]الفَصْلُ الخَامِس: مُناقشات[

 

من كتاب تراثنا التربوي : ننطلق منه ولا ننغلق فيه

تأليف د. بدر محمد  ملك     د. لطيفة حسين الكندري

الإمام الشَّافِعِيّ. 3

أبو حامد الغزالي. 51

الآراء التربوية لابن خلدون. 111


الإمام الشَّافِعِيّ

(150-204 هـ = 767 – 820 م)

صَاحب السَّبق التَّربوي

 

مَكانة الشَّافعي في مِيزان الِعلم

جمع الإمام الشَّافِعِيّ خِصال الخير فصار الإمام القدوة عبر القرون. لا جدال في أنَّ الإمام الشافِعِي رحمه الله تعالى إمام يشهد بسعة علمه، وعمق فهمه الأئمة من أولي العلم قديماً وحديثاً في ميادين مُختلفة من العلم، وما زالت مُؤلفاته وتوجيهاته ملء سمع وبصر وفؤاد العلماء لا سيِّما في حقل الفقه وأصوله.

هو الفقيه المفسِّر المحدِّث الشَّاعر المؤلِّف اللُّغوي المربِّي: (أبو عبد اللّه) محمد بن إدريس بن العباس يجتمع نسبه مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. الشَّافعي مُجدِّد القرن الثََّاني الهِجري وهو أحد أعلام الإسلام وناصر السُّنَّة النَّبوية. إنَّه إمام ربَّاني ملأ طِباق الأرض عِلماً وفضلاً وتعليماً. هو ثالث الأئمة الأربعة الفقهاء أصحاب المذاهب المتَّبعة، وكان رأساً في العلم والفهم، وإماماً في الزُّهد والورع. يرى كثير من العلماء أنَّ الشَّافِعِيّ مُجدِّد القرن الثَّاني وأنَّه المقصود بالحديث النَّبوي الشَّريف: "اللّهم اهد قريشاً فإنَّ عالمها يملأ طِباق الأرض عِلماً". قال العلماءُ لقد اجتمع في الشَّافِعِيّ من العلوم ما لم يجتمع لغيره فهو أول من دوَّن في علم أصول الفقه.

تقوم فلسفة التَّربية عند الشَّافِعِيّ على أساس أنَّ العِلم النَّافع هو الذي يستطيع أن يُحقِّق السَّعادة للإنسان من جهة،  والاستقرار للإنسانية من جهة أخرى لأنَّ العِلم في الإسلام عبادة وعدالة. العلمُ النَّافع والتَّعليم المفيد هو الذي يزيد قلب المسلم نوراً، وسلوك الإنسان عَدلاً، وأخلاقه حُسناً. لقد صاغ الشَّافِعِيّ منهجه التَّربوي وبدأ بتربية الفرد من الباطن إذ أنَّ التَّغيير الفعلي يَبدأ من داخل الفرد وذلك حينما يتحمَّل الإنسان تبعات أعماله ويتعاهد نفسه بالمراقبة الواعية والتَّزكية الدَّائمة.

عاش رحمه الله في العصر العباسي الأول في القرن الثَّاني الهجري وعاصر هارون الرّشيد والتقى به. ولد سنة (150 هـ ) بِغَزَّة وقيل بعسقلان[111] وانتقل إلى مكة المكرَّمة وهو ابن سنتين فنشأ بها يتيماً مع أُمِّهِ وقدم بغداد سنة (195) هـ ثم خرج إلى مكة ثم عاد إلى بغداد سنة (198) هـ ثم خرج إلى مصر سنة (199) هـ وقيل (201 هـ) ولم يزل بها إلى أن توفى سنة (204 هـ). ورغم أنَّه مات مُبكراً عن أربعة وخمسين عاماً فقد خلَّف موسوعة فقهية تنظِّم حياة الفرد والمجتمع في ظل الإطار الإسلامي الصَّحيح.

حَفِظَ الشافعي مُنذ صِغره كتاب الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ عن ظهر قلب وتعلَّم اللُّغَة الْعَرَبِيَّة مِن قَبيلة هذيل وتعلَُّم الحديث النَّبوي الشَّريف من مالك بن أنس في المدينة المنورة وأخذ الفِقه من شيخ الحرم المكي مسلم بن خالد الزنجي.

