنن الكونيَّة والشَّرعيَّة التي وضعها الله سبحانه وأمر النَّاس باستنباطها بنزاهة خالصة ثمَّ السَّير على هديها بأمانة كاملة. أكبر وأظهر مزايا هذا المنهج أنَّه يقود العقل المسلم إلى أن يبذل جهده ويُعلي من شأن الاجتهاد فلا يقبل الباحثُ المُقدِّمات، ولا يعتمد النَّظريات، ولا يُصدر الأحكام إلا بعد تمريرها على معيار الفحص العلمي لضمان سلامة النَّتائج وحُسن العواقب.
وظائف المنهج العلمي للتَّفكير في الإسلام تتلخَّص في ثلاث نقاط جوهرية وهي:
حفظ وصيانة عالم العقيدة من الضَّلال،
حفظ عالم الحُكم والقضاء والتَّعامل من الظُّلم،
وحفظ عالم البحوث وحقل والتَّجارب ودُنيا العلوم من الأوهام.
فيما يلي يشرح سيِّد قطب[15](1906-1966م) هذه الوظائف بعباراته الرَّشيقة وإشاراته الدَّقيقة في تفسير القرآن الكريم مع بيان سماته بهدف العيش في ظلاله، والعمل بتشريعاته.
"والعقيدة الإسلاميَّة عقيدة الوضوح والاستقامة والنَّصاعة. فلا يقوم شيء فيها على الظَّن أو الوهم أو الشُّبهة:
"وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً {36}" (سُوْرَةُ الإسراء).
وهذه الكلمات القليلة تُقيم منهجاً كاملاً للقلب والعقل، يشمل المنهج العِلمي الذي عرفته البشرية حديثاً جداً، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة!
فالتَّثبيت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحُكم عليها هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدَّقيق. ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة. ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتَّعامل. ولم يبق مجال للأحكام السَّطحية والفروض الوهميَّة في عالم البحوث والتَّجارب والعلوم.
والأمانة العِلْمِيَّة التي يشيد بها النَّاس في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى، ويجعل الإنسان مسؤولا عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.. .
إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب. أمانة يُسأل عنها صاحبها، وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعا. أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلَّما نطق اللِّسان بكلمة، وكلَّما روى الإنسان رواية، وكلَّما أصدر حكماً على شخص أو أمر أو حادثة.
(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) .. ولا تتَّبع ما لم تعلمه عِلْمَ اليقين، وما لم تتثبت من صحته: من قول يُقال ورواية تُروى. من ظاهرة تُفسر أو واقعة تُعلّل. ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية.
وفي الحديث "إياكم والظن فإنَّ الظن أكذب الحديث". وفي سنن أبي داود: "بئس مطية الرَّجل: زعموا" وفي الحديث الآخر: "إنَّ أفرى الفري أن يُرِيَ الرَّجل عينيه ما لم تَريا.."
وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتَّحرج في أحكامه، والتَّثبت في استقرائه؛ إنَّما يصل ذلك التَّحرج بالقلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه، فلا يقول اللِّسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكماً ولا يبرم الإنسان أمراً إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها. (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم) حقاً وصدقاً."
عرف المسلمون المنهج العِلْمِي في التّفكير والبحث والتَّجربة والقياس فطبَّقوا هذا المنهج في ميدان العلوم الدِّينيّة والدّنيويّة على المستوى النّظري والتَّطبيقي. ترتَّب على هذا أنَّهم اعتنوا بتنويع طرائق التَّعليم مفاهيم راقية مثل القيام بالزِّيارات الميدانية، وإيراد الرّسوم والأشكال التَّوضيحية، وإعداد الخرائط الجغرافية بأشكال متنوعة، وتلوين الكتب والأغلفة مع زخرفتها والتَّفنن في الخطوط، ورسم الآلات الجراحية والفلكيَّة، وذكر الأعداد والأحجام والأوزان.
عِلْم أصول الفقه الذي استُخلِص من القرآن والسُّنَّة يُبَيِّن منطق المسلمين في الاجتهاد كآلة للبحث والمعرفة والتَّفكير المنهجي. الاجتهاد يقوم على رفض التَّقليد الأعمى، والهوى، والعصبية وفي مقابل هذا فإنَّ الدَّليل الصَّحيح والاستنباط الموضوعي النَّابع من تتبع المسائل بغرض الوصول إلى المسائل الكلِّية وصياغة النَّتائج العِلْمِيَّة العامَّة كان هدي الْعُلَمَاء في الدِّيار المسلمة. أهلُ العِلْمِ، والخبرة، والتَّخصُّص أصبحت لهم مكانة عالية في ظلال الإسلام فلا تُؤخَذ المعارف إلا من مصادر خبيرة "وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير" (سُوْرَةُ فاطر). روجر بيكون (ت 692 هـ = 1292 م) ثمَّ من بعده فرانسيس بيكون (ت 1039 هـ = 1626 م) وغيرهما كثير استمدوا – بأسلوب غير مباشر أو مباشر- من هذا المنهج الُمجرَّب عند المسلمين مادتهم الإصلاحية لإصلاح الفكر الغربي. كسر الغرب احتكار رجال الدِّين لحق التَّفكير والتقرير في كل مسائل العلم وأوجه النَّشاط في المجتمع، ورفض الانغلاق على تراث واحد فقط فقام بنقل العلوم الإسلامية وغيرها وأعطى للعقل النَّاقد دوره في تقرير المسائل وتفريعها في كثير من الميادين.
في بداية كتاب المناظر لابن الهيثم (357 -430هـ = 965-1038م) تجلِية دقيقة للمنهج الذي سار عليه الْعُلَمَاء في دراسة عين الإنسان والموضوعات العِلْمِيَّة الأخرى إذ وضَّح ابن الهيثم أنَّ الخلاف والاتِّفاق أمر طبيعي عند من عرف البحث وأنعم النّظر ومارس الاجتهاد. "ولما كان ذلك كذلك وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطّراد الخلاف بين أهل النَّظر المتحقّقين بالبحث عنه على طول الدّهر ملتبسة وكيفية الإبصار غير متيقنة رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان ونخلص العناية به ونتأمّله ونوقع الجد في البحث عن حقيقته ونستأنف النَّظر في مبادئه ومقدماته ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات وتصفّح أحوال المبصرات ونميز خواص الجزئيات ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار وما هو مطّرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ثم نرقى في البحث والمقاييس على التّدريج والتّرتيب مع انتقاد المقدّمات والتَّحفظ في النّتائج ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفَّحه استعمال العدل لا اتّباع الهوى ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء فلعلّنا ننتهي بهذا الطَّريق إلى الحق الذي به يثلج الصَّدر ونصل بالتَّدريج والتَّلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين ونظفر مع النَّقد والتَّحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشّبهات. وما نحن مع جميع ذلك برآء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية ولكنَّنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانيّة ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور" (ص 3).
وهكذا وقبل أن يشرع الباحث المسلم في بحثه الْعِلْمي كان يُحَدِّدَ منهجه بوضوح والأسس التي ذكرها ابن الهيثم تُعَدُّ اليوم من أهم معايير البحث الرَّصين.
في كتابه المنطق كتب ابن سينا في بيان ما يقال عن موضوع أو لا يقال ويوجد في موضوع أو لا يوجد وقرَّر قاعدة هَامَّة وهي "إنَّه ربما أوْجَب استقصاءُ النّظر عدولاً عن المشهور؛ فإذا قرع سمعك ذلك فظن خيراً ولا تنقبض بسبب ورود ما لم تألفه عليك" (ص 76). هذه القاعدة ركنٌ أساسيٌ من أركان الأبحاث العِلْمِيَّة المعاصرة وهي من قواعد التَّفكير الصَّحيح مهما يكن نوع التَّخصُّص الْعِلْمِي الذي نبحث فيه، وحيثما عشنا.
قد يظنُّ بعض النَّاس أنَّ التَّجارب العَمَليَّة المُؤدَّية للحقائق العِلْمِيَّة والموصلة للاكتشافات النَّافعة من ثمار المناهج العصريَّة الحديث والحق أنها ليست سوى طرف من المنهج العلمي للتَّفكير في ظلال المنهج الإسلامي، ومارسه المُسلمون في ميادين العلم وطبَّقوه في دفع حركة الحياة. تحدَّث السَّرخسي[16] من عن أدب القاضي ثمَّ أكّد على أنَّ الحاكم إذا أراد أن يقلِّد الإنسان القضاء فينبغي له أن يُجَرِّبه، فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك مع معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عندما أراد أن يُرسله إلى اليمن قاضياً فقام بامتحانه ببعض الأسئلة ليتأكَّد من سلامة منهجه في الحكم في الأمور القضائيّة ليرشدنا إلى أنَّه يتعيَّن علينا البحث عن المُؤهلات كمعيار لتعين النَّاس في المناصب وأنَّه على ضوء نتائج التَّجربة والاختبار يكون الاختيار. يقول السَّرخسي عن هذا الموقف النَّبوي التَّربوي العظيم "مع أنَّه كان معصوماً فغيره بذلك أولى فكان هذا منه على وجه التَّعليم لأمته ثم حمد الله تعالى حين ظهر من التَّجربة كما تفرس" (ج: 5، أدب القاضي). وفي تراثنا نقرأ قول الشَّاعر محمد بن حازم "وحَسْبُكَ بالْمُجَرِّبِ مِنُ خَبِيْر" (ابن دريد، ص 251، الأبشيهي، ص 280، الشابشتي، ص 132، ابن عبد ربه، ص 1704). وقال غيره وحَسْبُكَ مني بالتَّجارب من عِلم" (ابن دريد، ص 251).
هذا المنهج العلمي في الإسلام لكيفية التَّفكير القائم على الجمع بين مُعطيات التَّجارب الملموسة والتَّوجيهات السَّماويَّة يتجلى حتى في منهج العلماء عندما كانوا يكتبون كتبهم. قسم الغزالي الإحياء إلى أربعين باباً "كتاباً" وتطرَّق إلى قضايا علم السِّياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم الأخلاق، وعلم النَّفس وتكلَّم عن التَّفكُّر في مخلوقات الله عزَّ وَجَلَّ والعديد من الموضوعات المُختلفة ولكن وفق منهج واحد. في كل باب يستفتح بالنُّصوص الشَّرعيَّة ثم ما ورد من آثار للسَّلف وتجاربهم وأقوالهم ثم يُدلي بدلوه مع ايراد الدَّلائل النَّقليَّة والعقليَّة. لقد وضع منهجاً لحركة حياة المسلم والأمَّة من خلال الموضوعات التي ذكرها وفي نفس اللَّحظة قام ببيان منهج التَّفكير العلمي الصَّحيح من خلال كيفية عرض تلك الموضوعات في ثنايا الكتاب واستخدام الاقتباس والقياس.
من هذا كله نستنتج أنَّ أول توطيد مُنَّظم عَرفه المسلمون لمنهج التَّفكير العلمي وضعه الشَّافعي واستنبط قواعده من الكتاب والسُّنَّة وهدي الصَّحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أَجْمَعِيْن لا ليحكم في مسائل تتعلق في العبادات فقط بل وضع هذا العلم "أصول الفقه" ليرشد العقل المسلم لطرائق التَّفكير والاجتهاد بغرض معرفة الأحكام المرتبطة بشئون الدِّين والمرتبطة بواقع الحياة استناداً إلى منطق يستند على الدَّلائل والبراهين ولكي لا يلتزم العقل المسلم بالتَّسليم للأفكار المشهورة الذَّائعة دون أن يكشف حقيقتها. ثمرة هذا المنهج أنَّ معرفة الأشياء وقبولها وتطبيقها لا تكون إلا بعد مرحلة الاستخبار والتَّقصي والتَّمحيص الموضوعي المُستند لقواعد يتَّفق عليها أهل الاختصاص. وبهذا تتحسن أوضاع المجتمع عندما تستقيم أجهزة القضاء الحاكمة بتطبيق معايير العدل بين النَّاس فلا يقع العقاب إلا بعد توفُُّر الحُجج الواضحة، وتتَّسع دائرة البحوث العلميَّة الجادَّة والدِّراسات الجديدة النَّافعة وهذا يتحقق بواسطة المواظبة على الاعتماد على الأدلة العقليَّة القاطعة والبراهين الحسيَّة الملموسة، وتسمو النُّفوس بصفاء عالم العقيدة وخلوِّها من الانحراف بما يكفل صلاح الحياة الحاضرة وفلاح الحياة الخالدة.
تقدير لا تقديس العلماء والمُجتهدين
حق الاجتهاد لمن يستوفي شروطه مكفولٌ لكل من يبذل وسعه في البحث وفق الضَّوابط الموضوعيَّة لكل فن، عِلْماً بأنََّ الاجتهاد ليس من شروطه موافقة الصَّواب في كل مرة فليس كل مجتهد مصيب ولكن كل مجتهد مأجور عند الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذا تحققت فيه شروط الاجتهاد. الدَّليل على ذلك قول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (رواه البخاريّ، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ). قال ابن تيميَّة "فَلَمْ يُؤَثِّمْ الْمُجْتَهِدَ الْمُخْطِئَ، بَلْ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا عَلَى اجْتِهَادِهِ وَجَعَلَ خَطَأَهُ مَغْفُورًا لَهُ وَلَكِنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُصِيبَ لَهُ أَجْرَانِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ" (مجموع الفتاوى، ج11، ص 202). قال الشِّيرازي (ت 476 هـ = 1083 م) في اللُّمع "لو كان الجميع حقاً وصواباً لم يكن للنَّظر والبحث معنى".
حثَّ النَّبي الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابَه على الاجتهادِ ولم يعنِّفهم إذا اختلفوا في حال بذل الوسع في الاجتهاد. عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نادى فيهم يوم انصرف عنهم الأحزاب ألا لا يصلينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة فأبطأ النَّاس فتخوَّفوا فوت وقت الصَّلاة فصلوا، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، فما عنَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من الفريقين. قال الْعُلَمَاء "إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالماً…؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأمَّا من لم يكن محلاٍّ للاجتهاد فهو متكلِّف لا يُعذر بالخطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظم الوزر".
الاجتهاد كما عرَّفه الجرجاني (ت 816 هـ = 1413 م) في تعريفاته "الاجتهاد في اللُّغة: بذل الوسع وفي الاصطلاح: استفراغ الوسع ليحصل له ظنّ بحكم شرعي وبذل المجهود في طلب المقصود من جهة الاستدلال" (ص 6).
ولقد قام العلماء بنُصرة حرِّية الاجتهاد وتوسيع نطاقه، والتَّرغيب فيه لمن تتحقق فيه شروطه إلى درجة أنَّ بعضهم ذكر أنَّه لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَثِيرَ الْفَتَاوَى أَفْتَى فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ بِخِلافِ الصَّوَاب الثَّابِت "لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ الْفُتْيَا مُطْلَقًا، بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ. فَمَا زَالَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ أَعْصَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ"، وأنَّ "الْعَامِّيُّ إذَا أَمْكَنَهُ الاجْتِهَادُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ جَازَ لَهُ الاجْتِهَادُ فَإِنَّ الاجْتِهَادَ مُنَصَّبٌ يَقْبَلُ التَّجزي وَالانْقِسَامَ فَالْعِبْرَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ قَادِرًا فِي بَعْضٍ عَاجِزًا فِي بَعْضٍ لَكِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الاجْتِهَادِ لا تَكُونُ إلاَّ بِحُصُولِ عُلُومٍ تُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْمَطْلُوبِ". وأنَّه "لا رَيْبَ أَنَّ الْخَطَأَ فِي دَقِيقِ الْعِلْمِ مَغْفُورٌ لِلأُمَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَلَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكَ أَكْثَرُ فُضَلاءِ الأُمَّةِ. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ يَغْفِرُ لِمَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بِأَرْضِ جَهْلٍ، مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَطْلُبْ الْعِلْمَ فَالْفَاضِلُ الْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِحَسَبِ مَا أَدْرَكَهُ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ هُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَيُثِيبَهُ عَلَى اجْتِهَادَاتِهِ وَلا يُؤَاخِذَهُ بِمَا أَخْطَأَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: "رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سورة البقرة: 286]" (مجموع الفتاوى، ج20، ص 159).
ورد في أبجد العلوم للقنوجي "وأهم ما يحصل لك: أن تكون منصفاً غير متعصبٍ في شيء من هذه الشَّريعة، فلا تمحق بركتها بالتَّعصب لعالم من عُلَمَاء الإسلام، بأن تجعل رأيه واجتهاده حجة عليك وعلى سائر العباد، فإنَّه وإنْ فضلك بنوع من الْعِلْمِ، وفاق عليك بمدرك من الفهم، فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكوماً عليه، متعبداً بما أنت مُتعبَّد به، بل الواجب عليك أن تعترف له بالسَّبق، وعلو الدَّرجة اللاَّئقة به في الْعِلْمِ، معتقداً أنَّ ذلك هو الذي لا يجب عليه غيره، ولا يلزمه سواه؛ وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك، أو خطأه خطأ عليك، بل عليك بالاجتهاد والجد، حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشَّرعية، من ذلك المعدن الذي لا معدن سواه، والموطن الذي هو أول الفكر، وآخر العمل؛ فإذا وطنت نفسك على الإنصاف، وعدم التَّعصب لمذهب من المذاهب، ولا لعالم من الْعُلَمَاء، فقد فزت بأعظم فوائد الْعِلْمِ، وربحت بأنفس فرائده".
علماؤنا غير معصومين من الخطأ مهما بلغ عِلْمهم ووصل فهمهم. أن نحمل النَّاس على رأي عالم واحد أو مذهب واحد فيه تضييق لفضاء حضارتنا ولدعائم رسالتنا الإسلامية الرَّائدة. تُثبت الدِّراسات في كل حقول العلم أنَّ الفكر مهما سما وعلا فإنَّه لا يستقل عن الْمَدَاَرِس الفِكْرِيَّة الأخرى وإلا ضاق نطاقه، وضعف فيضه. قال عَبدالفتاح أبو غُدّة (2001 م) فالْعِلْم رزقٌ وعطاء من الله تعالى، وهو كثير وكبير وثقيل، ولا يَملك كلُّ إمام ناصيةَ كل عِلْمٍ أراد معرفَته، فقد قال الغزالي، وتَبِعَهُ ابن قدامة، ما معناه: كم من عالم إمامٌ في عِلْمٍ، عاميٌّ في عِلْمٍ آخر.
ومما يترتَّب على هذا الأصل أنَّنا لا نملك نظَرِيَّة تربويَّة واحدة لا نتجاوزها إلى عالم آخر من علمائنا وذلك أنَّ الْعِلْمَ عميق متشعِّب والحاجة إلى الموازنة والتَّرجيح وملاحظة تغير البيئات ومحدوديَّة العقول البشريّة تجعل العقل يَعمد إلى التَّفكير الحُرِّ المُتحرِّر من ربقة التَّقليد الأعمى. إنَّ المثال الشَّامل الكامل لا نجده يتحقق إلا في شَخْصِيَّة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهذه حقيقة لا يعرفها ويقدِّرها حق قدرها إلا الذين سَبروا غَور الْتَّارِيْخ، ودرسوا سِير السَّابقين، ثم أنعم الله عليهم باليقين. وهكذا فكل كتاب بَشري كتبه المفكِّرون يعتريه النَّقص لقول اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً {82}" (سُوْرَةُ النِّساء).