 وقد أطنب المؤرخون في تواريخهم، والمحدِّثون في تواليفهم، والزُّهاد في تَصانيفهم، والكُتاب في رسائلهم، والشُّعراء في دَواوينهم في ذكر ترجمته والثَّناء عليه. قال أبو عبيد اللّه القاسم بن سلام: ما رأيت رَجُلاً قط أكمل من الشَّافِعِيّ وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: قلتُ لأبي أي رَجُلٍ كان الشَّافِعِيّ فإنِّي سمعتك تُكثر الدُّعاء له؟ فقال: "يا بُني كان الشَّافِعِيّ كالشَّمس للدُّنيا وكالعافية للبدن هل لهذين من خَلَف أو عنهما من عوض ". وقال: "ما أحدٌ مَسَّ مِحبرةً، ولا قَلماً، إلا وللشَّافعي في عُنقه مِنَّةٌ" (الذَّهبي، ج10، 49).

كانت حلقة الشَّافِعِيّ في مسجد عمرو بن العاص في مصر من أهم الحلقات العِلْمِيَّة وهناك أملى على طلابه الكثير من عِلمه فدوَّنوه ونشروه في الآفاق. كتاب الأم في الفِقه والرِّسالة في أصول الفقه للشّافعي من أشهر الكُتب الإسلاميَّة في أيدي العلماء قديماً وحديثاً. قال الأصمعي "صَحَّحت أشعار هذيل على فتى من قريش يُقال له محمد بن إدريس". حَفِظ الشَّافعي من جيد الشِّعر قصائد لا تُحصر وكانت زاده في الغوص على المعاني اللّغوية واستنباط الفوائد الدَّقيقة. 

يحفظ مُعظم المُسلمين العرب في كل زمان بعض شِعره الشافعي أو نثره. بعض كلماته التي قالها أو قالها غيرُه ثمَّ ردَّدها هو في دُروسه أصبحت من بعده حِكَماً يحفظها كثير من المسلمين عبر القرون وهي في الذِّرْوَةِ العُلْيَا من حيث المباني والمعاني. مثل قوله "دع الأيام تفعل ما تشاء .." "من طلب العلا سهر اللَّيالي".. "اطلب العلم ولو في الصِّين[112]".."ما حك جلدك مثل ظفرك".."سافر ففي الأسفار خمس فوائد.." "وعين الرِّضا عن كل عيب كليلة" "نُعيب زماننا والعيب فينا.." "أُحبُ الصَّالحين ولست منهم.." "إنَّ المحب لمن يحب مطيع" "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها*** فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرج.."الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق، وإلا شغلتك بالباطل" "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.." "تموتُ الأُسدُ في الغاباتِ جُوعاً *** ولَحْمُ الضَّأنِ تأكلُهُ الكِلاب.." "إنَّ العِلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصي".

تقول الباحِثة درية العيطة (2001 م) "قد آتى اللّه الشَّافعي حَظاً من المواهب يجعله في الذروة الأولى من قادة الفكر... فقد قيل: "مع الشَّافعي نصف عقل أهل الدُّنيا" وكان حاضر البديهة، عميق الفِكرة، بعيد المدى في الفهم، فكانت دراسته طلباً للكليات والنظريات العامة. وكان قوي البيان واضح التَّعبير، أُوتي مع فصاحة لِسانه وبلاغة بيانه صوتاً عميق التَّأثير يُعبِّر بنبراته، وقد سماه ابن راهويه: خطيب العلماء. وكان نافذ البصيرة في نفوس النَّاس، قوي الفراسة، كشيخه مالك، في معرفة أحوال الرِّجال وما تطيقه نفوسهم، وكان هذا سبباً في أن التف حوله أكبر عدد من الأصحاب والتَّلاميذ وكان صافي النَّفس من أدران الدُّنيا وشوائبها، لذلك كان مخلصاً في طلب الحق والمعرفة، يطلب العلم للّه، ويتجه في طلبه إلى الطَّريق المستقيم، فإذا اصطدم إخلاصه مع ما يألفه النَّاس من آراء أعلن آراءه في جرأة وقوة" (بتصرف).

 

الشَّافِعِيّ صاحب سَبق تربوي

إنَّ الشَّافِعِيّ لا يملك مُجرَّد نظرات تربوية ولكنه أصَّل نظريات صادقة تستحق أن تجعله صاحب صدارة. عندما قام الباحثون العرب بالكتابة عن أصول التَّربية وتطور الفِكر التَّربوي في بداية القرن السَّابق بقصد أو عن جهل ولأسباب عَلمانية (لا دينية) أبعدوا الإسلام عن التَّربية وعوضاً عن ذلك فإنَّ الافتتان بالتُّرَاث الغربي جعل الكثير من رواد التَّربية المعاصرة يبتعدون عن دراسة جهابذة الفِكر الإسلامي مما أسهم في إقصاء أمثال الشَّافِعِيّ.

لقد استفاد من تراث الشَّافِعِيّ واقتبس منه العلماءُ عبر العصور فأضحت أفكاره أساساً ونبراساً لِرواد التَّربية الإسلامية أمثال الغزالي وابن خلدون وابن جماعة وغيرهم كثير.