رغم هذه الحقيقة في أنَّ العصمة غير حاصلة لغير الأنبياء فإنَّ للعُلَمَاء الأوائل مزيد الفضل لأنهم حفظوا لنا الأصول، وحرَّروها في كُتُبِهم، وشرحوها في أبحاثهم، ونشروها لطلابهم، وطبَّقوها في واقعهم فجزاهم الله خير الجزاء عن أمَّة الإسلام فهم الأصل في البداية وإليهم يعود الفضل في النَّهاية. قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "وَالَّذِينَ جاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {10}" (سُوْرَةُ الحشر). المسلم يحبُّ رحيق حياة الْعُلَمَاء الرَّبانيين، ويجتهد في نشر علومهم، ولا يغفل عن الدُّعاء لهم، وقلوبنا كما خلقها ربُّ العالمين تتَّسع لمحبتهم كلهم فلماذا نعيش ثم نموت ونحن نحبّ البعض منهم؟ مَن يَفقه النَّسيج التُّرَاثي الإسلامي الواسع يُدرك أنَّنا:
ما زلنا بعد مئات من السِّنين من رحيلهم نَعترف بفضائلهم الكريمة ونتعلم منهم،
ما زلنا بعد مئات من السِّنين من رحيلهم نَغترف من مناهلهم العذبة ونستغفر لهم،
ما زلنا بعد مئات من السِّنين من رحيلهم نَقتطف من ثمارهم الدَّانية وننتمي إليهم.
ما زلنا بعد مئات من السنين من رحيلهم نَقتبس من أفكارهم الصَّائبة ونقتدي بهم،
قال ابن تيمية عن منزلة العلماء "فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوَالاةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ … فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ فِي أُمَّتِهِ وَالْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا" (مجموع الفتاوى، ج20، ص 231).
الفكر التَّربوي يقبل الاختلاف لا الانحراف
الفكر التَّربوي الإسلامي يقبل الاختلاف إن كان اختلاف تنوع بل يُرحب به إن دعت الحاجة له فهو اختلاف ائتلاف وفي نفس الوقت فإنَّ الإسلام دائم التَّأكيد على مفهوم الوحدة والاتِّفاق. الاتِّفاق في القضايا من المقاصد الهامَّة في الحياة ولكنَّه يتعذر وجوده في كل الأمور الفكرية ولذلك فإنَّ الإيمان بتنوع الآراء من سنن الحياة فاختلاف التَّنوع والتّعدد والتَّكامل محمود لأنَّ فيه خير للعباد أمَّا اختلاف التَّضاد والتَّناقض والتَّناحر فهو مذموم لأنَّه أصل كل فساد.
وما زال الصَّحابة "يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون" وتظل القاعدة العظمي والرِّسالة الأسمى والمنطلق الأكبر في توحيد الكلمة ولقد أوجب اللهُ "تعالى علينا التَّمسك بكتابه وسنَّة نبيه والرُّجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة اعتقاداً وعملاً؛ وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشَّتات الذي يتم به مصالح الدُّنيا والدِّين، والسَّلامة من الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين" (الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: الجزء 4، سورة آل عمران، الآية: 103).
وورد في الحديث "اخْتِلاَفُ أًمَّتِي رَحْمَةٌ" وهذا الأثر رغم عدم صحَّته سنداً (العجلوني، حرف الهمزة. الهمزة مع الخاء المعجمة، الحديث رقم: 153) فإنِّه لا يدعو إلى قبول كل خلاف ولكن المراد به اختلاف الفكر والاجتهاد في الأحكام الفرعيَّة، واختلاف النَّاس في الحِرف والصَّنائع كالتِّجارة والخياطة والزِّراعة لأن قيام الدُّنيا يتحقق بتوفر وتنوع هذه المهن.
الموازنة بين المفكِّرين من أصعب القضايا لاختلاف مشاربهم العِلْمِيَّة، ولتنوع إمكاناتهم الفرديَّة، ولتعدُّد ظروفهم فلكل عصر ومصر خصوصياته. أبو حنيفة كان يعتمد في تعليمه على المناظرة والحوار أما مالك وابن حنبل فلقد اعتمدا على أسلوب قراءة الكتاب وإلقاء المحاضرة. هذا الاختلاف في طرائق التَّعليم له عدَّة أسباب منها طبيعة المواد التي قاموا بتدريسها والفترة الزَّمنية والعوامل المكانية فالتَّدريس في العراق كان يختلف عن المدينة المنوَّرة ففي العراق كان التَّعليم فيه يتطلب مراعاة تنوع الثَّقافات وفي المدينة كانت الحياة في غاية البساطة لم تدخل طور كماليات الحضارة وتعقيدات صنائعها. علم الفقه يستدعي قدرة على المناقشة والقياس وترجيح الآراء في حين أنَّ علم الحديث يعتمد بشكل أكبر على الحفظ والنَّقل والتَّوثيق وتحري نُطق الكلمات بشكل سليم مع العناية بتجويد الخطِّ ساعة كتابة الأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة.
المقارنة بين معالم التَّربية السَّياسيَّة عند الفارابي في مدينته الفاضلة وبين الماوردي في أحكامه السُّلطانية تستدعي مراعاة اختلاف طبيعة الكتابين فالأول ينطلق من منظور سياسي فلسفي يستلهم من الفكر والتُّرَاث اليوناني الكثير من الرُّؤى في حين أنَّ الْنَّظَرِيَّة الْسِّيَاسِيَّة للماوردي جاءت ملتزمة بإطار نصوص الشَّريعة الغراء. إنَّ اختلاف المناهج يدعونا إلى التَّأني في عقد المقارنات لدقَّة مسائلها، وتنوع موازينها كي تكون نظراتنا التَّربوية في المماثلة والمًفاضلة بين المسائل عادلة. شروط المفاضلة كثيرة ومن أهمها استواء الشيئين في المعنى والصُّعوبة دائماً تكمن في كيفية ضمان صحَّة قياس الشَّيئين بدقَّة كي تكون المفاضلة عادلة وإذا فسد القياس فسد الحكم.
الأفكار المصادمة لأصول العقيدة والشَّريعة وإجماع المسلمين لا يمكن نقلها عادة من دون نقدها والتَّحذير منها قدر المستطاع فهي لا تمثِّل الفكر الإسلامي الصَّحيح. دور الباحث المسلم أن يعرض نتاج المفكرين على صريح القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة وثمار العلوم الحديثة لتنقية التُّرَاث التَّربوي من شوك الهنَّات والزَّلات كلَّما أمكن ذلك.
مفهوم التَّوحيد في ديننا يُلزمنا بتوحيد صفوفنا ولا يكون ذلك ولا يتحقق إذا قام البعض ولو من غير قصد بالتَّقليل من شأن بعض الْعُلَمَاء. إنَّ التَّقوقع في فكر مُفكِّرٍ مع مهاجمة تُراث الآخرين إشكالية تُواجه الفكرَ دائماً. كثيراً ما أدت المفاضلة بين المفكرين إلى مآس مُحزنة ورزايا مُخجلة من تدابر وغيبة ونميمة وغير ذلك من العوائق وقعت وتقع باسم إقامة شعائر الإسلام وتحت شعار حماية التُّراث والغَيرة عليه والرَّاصد اليقظ يمكنه أن يلمس وقعها السَّلبي ويشعر بهول احباطاتها في نفوس العاملين في الحقل التَّربوي الإسلامي.
إنَّ الانفتاح الموزون على الْمَدَاَرِس الفِكْرِيَّة المختلفة، والرِّفق في النِّقاش واستشعار الأخوة الإسلامية في دراسة التُّرَاث صمام أمان للأمَّة الواعية المتكافلة فكرياً. الإنصاف والاعتدال، والبعدُ عن الاعتساف والتَّعصب المذموم لمذهب أو رأيٍ معيَّن أدب رائع ينبغي لنا أن نأنس له، ونعمل به، امتثالاً لشعيرة الأخوة الإيمانيَّة التي تتضمن مصلحتنا وخاصة في تربيتنا الإصلاحيَّة المُعاصرة. المربي الصَّالح المُصلح هو الذي يدرس تُراث الأمس ونصب عينيه أنَّ الأخوة الإسلامية شمس حياة كل مسلم في الأمس واليوم والمُستقبل فيعمل في كل مجال من أجل نجاح هذا المبدأ العظيم الذي لا يمكن تقديره بأعظم ثروات الدُّنيا الملموسة وكما قال الله جلَّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم "لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {63}" (سورة الأنفال) وتطبيق هذا المبدأ كأفراد وحكومات هو من أشدَّ ما يخشاه الشَّيطان وأعداء الإسلام في كل عصر.
إذا عُرف هذا المنطلق في أهميَّة الاتفاق فإنَّنا نحتاج إلى أن نعرف أسلم الطُّرق في التَّعامل مع مسائل الخلاف وبما لا يشغب على الأصل. المسائل التَّربوية الفرعية فيها مساحة واسعة من النِّسبية بمعنى أن القطع والجزم في كثيرٍ من مسائلها يحتاج إلى ترجيح. إنَّ من الواجب الإيمان بتنوع وتعدد الْمَدَاَرِس الفِكْرِيَّة المختلفة في دائرة التَّربية الإسلامية الثَّرَّة لأنها تتماشى مع طبيعة الفطرة البشرية وطالما أنَّ الخلاف له ما يبرِّره علمياً. القضايا التَّربوية في مسائلها التَّفصيلية الفرعيَّة تتشابه إلى حد كبير مع المسائل الفقهية في كونها تحتوي على قضايا خلافية كثيرة تحتاج إلى حسن اختيار واجتهاد لأنها في كثير من الأحيان مبنية على أدلَّة واستنباطات ظنية الدّلالة أو تقديرية بناءاً على قانون درء المفاسد المُتوقَّعَة مُقدَّم على جلب المنافع الرَّاجحة. عندما أراد أحد الخلفاء العبَّاسيين أن يحمل النَّاس بالقوة على اعتماد كتاب الموطأ رفض الإمام مالك صاحب الكتاب أن يحتكم النَّاس إلى كتابه بهذه الصُّورة لأنه يُؤمن بأنَّه "لا ينبغي للفقيه أن يحمل النَّاس على مذهبه، ولا أن يُشدِّد عليهم". وفي رواية أنَّ مالك بن أنس ذكر أنَّ هارون الرشيد شاوَرَه في أن يُعلّق الموطأ على الكعبة، ويحمل النَّاس على ما فيه، فكان جوابه: "لا تفعل، فإنَّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلٌّ مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله" (انظر مالك، مُقدِّمة كتاب الموطأ). إذا كانت مسائل الإجماع في الفقه قليلة وهي أقل بكثير من مسائل المُختلف فيها فإن المسائل التربوية فيها اختلافات أكثر بكثير.
وهكذا فإنَّ المسائل التَّربويَّة القائمة على كلام أهل العلم وأدلتهم التي تتحمل أوجه الخلاف لا يمكن القطع فيها دائماً والأصل أن يقوم الباحث الحصيف بنقل كلام أهل الْعِلْمِ في المسألة بأمانة ودقَّة مع إيراد أدلتها إذا تَطَلَّبَ الأمر ثم له أن يُرجِّح الرَّأي الذي يميل له مع التَّعليل لما يختاره كما فعل ابن خلدون عندما تحدَّث عن الأطفال ومنهج حفظ القرآن الكريم. بَيَّن ابن خلدون مناهج أهل المشرق والمغرب في زمانه فذكر خمسة أوجه لتدريس القرآن الكريم للصِّبيان وهي منهج أهل المشرق، والمغرب، والأندلس، وأهل أفريقيا، وطريقة أبي بكر بن العربي. قال ابن خلدون في المقدِّمة "واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التَّعْلِيْم من الملكات". وعند تعريفنا بآراء ابن خلدون في الفصل الخامس "مناقشات" سنتعرض إلى تفصيل هذه المناهج كما أنَّنا وضعنا في نهاية الفصل الثَّالث "مُنتخبات" نص كلام ابن خلدون في هذا الشَّأن وعنوانه هو "في تعليم الولدان، واختلاف مذاهب الأمصار الإسلاميَّة في طُرقه".
"أمور التَّعْلِيْم اختلفت باختلاف الأقاليم، واختلاف الأشخاص القائلين بها. وقد نجد اتفاقاً على بعض الأمور، ولكنهم اختلفوا في أمور أخرى كثيرة، مما يجعلنا نُفرد لكل عالم منهم كلمة خاصة تجمع آراءه وتبين ما امتاز به" (الصَّالح، ص 274). يخبرنا الخطيب البغدادي (ت 463هـ = 1070م) في كتابه الكفاية في عِلْم الرِّواية وتحت باب ما جاء في صحة سماع الصَّغير عن أنَّ أهل الكوفة لا يُخْرجون أولادهم في طلب الحديث النَّبوي الشَّريف حتى يستكملوا عشرين سنة، وأنَّ أهل البصرة يكتبون الحديث النَّبوي لعشر سنين، وأهل الشَّام لثلاثين وكل فريق يظن أنَّ هذه أو تلك الفترة فيها مجتمع العقل ويحبون قبلها أن يشتغل الصِّبيان بحفظ القرآن الكريم ثمَّ لهم أن يطلبوا ويكتبوا عِلْمَ الحديث بعد بلوغ السِّن الذي تعارفوا عليه (ص55). وقد يصل الأمر إلى حدّ التباين الشَّديد بين المفكرين في أهمية تَعلّم عِلم من العلوم. علم المنطق مثلاً هل هو من العلوم المحمودة، أم أنَّ ضرره أكبر من نفعه، أو كما قالوا "من تَمنطق فقد تَزندق!"، أو أنَّ الصَّواب في تبني الرَّأي القائل بأنَّه "لا يُوثق بعلم من لم يَدرس المنطق". سنشير لهذا الأشكال في الفصل الرَّابع "مُشكلات".
وفي إطار حرية التَّفكير وأهمية الاستفادة الواعية من الْمَدَاَرِس الفِكْرِيَّة المختلفة يقول القرضاوي "ومن هنا ظهر في الإسلام نتيجة للحرِّية الفِكْرِيَّة، الحرِّية العِلْمِيَّة، وجدنا الْعُلَمَاء يختلفون، ويخطئ بعضهم بعضًا، ويرد بعضهم على بعض، ولا يجد أحد في ذلك حرجاً، نجد في الكتاب الواحد: المعتزلي والسُّني، والكَّشاف لإمام معتزلي وهو الزَّمخشري نجد أهل السُّنة ينتفعون به، ولا يرون حرجاً في ذلك.. يأتي رجل من أهل السُّنة وعلمائهم كابن المنير يعمل حاشية عليه باسم "الانتصاف من الكشَّاف" أو يأتي إمام كالحافظ ابن حجر فيؤلف كتابه "الكافي الشَّافي في تخريج أحاديث الكشَّاف". وهكذا كان الْعُلَمَاء ينتفع بعضهم بكتب بعض، وبآراء بعض، ورأينا اختلاف الفقهاء وسعة صدورهم في الخلاف بين بعضهم وبعض، هذا كله يدل على حرِّية الفكر وعلى الحرِّية العِلْمِيَّة في داخل الأمَّة الإسلاميَّة". وكانت مجالس العِلْم الأدبية الشَّعبية في البصرة في أيام الخليل بن أحمد (السِّباعي، 1980، ص 128) يحضرها عُلَمَاء من شتى المشارب منهم السُّني والشِّيعي والمعتزلي والشُّعوبي[17] ومن غير المسلمين كالنَّصارى واليهود.
تقبُّل الأشخاص والتَّعامل معهم بأسلوب حسن لا يعنى قبول جميع أفكارهم، والموافقة على كل استنباطاتهم. إنَّ اجتهادات ابن سينا في الكثير من موضوعات الفلسفة مردودة عند المتخصصين في ميدان العقيدة ولكن اجتهاداته في تربية الصِّبيان، ونظرياته في رعاية الأبدان كانت وما زالت في جملتها محل عناية أهل الدِّراية في عالم التَّربية بل هي من نفائس التُّراث الإسلامي والإنساني على حدٍ سواء.
التَّسامح مع الخلاف لا يعني التَّساهل مع الانحراف فلا يمكن أن نُسوغ إنكار ما هو أمر معلوم من الدِّين بالضَّرورة مثلاً تحت باب حريَّة الفكر لأنَّ في هذا الفعل ما مِن شأنه أن يعمل على اضطراب المجتمع المسلم وخرق أصول المنهج العلمي للتَّفكير في الإسلام. التَّربية الإسلامية مبنية على معالم واضحة لا طلاسم غامضة. يزعم بعض غلاة الصُّوفية، وغيرهم من أنصار التَّربية الباطنيَّة، بأنَّ كُبراءهم يعرفون علوماً لا يمكن بثها بين النَّاس وأن المُريد ينبغي له متابعة شيخة دون مناقشة وإن كان فعله الظَّاهر يصطدم مع الشَّرع ويُخالف المنطق. منطقهم أنَّ الشَّيخ تُمنع مناقشته لأنَّه العارف بعِلْمِِ المكاشفة. التَّربية الإسلامية الصَّافية واضحة المعالم في كونها واضحة المصادر ولا تقوم على العلوم والتَّربية السِّرية الباطنيِّة التي يمكن أن تحتكرها فئة بعينها.
هذا التَّصور لا يمنع من الإيمان بوجود لطائف ربانية إلهامية من العلوم يهبها الله سُبْحَانَهُ لمن أخلص، والله يختص برحمته وعطائه وفضله من يشاء ومَن يتَّق الله سُبْحَانَهُ الواسع العليم يجعل له نوراً وفُرقاناً يميز به بين الحقِّ والباطل. هذه المعارف غير مكتسبة من التَّحصيل الدِّراسي الاعتيادي ولكنَّها قد تكون ثمرة للإخلاص والثَّبات على الحق ومهما يكن هذا الفُرقان فإنَّه لا يخالف جملةً وتفصيلاً آداب الشَّريعة لا في جوهره ولا في ظاهره. قال ابن تيمية في فتاويه "لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ أَوْرَثَ كُشُوفًا أَوْ تَصَرُّفًا فِي الْكَوْنِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي لا يُورِثُ كَشْفًا وَتَصَرُّفًا، فَإِنَّ الْكَشْفَ وَالتَّصَرُّفَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَإِلاَّ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ أَفْسَدَ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ كَشْفٌ وَتَصَرُّفٌ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْعَامَّةِ" (مجموع الفتاوى، ج11، ص 397، باختصار).
من المعاني الدَّقيقة في حقل التَّأصيل التَّربوي أنَّ مهما كثر علم الإنسان، واتسعت ثقافته، وعلت منزلته فإنَّ ذلك الخير لا يكتمل بلا عملٍ بمضمون العلم الذي يحمله. استناداً إلى ذلك الفهم لا تقف تربية الإنسان عند مرحلة زمنية أو منزلة دينية بمعنى أنَّ التَّكاليف الشَّرعية من صلاة وصيام لا تسقط عن مُكلَّفٍ لأنَّه بلغ أعلى درجة من درجات الهداية. وجه الصَّواب في هذا الباب أنَّ كُل من يُنعم اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عليه بشيءٍ من علوم الفيض الإلهي يزداد تمسُّكاً بأحكام الدِّين عِلْماً وعملاً، وهذا الأصل يساعد على ترسيخ قدم طالب العلم على سكَّة الاستقامة.
كل الأعراف والتَّقاليد والعادات والأفكار المنافية لتعاليم الإسلام وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ من السُّوء ليس لها مكانة في ميزان الحقائق والفكر وهي حَرِيَّة بالرَّفض الموضوعي والنَّقض العلمي. إنَّ الحُرية الفِكْرِيَّة في الإسلام مكفولة بحدود الشَّرع وضوابطه الأمينة. المتربصون بالإسلام يسمون ذلك قيود "احتكار" ولكنَّها لأهل الأبصار ضوابط تنظيمية تمنع الفوضى الفكرية وتكبح النَّزوات والشَّهوات من قيادة الفكر إلى هاوية الضَّياع. وينبني على هذا الأصل أنَّ داء التَّعصب لعالم أو لمذهب ليس من الإسلام في شيء. الحق والحق فقط هو ضالة المؤمن المنشودة دائماً.