دوَّن الشَّافِعِيّ علم أصول الفقه وحدَّد معالمه وأُسسه كعلم مستقل. علم أصول الفقه  هو: «معرفة القواعد الشَّاملة التي توصل القاصدين إلى استنباط الأحكام من أدلتها التَّفصيلية» ولقد أورد العلماء تعريف الإمام الشافعي لعلم أصول الفقه ونصه كما ذكره البيضاوي في منهاج الوصول: "معرفة دلائل الفِقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد (الحبش، 2001 م).

يروي الأستاذ أنور الجندي (1996 م) في كتابه قضايا الأدب والثَّقَافَة والفن عن مصطفى عبدالرزاق قوله "إنَّ الإمام الشَّافِعِيّ واضع علم أصول الفقه هو أول الفلاسفة في الإسلام وأنَّ مقامه في العربية هو بمثابة أرسطو في اليونانيّة" (ص 393). الحاجة ماسة إلى دراسات مُتعمِّقة تُبين دور الأصوليين في بناء العقلية المنهجية التي ساهمت في بناء الثََّقَافَة المُنتجة، وصناعة الحضارة المُسلمة.

لقد تكلّم الشَّافِعِيّ عن العلم والمُعَلِّم والمتعلِّم ووسائل التَّربية وبذلك لمس أهم مَحاور التَّربية وفق نظرة إسلامية صافية صادقة لم يشوبها الغلو أو التَّقصير فجاءت أفكاره لتُعبر عن التَّربية الإسلاميَّة كنظرية وتطبيق، وكعقيدة وشريعة.  هذه الأسباب وغيرها تجعل بعض الباحثين يميلون إلى اعتبار الشَّافِعِيّ رحمه الله تعالى صاحب سبق في الميدان التَّربوي.

بدأت قصة بدر ملك مع تراث الشَّافِعِيّ رحمه الله تعالى عندما كتب بحثاً -وهو طالب يدرس في جامعة الكويت بكلِّية التَّربية - بعنوان "الآراء التَّربوية في ديوان الإمام الشَّافِعِيّ" وتمَّ تسليمه في يوم الثلاثاء 21 ربيع الآخر 1407 هـ الموافق 23 ديسمبر 1986م للدكتور محمد ناصر[113] الذي كتب على غلاف البحث "بحث جيد يا حبذا لو أعدتَ النَّظر فيه وجعلته صالحاً للنَّشر في مجلة تربوية أو ثقافية". بدأ بدر منذ تلك الفترة في القراءة المتأنية لتراث الشَّافِعِيّ.

قام بدر ملك بتأليف كتاب "السَّبق التَربوي في فكر الشَّافِعِيّ" بالاشتراك مع فضيلة الشَّيخ خليل محمد أبو طالب ونُشر عام 1409 هـ = 1989م. ولقد قال عنه د. عجيل النَّشمي-العميد السَّابق لكلية الشَّريعة في جامعة الكويت – في تقديمه للكتاب "إنَّه لم يخطر بالبال أو يجرى في الخاطر، أنََّ إمامنا [الشَّافِعِيّ] له في علم التَّربية مدخل، بله أن يكون له سبق في قضاياه ومسائله ونظرياته. واعتبرت لأول وهلة إنَّ هذه دعوى يصعب تحقيقها وإثباتها فبدأت بقراءة الكتاب وأخذت أتنقل في ثناياه التَّربوية خاصة، فتكشف لي أنَّ الدَّعوى لها سند من الثُُّبوت والصّحة، فأجللت الإمام وأكبرته وأيقنت أنَّ اللهَ حباه من الخير ما لم يَحْب غيره، وأنَّه مازال كالشَّمس للدُّنيا حقاً، وعافية للأبدان صِدقاً، فما من عالِم سِلف زمانه إلا تحررت مسائله ونفذت بضاعته، والإمام الشَّافِعِيّ مازال الباحثون يكتشفون فريد درره، وجميل صنعه". 