يستمدُّ العقل مساراته من الوحي أي ما أنزله الله عز وجل في الكتاب والسُّنَّة. يجسد الفكر الإسلامي في قرونه الأولى أسمى مراحل التـَّألق والصَّفاء وهو الفِكر الصَّحيح لفهم التَّربية الإسلاميَّة. لم يكن الفكر الإسلامي في القرون الثَّلاثة الأولى أسيراً لسلبيات فلسفة اليونان ولم تتسلل آراء الحضارات الفارسيَّة والرُّومانية والهندية الْمِعوجَّة إلى صميم التَّعْلِيْمِ في بلاد المسلمين.
وعليه فإنَّ الكثير من الأفكار التَّربوية لابن عربي، أو الفلسفة القاديانيَّة في القارة الهنديَّة، أو فلسفة أمَّة الإسلام في أمريكا من أصحاب أليجا محمد من الأفكار الخطرة التي لا يمكن ربط شطحاتها بالإسلام ومنهجه في تربية النَّفس لأنَّها قد تُفسِّر الدِّين تفسيرات تُعطِّل العمل بتعاليم الدِّين وتُسقط تكاليفه الشَّرعية اتِّباعاً للهوى، وتُضيف للدِّين ما ليس منه. في الفصل الرَّابع "مُشكلات" سنتحدَّث عن ضرر التَّيارات التي تستَّرت بالتَّربية الباطنيَّة وسنبيِّن خطرها على تخدير العقل المسلم وصلتها بأزمة الأمَّة.
غلاة الصُّوفية من أهم الجماعات التي وقعت في مَهاوي التَّفسير الباطني رغم قوة الكثير من الوصايا التَّربويَّة والتَّعْلِيْمِيَّة التي جاءت في كتبهم الموسوعيَّة وبالرَّغم من أنَّ الكثير من تُراثهم التَّربوي في طُرق التَّعليم ينسجم مع التَّربية الإسلاميَّة ومقاصدها ويمكن الاستفادة منه في المحيط الأكاديمي وغيره.
مصادر تحصيل العِلْمِ وإثراء الفكر في الإسلام رحبة وتختلف عن المناهج الوضعيَّة الأرضيَّة التي تتأسس على العقل ونشاطه والحس ودلالاته ولكن لا تقيم وزناً للدِّين والنَّقل وما يشهد به العقل. يمكن الحصول على العِلْمِ الصَّحيح أو السَّقيم من عِدَّة دوائر منها: التَّعلّم عن طريق التَّقليد، والتَّلقِين، الأخبار المسموعة والمكتوبة، التَّعلُّم من الخِبْرَةِ الشَّخْصِيَّة، والدِّراسة المُنظَّمة، والأديان، والفِرَاسة، والحِسّ والتَّجْرِبَة العِلْمِيَّة، والتَّأمُل، والحَدْس والشُّعور الدَّاخلي، والمعرفة المبنيَّة على معرفة الأسباب والتَّحليل المنطقي. الدِّين هو أهم وأصدق هذه المصادر بالنِّسبة للمسلم فهو الذي يهيمن على المصادر وينظِّم سيرها، والعِلْم المطابق للحق لا يمكن بحال من الأحوال أن يتصادم مع قطعيَّات الدِّين الصَّحيح لأنَّه مصدر الحق والصِّدق ولأنَّه من الله سبحانه.
أورد الجرجاني في كتابه التعريفات عدة تعريفات لكلمة عِلْم منها:
هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.
هو حصول صورة الشَّيء في العقل.
هو إدراك الشَّيء على ما هو به.
زوال الخفاء من المعلوم والجهل نقيضه.
صفة راسخة تدرك بها الكلِّيات والجزئيات.
وصول النَّفس إلى معنى الشَّيء (ص 205).
الْعِلْمُ عند الغرب هو كل ما يمكن قياسه مادياً في المعامل وعبر شهادة الحواس والأدلَّة المشاهدة فالجانب الكمِّي هو أساس كل شيء وهذا هو أساس التَّعريف الذي يتناقله الباحثون وقد يترجمه المسلمون في كتبهم ولا يعلِّقون عليه. أمَّا في الإسلام فالتَّعريف أشمل فالأدلة النَّقلية والعقلية والعلوم التي تندرج تحتهما لها أهمية في تقرير المسائل وتكوين المعرفة. الباحث المسلم لا يقف عند المعطيات المستمدة من الطَّبِيْعَةِ التي يمكن ملاحظتها ولكن يضيف إليها ما ورد به الوحي على لسان الرُّسل عليهم السَّلام، بل إنَّ الكشف والإلهام والأحلام قد نستمد منها بعض الفوائد المعرفيَّة إذا لم تصطدم مع الأصول الشَّرعية.
درجات العلم ومراتب المعرفة متفاوتة وتمثل بحراً زَاخراً من تُراثنا التَّربوي، وكل مُرتبة لها أدبياتها في الفكر الإسلامي من شواهد قرآنيَّة، ونبويَّة ولها معالم تاريخية تحكي قصة تطورها من حيث الدلالة. مثلاً كلمة "فِقه" بمعنى فهم الأمر كانت عامَّة تُطلق للتَّعبير عن التَّدبر والتَّفكر في خَلق اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بغرض تهذيب النَّفس والسَّير في "علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النُّفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدُّنيا، وشدَّة التَّطلع إلى نعيم الآخرة" (الغزالي، إحياء علوم الدِّين، ج 1، 45). ثمَّ بدأت كلمة "فقه" تأخذ معاني ضيقة وترتبط بعلم شرعي معين بعد قرون. يفصِّل رواد الفكر الإسلامي في الكلمات المرادفة للعلم مع بيان أمثلة تقريبيَّة لتعزيز مُناقشاتهم فلا يكتفون بالإشارة إلى تفاوت درجات العلم بل يقدِّمون الأمثلة والشَّواهد لبيان طبقات العلم. فمثلاً يُقسِّم ابن قيم الجوزيَّة درجات العلم الصَّادق إلى ثلاث درجات وهي: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين (ملك، 1999 م، ص 44). قال ابن قيم "الفرق بين علم اليقين وعين اليقين:كالفرق بين الخبر الصَّادق والعيان [المُشاهد]. وحق اليقين: فوق هذا. وقد مَثلت المراتب الثَّلاثة بمن أخبرك: أنَّ عنده عسلاً، وأنت لا تشك في صدقه. ثم أراك إياه. فازددت يقيناً. ثم ذُقت منه. فالأول: علم اليقين. والثَّاني: عين اليقين. والثَّالث: حق اليقين. فعِلْمُنا الآن بالجنَّة والنَّار: علم اليقين. فإذا أُزلفت الجنَّة في الموقف للمتَّقين. وشاهدها الخلائق. وبُرِّزت الجحيم للغاوين. وعاينها الخلائق. فذلك: عين اليقين. فإذا أدخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النَّار النَّار: فذلك حينئذ حق اليقين (مدارج السَّالكين، ج2، ص420)".
لقد تكلَّم علماؤنا (المناوي، ج2 في شرح الحديث رقم 1194، زاير، 1997 م) في حدِّ العِلْمِ والمعرفة في اللُّغة العربيَّة وذكروا الكثير من الألفاظ التي في بعض معانيها مُرادفة لكلمة العِلْمِ وحاولوا ذكر الفروق بين تلك الألفاظ فقالوا:
الشُّعور وهو أول مراتب وصول العِلْمِ إلى القوة العاقلة فهو إدراك من غير تثبُّت،
الإدراك وهو لغة الوصول واللِّحاق بالشَّيء وملاقاته ويُسمى وصول العقل إلى المعقول إدراكاً،
التَّصور وهو حصول صورة الشَّيء في العقل،
الحِفظ وهو تأكد ذلك واستحكامه أو يصير بحيث لو زال لتمكنت القوة من استرجاعه.
التَّذكر وهو محاولة القوة لاسترجاع ما زال من المعلومات،
الذِّكر وهو فائدة التَّذكُّر، وهو حفظ الأشياء ويكون بالقلب واللِّسان،
الفَهم تصور عميق للمعنى،
الفِقه وهو الْعِلْمُ بغرض المخاطب،
الدِّراية وهي المعرفة التي تحصل بعد رؤية وتقديم مقدمات. وقالوا أيضاً أنَّ: الدِّراية هي المعرفة المدركة بضرب من ضروب الحيل وهو تقديم المقدمة واجالة الخاطر واستعمال الرَّوية،
اليقين وهو أن يعلم الشَّيء وامتناع خلافه، وقيل العلم بالشيء بعد إزاحة الشَّكّ عنه، وتحقيق الأمر فيه.
الذِّهن وهو قوة النَّفس واستعدادها لاكتساب العلوم التي ليست بحاصلة.
الكَيْس وهو استنباط الأنفع والأولى وسرعة الحركة في الأمور الهامَّة ويُقال غلام كيِّس.
الرَّأي وهو استحضار المقدمات واجالة الخاطر فيها وفيما يعارضها وطلب استنتاجها على الوجه المصيب وهو دلالة الفكر.
الحَزْم وهو جودة الرَّأي وضبط الإنسان أمره وأخذه فيه بالثِّقة.
القسم الثَّاني: مُنطلقات المُعاصرة (الفِكر الغربي والإسلام)
القَسمات الثَّقافيَّة والأخلاقيَّة للمجتمع الغربي
الأفكار هي الأيديولوجيا Ideology التي تمثِّل مجموعة من المعلومات المنظَّمة عن طبيعة المجتمع والثَّقَافَة وتمهد لنظريات خاصة لوصف المجتمع وكيفية تنظيمه ووضع النُّظم والقوانين التي تحكمه وتوجِّه مسيرة التَّعليم وتُحدِّد كيف يعيش النَّاس أي أنَّها أفكار في النهاية تُحاول أنْ تُجيب على أسئلة مصيريَّة وهي التي تُشكِّل نظرتنا الكُلِّيَّةِ للحياة وفلسفتنا العامَّة للعيش فيها. يقول د. سعيد إسماعيل علي (1997م) عن مفهوم الأيديولوجيا أنها ابتُدِعت في فرنسا "وهي تعني عِلْم الأفكار أو دراستها" (ص216). تنبع أهميَّة الأيديولوجيا من أنها تُشكِّل تصورات المجتمع – بصورة مباشرة أو غير مباشرة - وهذا بدوره له مظاهر مادِّية وثقافيَّة تظهر آثارها في تبني فلسفة التَّعليم لكل مجتمع مع تشكيل لعاداته وقيمه وموازينه وأنماط العمل وسياسات الإنتاج أي أنَّ الأيديولوجيا في مُحصِّلتها تُشكِّل مجموعة المعارف والفنون وأنماط الحياة ومقاصدها وطرائق استثمار النَّشاط وتصريف الطَّاقة الإنسانيَّة.
إذا أردنا تحديد أهم مكونات الفِكر الغربي فإنَّ التَّحليل سيقودنا إلى عنصرين لهما أهمية بالغة في هذا المِضمار. الأول هو الإيمان بالدِّين النَّصراني الذي صاغ إلى حد بعيد مسيرة الحركة التَّاريخيَّة للمجتمعات الغربية. العنصر الثَّاني هو تبنِّي الكثير من ثقافات الحضارات القديمة حيث قام الغربيون بترجمة كمٍ هائل من علوم السَّابقين منذ القرن الميلادي الثَّاني عشر وعلى رأس هذه الحضارات: الحضارة اليونانية والرُّومانيَّة والإسلاميَّة. مازال التُّراث اليوناني على وجه الخصوص يُشكِّل أهمية كبرى في أدبيات واهتمامات الفكر الغربي وبصورة مباشرة. فيما يلي سنتحدث عن بعض سمات الفكر الغربي وأوضاعه التَّربويَّة والثَّقافيَّة والأخلاقيَّة المعاصرة مع مقارنتها بواقعنا الفكري التَّربوي كُلَّما تطلَّب الأمر.
العلماء وغيرهم مُتَّفقون على عدم وجود مرجعيَّة مُوحَّدة عند المفكرين الغربيين بسبب تنوع الدِّيانات، والثَّقافات، وانتشار العَلمانية والإيمان بالنِّسبية في حين أنَّ الفِكر الإسلامي يعتمد على القرآن والسُّنة كأساس للمرجعية لجميع المفكرين المسلمين فمهما اختلف تخصص المفكر المسلم عن أخيه فإنَّ قدراً مُشتركاً من الثَّقافة الإسلاميَّة تجمع بينها وتوحِّد أفكارها في المسائل المصيريَّة على الأقل إذ لا جدال في الأصول فإذا ورد نص شرعي ثابت صريح لا مجال للاجتهاد والقياس العقلي في صرفه عن معناه الظاهر أو إنكاره سواء عند علماء الشَّريعة أو غيرهم ممن يؤمنون بالإسلام. مِن هنا قلنا أنَّ علم أصول الفقه رسم للعالم المسلم مهما كان تخصصه العلمي منهجاً يضمّ مجموعة من القواعد والقيم التي تُحدد المنهج العلمي الصحيح للتفكير. لذلك يجد الباحث في الفكر الغربي الآراء المتناقضة والأفكار التَّربوية المتصادمة لانعدام الأرضية المشتركة وعدم الاتِّفاق على القيم والموازين عندهم.
يجرِّد الفِكر الغربي في الكثير من نظرياته الإنسان من إنسانيته من خلال التَّركيز على جانب مادي واحد كمحرك للسُّلوك الإنساني فماركس يركِّز في بناء نظرياته وتحليلاته على العامل الاقتصادي، وفرويد على العامل الجنسي، ودوركايم على الظُّروف الاجْتِمَاعِيَّة، وجون ديوي على الأخلاق النَّفعيَّة "البراغماتيَّة". الفيلسوف نيتشه نشر الإلحاد في الفلسفة وأعلن عن موت الإله وأنها حقيقة فلسفيَّة يجب الإيمان بها في أوساط المُتعلمين. هذا كله أبعد المجتمع الغربي عن الله سُبْحَانَهُ وعن عالم الرّوح فتعاظم خطر الإلحاد وصبغ الأدب والشِّعر والقصص والعلوم بصبغة مغزاها ماجن بغيض، ومبناها فاحش مريض. من هنا اضطربت العقائد وتحلَّلت الأخلاقيات فجلب ذلك من المفاسد الأخلاقية الشَّائكة والمخاطر الفتَّاكة التي لم تكن من قبل معروفة بهذه الكثرة والحِدَّة في تراث الغرب. في نفس اللَّحظة تحررَّت العقليَّة الغربية من وصاية رجال الدَّين ونادى المربُّون إلى تنويع طرق البحث العلمي، وتطوير المُكتشفات، وتوفير الحُرِّيات.
يتحدث بعض المحللين التَّربويين هناك عن موت القيم وأنَّ التَّربية الأخلاقية أصبحت خالية من مفاهيم الخير والشَّر، والصَّواب والخطأ مما يُحتِّم علينا – كما يقولون - أن نجتهد في تعريف المفاهيم الأخلاقية لغرسها في الأجيال القادمة (Hunter, 2000, p. 221, 221). بدأت مئات الْمَدَاَرِس منذ منتصف التِّسعينات كما يقول هنتر تهتم بموضوع التَّربية النَّفسية والأخلاقية للطَّالب وتنمية الذَّكاء النَّفسي عبر برامجها مثلما تهتم بتعليم الرِّياضيات والعلوم (ص 85).
تُعاني مرحلة الطُّفولة والشَّباب مثلاً في الولايات المتَّحدة من مخاوف ومخاطر رهيبة تدلّ عليها الأرقام التي يحرص عُلَمَاء أصول التَّربية في ذلك البلد على عرضها ومناقشتها كمشكلات تواجه المعلم ويجب أن يلمَّ بأبعادها (McNergney & Herbert, 2001, p. 274). في كل يوم يتم تسجيل 377, 1 حالة ولادة لأمهات في سن المراهقة و 453, 3 حالة لأمهات لم يتزوجن، وتقبض الشُّرطة على مئات من طلاَّب وطالبات المدارس والتُّهمة المُوجهة إليهم مُرتبطة بقضايا عنف وتعاطي المخدرات، ويموت شخصان أعمارهم أقل من 25 سنة بسبب مرض الإيدز، ويموت انتحاراً 6 أشخاص أعمارهم أقل من 20 سنة، ويتم الإعلان عن 11 حالة من ضحايا القتل. كل هذا وأكثر يصيب الأطفال والمراهقين في يوم واحد فقط. هناك أكثر من 000, 650 حالة إصابة بالإيدز و 000, 410 حالة وفاة من رجال ونساء وأطفال نتيجة لهذا المرض المدمِّر. وفي دراسة استطلاعية لمراحل الثَّانوية تبين أنَّ 53 % من الطُّلاب والطَّالبات في مرحلة المراهقة مارسوا الجنس (McNergney & Herbert, 2001, p. 276). والسِّلسلة المخيفة من هذه المخاطر الأخلاقية لا تنتهي وفي بدايات الثّمانينات وضعت أمريكا هدفاً لتقليل هذه المخاطر مع مطلع القرن الجديد وذلك بأن تكون الْمَدَاَرِس خالية من المخدرات والعنف ولكن الخّطة التَّربوية العليا فشلت في تحقيق ذلك فتمَّ تغيير اسم الأهداف من أهداف 2000 إلى أهداف التَّربية في أمريكا ليدخلوا القرن الجديد مع هزيمة تربوية أخلاقية ساحقة تُهَدِّد أمنهم الحالي والمستقبلي.
هذه الأوضاع المُتَردِّية وغيرها في المدارس الغربيَّة زادت من معدلات ترك الالتحاق بالمدارس فتزايدت ظاهرة تفضيل توفير الدِّراسة والتَّعليم في المنزل فهناك زيادة كبيرة في أعداد العائلات التي لا تريد أن يلتحق أطفالها بالمدارس الحكوميَّة أو الخاصة فيقوم أولياء الأمر بعمليَّة التَّعليم لأولادهم داخل البيت وداخل نطاق الأسرة. من أهم أسباب العزوف عن الالتحاق بالمدارس أنَّ هؤلاء الذين لا يثقون فيها يرون أنَّ اعتقاداتهم الدِّينية تتعارض مع القيم المدرسيَّة وأنهم يريدون لأبنائهم أجواء تنمو فيها الأخلاقيات الحسنة، وأنَّ مشاكل الطُّلاب وغيرها ...من الأسباب التي دفعتهم إلى اختيار قرار توفير العناية التَّعليمية لأبنائهم بأنفسهم فتركوا المدارس ليدرسوا في البيوت (Clud & Morse, 2001, pp. 47-57).
إنَّ الذين يدعون للتَّغريب في بلداننا عليهم أن يَعوا ثمَّ يَستعرضوا هذه الحقائق في مناقشاتهم لمنع أنواع الفسوق والفجور قبل أن تَسقط حِيطان الأخلاق وسَقف الإيمان فمن عَرف الِحيطة جانب الخطيئة وأحاط عِلماً بكوارث الغرب حتى لا يُسمِّم فكر المسلمين بالدَّعوة إلى تبنى كل ما عندهم من حلو ومر. الذي ذكرناه من الأرقام يُعَبِّر عن طرفٍ ضئيل من خطايا الانحطاط وهو نتاج الفكر المنحرف الذي قَبِلَ وأَقْبَلَ على الْمَعْصِيَةِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وجاهر بها ودافع عنها. إنَّ العاقل هو الذي يعمل مخلصاً على أن يُجنِّب نفسه وأهله ووطنه وأمَّته والإنسانية كلها شرَّ هذا التَّردي الأخلاقي الفكري المادي الإلحادي.
الآراء الغربية في معظمها إمَّا فوق مثالية تدعو للرَّهبنة والتَّبتل والعُزلة وترك الدُّنيا، أو إباحية مُطلقة تُقْبِل على مُتعِ الدُّنيا بلا حدود وتجرِّد الإنسان من القيم والفضائل في حين أنَّ الفكر الإسلامي يُؤمن بالوسطية ويحاول الموازنة في كل الأمور لِيُحقِّق الاعتدال. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {143}" (سُوْرَةُ البقرة). قال ابن تيمية في فتاويه "جَعَلَهُمْ أُمَّةً وَسَطًا أَيْ عَدْلاً خِيَارًا وَلِذَلِكَ جَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ هَدَاهُمْ لِمَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ جَمِيعَهُمْ مِنْ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ ثُمَّ خَصَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا مَيَّزَهُمْ بِهِ وَفَضَّلَهُمْ مِنْ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُمْ" (ج3، ص 363).
استفاد الفكر الغربي من التُّرَاث اليوناني والإغريقي الفلسفي والدِّيني بشكل كبير ومباشر وأخذ من فكر أفلاطون وأرسطو كما تأثر الفكر الغربي من جهة أخرى بالفكر الإسلامي في أحيان كثيرة وخاصة في أخذ مناهج البحث الْعِلْمِي من خلال تَرْجَمَة الكتب الإسلامية الطِّبيَّة والفلسفيَّة والقانونيَّة وغيرها مثل كتب ابن سينا، والرَّازي وابن النّفيس. بعض الغربيين يعترف بفضل العلوم الإسلامية وبعضهم قد يجهل هذا لتقصير الباحثين المسلمين في عرض ذلك في المجامع العلميَّة والموسوعات التَّخصصيّة في حين أن معظم الغربيين من المُستشرقين إما يتجاهلون الاعتراف بعظمة الحضارة الإسلامية أو يهاجمونها "حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم" (سُوْرَةُ البقرة، آية: 109).
نجح الفكر الغربي المعاصر في كثير من الجوانب في خدمة الإنسانية وتطويرها خاصة من النَّاحية الماديَّة التِّكنولوجيَّة والإدارية والصِّحيَّة. البحث الحرّ عبر المُؤَسَّسَات التَخَصُّصِيَّة ودعم الفكر المبدع المرتبط بالحياة جَعل الفكر الغربي يَتَرَبَّع على قمة الإنتاج العِلمِي في عصرنا الحاضر. بعض المفكِّرين في الدِّيار الإسلاميَّة من الرَّاصدين المُتربصين لا يذكرون الغرب إلا مع الإباحية والمخدرات ولكن الحقيقة الكاملة ليست كذلك فإنَّ للغرب سَبقه وتميُّزه في مضامير كثيرة فينبغي الاعتراف بتميزهم، والاستفادة من سَبْقِهم كما ينبغي الحذر والتَّحذير من مساوئ حضارتهم على حد سواء. المؤمن الحق عادل حتى مع خصومِه فلا يبخس النَّاس شيئاً من سابغ إحسانهم بل يعترف بذلك من دون إفراط أو تفريط. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في سورة المائدة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {8}".
يرجع المسلمون ولمدة عشرات السِّنين في كثير من أبحاثهم لكُتب بعض المُستشرقين في إعداد دراساتهم مثل كتاب كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النَّبوي الذي نظَّمه لفيف من المستشرقين كما أنَّ الموسوعات والمجلات التي تتحدَّث عن تاريخ العالم الإسلامي لها أهميَّة كبيرة في إعداد البحوث الأكاديمية والمتميزة. فيشر –مُستشرق ألماني- كان عضو مجمع اللغة العربية وإستفاد منه العرب في فكرة اعداد معجم عربي معاصر وقام جيرتز الأمريكي بدراسات أنثروبولوجية لأكثر من أربعين سنة في أندونيسيا والمغرب. لقد قام المُستشرقون بنشر وتَرْجَمَة وتحقيق الكثير من المخطوطات من كتب التُّرَاث الإسلامي ورغم السَّلبيات الكثيرة فيها أثناء التَّحقيق وبغض النَّظر عن دوافعهم وراء ذلك فإنَّ المكتبات الإسلاميَّة وخاصة الجامعيَّة منها لم تستغن عنها.
يرى المستشرقون – عموماً - أنَّ ما في الْتَّارِيْخ الإسلامي من أمجاد، ونقاط مُضيئة لا يعود للإسلام أي فضل يُذكر بل الفضل يعود لروافد اليونان والفرس والهند إذ قام المسلمون بالاعتماد عليها وهكذا كل شيء يُفسَّر بتأثير خارجي، وكأن الإسلام لا يمكن أن ينجم عنه إلا مجتمعات متخلِّفة مما يؤكد أنَّ معرفة الغرب للشَّرق لم تكن لغرض المعرفة الموضوعية ولم يكن الباحث الغربي مؤهلاً من النَّاحية العِلْمِيَّة والمنهجيَّة والنَّفْسِيَّة والْسِّيَاسِيَّة (حلاق، 2001م).
يحتوي الفكر الغربي في معظم ما يتَّصل بالإسلام على أدبيات ضخمة تكدَّست عبر القرون وهي مشْحُونة بمعلوماتٍ تشن هجوماً حاداً حاقداً على الإسلام وأهله. حديثاً، بدأ بعض الباحثين الغربيين يعترفون بتراثهم الذي ظلم الإسلام لخدمة الحروب الصليبية قديماً وإلى اليوم لخدمة مصالحهم التَّوسعية. نشأ التَّوجّه الثَّائر على التَّوجهات القديمة مع بوادر ذكر بعض إيجابيات الإسلام كما فعل الأديب الإنجليزي توماس كارليل قديماً في كتابه الأبطال، وكارن آرمسترونغ حديثاً في كُتبها التَّاريخيَّة.
يلخِّص مُحَمَّد رضا في مقدمة كتابه مُحَمَّد رسول الله منهج المستشرقين وتقييمه لكتاباتهم فيقول: "وساقني البحث إلى مطالعة كتب المستشرقين في السِّيرة النَّبوية للوقوف على طرائق بحثهم وسردهم الحوادث ومواطن شبههم واعتراضاتهم، فمنهم المنصفون وهم الأقلُّون وقد استشهدت بآرائهم في الدِّفاع عن صاحب الشَّريعة، ومنهم المعتدلون لكن لا تخلو تعليقاتهم من اعتراضات ومغامز خفية وشبهات لا يستطيع ردَّها إلى الصَّواب من الوجهة الْتَّارِيْخيَّة إلا من درسها ودرس معها الْتَّارِيْخ الإسلامي بتوسع من مصادره الأصليَّة وينابيعه الصَّافية، ومنهم من لا هَمَّ له إلا الطَّعن بدافع التَّعصب والحقد، كزمرة المبشرين [المُنَصِّرين] الذين لا يبغون غير إفساد العقائد وهؤلاء لا يمكن أن نسميهم عُلَمَاء محققين بل هم في الواقع تجارٌ مضللِّون فقد ينسب الواحد منهم إلى الإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من الخرافات والمفتريات ما لا أصل له إلا في مخيلته ومخيلة كل متعنت مُغرض". وهذه التَّصنيف لطبقات المُستشرقين ومدارسهم يكاد يطابق الواقع أو يُقاربه من وجهة نظرنا.
وإذا انتقلنا إلى موضوع الأجواء السِّياسيَّة في الغرب فإنَّنا نجد أنَّ حُرِّية الفكر إلى حد كبير وفي مستويات معينة من أُسس الفكر الغربي الحديث وكثير من المسلمين وخاصة المتميزين من المفكرين والباحثين يعيشون في بلاد الغرب المُلحدة بحثاً عن الحرِّية وهرباً من بطش دولِهم المُسلمة الجائرة وكأن لسان حالهم يقول: ديمقراطية الغرب المشوَّهة خير من دكتاتورية الشَّرق القاتلة. إنَّ الجامعات المُهتمَّة بالفكر الإسلامي والمُتَخَصِّصة بتراثنا تُفضل اختيار مواقعها في الدول الغربيَّة طمعاً في أجواء الحريَّة والتَّنعم بالاستقرار والاستمرار وهرباً من جحيم التَّسلط الفكري في الدِّيار الإسلاميَّة. أي أنَّ عدداً كبيراً من رواد الفكر الإسلامي وغيرهم من العقول المهاجرة دفعتهم الظُّروف اليوم لاختيار الغرب كمنطلق لخدمة الإسلام أو على أقل تقدير حماية أنفسهم.
هذا ولا تلتزم المُؤَسَّسَات الغربية باحترام حقوق الآخرين في الدُّول الأخرى إلا بقدر ما يحقق منافعها التَّوسعيَّة فالتَّسلط والاستبداد السِّياسي على دول العالم تجعل مؤسَّساتهم تُسَخِّر العِلم والتِّكنولوجيا للتَّجسُّس على الدُّول المنافسة لها كالصِّين واليابان. التَّلوث البيئي، والتَّدخل في شئون الدُّول الأخرى، واحتكار الاقتصاد كلها أمثلة صارخة وصريحة لانتهاك الغرب للمواثيق الإنسانية التي تحد من نزعتهم التَّسلطيَّة. يربط الغرب الإسلام بالإرهاب في حين أنَّه ينصر السَّفاحين الصَّهاينة في فلسطين ويغض الطَّرف عن المعارك البريطانية الأيرلندية المستمرة لعشرات السِّنين لأسباب دينية، ولا يربط النَّصرانيَّة باسم هتلر وسائر سلسلة السَّفاحين، والجرائم في حق السُّود إلى اليوم تجري على يد النَّصارى "البيض" ولكن لا تربط وسائل الإعلام هذه الفظائع بين الدِّين النَّصراني وبين التَّطرف الدَّيني لأنَّها تعيش في حضارة المكاييل والموازيين المتناقضة. رغم عدم وجود تعريف عالمي لكلمة الإرهاب إلا أنها استخدمت ضد مصالح المسلمين بمناسبة وبغير مناسبة.
أما في سياساتها الدَّاخلية فإنَّ الدول الغربية تعمل على توسيع نطاق الحرِّيات نظراً لتنامي وعي ومطالب الطَّبقات الفقيرة والأقلِّيات. يقول الفنجري (1983 م) إنَّني أؤمن بالقول الأوربي المأثور "إني لا أتفق معك في الرأي ..ولكني مستعد أن أدافع حتى الموت .. عن حقك في إعلان رأيك للنَّاس" (ص، 7) وهي قاعدة لها صداها في المجتمعات الغربيَّة وممارساتهم اليوميَّة في الصُّحف ومؤسسات التَّعليم والبرلمانات. ومن الجانب الآخر لا يمكن تجاهل أمر الإفراط أو التَّفريط في مفهوم ممارسة الحرِّية فهما يجعلان من الحُّرِيَّة كُفراً، ومن النِّعمة نِقمة، ومن سلبيات الحرِّيَّة المطلقة أنها بدأت تدفع الغرب إلى الانحلال على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع وهي جِزْيَة الحرِّية المُنفلتة من أي قيد أو شرط وهي قد توازي في مساوئها حالة الكبت والقهر والتَّعسف للفكر والمفكرين في العالم العربي.
في بداية القرن الماضي وفي النَّصف الأول منه على وجه الخصوص كانت القيادة الفِكْرِيَّة في الغرب تنطلق من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا أما اليوم فإنَّ أمريكا تمثل أكبر وأهم معقل للمفكرين الغربيين وتليها في القوة الكتلة الأوربية ورغم المواقف المُتباينة بين المُعسكرين في كثير من القضايا الإستراتيجيَّة إلا أنهما يتَّفقان على تقاسم خيرات العالم وعلى ضرورة السَّيطرة الدَّائمة على مُقدَّرات وقرارات الدُّول الضَّعيفة تحت غطاء دولي. كثرة وقوة منابر الفكر الغربي اليوم تجعل من مؤسساته البحثيَّة والإعلامية مصدراً من مصادر السَّيطرة والاستبداد. لا تخضع الجامعات والمؤسَّسات الإعلاميَّة هناك لهيمنة ووصاية الدَّولة. وفي المقابل قد تستغل الحكومات الغربيَّة المُؤَسَّسَات والمراكز البحثيَّة لأغراضها الْسِّيَاسِيَّة فتتعاون على رصد أحوال الشُّعوب والدُّول وتقديم الاستشارات اللازمة لتحقيق سياسة خارجية حازمة.
في العالم الإسلامي الكثير من المؤسسات الخاصة بالبحث الْعِلْمِي ففي باكستان ما لا يقل عن 142 مؤسسة بحثيَّة وفي إندونيسيا أكثر من 70 مؤسَّسة بحثيَّة وفي تركيا أكثر من 58 مؤسَّسة بحثيَّة وكذا في مصر أكثر من 35 مؤسَّسة بحثيَّة. في العالم العربي أكثر من 250 مؤسَّسة بحثيَّة مُستقلة يعمل بها أكثر من 52,000 عامل 55% منهم حصلوا على شهادة الدُّكتوراه. ولكن هذه المؤسَّسات البحثيَّة أقل إنتاجية من مثيلاتها في الدُّول المتقدِّمة تكنولوجياً. وتشير بعض الدِّراسات إلى أنَّ الباحثين المسلمين الذين يعيشون في خارج العالم الإسلامي أكثر إنتاجيَّة عِلمياً ولهم اكتشافات عِلْميَّة مهمة (Hoodbhoy, 1995, p. 15) وذلك لتوفر المعدات التَّقنية اللاَّزمة لعمل الأبحاث، وسهولة عَمَلِيَّة الحصول على المعلومات، ووجود التَّمويل المالي الكافي، والتَّشجيع المادي والمالي والأدبي المطلوب.
أحصى أحد الباحثين 352,000 دراسة عِلْمية تمَّ عرضها عالمياً في بعض المؤتمرات الأكاديمية فوجد أنَّ 3,300 دراسة قُدِّمت من باحثين يعملون في الدُّول الإسلامية أي أنَّ مساهمة دول العالم الإسلامي اليوم أقل من 1% من مجموع الدِّراسات وفي بحثٍ آخر وجد الباحثُ أنَّ المسلمين ألَّفوا في الفيزياء 46 دراسةٍ من أصل 4,168 دراسة، وهناك 53 دراسة من أصل 5,050 دراسة في الرِّياضيات و 128 من أصل 5,375 في الكيمياء. ومن خلال فحص فهارس النَّشر العِلمي في نهاية الثّمانينات من القرن الماضي وجد الباحثُ أنَّ مصر وتركيا لهما إنتاج عِلمي يقل عن إنتاج الهند وإسرائيل (Hoodbhoy, 1995, p. 15). لا ريب في أنَّ لغة الأرقام مهمَّة ولكنها ليست قاطعة في دلالاتها فكثير من الأبحاث العِلْمِيَّة الصَّالحة للنَّشر لا يتمُّ نَشرها في المجلات العِلْمِيَّة العالمية لأنَّ الباحث يعمل في دولة من دول العالم الثاَّلث كما يُسمونها وعندما يكتب الباحث العربي بحثاً بالاشتراك مع باحث غربي من جامعة مرموقة فسرعان ما تتوفر المصداقيَّة ويتم نشر البحث.
يقول د. سعيد حارب (2001 م) "تأتي معظم الدُّول الإسـلاميَّـة في موقع متأخر من تصنــيف التَّقــارير الدُّوليــَّة الباحثــة في الشَّأن العِلمي، بل إنَّ معظم الدُّول الإسلاميَّة تُصنَّف بين دول نامية أو أقل نموًا... ولا يحظى العِلم أو البحث العِلمي بتقدير واضح لديها، إذ لا يتجاوز الإنفاق على البحث العِلمي بين 0.2% و 1.0% من النَّاتج الوطني الإجمالي للدُّول الإسلامية، بينما تنفق دول كاليابان 2.8%، والولايات المتحدة الأمريكية 7،2% من ناتجها الوطني الإجمالي على البحث العِلمِي" (باختصار). وهذا التَّقلص في الإنتاج العِلمي في العالم الإسلامي يتناقض مع تعاليم الإسلام التي تحض على البحث فلا يكفي المسلم أن يدَّعي أن دينه يشجِّع طلب العِلم وهو في الواقع في آخر الرَّكب فدليل عملي واحد خير من ألف دعوى ولا ندري ماذا سيكون تعليق المُتنبي (354 هـ = 965 م) إن سمع عن هذه الأوضاع الهزيلة فكرياً وعسكرياً فهو القائل:
|
أغايةُ الدِّينِ أن
تحفوا شواربَكم؟ |
|
يا أمةً ضحكتْ من
جهلِها الأُمَمُ؟ |
تتَّسم كثير من المُؤَسَّسَات الغربية بالاستمرارية والواقعية في إنتاجها في حين أنَّ العالم الإسلامي يُعاني من عمليات الإجهاض الدَّائم للمشاريع الرَّائدة بسبب الهزَّات الاقتصاديَّة أو الْسِّيَاسِيَّة أو نقص الخبرات التَّخَصُّصِيَّة النَّاضجة. الجمعيَّة التَّربويَّة للباحثين الأمريكيين تعقد اجتماعها السَّنوي بحضور 12000 مشاركاً ويحتوي المؤتمر السَّنوي على ما يقارب 1000فقرة علمية وتعليمية وتربوية تتضمن الأوراق العِلْمِيَّة، والمحاضرات، والمعارض، والزِّيارات للمدارس، وعقد الحلقات النِّقاشيَّة، والدَّورات التَّدريبيَّة. العضو في هذه الجمعية AERA يختار البرنامج الذي يتوافق مع اهتماماته من بين كم هائل من البدائل. في كل ساعة من أيام المؤتمر السَّنوي تُعْقَد عشرات الأنشطة العِلْمِيَّة خلال أربعة أيام متوالية. وفي كل تخصص نجد منظمات متخصصة تعقد اجتماعاتها السَّنوية بمثل هذه الطَّريقة أو بشكل أكبر.
اليوم، المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة في الدِّيار الإسلاميَّة في حاجة لمؤسسات عِلْمية بحثيَّة متينة في قيِمها، عميقة في دراساتها، قادرة على توظيف العِلم لمنفعة البشر كما أنها بحاجة إلى التَّخلص من التَّبعية الفِكْرِيَّة والتَّحرُّر من المركزية الثَّقافية الخاضعة لسيطرة الغرب.
رغم الحياة اللادينية في بلاد الغرب إلا أنَّ مظاهر الاهتمام بنشر الدِّين النَّصراني والعناية بذلك يمكن ملاحظته بوضوح. في الفترة ما بين عام 1815-2000م قام الغرب ببيع ما يقارب من أربعة بلايين نسخة من الإنجيل، ومنذ أكثر من قرن فإنَّ الحملات التي يسمونها تبشيرية قد اخترقت معظم الدُّول النَّامية باسم الإنقاذ والمساعدات الطِّبية والإنسانية والتَّعْلِيْمِيَّة. الإنجيل متوفر ب 349، 1 لغة ولهجة والعهد الجديد الخاص بالنَّصارى متوفر بلغات ولهجات محلية تفوق 897, 2 وتنفق منظمات التَّنصير ما يقارب 270 بليون دولار في السَّنة لنشر دينهم النَّصراني المُحرّف وهذا المبلغ يوازي الميزانيات السَّنوية لعدد من الدُّول العربية مُجتمعة.