عرض الأستاذ خليفة عبدالله التُّونسي الكتاب في مُجلة البلاغ لِعِدَّة حلقات واعتبره مُحاولة من المحاولات الجادَّة لأسلمة العلوم وإبراز عظمة العطاء الإسلامي (مجلة البلاغ 1989م-عدد 1001-ص27). استفتح التُّونسي المقال بقوله "لماذا نُربي أجيالنا على موائد الغرب وتراثنا يكتظ بالعطاء الذي استوعب حضارات الأرض العظمى في نهر حضارته الدَّافق" (ص 27). أما الأستاذة الفاضلة والمُربية الكريمة: نسيبة عبدالعزيز المطوع (1993 م) فقد عَملت على استثمار الكتاب في المجال النَّظري والعملي على حد سواء ففي كتابها "رؤية لمنهج تربوي اجتماعي ثقافي إسلامي" وفي الجزء الخامس نشرت كتاب "مُستحقات طالب العلم" ذكرت في مُقدِّمته أنَّها استعانت في بلورته على كتاب السَّبق التَّربوي في فِكر الإمام الشَّافِعِيّ كمرجع أساسي لأنَّها "وجدت أهمية تربوية كبيرة في هذا المرجع الطَّيب وقبول ممتاز من الحاضرين (أي لدوراتها التّدريبية)..". استخدَمت الباحثة الفاضلة كتاب السَّبق في دوراتها التَّدريبية للأمهات، وفي مقالاتها، وقامت بتلخيصه وإضافة بعض الشَّواهد والأفكار عليه. قامت اللَّجنة الإستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشَّريعة الإسلامية في الكويت بنشر كتاب نُسيبة المطوع.    

تجلت عظمة الشَّافِعِيّ في منهجه في الجمع بين مدرستي النَّقل والعقل ولقد أكَّد كثير من العلماء على وجود الجفوة بين أنصار المدرستين حتى جاء الإمام الشَّافِعِيّ فجمع بينهما ومزج منهجه بينهما في الاجتهاد.

لقد جاءت آراء الشَّافِعِيّ عربية إسلامية لم تدخلها شبهات أهل الكلام ولا زلات التُّرَاث اليوناني وكما قال الإمام الذَّهبي فإنَّ كتب أرسطوطاليس لم تكن عُرِّبت بعد البتة (ج10، ص 74). يتجلى السَّبق التَّربوي عند الشَّافِعِيّ بعدّة مظاهر ومنها أنَّ الشَّافِعِيّ يمثل الفكر الإسلامي الأصيل الذي لم يكن ردَّة فعل للفلسفات السَّائدة بخلاف ابن مسكويه وابن سينا والغزالي وغيرهم من أعلام التَّربية الإسلامية الذين بشكل أو بآخر تأثَّروا ببعض أو كثير من التُّرَاث اليوناني بسلبياته وإيجابياته. لقد سَلِم تُراث الشَّافِعِيّ من شَطحات غلاة الْصُّوْفِيَّة وحكاياتهم كما سَلِم تُراثه من كدر المذاهب العقدية الباطنيَّة التي شرب منها إخوان الصَّفا كما سلم تُراثه من غموض الفلسفة فجاء تُراث الشَّافِعِيّ ليمثِّل التَّربية الإسلامية بصدق وصفاء لأنَّه نَهل من نبع  المصادر الأصيلة.

درس العلامة أحمد محمد شاكر فقه الأئمة رحمهم الله ووصل إلى قناعة ذكرها في مقدِّمة كتاب الرِّسالة وقال إنَّ الشَّافِعِيّ لم يظهر مثله في علماء الإسلام في فهم القرآن والسُّنّة، حتى سما عن كل عالِم قبله وبعده. لقد اتسم تراث الشَّافِعِيّ بسعة المذهب، ودِقَّة المنهج. الإمام النَّووي في كتابه المجموع: شرح المهذب وصف الشَّافِعِيّ بأنَّه "ابتكر كُتباً لم يُسبق إليها منها أصول الفقه" وقال النَّووي أيضا عن كتاب الأم "وكم من مناظرة وقاعدة فيه يقطع كل من وقف عليها وأنصف وصدق أنَّه لم يُسبق إليها".

نجح الإمام الشَّافِعِيّ في بث أفكاره التَّربوية شِعراً ونثراً فحفظها الصِّغار قبل الكِبار، وتعلَّق بها العامَّة كما تعمَّق بها الخاصة وهذا فضل من الله وحده. الإمام صاحب سبق فهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال أنَّ غيره لم تكن لهم مساهمات، فالشَّافِعِيّ منذ قرون عُرِف بأنَّه أول من أصَّل علم أصول الفقه وهذا لا يعني أنَّ سائر العلماء لم يكن لهم أي نصيب. المراد أنَّ الإمام أول من جمع ذلك الفن بعد أن كان مبثوثاً هنا وهناك ففصل في المجمل وشرح الغامض، وحرّر المنهج. وكذا الحال مع سَبقه التَّربوي فهو قرين الصلة بتدوين أصول الفقه والتربية الإسلامية تستمد من علم  أصول الفقه مناهج الاجتهاد والبحث عن المعرف لأنََّ أصول الفقه هو الذي يُنظِّم بقواعده عملية الفِقه والفهم والاجتهاد  للكتاب والسنة فوضع بذلك منهج التفكير العلمي في الإسلام[114]. يقوم علم أصول الفقه على الوحيين -الكتاب والسُّنَّة- وكذا التَّربية الإسلامية وعليه فإذا كان الشَّافِعِيّ واضع علم الأصول فإنَّ ما يتفرع من هذا التَّصور الصَّحيح الصَّريح أنَّه صاحب سبق في التَّربية الإسلامية المنضبطة بالكتاب والسُّنَّة لأنَّ التَّربية الإسلاميَّة لا تقوم من دونهما أبداً ولأنَّ الفِقه التَّربوي ثمرة من ثمرات الاجتهاد للوصول للأحكام وهذا صُلب أصول الفقه بمعناه الواسع.