في عام 1900م كانت نسبة النَّصارى في أفريقيا 2، 9% وفي آسيا 3، 2% وفي أوربا 5 ،94% وفي أمريكا اللاتينية 2, 95% وفي أمريكا الشَّمالية 6، 96% وفي عام 2000م كانت النِّسبة في أفريقيا قد تضاعفت بعد العمليات التَّنصيرية المكثَّفة لتصل إلى 9, 45% وفي آسيا 5, 8% وأوربا 8, 76 وأمريكا اللاتينية 7, 92% وأمريكا الشَّمالية 2, 84% مما يعني أنَّ الهزيمة كانت في عقر دارهم إذ بدأت الأفكار الوجودية والشُّيوعية تنتشر في صفوف النَّصارى. أمَّا عن انتشار الدِّين الإسلامي على الخارطة العالمية فإنَّنا نجد أنَّ الوضع تعرض لتغيرات كثيرة ففي عام 1900م كانت نسبة المسلمين في أفريقيا 32% فأصبحت في عام 2000 م 5, 40% وفي آسيا كانت 3, 16% فأصبحت 5, 22% وفي أوربا كانت 3, 2% فأصبحت 3, 4% وفي سائر الأماكن كانت الزِّيادة هي الأساس وإن كانت النِّسبة ضئيلة أحياناً مما يدل على القوة الذَّاتية لهذا الدِّين في الانتشار فرغم الجهود الدَّعويَّة المتواضعة التي بُذلت مقارنة بالجهود النَّصرانية المُنظَّمة والمدعومة مادياً بقوة، ورغم وقوع أغلب الدُّول الإسلاميَّة تحت نير الاحتلال البغيض إلا أنَّ انتشار الدِّين الإسلامي لم يضعف بفضل الله سُبْحَانَهُ. هذه الأرقام وغيرها جعلت الغرب يشعر بأنَّ تجاهل أمر المسلمين في السِّياسات العالميَّة طريقة غير مجدية على المستوى البعيد فالإسلام رغم جهود الأعداء الضَّخمة الضَّارية يُعدُّ أسرع الأديان انتشاراً بل له قدرة فائقة على تحدِّي أشرس العقبات مما يعنى ضرورة تغيير وتنويع محاولات السَّيطرة على المسلمين. قال اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ واصفاً جهود أولئك ومآلها "يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ {32} هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ {33}" (سُوْرَةُ التَّوبة).
على ضوء الإحصاءات العالمية التَّقديريَّة فإنَّ الإلحاد من أكثر الاعتقادات التي نمت في القرن الماضي مع تنامي الحركة الشُّيوعية في حين أنَّ الهندوسية والبوذية ظلت إلى حد ما في حجمها كما كانت من غير تغيرات كبيرة (Osting, 2001, p. 2C). في العالم اليوم أكثر من عشرة آلاف مِلَّة منها 150 ديانة يؤمن بها مليون شخص على الأقل مما يدلّ على الفوضى والحيرة الدِّينية في العالم المعاصر.
وعندما نلتفت إلى جهود الغرب في حفظ تراثه الفكري فإنَّنا نجده قد حفظه وفق أحدث وسائل التَّقنية الحديثة ذات الجودة العالية مما ساهم في تسهيل الاستفادة منه كركيزة هَامَّة للبحث العلمي. يمتلك الغرب قاعدة بيانات كبيرة مُتميِّزة تشكل أهم أساسيات البُنية التَّحتية لمؤسَّساتها وتُمَكِّن الباحثين وتزودهم في حقل البحث العِلمي بالمطلوب، وتسهِّل لهم الحصول على المعلومات بأسرع وقت، وأقل تكلفة، وأدق وسيلة. شركة مثل شركة:
Bell & Howell Information and Learning (formerly UMI))
تقوم منذ أكثر من ستين سنة بخدمة الباحثين وفي عام 2000 م بلغت الدِّراسات في تخصصات الدُّكتوراه والماجستير التي في خزائنها أكثر من مليون ونصف دراسة تُناقِش جميع العلوم العصريَّة والقديمة لمعظم دول العالم. من خلال هذه الدِّراسات المنظَّمة تقوم الشركة بنشر العلم وخدمة المعرفة كما تُساعد الشَّركة ملايين الباحثين والطُّلاب على الإطلاع عليها. وهذه الخدمة ليست سوى طرفٍ بسيط من أنشطة هذه الشَّركة التي تملك أكثر من خمسة بلايين صفحة من المعلومات التي تشمل فترة خمسمائة سنة من الإنتاج العِلمي ومُخزَّنة وموثّقة ومطبوعة بشكل عِلمي وحسب أرقى أنواع أنظمة الحفظ الإلكترونية.
تلعب المكتبات التِّجارية والعامة إلى جانب أجهزة الإعلام دوراً ضخماً في نشر الثَّقَافَة الغربيَّة. قاعدة البيانات الضَّخمة المتوفرة للباحث الغربي تتيح له فرصة كبيرة للدِّراسات التتبُّعيَّة فمثلاً الباحث في السِّياسة والإدارة الصِّحِّيَّة عندما يبحث عن الأمراض المنتشرة في إقليم معين فإنَّه بسهولة يعثر على إحصاءات دقيقة عن مدى انتشار مرض ما في مكان ما قبل عشرات السِّنين وبناءاً على تلك المعلومات يمكن رسم السِّياسات الصِّحية الوقائيَّة في تلك المناطق وفق أسس أكثر دِقَّة وأقرب إلى احتياجات الواقع.
إنَّ معدَّلات انتشار الكتب يدل على اكتساح الأوساط العامة ومدى قبول النَّاس على القراءة. الكاتبة البريطانية أغاثا كرستي Agatha Christie توفيت عام 1976م وتركت 79 قصة عن جرائم غامضة و 14 مسرحية. إلى عام 1992م أكثر من بليونين نسخة من كتبها بِيعت في الأسواق. بليون نسخة باللُّغة الإنجليزية وبليون نسخة أخرى ب 44 لغة أجنبيَّة وهو معدل لا يفوقه إلا طبعات الإنجيل وكتب شكسبير. على مستوى قصص الأطفال مثلاً نجد كتب ستينR. L. Stine المكونة من أكثر من مائة سلسلة من القصص المخيفة جاوزت في مبيعاتها 220 مليون نسخة في خلال أقل من تسع سنوات وهذه القصص بدأت في الظهور في الأسواق عام 1992م.
المتتبِّع للكتب في ميدان التَّربية وعِلم النفس والإدارة يجدها اليوم بدأت تُطبع بالملايين على مُستوى العالم بأسره وهي دلالة على رواج السِّلعة الفِكْرِيَّة في الأسواق الغربية وغيرها بغض النَّظر عن محتوياتها. في الدُّول العربية نجد أنَّ كساد الكتب من الظَّواهر الملموسة وإلى الآن لم تأخذ قوانين حقوق النِّشر والتَّأليف حقَّها من التَّطبيق في الواقع التِّجاري.
التَّقدُّم والعلم في العقل الغربي
المنظومة الفِكْرِيَّة الغربيَّة لها دلالاتها ومعانيها الخاصَّة لمفهومي التَّقدم والعلم تتلخَّص في أنَّ الغرب المادي بقيمه وقدراته هو مركز العالم وأنَّ العلم لا أساس له من غير عنصر المادَّة. ذَكر المُفكر النَّاقد د. عبدالوهاب المسيري (2001م) أنَّ مفهوم التَّقدم عندهم "يدور في إطار المرجعية المادِّية الكامنة (في عقل الإنسان والطَّبِيْعَة). وعلى الرغم من الحديث عن التَّقدم كعَمَلِيَّة لا نهائية - فإنَّه اكتسب مضموناً مادياً كمِّياً لا إنسانياً ويلخص هدف الإنسان في الكون في بضعة أهداف نهائية ذات توجه مادِّي حادّ. وأصبح الإطار الكلِّي والنَّهائي لمفهوم التَّقدم ليس الإنسان كإنسان، وإنما مقاييس ليست بالضَّرورة إنسانية مثل الإنتاجية ومعدَّلات الاستهلاك؛ ولهذا ظهرت مؤشرات على التَّقدم ومقاييسه ذات طابع مادِّي كمِّي لا تكترث بإنسانية الإنسان، مثل: عدد الهواتف – نسبة البروتين – عدد السَّيارات وسرعتها – طول الطُّرق – وهي مقاييس تركز على ما يُقاس، وأما ما لا يُقاس فقد استُبعد أو هُمِّش، وتُركِّز على العام دون الخاص؛ ولذا فهي تُسقط كل الخصوصيات الدِّينية والإنسانيَّة، وتركِّز على قياس الثَّمرة المباشرة العاجلة والمحسوسة، دون الثَّمن الآجل غير المباشر وغير الملموس. وقد أُبيدت الشُّعوب والأقليات لتحقيق نفس الهدف حتى وصلنا إلى قمَّة التَّقدم والنِّظام العالمي الجديد ونهاية الْتَّارِيْخ والإنسان، دون أي حساب للنَّتائج السَّلبية" (باختصار).
إنَّ الحضارة المادِّيَّة التي نراها تتمزق من الغرور، أَسَّسها الرَّجل الأوربي الأبيض فاحتكر العِلم واستغلّه للسَّيطرة على الآخرين. لقد فَقَدَ العِلْمُ بركة الإيمان بالله وكانت الثَّورة المعرفيَّة لأغراض مادِّية جلبت للبشريِّة مُعدّلات عالية بل خياليّة في عدد ضحايا الانتحار، وجرائم القتل، وتعاطي المُسكرات. إبادة الشُّعوب الضَّعيفة بتكنولوجيا فتَّاكة، واستنزاف الموارد الطَّبيعيَّة من نتائج الأنانيَّة للحضارات التي تظن أنها عرفت كل شيء ولكنها لم تعرف رَبَّها. الإنسان الذي يعرف رَبّه يَعْرِف دَرْبَه، ويَنْشَرح قَلْبه، ويُشْرق عَقْله، وكل عِلم يقود لهذه الحقيقة فهو عِلم جدير بالاعتبار به، والبحث عنه، والتَّفكير فيه.
مفهوم الْعِلْم في المنظور الغربي يرتبط بالمحسوسات ولا صلة كبيرة له بالجانب الرُّوحي الغيبي الذي جاء به الأنبياء. يقول علي جمعة (2001م) أنَّ المعاجم الإنجليزية وضعت "العديد من التَّعريفات لكلمة "عِلم"، وذكر على سبيل المثال:
مجموعة مُتنوعة من فروع المعرفة أو مجالات فِكْرِيَّة تشترك في جوانب معينة.
فرع من الدّراسة تلاحظ فيه الوقائع وتصنّف وتصاغ فيه القوانين الكمِّية، ويتمُّ التثبُّت منها، ويستلزم تطبيق الاستدلال الرِّياضي وتحليل المعطيات على الظَّواهر الطَّبيعيَّة.
الموضوع المنظم في المعرفة المتحقق منها، ويتضمَّن المناهج التي يتم بها تقديم هذه المعرفة والمعايير التي عن طريقها يختبر صدق المعرفة.
مجال واسع من المعرفة الإنسانية، يُكتسب بواسطة الملاحظة والتَّجربة، ويتم توضيحه عن طريق القواعد والقوانين والمبادئ والنَّظريات والفروض.
وفئات العِلم الواسعة ثلاث: العلوم الفيزيائية (مثل الفيزياء، والكيمياء، وعِلم الفلك)، والعلوم البيولوجية (مثل عِلم النَّبات، وعِلم الحيوان)، والعلوم الاجتِمَاعِيَّة (مثل الاقتصاد، والأنثربولوجيا، والسِّياسة)، بالإضافة إلى الرِّياضيات التي وإن لم تعتبر عِلماً بذاتها فإنها تعتبر أداة أساسية للعِلم" (باختصار).
مازالت المرأة في فلسفة الغرب اليوم تبحث عن سبل حفظ حقوقها رغم سراب الحرِّية الذي يَتراءى للنَّاظرين "كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا" (سُوْرَةُ النور، آية: 39). تشير الدِّراسات في أمريكا إلى أنَّ العنف في المنازل يزلزل وضع المرأة إذ تُضرب امرأة في كل 18 ثانية وتهان من قِبَل الرَّجل وفي كل عام تموت 4000 امرأة ضحية لقسوة الأزواج الذين يُفترض أن يشاركوا زوجاتهم الحب والمودة (MARONE, 1992, p. 42) . إنَّ تحرير المرأة المزعوم نشأ عندهم لعدة أسباب منها أنها ثورة على الدِّين ونتيجة للثَّورة الصِّناعية. الدِّين النَّصراني المشوه ينظر للأنثى نظرة دونيَّة وهو ما يردِّده ويقرّه أكثرهم كما أنَّ الحاجة لخروج المرأة من عقر دارها لتعمل في المصانع بدلاً من الرَّجل الذي شغلته الحروب من أهم أسباب ظهور رحلة التَّحرير البائسة أو ما يسميه الغرب بحركة تحرير المرأة.
المُفَاجَأَة التي أذهلت بعض الرَّاصدين أنَّ النِّساء يشكلن نسبة كبيرة من تعداد المسلمين في الدُّول الغربية وأنهن بدأن يحصلن على شهادات عِلمية عالية من دون التَّخلي عن الحجاب والتَّنازل عن مبادئ الإسلام وقيمه (Twair, 2001, p. 40). هذه المفاجأة بالنسبة لهم جاءت نتيجة لإيمانهم بأنَّ الإسلام ضد العِلم وضد تعليم النِّساء، وأنَّ الحجاب عائق من عوائق النَّجاح في الحياة العِلمية والعَمَلِيَّة، وأن الإسلام دين يضطهد المرأة. عندما قامت باحثة نصرانية بدراسة ميدانية شملت عينة من النِّساء الأمريكيات ممن أسلمن وتزوجن وجدت أنَّ الحقيقة هي أنَّ الغرب يؤمن بأمور غير صحيحة عن الإسلام وأنَّ المرأة المسلمة لها حياتها الكريمة في ظلال دينها (Anway, 1996).
والملاحظ أنَّ المرأة الغربية رغم الكثير من الإنجازات الماديَّة والقانونيَّة التي حقَّقتها في هذا العصر إلا أنَّ النَّظرة إليها كمادة للإثارة الجنسيَّة في الصَّحافة والإعلانات التجارية جعلتها سلعة رخيصة ضعيفة، ومن جانب آخر أصبحت ربَّة البيت لا قيمة رقميَّة لها في المعادلات الاقتصادية ففقدت حتى المكانة الاجْتِمَاعِيَّة اللاَّئقة بها. ولاشك أنَّ ابتعاد المرأة عن قلعة المنزل فيه خسارة لجميع أفراد الأسرة وقبل ذلك فعلينا أن نُدرك أنَّ الخسارة الفعلية ستكون لمستقبل المجتمع بأسره الذي يهتزّ أساسه بمجرد انهيار الأسرة. السَّبب في ذلك أنَّ الأسرة تُعطي الإنسان الحب والحنان من المهد إلى اللَّحد. إنَّ تعميق علائق المحبة والرَّحمة بين الزَّوجين فيه مدد للبنات والبنين فالذي ينمو بعيداً عن هذه المشاعر النبيلة لا يهمه زوالها ولا يكترث بفقدها وهو المحروم منها فتكثُر الجرائم، وتزيد المنكرات. وثمة ظاهرة هَامَّة يمكن رصدها ضمن قضايا المرأة وهي ظاهرة إقحام المرأة في أماكن عمل لا تناسب طبيعتها وفي ذلك ظلم لها ولقدراتها الإبداعية. المرأة الغربية نالت بعض حقوقها لأنها أصبحت قوَّة اقتصادية ضاغطة تطالب بمطالبها أما المرأة المسلمة فإنَّ تكريمها ينبع من كونها امرأة خلقها الله سُبْحَانَهُ فيجب أن تُحْتَرَم لأنَّها تستحق ذلك بغض النَّظر عن قوتها المادِّيَّة ودورها في الاقتصاد.
يتشدَّد الغرب ويتشدَّق بالدِّفاع عن حرِّيَّة الإنسان وحقوقه الديمقراطيَّة ثم لا يُطبِّقُ ذلك في الواقع. نجد مثلاً فرنسا تمنع الحجاب في مدارسها، والنِّساء، وسُود البشرة لا يصلون إلى كرسي الرِّئاسة ومن المفارقات الغريبة أنْ تصل المرأة إلى إدارة حكم أكثر من ثلاثة بلدان إسلامية والمرأة الغربية تراوح مكانها.
نالت المرأة في بريطانيا حقها في مباشرة عَمَلِيَّة البيع والشراء بنفسها من دون الحاجة إلى كتابة اسم زوجها الوصي عليها في العقود التجارية في عام 1870م (Mazrui, 2001, p. 67) في حين أنَّ المرأة المسلمة منذ فجر الْتَّارِيْخ الإسلامي تتمتع بهذا الحق حتى أنَّنا يصعب أن نجد بلداً مسلماً عبر الْتَّارِيْخ لا توجد فيه مساجد ومدارس بُنِيت صروحها من تبرُّع نساء فاضلات وذلك من كريم أموالهن وبكامل حريتهن. يَحث القرآن الكريم في أكثر من موطن المؤمنين والمؤمنات على الصَّدقة ويعدهم بالثَّواب الجزيل، والثَّناء الجميل. "القانون الإنجليزي حتى القرن التَّاسع عشر كان يبيح للرَّجل أن يبيع زوجته" (مُحَمَّد الغزالي، 1990 م، ص 65). وأبعد من هذا كله فإنَّ المرأة المسلمة العالمة كانت تُعطي الرِّجال إجازات عِلْميَّة حتى أنَّ بعض الْعُلَمَاء سجَّلوا أسماء أهم العالمات اللاتي تعلَّموا منهم. ولقد كانت فاطمة السَّمرقندية تشارك زوجها وأبيها في التَّوقيع على الفتاوى التي كانت تُنَظَّم أحوال النَّاس. وبلغت الحرِّيَّة العِلْمِيَّة إلى درجة أنَّ الواحدة منهنَّ تختار المذهب الفقهي الذي تميل إليه وإن كان غير مذهب أهل بيتها[18]، وأن تتجول في الأسواق كَمُحْتَسِبَةٍ. العِلْمُ المُقْنِع النَّافع – في فترات تاريخيَّة مُعيَّنة - رفع المرأة المسلمة إلى مواطن الشَّرف لا التَّحلل والتَّرف كما هو شأن الغرب في أحيان كثيرة فأين هي مكانة المرأة المُكرَّمة في الغرب؟
كان الغرب يرى النُّور لأول مرة عندما عرف حق المرأة المُتزوِّجة في التَّملك وفق صدور القانون البريطاني (Married Women Property Act) الذي صدر بعد النِّصف الثَّاني من القرن التَّاسع عشر (Afaneh, 2001, p. c2) ليكون بداية لكثير من الدُّول الأوربيَّة الأخرى وغيرها لنهج هذا النَّهج وإصدار مثل هذا القرار.
كانت المرأة إلى عهد قريب، وفي حضارات كثيرة، لا يُعتد بها في شئون الدُّنيا فضلاً عن أمر الدِّين، والانحراف اليوم في استغلال جسدها لا يقل خطورة عن نظراتهم القديمة المتطرفة التي لا تخلو عند بعضهم من النظر إلى المرأة على أنها مخلوقة تشبه البنيان المبني على كومة من القاذورات (Alexander & Selesnick, 1966, p 67).
إذا كانت نوال السَّعداوي تصرُّ على وصف الدِّين بأنَّه عائق أمام مسيرة تحرير المرأة فإنَّ جون اسبوزيتو في دراساته المتواصلة (Esposito 1982; 1985; 1991; 1992, 2000) يؤكد على ثراء الدِّين الإسلامي في قوانينه الشَّاملة وخاصة في ميدان الأسرة وأنَّها- كقوانين - يمكن أن تُلبي احتياجات الدٌّول الإسلامية في العصر الحاضر.
رأي بعض خبراء التّربية الغربية بمساهمات تراثنا التَّربوي
مِنَ الكُتُب التَّارِيخِيَّة الْهَامَّة كتاب "التُّرَاثُ التَّربوي الأمريكي" (Heritage of American education) كتبه مجموعة أساتذة يعملون في جامعات أمريكا. الذي يعنينا من هذا الكتاب هو الفصل الخامس منه حيث يتطرَّق إلى التَّربية الإسلاميَّة من وجهة تاريخيَّة مع بيان أثر الحضارة الإسلامية في ثقافة الغرب. يتحدَّث المؤلِّفان عن التَّربيّة الغربيَّة المعاصرة ومدى تأثُُّرِها الغير مباشر بالحضارة الإسلاميَّة. الفصل كَتَبه عالمان يعملان في حقل التَّربية الأكاديمية هما ري ميسغ ودويت ألن (Ray Muessig & Dwight Allen) واسم الفصل هو "الإسهامات الإسلاميّة للتَّربية الأمريكيّة" (Islamic contribution to American education). رغم أهمية وعمق هذه الدِّراسة فإنَّنا لم نطَّلِع على أي تَرْجَمَة عربية للفصل المذكور وفيما يلي تَرْجَمَة عامَّة موجزة فترجمنا الأفكار الرَّئيسة فيه ولم نتقيد بالتَّرجمة الحرفيَّة.