 

شُيوخه وطُلابه

خَصَّ الله عزَّ وجلَّ الإمام الشَّافِعِيّ بمعلمين هم أئمة زمانه، وجهابذة الإسلام في تاريخه المجيد وعلى رأسهم الألمعي مالك ابن أنس عالم المدينة. وفيما يلي نُبذة سريعة عن اثنين من أشياخه وهما وكيع بن الجراح، ومسلم بن خالد الزنجي مع الإشارة إلى بعض اللَّطائف التي تعلم منهما الإمام الشَّافِعِيّ.

وكيع بن الجراح بن مليح الرّؤَاسِيّ أبو سفيان الكوفي الحافظ. الإمام الحنفي الزَّاهد مُحَدِّث العراق. قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ منه وعُرِض عليه القضاء فامتنع منه وكان يَنصح بقراءة تَصانيف وكيع. ومن عبارات وَكيع التَّعْلِيْمِية: زكاة الفطرة لشهر رمضان كسجدة السَّهو للصَّلاة تَجبر نقصان الصُّوم كما يجبر السُّجود نقصان الصَّلاة. وقال: لا ينبل الرَّجل (أي يُصبح مِن النُّبلاء) من أصحاب الحديث حتى يَكتب عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه، وليس بموفق من ضيَّع شيئاً من وقته في الاستكثار من الشُّيوخ، لمجرد اسم الكَثرة وصيتها. توفى رحمه الله سنة 197هـ سبع وتسعين ومائة. "العلم نور": كلمتان عظيمتان وهما من أهم ما انتفع به الشَّافعي من معلمه وكيع الذي أرشد السَّالكين إلى ضرورة تطهير القلوب وترك الذُُّنوب.

مسلم بن خالد الزنجي فقيه مشهور في زمانه وإمام أهل مكة ومفتيهم. قال الزنجي لتلميذه الشَّافِعِيّ بعد أن استوفى تحصيله، وأكمل دراسته  وقبل أن يبلغ سن العشرين: "أفت يا أبا عبد اللّه، فَقَد واللّه آن لك أنْ تُفتي" وهذه الصِّيغة هي صِيغة من صِيغ الإجازة العامَّة التي يحصل عليها الطََّالب في نهاية عملية التَّحصيل الدِّراسي في تلك الأيام. وقد كان الشَّافِعِيّ في يوم من الأيام مريضاً واشتدَّ الألمُ فقال: اللَّهم إنَّ كان في هذا رضاك فزدني، فقال له شيخه مسلم بن خالد الزنجي: مه يا محمد لست أنا ولا أنت من رجال البلاء". توفي سنة 180هـ.

من أشهر تلاميذ الشَّافِعِيّ: البويطي، والرَّبيع بن سليمان المرادي.

أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه المرِّبي. كان البويطي مُعلماً مبشراً ميسراً لطلابه إذ يدنيهم ويقربهم ويعرفهم فضل الإمام الكبير أبي عبدالله الشَّافِعِيّ وفضل كتبه ويحضَّهم على الاشتغال ويعاملهم بأحسن المعاملة. قال الشَّافِعِيّ: "ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه". مات البويطي سنة 241 هـ = 855 م في سجن الخليفة الواثق في فِتنة القول بخلق القرآن وكان مُثْقَلاً بالحديد وكان يتمنى في كل أسبوع أن يذهب إلى صلاة الجمعة في الجامع فيمنعه الحرس.

الرَّبيع بن سليمان المرادي المؤذن المتوفي سنة 270 هـ = 883 م هو راوية كتب الشَّافِعِيّ ولازم الشَّافِعِيّ مُدَّةٍ أهَّلته للأخذ عنه كثيراً وبث هذا العلم بين النَّاس حتى أنَّ طلاب العلم كانوا يأتون إليه بعد وفاة الشَّافِعِيّ من أقطار بعيدة ليأخذوا منه علم أُستاذه الشَّافِعِيّ الذي بفراسته توقع أن يكون الرَّبيع المرادي راوية كُتبه.