يبدأ الفصل بتقرير الحقيقة التَّالِية "إنَّ الإسلام والمصادر الشَّرقية الأخرى لها عظيم الأثر على التَّربيَّة الأمريكيَّة بشكل غير مباشر ولذلك يتم تجاهله". والمراد أنَّ التَّربية الإسلاميَّة ليست كالتُّرَاث اليوناني إذ الكل يرى الصِّلة المباشرة بين الحضارة الغربية واليونانية فالنَّقل الحر من اليونان ظاهر ومعرفة أعلام المفكرين اليونان أمر معلوم عند الغربيين. يَستَهِلّ الفصل بمجموعة كلمات مثل الجبر والقطن والسُكَّر واللَّيمون للدّلالة على أنَّ الطُّلاَب في جميع المراحل الدِّراسة في أمريكا يستخدمون يومياً كلمات أُخِذت من العرب وأنَّه لا يمكن تَصوُّر مهنة من المهن لا تتصل بعلوم المسلمين. إنَّ الصيدلي في معمله يستخدم أسماء أعشاب أصولها عربية ..ومَن مِنَّا لا يتعامل مع الأرقام التي نُقِلَت من الحضارة الإسلامية؟ وهكذا يبدأ الفصل بأنَّ المُعَلِّم في الجامعة وجميع الطُّلاَب في أمريكا بصورة أو بأخرى لا يمكنهم الهروب من تأثير التَّربية الإسلاميَّة عليهم في ميدان تخصصهم فهي عطاءات حضاريَّة موصولة لا يمكن أن تُنكر.
ثم يُؤكِّد الفصل على وجود نظرة خاطئة تأصلت عبر السِّنين في أذهان عامة النَّاس في الغرب إذ يظنون أنَّ المسلمين عاشوا في خيامهم ولم يعرفوا درب التَّقدم لهذا السبب وغيره يُقدِّم الفصل المذكور نبذه سريعة عن تاريخ الإسلام وأهم تعاليمه. يستعرض الفصل جهود الغزالي وابن خلدون والزرنوجي في حقل التَّعْلِيْم ومن الحقائق التي تناولها البحث ما يلي:
نجح النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في توليد دافعية حب العِلْم والحرص على البحث عنه وهو سبب من أسباب تطور الحضارة الإسلاميَّة التي تميَّزت بتشجيع الْعُلَمَاء.
أعظم إسهام عالمي للمسلمين هو عنايتهم بالأرقام وعلم الرِّياضيات.
كانت المساهمات الحضاريَّة الإسلاميَّة في الجانب النّظري والعملي معاً.
لمدة ثمانية قرون جعل المسلمون أسبانيا مدينة تشع بالحضارة والنّهضة في علوم كثيرة فكانت المثال الأعلى لأوربا كلّها.
على عكس جيرانهم في أوربا نجح المسلمون في الموازنة بين المثال والواقع، وبين الدِّين والعِلْمِ.
فتح الإسلام باب البحث في الرِّياضات وسمح للعلماء بعمل التَّجارب ودراسة الجغرافيا والفلسفة في حين أنَّ الغربيين المجاورين لهم لم تكن عندهم القدرة على فهم هذه المسائل ويظنون أنها خطرة.
يتضمن هدف التّربية الإسلاميَّة الموازنة بين احتياجات الروح ومُتطَلَّبات الجسد، والحث على البحث العِلْمي المبني على التَّجارب.
علاقة العالم بالمتعلم علاقة رسميَّة مبنيَّة على الاحترام ولكنها لا تخلو من المعاني الإنسانيَّة من شفقة ورحمة وإحسان.
لم يكن تعليم البنت في الكتاتيب محل التَّرحيب دائماً مثلما كان الأمر للولد.
كان الأوربيون النَّصارى يعيشون في تخلّف في حين أنَّ المسلمين عاشوا في أجواء ديمقراطيَّة تتيح للفقراء مثل الجاحظ وابن حنبل والغزالي فرصة التَّعلم والتّفوق والبروز. كانت مساعدة طالب العِلْم مادياً متوفرة للبنات والأولاد ممن يملكون القدرة العِلْمِيَّة على مواصلة العِلْم.
يشترك العاملون في المكتبات العامّة الأمريكيّة اليوم مع العاملين في المكتبات الإسلاميّة في العصور الوسطى في وظائف كثيرة. كان النَّاس يتسابقون للمكتبات بل حتى في حال السَّفر قد يأخذون كتبهم للمطالعة. كانت المكتبات فيها من شتى العلوم وفيها الكتب المُتَرْجَمَة. من المذهل حقاً أن تلعب المكتبات العامة دوراً هاماً في حياة المسلمين منذ عهد مُبكر من تاريخهم في حين أنَّ الأمم الأخرى وبعد قرون أدركت أهمية إنشاء المكتبات العامة لينتفع منها الطُّلاَب والفقراء. كانت مكتبة الحَكَم في أسبانيا - كما تشير عدة مصادر - فيها مئات الألوف من الكتب في حين أنَّه بعد 400 سنه كان في المكتبة الملكية الفرنسية أقل من ألف كتاب.
نشأت الجامعات الأوربية في حقيقتها كبذرة من بذور الحضارة الإسلامية التي كانت النَّموذج الأعلى للنِّظام التَّعْلِيْمي. من القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر كانت الجامعات الإسلامية في أسبانيا لها إسهامات عِلْمِيَّة في الفلك والرِّياضيات والفلسفة وساهمت تلك الجامعات في توفير مواد دراسيَّة متقدِّمة للطُّلاب. في بغداد كان يَتَقدَّم في سنة واحدة مئات من طلاب الطِّب للامتحان بغرض الحصول على الإجازة العلميَّة.
عندما نستعرض قائمة بأسماء النَّوابغ في الغرب أمثال البابا جربرت والفيلسوف روجر بيكون نجد معظمهم في العصور الوسطى قد استفادوا أو درسوا في البلدان الإسلامية مثل: مصر والعراق وأسبانيا وتونس والمغرب. كان الطَّالب الأوربي يدرس في تلك المدن علوم الطِّب والجراحة والكيمياء والرِّياضيات المتقدِّمة والفلك والفلسفة. كان أثر الجامعات الإسلامية واسعاً عميقاً فلقد كانت الجامعات الإسلاميَّة ديناميكية إبداعية تستقبل وتعلِّم النَّاس من أديان مختلفة ومن دون مقابل مادي. سماحة الإسلام تتجلى بعدَّة مظاهر منها قبول الطُّلاَب والمُعَلِّمين في الْمَدَاَرِس بصرف النَّظر عن حالتهم الاقتصاديَّة، أو جنسياتهم، أو دياناتهم أو أية عوامل أخرى. هذه السَّماحة نُقطة مضيئة في تاريخ التَّعْلِيْم العالي (A bright spote in the history of higher education). هذا الإسهام أسرع بالدُّول الأوربيَّة لدخول عصر النَّهضة.
أدرك القادة في الحضارة الإسلامية أهميَّة تثقيف المجتمع وعرفوا قدرة التَّربيَّة على تشكيل النَّاس وصياغتهم فاهتموا بالْمَدَاَرِس والمكتبات.
المسلمون أول مَن أسَّس الجامعات كما نعرفها اليوم وأقدم جامعة هي "بيت الحكمة" والتي أنشئت في القرن التَّاسع أي قبل ظهور بدايات الجامعات الصَّغيرة في أوربا بـ 300 سنة. أخذت أوربا من جامعات المسلمين أفكاراً رئيسة منها تنوع التَّخصُّصات داخل الجامعة الواحدة، وفتح المجال لمن يريد أن يحضر كمستمع لا منتظم في الجامعة (Auditing of courses)، وتقديم المعونة المادية للطُُّلاب المحتاجين، وتنظيم العلوم الأكاديمية.
ربَّما تكون أعظم مساهمة إسلامية للنَّظرية التَّربوية أنَّها تحرَّكت بها نحو توسيع دائرة التَّعْلِيْم ودفعه نحو العالميَّة وذلك عبر فتح أبواب الْمَدَاَرِس ليحصل على العِلْم كل من يشاء من دون مقابل مادي يدفعه. في الحضارة الإسلاميَّة كان يمكن للمعلِّمين من جنسيات مختلفة أن يعملوا بصرف النَّظر عن ألوانهم. منذ فترة طويلة وقبل لوثر وكومونيوس وبستالوزي وضع المسلمون هذه النَّظريات في دائرة العمل. الجهود الأمريكية لجيفرسون ومانز في المطالبة بتعليم العامَّة مَجَّاناً مدينة بالفضل لمثل هذه التَّطبيقات الإسلاميَّة الإنسانيَّة السَّباقة.
سبقت جهود ابن خلدون في تحديد الخطوات المنطقيّة في كيفية قيام المُعَلِّم بشرح الدَّرس في الفصل عبر خطوات مُتسلسلة تُراعي حال الطُّلاَب نظرية هربت سبنسر (1820 – 1903 م) في هذا المضمار.
عرف المسلمون طبيعة التَّربية وأنها عَمَلِيَّة مستمرة تحتاج إلى الصَّبر والمناهج المنظَّمة، والمؤسسات المتخصِّصة.
اليوم نجد المزيد من الكتب الإستشراقيَّة تمضي على نهج ري ميسغ ودويت ألن من ذكر لبعض جوانب العظمة في التَّاريخ الإسلامي. كتاب "حياة النَّبِي مُحَمَّد “ Muhammad: A Biography of the Prophet (1992) إصدار مكتبة Harprer San Francisco للمؤلفة الغربية كارن آرمسترونغ Karen Armstrong عليه بعض المآخذ وفي المقابل فيه الكثير من العبارات والنظرات الجيدة وفيما يلي نشير إلى بعض النقاط الواردة في ذلك الكتاب والتي تتعرض إلى الإسلام والتَّربية النَّبويَّة من الجانب الاجتماعي. قالت كارن آرمسترونغ:
أنا اعتقد أن مُحَمَّداً عاش موحِّداً وقدم إسهاماً متميِّزاً وثميناً للإنسانية. إذا أردنا تطبيق مبدأ العدل في حق جيراننا المسلمين فعلينا [في الغرب] أن نُقَدِّر هذه الحقيقة الأساسية ولهذا السَّبب ألفت كتابي هذا (ص15).
الكثير من كتاباتنا الغربية هي أمثلة عن الحقد القديم الذي كان مُنتشراً في العصور الوسطى ضد المسلمين وهو الطُعم الذي يبلعه كثير من المؤلفين اليوم (ص37).
اليوم يقرن المسلمون الغرب بالاستعمار الصَّليبي وهم غير مخطئين فعندما وصل الجنرال اللِّنبي إلى القدس سنة 1917م أعلن عن اكتمال الحروب الصَّليبية (ص41).
في الحقيقة إنَّ قضيَّة تحرير المرأة كانت قضية عزيزة على قلب مُحَمَّد [صلى الله عليه وسلم] (ص 191). وفي كتابها الجديد الْتَّارِيْخ المختصر للإسلام (2000م) تؤكد أيضاً كارن على أنَّ المرأة المسلمة حصلت على حقوقها المالية قبل المرأة الغربية بعدَّة قرون.
بعد أن تروى قصة الأعرابي زاهر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تقول كارن: عبر القرون في بلاد الغرب كان عندنا ميل للاعتقاد بأنَّ مُحَمَّداً شَخْصِيَّة مثيرة للاشمئزاز، وأنَّه مُحارب شرس[19]، وسياسي قاسي الفؤاد ولكنَّه في الحقيقة كان رجلاً صاحب كرم عظيم ورِقَّة في مشاعره. ثم تروي كارن آرمسترونغ قصه نبويَّة عن الرَّحمة بالحيوان وتقول "إنَّ الاحتفاظ بتدوين تلك الآثار في السُنَّة تُظهر القيم النَّبيلة الْهَامَّة في عالم المسلمين وتحكي لنا كيف تقدم المجتمع بسرعة نحو المزيد من الإنسانية والرَّحمة" (ص231).
"كان مُحَمَّدٌ [صلى الله عليه وسلم] دائماً يُساعد أهله ويقوم بخدمة نفسه بنفسه فهو يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته. كان بذلك يعلِّم المسلمين أهمية تبني الأخلاق الأكثر أَدباً واحتراماً في تعاملهم مع النِّساء والحقيقة أنَّ هذه الآثار التي نُقلت عنه حُفظت في وقت كان معظم النَّاس في معظم الدِّيانات يعتقدون أنَّ من الأشياء الفظيعة التي لا تليق به كنبي له مهام ومشاغل كثيرة عليه أن يقوم بها" ( 239-240).
وتُنهي المستشرقة كتابها بِعِدَّةِ فقرات إيجابية منها "إذا كان المسلمون بحاجة إلى فهم الغرب وعاداته ومؤسساته في هذا الوقت فإنَّ الغرب بحاجة أيضاً إلى أن يتحرَّر من بعض تحامله القديم. ولعل أفضل مكان للبدء فيه هو مع شَخْصِيَّة مُحَمَّد [صلى الله عليه وسلم]" (ص 266).
أثر الحضارة الإسلاميَّة في حضارات العالَم
تكشف التَّربية المُقارنة عن رصيد الأمم الحضاري وتدرس عناصر إنتاجياتها الأصيلة وأوجه الاقتباس والإبداع والإضافة التي قامت بها الشُّعوب في ميادين العِلْمِ والمعرفة والثَّقافة والفنون. يؤكد المتخصِّصون في أصول التَّربية الغربية اليوم على أنَّ الحضارة الإسلاميَّة التي ظهرت بداية في أرض العرب وكوَّنت ثقافة عالمية تمتاز بقدرة فائقة على هضم العلوم وإعادة صياغتها والإضافة عليها ونقلها للآخرين. هذه هي الحضارة التي تعلَّم منها الأوربيون وفيما بعد استفادت منها الثَّقافة الأمريكيَّة وشيدت من لبناتها المتينة المتماسكة صروح العلم على أراضيها. صناعة الورق تعلَّمها العرب من الصِّينيين ثم حمل المسلمون هذه الصَّنعة لأوربا. الإسهامات الواسعة للمسلمين في التَّربية لها الكثير من الأَمْثِلَة منها الثَّورة المعرفية التي قاموا بها في تطوير عِلْم الرِّياضيات والتي لعبت دوراً تعليمياً عالمياً كما يقول خبراء التَّربية الغربيَّة (Ornstein & Levine, 2000, p. 86-87, Momin, 2001).
قبل انتشار صناعة الورق في أسبانيا ومن هناك إلى سائر العواصم الأوربيَّة كانت القراطيس المصريَّة المصنوعة من ورق البردي تصل إلى بلاد الرُّوم والدُّول النَّصرانية في أوربا وعليها صورة لكلمات التَّوحيد "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ" (سُوْرَةُ آل عِمران: 18). القراطيس المصرية البردية وعليها آية التَّوحيد هي التي استخدمها البابوات ورجال الدِّين في الكنائس لفترة ليست بالقصيرة وذلك لكتابة عقائدهم. "وفي الخزائن الأوربية اليوم بعض بقايا من القراطيس البرديَّة المطرَّزة بآية التَّوحيد منها منشور البابا يوحنَّا الثَّامن كتب سنة 876 محفوظ في دار الكتب بباريس" (زيَّات، 1992، ص 70).
تهدف الفقرات التَّالِية إلى التَّعريف بطائفة من الميادين التَّربوية التي استفادت من إسهامات المسلمين الحضارية:
وضع المسلمون علم أصول الفقه كمنهج علمي أصيل للتَّفكير تمّ استنباطه من قواعد الدِّين الإسلامي ليضبط حركة الاجتهاد، وطرائق تنظيم العلاقات، وتوجيه الحركات، وتعمير الحياة وهو منهج علمي إيماني شامل لا يُضاهيه في إحاطته ودقته أي منهج عقلي وضعه الفلاسفة قديماً وحديثاً. لقد قمنا بعرض معالم منهج التَّفكير العلمي في الإسلام في هذا الفصل "مُنطلقات" فلا نحتاج لبيانه هنا مرة أخرى. تأثر الغرب بطرف من هذا المنهج وهو الجزء الخاص بعمل التَّجارب والخوض في دراسة علوم الشُّعوب الأخرى ومعرفة أهميَّة العلوم الطَّبيعيَّة.
المسلمون نقلوا وترجموا وناقشوا روائع تراث الحضارات القديمة ونجحوا في تعليمه وتسليمه للشّعوب الأخرى. كثير من تراث الحضارات القديمة ضاعت أصولها وبقيت الأصول العربية وهذه أكبر خدمة تاريخيَّة يتمتع بها المثقفون في جميع أنحاء العالم. المنهج الْعِلْمي كما مارسه المسلمون في بحثهم عن الحقيقة قادهم للانفتاح على المخزون الإنساني المذخور في علوم الحضارات الأخرى فدارت عجلة البحث عن الحكمة فأبدعت العقول في تَرْجَمَة المُهم من علوم الإغريق والفرس والهند..مع نقد مُتوازن لها، وتطوير مُبْدِع فيها، وتطبيق ميداني لمضامينها. ولولا جهود المسلمين في تحمُّل عناء التَّرْجَمَة لما سلمت للبشرية الكثير من الكنوز الفِكْرِيَّة التي ضاعت أصولها، وظلت ترجمتها العربية أحياناً كنُسخ أخيرة وصلت لنا مليئة بالحِكمة ونجت من الضَّياع. رغم أنَّ إنكار هذه الإسهامات غير ممكن إلا أنَّ الغرب عموماً يتجاهل هذه الأيادي البيضاء ولا يعترف بها أمام أبنائه. في دراسة "لجيمس لون" في قطاع التَّعْلِيْم (Loewn, 1995, p. 45) اكتشف جيمس أنَّ كل الكتب الدِّراسيَّة التي قام بفحصها في أمريكا بيَّنت له أنَّ مناهجهم الدِّراسيَّة تتغافل عن الثَّناء على عطاء الحضارة الإسلامية إذ قام المسلمون بتَرْجَمَة وحفظ الحكمة اليونانيَّة، وتطويرها عبر تدعيمها بأفكار من الصِّين، والهند، وأفريقيا ثم تمرير المحصلة العِلْمِيَّة لأوربا عبر أسبانيا. والأسوأ من هذا كما يقول الباحث جيمس أنَّ المناهج الدراسيَّة الغربيَّة في مدارسهم تُصوِّر للطّالب أنَّ التَّقدم هو الذي قام به الغرب فقط حديثاً وأنَّ المدنيَّة ظهرت مع بداية جهود الأوربيين. هذه المغالطات دفعت الباحث إلى أن ينشر كتابه تحت عنوان أكاذيب علَّمني إياها المُعَلِّم وهو من الكتب الأكثر مبيعاً.
ساعد الوعي بأهميَّة تطبيق الفنون الإدارية وتنظيم حركة الحياة في المؤسَّسات على نمو المدارس، وتطور المعاهد العلمية والعملية المُتقدِّمة، وانتشار البيمارستانات في معظم المدن الإسلاميَّة في عصور ازدهارها. ومن هنا فلا نستغرب عندما نعلم أنَّ أول مستشفى بالمعنى الحقيقي في أوربا بُنى في أوائل القرن الثَّاني عشر للميلاد في إنجلترا وقد نُقلت الفكرة عن العرب أثناء الحروب الصَّليبية. المسلمون أول من أنشأ المستشفيات التَّخصصية ونظَّموا أجنحة لكبار السِّن وأمراض الشَّيخوخة ووضعوا في كل مستشفى مطبخ كبير لإطعام المرضى (الفنجري، 2001 م). كانت المؤسسات بجميع اختصاصاتها الصِّحيَّة، والتَّعليميَّة، والاجتماعية، وغيرها لا تخلو في الغالب من قاعة كبيرة للاجتماعات العامة أو غيرها وبجانبها قاعات للكتب أو للمحاضرات فكانت ممارسة هذه الأخلاقيات الحضاريَّة من بناء المكتبات مُلحقة بالمؤسسات العامَّة أكبر هدية قدَّمتها الأمَّة المسلمة في عصور ازدهارها للبشريَّة قاطبة فتوسعت دائرة الثَّقافة والمعرفة وبدأ السَّائل والمحروم يتعلَّم العلوم. وعلى ضوء هذه الممارسات الرَّاقية التَّطبيقيَّة في ربط العلم بالحياة نشطت أوربا وقامت ببناء نهضتها فبدأت بعمليَّة الاقتباس ثم التَّطوير والإضافة.
طبَّق المسلمون ولا سيَّما الأوائل منهم معاني تدل على تحرير وتكريم المرأة فليس في تاريخ البشريَّة تراجم نسائية تُضارع ربع ما كتبه ويملكه المسلمون عن سير النِّساء الثَّقافيَّة في القرون الماضيَّة. الأدلَّة التَّارِيخِيَّة لمساهمات المرأة الماديَّة والعِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة لخدمة الْعِلْم والمعرفة أكبر شاهد صدق على ذلك. نجد في القرن الواحد والعشرين محاولات جادَّة مُضنية تقوم بها المرأة في الدِّيانات الأخرى كي تكون المرأة عالمةً دينية يَسمع لها الناس ويُسْمح لها في الفتوى وهي وظائف احتكرها "الرّجل الأبيض" في كل الدّيانات المُحَرَّفة ومنها اليهوديَّة والنَّصرانية. في المقابل قامت المرأة المسلمة مع الرّجل جنباً إلى جنب بالتّصدي لهذه المهام منذ العصر الإسلامي الأول. مارس المسلمون لمدة قرون التّعلم والتّعليم والمرأة تأخذ الإجازة (الشّهادات العِلْمِيَّة)، وتُعطي الإجازة في ميادين عِلْمِيَّة مُختلفة دون حَرج وهذا أمر لم يظهر في أي نظام تعليمي عبر الْتَّارِيْخ البشري إلا حديثاً. يكتُبُ أهل التَّاريخ في سنة 930 هـ = 1423 م أجازت زينب الشويكية الطَّالب عبدالرحمن الكِلِّسي وأَذِنَتْ له في رواية بعضٍ من مرويّاتها (ابن العماد، ج 10، ص 240). كان الرِّجال يشدُّون الرِّحال إلى الأقاليم البعيدة لأخذ الْعِلْم من النِّساء – أميرات العِلْم – في زمن كان فيه غير المسلمين يحتقرون فيه المرأة. هذه المفاخر لا يَكتب الغرب عنها كلمة حق في حين أنَّ قصة لأميرةٍ عربية قد لا تكون قصة صادقة يكتبون عنها بالتَّفاصيل، مهما ضَعف الدَّليل، وبملايين النُّسخ يبيعونها تشويهاً لصورة المسلمين، ولمبادئ الدِّين، كما هو حال كتاب جين ساسون (Sasson, 2001).
تطبيق مفهوم المساواة والتًّسامح والعدالة من أهم عوامل إزدهار الأمم. كانت مؤسسات التَّعليم الإسلاميَّة بجميع تخصصاتها هي أول من يُنادي ويُطبق مُنطلق "النّاس في العِلْمِ سواء" وهي كلمة عظيمة قالها أبو داود راوي الأحاديث النَّبويَّة. تجاوز المسلمون عقبة الحقد العنصري من كُرهِ الأبيض لأخيه الأسود. هذا الدَّاء مازال يُهدِّد إلى اليوم المُؤَسَّسَات التَّعْلِيْمِيَّة الغربيَّة فوضع طبقة السُّود وضيعة، ووضع طبقة البيض رفيعة. هذا الأمر لمسناه بأنفسنا، وشاهدناه بأعيننا في دراستنا وعملنا في الولايات المتَّحدة حيث عشنا بضعة سنين بغرض الدِّراسة. وإلى اليوم فإنَّ عُلَمَاء أصول التَّربية يشيرون إلى دور المسلمين مثل مالكم إكس في تخفيف حِدَّة هذا المرض المزمن (McNergney & Herbert, 2001, p. 152). قبل أن يطرح الغربيون فكرة "ديمقراطيَّة التَّعليم"، كانت المُؤَسَّسَات الإسلامية التَّعْلِيْمِيَّة مفتوحة أبوابها منذ أكثر من 1000 سنة لكل لون وجنس وطبقة فدرس في "المدارس الإسلامية قسطنطين الأفريقي الذي درس الطِّب في جامعة القرويين في فاس بالمغرب ثم عاد إلى بلاده وتفرَّغ لترجمة كتب الطِّب الإسلامي إلى اللاَّتينيَّة. ومنهم البابا سلفستر الثَّاني الذي قضى في أشبيلية ثلاث سنوات يدرس العلم" (فنجري، 2001 م). في الْمَدَاَرِس الإسلامية درس الفقير مع الغني مع الأسود وكان للفائقين منهم منزلة عظيمة. مجانية التَّعْلِيْم من أهم القيم الإنسانية التي مارسها المسلمون في مدارسهم ولهم فضل السَّبق في ترسيخ قواعدها وتوفيرها حتى لغير المسلمين. لقد درس في مدارس بغداد والقاهرة والأندلس طائفة من النَّصارى بالمجان.
قدَّم المسلمون مجموعة من الأسس التربويَّة والإداريَّة التَّنظيميَّة في تاريخ التَّعْلِيْم العالي والتي مازالت الجامعات إلى اليوم تستفيد منها: حرِّية المُعَلِّم في التَّدريس وحرِّية الطَّالب في اختيار الأستاذ والمادة التي يريد أن يدرسها، والتَّخصُّص الْعِلْمي المُتمثل في تعميق البحث الْعِلْمي الدَّقيق، وبناء المكتبات العامَّة، ووقف الأوقاف لدعم رواتب العاملين في الْمَدَاَرِس، وعدم الخوف من الخوض في العلوم واكتشاف الجديد وعمل التَّجارِب المعمليَّة.
أخذت لغات العالم مِن اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الكثير من المفردات التي تُستخدم في ميدان العِلْم والفنون والتَّنمية الاقتصادية. تحتوي اللّغة الإنجليزية على سبيل المثال على الأقل على عشرات الكلمات العربية الأصيلة أو التي استخدمها المسلمون وعلموها لغيرهم مثل كلمة مناخ، وقطن، وسكر، وليمون، وجبل طارق، والجبر. من الرّتب العسكرية الغربيَّة كلمة أميرال (Admiral) وهي كلمة عربية تعني أمير الماء. حزمة الورق يُقال لها رزمة أي مجموعة أوراق مضمومة بعضها إلى بعض استخدمت في الغرب بنفس المعني (Ream) (Sardar and Malik, 1997, p. 80) هذه بعض الأَمْثِلَة لكلمات إنجليزية أصلها عربي:
Alchemy, alcohol, algebra, almanac, candy, cotton, gazelle,
Gibraltar, giraffe, henna, jar, jasmine, kohl, lemon, safari, sesame, sofa,
spinach, wadi and zero.
يطلق على الأستاذ الذي بلغ مرتبة عالية chairman أي رَئِيسُ الجَلْسَةِ أو اللّجْنَةِ والتَّرْجَمَة الحرفيَّة لها "أستاذ كرسي" والعرب كانوا يقولون "للعُلَمَاء: الكراسي، مجازاً لأنَّ مكان العالِم هو الكرسي" (زاير، 1997، ص 45). وقِيل أنَّ أول من جلس على كرسي للوعظ هو يحي بن معاذ بن جعفر أبو زكريا الرَّازي المتوفى سنة 258 هـ = 871 م وكان ذلك في مصر ثم قلَّده عُلَمَاء بغداد وعُلَمَاء المدن الأخرى (الزَّبيدي، إتحاف السَّادة، ج1 ص 585، 729). قال ابن بطُُّوطة أنَّ المدرسين والمعلمين في الجامع الأموي في دمشق كانت لهم حلقات للتَّدريس في فنون العلم وأنَّ الُمحَدِّثين كانوا يجلسون على كراسي مرتفعة لتعليم طلاَّبهم علم الحديث النَّبوي الشَّريف (ص 63).
للمسلمين فضل السَّبق في تفتيق علوم ومسائل واكتشافات علميَّة جديدة مثل عِلْم العمران البشري (عِلْم الاجتماع) وفروعه مثل عِلْم الأنثروبولوجيا حيث كَتب المسلمون بتوسُّع عن وصف الشُّعوب وبيئاتهم وعاداتهم وفق أسس عِلْمِيَّة وأخلاقيات إنسانية. في عِلْم الرِّياضيات برع المسلمون بتأصيل مسائل هذا الْعِلْم ومن شدَّة ارتباط هذا الْعِلْم مازالت الأرقام المستخدمة في الغرب اليوم يسمونها الأرقام العربية عِلْماً بأنَّ المسلمين وضعوا فكرة استخدام الصفر كعدد، وحلوا مسائل ومعادلات مُتقدِّمة في الرِّياضيات.
من العلوم التي أبدعها المسلمون ولم يقلدوا بها من سبقهم عِلْم الحديث النَّبوي الذي يشهد بدقَّته حتى غير المسلمين مثل الأمريكية نابيا أبات والألماني موتزكي حتى أنَّ موتزكي في دراساته الأكاديميَّة توصل إلى فكرة صلاحية منهج المُحدِّثين وأنَّه يمكن استخدامه أحياناً في خدمة المناهج البحثيَّة المعاصرة في حقل التَّاريخ (mALEK, 1997, P. 99-102). وهو عِلْم يهتم بجمع الرِّوايات التَّارِيخِيَّة وفق ضوابط جرَّبها الْعُلَمَاء وكتبوا من أجلها مئات المجلدات التي ما زالت بين أيدينا. تفرَّع من هذا الْعِلْم عِلم المعاجم التَخَصُّصِيَّة وعلم الطَّبقات الذي لم تعرف له الشُّعوب الأخرى مثيلاً كما قال روزنثال. ومن ثمار علم الحديث أيضاً نشوء حركة تُسمَّى الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِ كما تفرَّع من عِلْمِ الحديث مناهج المحدِّثين في توثيق وقبول الرُّواة والرِّوايات. يعتقد بعض الغربيين أنَّ هذه المناهج الجيدة يمكن استخدامها إلى اليوم في عَمَلِيَّة تحقيق الرِّوايات التَّارِيخِيَّة فهو منهج عِلْمي على درجة عالية من الدِّقة. عِلْمُ الْطَّبَقاَت الذي يتتبع أعلام الْعُلَمَاء والعالمات في كل عصر على حدة من الفنون التي لم تُعرف من قبل فهو أسلوب نبع من تفكير ابتكاري إسلامي.
كانت كتابات الغزالي وابن رشد ومن قبلهما ابن سينا لعدَّة قرون مناهج دراسيَّة يتعلَّم منها الغربيون في جامعاتهم وانكب المفكِّرون الغربيون ردحاً من الزَّمن إبان العصور الوسطى إلى عصر النَّهضة يتتلمذون عليها، وينقلون منها، ولا يرون الحجَّة في غيرها. وعن أحد مشاهير نوابغ الإسلام نجد أنَّ الدَّوائر العِلْمِيَّة العالمية مثل الموسوعة البريطانية تعتبر كتاب القانون في الطِّب لابن سينا أبرز كتاب تاريخي دُرِّس في الجامعات شرقاً وغرباً لمدة مئات السِّنين. وبلغ الحال بالأوربيين إلى درجة أنَّهم كما يقول نويبرجر في كتابه عن تاريخ الطِّب إنَّ الأوربيين كانوا "ينظرون إلى كتاب القانون كأنه وحي معصوم يزيدهم إكباراً له تنسيقه المنطقي الذي لا يُعاب ومقدماته التي كانت تبدو لأبناء تلك العصور كأنها القضايا المسلمة والمقرَّرات البديهيَّة" (فضلي، 2001 م). "وعندما كانت أوربا في عصور الظَّلام.. وكان البحث العلمي يُعتبر كُفْراً والاختراع ممارسة للسِّحر والشَّعوذة والعلماء يُحَرَّقون أحياء.. كانت العلوم الإسلامية تتطوَّر بسرعة مذهلة.. ففي الطِّب اخترع المسلمون التَّخدير لأول مرة وسموه (المرقّد) واكتشفوا الدَّورة الدَّموية واخترعوا خيوط الجراحة من أمعاء الحيوانات.. واكتشفوا الكثير من الأمراض كمرض الحساسية ومرض الحصبة والأمراض النَّفسية والعَصبية. وفي علم طبِّ الأعشاب اكتشفوا ألوف النَّباتات التي لم تكن معروفة وبينوا فوائدها وقد قفز المسلمون بالجراحة قفزة هائلة ونقلوها من مرحلة (نزع السِّهام ) عند الإغريق إِلى مرحة الجراحة الدَّقيقة والجراحة التَّجميليَّة" (الفنجري، 2001 م).
من الجانب الاقتصادي فبضع كلمات نبويَّة عن فضل الصَّدقة الجارية فتحت آفاقاً رحبة وأصَّلت أبواباً واسعة في تشييد مؤسسات التَّعْلِيْم وغيرها فكانت الأوقاف الإسلاميَّة الخيريَّة والوصايا والصَّدقات من الرِّجال والنِّساء حتى أنَّ قصص السَّيدة أم المقتدر وبدر بن حسنويه ونظام الملك في دعم الحركة العلميَّة أصبحت معالم تاريخيَّة. انهمرت أموال المحسنين لتأمين التَّعليم للمُحتاجين فكانت الأوقاف والهبات من ميادين التَّنافس لرعاية الْعِلْمِ بأسلوب مُبتكر منظَّم يكفل كرامة الفقير، ويسد حاجة المجتمع، ويُحقق طموحات المُستقبل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (رواه مسلم). "قال العلماء: معنى الحديث أنَّ عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثَّواب له إلا في هذه الأشياء الثَّلاثة لكونه كان سببها، فإنَّ الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصَّدقة الجارية وهي الوقف … وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه وبيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والتَّرغيب في توريثه بالتَّعليم والتَّصنيف والإيضاح، وأنَّه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع" (صحيح مسلم بشرح النَّووي، كتاب الوصيَّة، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته).
يؤكد الفنجري (2001 م) بعد دراسة واسعة للتُّراث الإنساني على أنَّه "ولأول مرَّة في تاريخ العلم ابتدع المسلمون مبدأ تفرُّغ العلماء.. أي إجرِّاء الرِّزق الدَّائم عليهم حتى يتفرَّغوا للعلم … وهو مبدأ جاءت به تعاليم الإسلام في قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ..{122}" (سُوْرَةُ التَّوْبَةِ). ولقد ذكر ابن جبير في رحلته للمشرق الإسلامي أنَّ المتفرغ للمذاكرة والتَّدريس له وقف معلوم "جِراية معلومة" والإنسان الذي ينال مثل هذه المعونة الماليَّة عادة يبدأ يومه بعد أداء صلاة الفجر مباشرة حيث يقرأ القرآن في جماعة من رواد المسجد ثمَّ يستند إلى سَاريَةٍ[20] مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِد "ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن. وللصِّبيان أيضاً على قراءتهم جراية معلومة" (ص، 180).
التَّارِيخ الإنساني من قبل ألف سنة يُسجِّل بمداد من نور أنَّ الأوقاف كنظام اقتصادي وخيري أمدّ الحركة التَّعْلِيْمِيَّة بعناصر البقاء والرّخاء ونقولها بكل ثقة أنَّ التَّارِيخ البشري القديم كله لم يشهد حركة شعبية ضخمة لرصد الأوقاف للأغراض التَّعْلِيْمِيَّة لتأمين التَّعليم المجَّاني للمحتاجين ولقد شاركت المرأة بنصيب كبير في تمويلها مالياً وأنى لنا شواهد عالمية في هذا الباب والمرأة لم يحق لها في أغلب الحضارات القديمة وإلى عهد قريب أن تتصرف بالعقار والمال بل لم يكن لها حق التَّصرف في شئون نفسها من زواج وميراث. ومازالت النّقوش الرَّشيقة، والمنشآت الأنيقة من الآثار الباقية للمساجد والْمَدَاَرِس في الأندلس وتركيا ومصر والشَّام والهند وإيران والهند والمغرب تحكي حقيقة هذا العطاء المتميز الذي تألق وتكاتف في سبيل إتمامه الخطاطون والفنانون والمهندسون المسلمون.
لقد انتشرت الكثير من مؤسسات التَّعْلِيْم في البلاد الإسلامية حتى وصلت إلى الأندلس وسالرنو في جنوب إيطاليا، وصقلية وبعد ذلك عرف الغرب بعض آفاق التَّربية الإنسانيَّة، ومعنى التَّعْلِيْم العالي والمجاني، وأخذ بمبدأ حُرِّية البحث والابتكار العِلمي، وأهمية التَّخصص وكيفية تخريج الْعُلَمَاء ووسائل إعدادهم وفق أُسس حضارية راقية. هذا الالتقاء والاقتباس والتَّمازج الحضاري لا يمكن للغرب أن ينكره أو يتجاهله فالتَّرجمات المكثفة لكتب المسلمين مثل ابن رشد وابن سينا والرَّازي والغزالي منذ بضعة قرون من الأدلة القطعية على أنَّ الكتب الإسلاميَّة كانت المراجع الأساسيَّة والمناهج العِلْمِيَّة لجامعات الغرب لمدة عدَّة قرون حتى سُمِّي كتاب القانون في الطِّب لابن سينا بالإنجيل عند الغرب لروعته وسبقه وأصبح أكثر وأشهر كتاب طبي عرفه واستخدمه الشَّرق والغرب في الْتَّارِيْخ العالمي. مجموعة كتب علميَّة إسلامية تتلمذ عليها الغرب لعدَّة قرون ولقد كانوا يدرسونها في جامعاتهم (الفنجري، 2001 م) مثل كتاب الحاوي في الطِّب للرَّازي وكتاب التَّصريف في الجراحة للزَّهراوي، وكتاب (الجامع الكبير) في طب الأعشاب لابن البيطار، وكتب الجغرافيا للإدريسي وابن حوقل وكتاب الجبر للخوارزمي وكتاب الحيل النافعة لأولاد موسى بن شاكر، والحيل الهندسية للجزري وكتاب المناظر لابن الهيثم.
كتب سارتون – المؤرخ الغربي الشَّهير الذي تصدَّى لدراسة تاريخيَّة شاقَّة جداً في رصد تاريخ العلم عالمياً – عن عطاء الحضارة الإسلاميَّة: "كان العرب أعظم معلمين في العالم وأنَّهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النُّمو والارتقاء.. إنَّ عملية خلق حضارة جديدة ذات صفة دوليَّة وقدر موسوعي خلال أقل من قرنين من الزَّمان.. لهي من الأمور التي يتعذَّر شرحها شرحاً كاملاً.. " (الفنجري، 2001 م).
كان الغربيون يتذمرون من شغف أبنائهم المثقَّفين بحب الكتب العربية، ولأنَّهم أهملوا اللَّغة اللاَّتينية، وتركوا الافتخار بدينهم النَّصراني وأقبلوا على علوم المسلمين. عُرِفَ المسلمون بحب الْعِلْمِ والأمانةِ والتَّسامحِ والنَّظافة والعمل في الصِّناعات الْنَّافِعَة المبدعة مما جعل التَّطلع إلى فرصة التَّعامل الْعِلْمي والتجاري والاجتماعي معهم والاحتكاك بفكرهم غاية ينشدها الأوربيون لفترة طويلة من الزَّمن.