 

مَنهج الشَّافِعِيّ فِي التَّأليف

المتأمل لكتب الشَّافِعِيّ يجدها مبنية على أسلوب علمي رصين لأنها تعتمد على التَّوثيق الدَّقيق للأخبار وشرح الكلمات الغامضة في كل موضوع يطرحه كما أنَّه يذكر آراء المتّنوعة في المسألة الواحدة ثم يقوم بتبني الرَّأي الذي يراه صواباً مع بيان سبب التَّرجيح. في الرِّسالة نجده يُكثر من أُسلوب الحوار السُّقراطي في بيان آرائه  فيلجأ إلى أسلوب إثارة الأسئلة.

وعن توثيق المعلومات يقول عن كِتابه الرِّسالة "قال "الشَّافِعِيّ" وكل حديث كتبته منقطعاً، فقد سمعته مُتَّصلاً أو مشهوراً عن من رُوي عنه بنقل عامةٍ من أهل العلم يعرفونه عن عامةٍ، ولكني كرهت وَضع حديثٍ لا أتَّقنه حِفظاً، وغاب عني بعض كتبي، وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظتُ، فاختصرت خوف طول الكتاب، فأتيت ببعض ما فيه الكفايةُ ..".

 يرى الشَّافِعِيّ أن الإطالة في الحديث والشَّرح يُناسب المواعظ أما الدُّروس العِلْمِيَّة فالأصل فيها الإيجاز لا الإطناب. يتَّفق الباحثون على أنَّ كتاب الرِّسالة للشَّافعي أساس علم أصول الفقة وكتابه الأم مرجع قانوني هام ومستودع فقهي غني.

 

العوامل التي ساهمت في نبوغه العِلمي

مواهبه وصفاته الخاصة. لقد كان الشَّافِعِيّ صاحب حافظة نادرة تلتقط العلوم بدقَّة وتحفظها بأمانة كما أنه عُرِف بمواهبه في ميدان الخطابة والحوار إذ تجري الأفكار والأخبار على لسانه دون تكلف. عندما كان إمامنا الشَّافِعِيّ يتعلَّم في الكُتّاب لم يجد من المال ما يُعطي المُعَلِّم لفقره وفي مقابل ذلك كان ينوب المُعَلِّم إذا غاب ولم يأذن المُعَلِّم لتلميذه الشَّافِعِيّ أن يخلفه في الدرس إلا عندما رأى سرعة وجودة حِفظه فما أن يملي المُعَلِّم على التَّلاميذ أو يُلقن أحدهم شيئاً إلا والشَّافِعِيّ قد أتمَّ الحِفظ.

من أهم صفات الشَّافِعِيّ الشَّخصية حِرصه البالغ على اغتنام الأوقات بما ينفع، واجتهاده الدَّائم في تحصيل العلم والمثابرة على القراءة والبحث والسُّؤال. إنَّ المُتتبع لسيرة العظماء شرقاً وغرباً سوف يلاحظ أنَّ المثابرة والجد من أهم عوامل نجاح العلماء حديثاً وقديماً. ومن رَوائع كلام أبي حنيفة النُّعمان قوله "وكن ذا همة فإنَّ من ضعفت هِمَّته ضعفت منزلته". قال الحسين بن المنصور بالله (2001 م)  "قال المزني سمعت الشَّافِعِيّ يقول: سُئل بعض السَّلف، ما بلغ من اشتغالك بالعلم؟ قال: هو سلوتي إذا اهتممت، ولذتي إذا سلوت".

 كانت أُسرته تُحِب العلم وتعتني به. في كتابه الرِّسالة نجد الشَّافِعِيّ يروي بعض الأحاديث النَّبوية الشَّريفة التي أخذها عن عمّه فيقول أخبرني عمي محمد بن على بن شافع عن ابن شهاب كذا وكذا. ولقد لعبت والدته دوراً كبيراً في تربيته وكانت ضليعة بفطرتها في فهم القرآن الكريم وحرصت على تحفيظ ولدها اليتيم الفقير كتاب الله عزَّ وجلَّ منذ الصِّغر. وأمه يمانية من الأزد وكانت من أذكى الخلق فطرة وعُرفت بُسرعة البديهة والتَّمكن في الحوار والنِّقاش.

ومن المواقف النَّادرة ما حكاه الشَّافِعِيّ عن أمه أنها شهدت عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى، فأراد أن يفرق بينهما امتحاناً فقالت له أم الشَّافِعِيّ: ليس لك ذلك، لأنَّ الله تعالى يقول: "أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى" (سُوْرَةُ البقرة: 282) .

ترعرع الشَّافِعِيّ كعادة العرب في كنف الطَّبيعة فعاش في قبيلة هُذَيْل إذ أرسلته أمه في صغره إلى أحضان البادية كي يشبّ قوياً في بدنه، حرّاً في روحه، جزلاً في بيانه، يستوحي من جمال الطبَّيعة الفطرة السَّوية فتلقى العربيَّة النَّقية وعَشق فنونَها إلى أن أصبح حُجة فيها. قال العلماء من تعلَّق بشيء من بيان الشافعي صار محجاجاً والكلمة إذا وردت في كل الشافعي فهي حُجة مقبولة عند أهل اللغة لأنَّ كلماته كلّها عربية فصيحة صالحة للاحتجاج.

في جميع كتبه نجد اهتمامه بالشِّعر العربي لشرح كلمة غامضة ونجد أنَّ ديوان العرب بشعره ونثره محل الاستشهاد والاستنباط. يحث الشَّافِعِيّ في كتابه الرسالة على الاستزادة من فهم اللغة العربية فيقول "فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده..وما ازداد من العلم باللِّسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخِرَ كتبه: كان خيراً له".

في أخلاقه نجد الشَّجاعة والحلم والصَّبر والكرم وغير ذلك من آداب الرِّجال في البادية. أخذ الشَّافِعِيّ من قبيلة هُذيل البيان الأدبي النَّاصع الفصيح، والأدب الأخلاقي النبَّيل، والمنطق المُقنع القوي الصَّريح، والفروسية والشَّجاعة التي تتجلى في شخصيات الأبطال.

 عصر الشَّافِعِيّ هو العصر الذَّهبي للدَّولة العبَّاسية حيث الأمن والاستقرار كما كان الخلفاء يشجِّعون العلماء في شتى الميادين ويحثونهم على المزيد من الإبداع والعطاء. كانت بغداد عاصمة العالم الثَّقافية التي تشع بنور المكتبات وحركة الرحالة ونشاط الشعراء والعلماء. كانت جهود العلماء تتوسع لشمل المزيد من تدوين الأحاديث في موسوعات حديثية كما فعل الإمام أحمد رحمه الله كما أنَّ حركة التّرجمة نشطت بسبب الفتوحات الإسلامية فكانت كتب الإغريق والأعاجم والهنود قد لاقت اهتماماً بترجمتها ونقدها والإضافة عليها بشكل كبير. رغم ذلك كان الشافعي رحمه الله يستنكر على المسلمين تفريطهم بعلم الطِّب ويتحسر على إهمالهم حيث وجد السَّبق في عصره لليهود والنَّصارى. قال حرملةُ: كان الشَّافِعِيّ يتلهف على ما ضيَّع المسلمون من الطِّب، ويقول ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنَّصارى" (الذَّهبي، ج10، ص 57).

وضوح رؤية الشَّافِعِيّ لأهدافه من أسباب نجاحه العِلمي إذ حَدَّدَ الشَّافِعِيّ هدفه منذ الصِّغر وذلك بأن يكون مُتخصِّصاً في الفِقه. التَّردد في اتخاذ القرارات المصيرية والتَّذبذب في تحديد المسارات المصيرية من شأنها أن تُشتت الجهود، وتبدد الطاقات وكلَّما تمَّ تحديد هدف الإنسان بوضوح كلما استطاع تحقيقه بدقَّة.

قام كل من مسلم بن خالد الزّنجي ومالك بن أنس بإعداد الشَّافِعِيّ إعداداً يليق بعالِم يهدف إلى خدمة الدِّين والمسلمين. نظر الشَّافِعِيّ إلى موطأ الإمام مالك بإعجاب فقال في حقه: (ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك). كان هذا القول قبل ظهور الْبُخَارِيّ ومسلم. تنوع مشايخ الشَّافِعِيّ كوَّن لديه ثقافة واسعة راسخة في علم الحديث النَّبوي الشَّريف وفي علوم اللُّغة العربيَّة وفي ميدان الفِقه. حفظ الشَّافِعِيّ القرآن الكريم في الكُتَّاب وهو ابن سبع سنين، وجوده على مقرئ مكة الكبير إسماعيل بن قسطنطين، وأخذ تفسيره من علماء مكة المكرمة حرسها الله. لقد اكتشف الإمام مالك نبوغ الشَّافِعِيّ مُبكِّراً مما ساعد على رعاية هذه الطَّاقة. ويُقال أنَّ مالكاً قال للشَّافعي في أول لقاء لهما: "يا محمد اتق اللّه واجتنب المعاصي فسيكون لك شأن من الشَّأن ..وإنَّ اللّه عز وجل ألقى على قلبك نوراً فلا تُطفئه بالمعاصي..إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء مَن يقرأ لك". قال الشَّافِعِيّ: "فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ حِفظاً، والكتاب في يدي، فكلَّما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع، أعجبه حُسن قراءتي وإعرابي، فيقول: يا فتى زد. حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. وقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام".