واعترافاً بفضل العلوم الإسلاميَّة الإنسانيَّة فقد تكونت في معظم الدُّول المتقدِّمة مراكز لدراسة التَّراث الإسلامي وإعادة تقييمه. وقرَّرت هيئة اليونسكو إحياء ذكرى بعض علماء المسلمين على مستوى العالم فقامت في كل من روسيا وأمريكا وفرنسا وأسبانيا احتفالات بمناسبة العيد الألفي لابن سينا وأخرى للعيد الألفي للرَّازي وذكرى ابن رشد والبيروني، وفي أمريكا أصدرت هيئة تسمية تضاريس القمر التَّابعة لأبحاث الفضاء نشرة بإطلاق أسماء بعض علماء المسلمين الرُّواد على تضاريس القمر وعلى محطات الهبوط على سطحه. تقديراً لفضلهم (الفنجري، 2001 م).
الرِّحْلَةُ العِلْميَّة في تراثنا وشبهات المستشرقين
الاستشراق حركة ثقافة واسعة لها الكثير من الايجابيات وعليها سلبيات قد تفوق ايجابياتها بكثير كما أنها حركة تنشط مع زيادة المطامع الأجنبية بالسَّيطرة على الدُّول الضَّعيفة في الشَّرق. المستشرقون هم طائفة من الباحثين غير المسلمين من تخصصات شتى ويمثلون حركة تدَّعي أنها حركة عِلْمِيَّة تدرس تراث الشَّرق بأسلوب مُنظَّم وتُشكِّك بكل أو بعض ثوابت الأديان. ومن ضمن حملات التَّشكيك أنهم ينتقدون حركة الرّحْلات العلمية في التَّاريخ الإسلامي ويربطون دوافعها بحب المال والسَّعي الدَّائب نحو المكاسب السِّياسية وأنَّها لم تكن أبداً لدوافع إنسانية ثقافيَّة نبيلة.
لم تكن الرِّحْلَة العِلْمِيَّة في طلب الْعِلْمِ في مجملها لأهداف ماديَّة ومكاسب سياسيَّة كما يزعم بعض المستشرقين بل كانت في مجملها اتِّباعاً لأوامر الشَّرع بالسَّعي في مناكب الأرض واتباعاً لمنهج السَّلف الصَّالح الّذين كانوا يدوِّنون الحديث النَّبوي الشَّريف ويتنافسون في الحصول على أسانيده العالية. "قَالَ أَحْمَد: طَلَبُ الإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ مَضَى.. كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيُشَافِهُوا الصَّحَابَةَ" (فتاوى ابن تيميَّة ج 18، 36، بتصرّف، الذَّهبي، ج11، ص 311). مثالبنا التي ينتقدنا بها الغرب هي مناقبنا التي نفتخر بها في تراثنا التَّربوي وهو الأمر الذي سنتوسع في ذكره في الفصل القادم. ومن الأدلَّة الدّاحضة لمزاعم المستشرقين الآنفة الذِّكر أن عُلَمَاءنا لم يُوَرِّثوا القصور والأموال بل تَركوا لنا ميراث الْعِلْم. وبمراجعة سيرة العظماء في تاريخنا الإسلامي نجد أنَّ الكثير من علمائنا كان يقف أمام طغيان الأمراء ولا يشتري رضاهم بسخط الله سُبحانه.
ومن قذائف الحق التي يستعين بها المؤمن في ردِّه على شبهات المستشرقين أنَّ اللُّصوص والكذَّابين لا يمكن أن يتركوا تُراثاً علمياً عميقاً ينفع النَّاس إلى يومنا هذا فكيف نظن أنَّ الرِّحْلات العِلْمِيَّة كانت لمطامع مادية؟ الكاذب قد يخدع قوماً يوماً ولكنَّه لا يخدع كلَّ النَّاس دوماً؟ يبدو أنَّ طغيان المادية يجعل بعض الغربيين يُفسِّر الْتَّارِيْخ دون الالتفات إلى المعاني الرُّوحية السَّامية أو المُسلمات العقلية الواضحة. لم يكن الْعُلَمَاء حفنة من الكذابين أو النَّفعيين أو السَّطحيين كما يمكن أن تُفسَّر كتابات جولد تسيهر وتلميذه جوزيف شاخت وليون بورشيه وغيرهم عندما يتحدثون عن اختلاق الأحاديث النَّبويَّة. ذكر الدكتور نور الدَّين عتر شبهة بعض المستشرقين في القدح بمنزلة الرِّحْلات العِلْمِيَّة في تمهيده لكتاب الرِّحْلَة في طَلَبِ الْعِلْمِِ للبغدادي كما ذكر المقدسي عن المستشرق سنوك أنَّه يعتقد أنَّ انتشار تعليم المذاهب الفقهيَّة الأربعة يعود سببه إلى عوامل جغرافيّة وسياسيّة إذ أنَّ هذه الْمَدَاَرِس حازت على رضا الأُمراء فلقد كانت تخدم مصالحهم (Makdisi, 1981, p. 4).
لقد قادهم هذا المسلك إلى تبنّي نظرية الألماني جوزيف شاخت وقوامها أنَّ تراثنا الفقهي وجهود جميع عُلَمَاء الحديث النَّبوي والحركة العلميَّة والجهود التَّعليميَّة كانت مجرد تلفيق وأنَّ تراثنا يتكون من كومة تراكمات فكريَّة لا قيمة علميَّة لها ظهرت نتيجة صراعات سياسيَّة استدعت ابتكار أحاديث وهميَّة، وبناء مسائل قانونية واهية لدعم توجُّهات الحكام عبر العصور المُتتالية وحدثت هذه الأحداث بعد سنة (104 هـ = 722 م) على حسب نظريتهم التي تكتسح الدِّراسات الأكاديميَّة الغربيَّة وآمن بها للأسف بعض المسلمين.
إذا كان بعض المستشرقين ينظرون إلى المال والغنى كوجهين لعملة واحدة فإنَّ الشَّافِعِيّ شيخ الرَّحالة يربط الغنى بالقناعة فيقول:
|
رأيتُ القناعةَ
رأسَ الغِنى |
|
فصرتُ بأذيالِها
مُتْمَسِكْ |
كيف يتزلَّف الكُّل للملوك والأمراء والسَّلاطين وفي ضميرهم صدى هذه الأبيات النَّابضة للشَّافعي:
|
إِنَّ الملوكَ
بلاءٌ حيثما حَلُّــوا |
|
فلا يكن لكَ في
أبوابِهمْ ظـــلُّ |
إنَّ من يتصفَّح سيرة سلفنا الصَّالح أمثال أئمة الفقه الأربعة يتَّضح له حتماً أنهم لم يتحوَّلوا عن مبادئهم قيد أنملة وحتى النَّفَس الأخير من أنفاسهم الزَّاكية رغم ضغوط الحياة المعيشيَّة والْسِّيَاسِيَّة. ماذا كان نتيجة ثباتهم على المبدأ؟ كانت النَّتيجة المنطقيّة أنَّهم كسبوا حبَّ النَّاس لهم، وماتوا وعلى رأسهم تيجان الكرامة، ونهل الْعُلَمَاءُ من ينابيعهم وسرى سنا الخلود في السَّماء يهتف بأسمائهم.
ومِن الأدلَّة الدَّامغة على بطلان شبهات المستشرقين في موضوع الرِّحْلات العِلْمِيَّة أنَّ كُتب الفِقه التي بين أيدينا تتعامل مع موضوع أخذ المال مقابل تعليم القرآن بحذر شديد والأصل أن يكون التَّعْلِيْم لوجه اللّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إلا إذا اقتضت ضرورات الحياة ومصلحة العمل راتباً خاصاً للمعلم. مَنْ كان يريد الدُّنيا لا ينتقد نفسه فيناقش مسائل تُدينه وتكون حُجَّة عليه بل الأجدر به أن يُطالب في كُتبه بضرورة تقديم الأموال والهدايا لعُلَمَاء الدِّين نظير جهودهم.
عجباً لأمر المستشرقين فهم يُعيبون على غيرهم ما يفعلونه هم فمن يتمعَّن في سيرتهم فإنَّه يجد الرَّجل منهم يتقلَّد المناصب، ويلهث خلف المادَّة على حساب الْعِلْمِ والحقِ والعدلِ. كثيرٌ من المستشرقين عملوا في الجيوش الغازية للدُّول الفقيرة وكانوا يُعينون المُعتدين في مخابراتهم وأبحاثهم خدمة لجشع المحتلين. هذا وِلْيَم مُوِير (ت 1323 هـ = 1905 م) مُستشرق بريطاني، أمضى جلّ حياته في خدمة الحكومة البريطانية، بالهند، ودخل البنغال وعمل في الاستخبارات، وكان سكرتيراً لحكومة الهند سنة 1865- 1868م، ثم عُيِّن مديراً لجامعة ايدنبرغ سنة 1885 – 1902 م، وكتب عن الإسلام والشُّعراء فهل كانت دراساته بحثاً عن الحق أم خدمة لفهم العدو الضَّعيف وطمعاً في مراكز أكاديمية وسياسيَّة لا تخلو من المطامع الماديّة!! دخل الإنجليز وغيرهم الأراضي الإسلامية في القرن الماضي بحجة الدِّراسات التاريخية والبحث عن آثار القدماء وكانت الحقيقة أن العلماء كانوا ينقبون عن النّفط وبعدما عرفوا الثَّروات الباطنة قاموا بتقسيم الأراضي الإسلامية، والسَّيطرة على المقدرات، وتحالفت أوربا لتحقيق مآربها. مَنْ هو الذي يحق له أن يعيب الآخر إن كنتم صادقين؟ وصدق المثل العربي الذي يقول "رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّتْ". لقد كانت رحلات معظم المستشرقين للشَّرق لإثبات بربريَّة أهل المشرق وتضخيم نقائصهم وتبرير محاولة نهب ثرواتهم أو لنشر دينهم النَّصراني المحرَّف أما اليهود فهدفهم معروف سلفاً وخلفاً.
إنَّ شبهات المستشرقين لا تصمد مع قذائف الحق وإنَّ المعايب والمثالب التي يذكرونها تتحول بفضل الله عزَّ وَجَلَّ إلى مناقب ومكاسب نفتخر بها كمنجزات مثل الرِّحْلَة في طلب الْعِلْمِ التي أثمرت عِلْماً جليلاً جديداً في سِجلِّ العلوم ألا وهو عِلْم الحديث النَّبوي الشَّريف إضافة إلى علوم أخرى. ولقد شهد بعض المستشرقين – ومعهم أدلتهم ودراساتهم - بدقَّة وصحَّة منهج أهل الحديث في جمع الأحاديث والرِّحْلَة من أجل الحفاظ عليها. إنَّ دراسات نابيا أبات وموتزكي واسبوزيتوا وغيرهم تدل على أن شبهات ليون بورشيه وسنوك لم تُقبل حتى عند المستشرقين أنفسهم.
يصدق في حق المستشرقين قول الأعشى:
|
كَناطِحٍ صَخْرةً
يوماً لِيُوهِنُهَا |
|
فَلمْ يَضرهَا
وَأَوهَى قَرْنَه الوَعِلُ |
ويمكن تلخيص أهم النقاط لتفنيد نقد المستشرقين المنكرين لعظمة دور الرِّحْلَة العِلْمِيَّة في تاريخنا بما يلي:
أسقط المستشرقون من حساباتهم أنَّ الدّين الإسلامي يحث على الرِّحْلَة والتّأمل والتّفكر وهو النَّهج الذي سار على هديه الْعُلَمَاء وطلاَّب العلم على حدٍ سواء.
اعتراف كثير من المنصفين من غير المسلمين بدور هذه الرِّحْلات في تنمية العلوم.
تدل ثمرة الرّحلات من كتب وخوانق ومدارس ومعارف على مصداقيَّة وموضوعيَّة تلك الرّحلات .
وجود بعض أو كثير من المرتزقة ممن اتخذوا الرِّحْلَة مطيّة لمطامعهم الشَخْصِيَّة الغير مشروعة لا يعني نفي كفاح أجيال وانكار كدح الآخرين فالأصل دائماً له شواذ والشَّاذ لا يشجب الأصل ولا يشغب عليه بأي حال من الأحوال.
تَدل الشَّواهد الْتَّارِيْخيَّة على حرص الْعُلَمَاء على التَّحلي بالصَّبر والصَّدع بالحق وعدم التَّملُّق للأمراء.
كل إناء بما فيه يطفح، وينضح، ويقدح، وافتراءات المستشرقين الغارقة بالمادية في حقيقتها تصوِّر أفعالهم الآثمة وتكشف نواياهم الخبيثة.
إذا كانت الرِّحْلَة لأغراض ماليَّة ونفعية غير جائزة فلِم ظهرت حركة النَّقد والتَّجريح لتقييم الرَّحَّالَة وللتَّأكد من قوة وصدق المعارف التي حصلوا عليها؟ ليس كل من ارتحل يُعْتَدُّ بعلمه بل يُمحَّص ثمَّ يُزكَّى عِلمه وفق معايير عِلْمِيَّة تجريبية معروفة. ذكر الْعُلَمَاء محاسن ابن المجبّر الكتبيّ (ت 680 هـ = 1281 م) ولكنهم ذكروا أن الْعِلْمَ الذي أخذه في رحلاته ليس دقيقاً وأنَّه لم يكن ثقة في نقله (ابن العماد، ج 7، ص 642). "تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حميد الرّازي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ[21] وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ حِينَ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلا وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلم" (ابن تيمية، الفتاوى، ج1 ص 226، بتصرّف).
مَن يسبر غَوْر[22] الكتب التُّرَاثية يعلم أنَّ الكثير من الْعُلَمَاء مثل اللَّيث بن سعد وسعد الخير أنفقوا من كريم أموالهم ولما رجعوا إلى بلادهم بادروا إلي الإنفاق على الطُّلاَب. وكان الكثير منهم من طبقة الأثرياء حتى أنّ بعضَهم أنفق معظم ما يملك لأجل طلب الْعِلْمِ. قال الذَّهبي كان "غالب السَّلف إنما يُنفقون من كسبهِم" (ج10، ص 124). وقال ابن العماد إنّ عبدالرحمن بن القاسم العتقي (ت 191 هـ = 806 م) "قد أنفق أموالاً كثيرة في طلب الْعِلْم ولزم الإمام مالك (بن أنس) مدَّة، وسأله عن دقائق الفِقه (ج2، ص 420). كانوا قبل كلَّّ شيء يجودون بالمال من أجل بلوغ مجد عِلْمِي ديني يقوم على الأدب والحكمة والعمل الصَّالح.
تدل وصايا الْعُلَمَاء والأمهات والآباء على حرص المسلمين على توديع طلاب الْعِلْم وتذيكرهم بحِلية طالب الْعِلْمِ. درج العلماء على الاسْتِيصاَءِ بِمنْ يَطْلُب الْعِلمَ فيكثرون من مجالستهم لتزويدهم بالنَّصائح الأخلاقية التي تحثُّهم على توقير العلم وتحضّهم على مكارم الأخلاق وتحذِّرهم من عاقبة التَّملُّق والنَّفاق لكسب الشُّهرة والأرزاق.
لا يمنع الإسلام السَّعي والكسب وطلب الرِّزق الحلال وإقامة علاقات قائمة على المصلحة المشروعة طالما أنَّ التّعامل لا يقوم على مساومة باطلة. لقد كان بعض الْعُلَمَاء يَقبل جوائز السُّلطان، وصِلة الإخوان دون التَّفريط بالحق. لم تكن معارضتهم للسِّياسيين إن ظهرت في بعض الأحيان من أجل المعارضة فقط، بل كانت من أجل تجلية الحق.
تستدعي بعض العلوم الرِّحلة مثل عِلْمِ الحديث الذي يعتمد على لقاء وسماع المحدّثين ليكون السّماع صادقاً والسّند مُتَّصِلاً.
اعتاد كثير من المستشرقين الرِّحْلَة للشَّرق لدراسة عادات الشّعوب وأثناء ذلك يتنعَّمون بالسَّكن في أرقى الفنادق ذات الشّهرة العالميَّة ويتنقلون عبر وسائل المواصلات المُريحة الآمنة ولكن الحال لم يكن كذلك مع علمائنا الذين تحمَّلوا أذى الطَّريق ومات منهم من مات فنهشته السِّباع، أو ضلَّ الطَّريق فمات من الجوع والعطش أو وقع في قبضة قطَّاع الطَّريق. لم تكن الرِّحْلَة سفراً سهلاً ولم يتجشَّموا مشاقّها لمجرَّد الحصول على الجوائز الماليَّة.
لقد خَرج الرِّجال في الأسفار ليأخذوا الْعِلْم من أصله وحدث أن يدخل الواحد منهم في مدينة من المدن ومعه أصحابه أو بعض أولاده ليأخذ الْعِلْمَ من النِّساءِ بل ليطلب الرَّجلُ من المرأةِ الحافظةِ العالمةِ أن تُجيزهُ في الرِّواية عنها فتُعطيه الشَّهادة إذا كان يِستحقَّها ويعود الواحد منهم إلى بلده ليُعَلِّم غيره ويقول بكل فخر كتبت عن فلانة الشَّيخة، وأجازتني فلانة المُسْنِدَة، وسمعت من فلانة العالمِة فَهَلْ كَتَبَ الْتَّارِيْخ مثيلاً لهذه الرِّحْلات الفذَّة مع ملازمة لآدابها؟ وَهَلْ كَتَبَ الْتَّارِيْخ عن الرِّحلات الواسعة، وقصصها، وثمارها العِلْمِيَّة والمعاجم والموسوعات التي كُتبت لتقييد أسماء الأعيان والبلدان؟
طلب الأمير أبو مُحَمَّد الموفق من الإمام أبي داود أن يخصِّص لأولاد الخلفاء مجلساً ليعلِّمهم لأنهم لا يريدون أن يجلسوا مع عامة النَّاس. كان رد أبي داود: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ النّاس في الْعِلْمِ سواء" (الذَّهبي، ج13، ص 216). "النَّاس في الْعِلْم سواء" مفهوم طبَّقه وعشقه وعاش له جمع كبير من علمائنا مثل مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، والْبُخَارِيّ وغيرهم فكان دأبهم وأدبهم في التَّعْلِيْم يدور في دائرة هذا المفهوم. هذا مفهوم نَبيل لم يُعرف في حياة الشُّعوب الأخرى إلا عندما بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى وثارت الثَّورات، وأُريقت الدِّماء، وطالب الفقراء والنِّساء والضُّعفاء بحقوقهم بعدما عَرفوا حقيقة "النّاس في الْعِلْمِ سَواء". مَارس المسلمون مبدأ "النّاس في الْعِلْمِ سَواء" لا بِقوة القانون وضغوط الواقع، وسُلطان اللّعبة السِّياسيَّة ولكن بسماحة تعاليم الإسلام الذي يُنادي بالمساواة، وتحريم الطُّغيان وتكريم الإنسان مهما كان لونه أو عِرقه فأين المستشرق المُنصف؟ نزل البلاء في الغرب ولمدة قرون لأن الرَّجل الغربي الأبيض ظَنَّ أنَّ التَّعْلِيْمَ من حقوق طبقة الأثرياء فقط ولم يَعلمْ أنَّ النَّاس في الْعِلْمِ سَواء.
لقد قُلنا إنَّ الباحث المسلم عليه في مجال تَخَصّصه أنْ يَرُدَّ على مَزاعم المُستشرقِين ويُفنِّد شُبهاتهم وهو ما فعلناه هنا لنُثبت أنَّ شُبهاتهم الواهية لا تصمد أمام قذائف الحق لأنَّها مُتهافتة "كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ {41}" (سُوْرَةُ العَنكبوت).