الرِّحلات العِلْمِية إلى العراق والخبرات السِّياسية في اليمن والدُّروس العِلْمِيَّة في مصر وسَّعت مدارِكه، وَرسَّخت علومَه، وعمَّقت علاقاته مع العلماء ومع طلاب العلم. روى ابن حجر العسقلاني أنَّ الشَّافِعِيّ قال لتلميذه المزني "إنّي كنت لأسيرُ الأيام واللّيالي في طلب الحديث الواحد". في ظل هذا الإطار الإنمائي عرف الشَّافِعِيّ من تجاربه الواقعية طبائع النَّاس وعاداتهم وأعرافهم وتاريخهم.

أخذ الشَّافِعِيّ عُلوماً متنوعة وجمع بينها واستفاد من منهج المحدِّثين في قبول الرِّوايات حتى أنَّ الرِّوايات التي ينقلها عن مالك، عن نافع، عن ابن عُمر تُسمى سِلسلة الذَّهب أي أنَّها من أصح وأوثق المرويات عند المحدِّثين كما ذكر العسقلاني في توالي التَّأسيس. مثال لسلسلة الذَّهب قول الشَّافِعِيّ (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمر: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَرَضَ زَكاةَ الفِطْرِ من رَمَضَانَ (مسند الإمام الشَّافِعِيّ ترتيب السِّندي). وهكذا نجد أنَّ الإمام الشَّافِعِيّ يتميز بنقل الأحاديث الصَّحيحة غالباً ذات الإسناد المعتمد كقول الشَّافِعِيّ (أخبرنا): مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رَضِي اللهُ عَنْهُ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَال: "صَلاَةُ الجَماعة أفْضَلُ مِن صَلاَةِ أحدكم وحدَه بخمس وعشرين جزءاً". قال البويطي سمعت الشَّافعي يقول عليكم بأصحاب الحديث فإنَّهم أكثر النَّاس صَواباً. لأنَّه درس منذ صغره عند علماء الحديث فأخذ بمنهجهم وهو الأمر الذي لم يحدث مع الإمام الغزالي رحمه الله فكانت بضاعته في الحديث النبَّوي الشَّريف مُزجاة مما انعكس أثره على تراثه التَّربوي. 

 

مِن الدِّراسات السَّابقة

جمهرة من العلماء كتبوا عن الإمام الشَّافِعِيّ قديماً وحديثاً وفي حديثهم عنه لمسوا الكثير من المرتكزات التََّربوية في حياة وأفكار الشَّافِعِيّ إلا أنَّ الشَّافِعِيّ كمفكر تربوي لم يُدرس في عصرنا بشكل مُستقل ومفصَّل ولعل من أول وأهم الدِّراسات القيمة التي أُفردت للإمام الشَّافِعِيّ بالدِّراسة الأكاديمية المُتعمِّقة هي دراسة الأستاذة فاطمة محمد السَّيد علي في رسالتها الفكر التَّربوي عند الإمام الشَّافِعِيّ وهي رسالة مقدَّمة لكلية التَّربية بشبين الكوم في جامعة المنوفية للحصول على درجة الماجستير في أصول التَّربية عام 1401هـ = 1981م. في الفصل الأول تحدَّثت الباحثة عن الاتِّجاه الفقهي في التَّربية وبما أن الإسلام منهج حياة فإنَّ الباحثة أكّدت على وجود علاقة وثيقة بين الفقه وأصوله وبين التّربية. في الفصل الثَّاني كان الحديث عن عصر الإمام الشَّافِعِيّ من النَّاحية السِّياسيَّة والاقتصاديّة والاجْتِمَاعِيَّة والعِلْمِيَّة والفِكْرِيَّة والدِّينيّة. وجاء الفصل الثَّالث ليتحدَّث عن الإمام من حيث مولده ونشأته وفقهه وشيوخه وطلابه. في الفصل الرَّابع كان الحديث عن مصادر الفِكر التَّربوي الإسلامي وموقف الشَّافِعِيّ منها وفي هذا الفصل وضَّحت الباحثة مصادر الفِكر التَّربوي عند الإمام وهي كالآتي:

القرآن الكريم.

السُّنَّة النَّبوية.

الإجماع.

القياس.

       في الفصل الخامس كان الحديث يدور عن الفِكر التَّربوي عند الإمام فتحدثت الباحثة عن فلسفة التَّربية وأهدافها ومناهج التَّعْلِيْم وطرق التَّدريس ومراحل التَّعْلِيْم وإعداد المُعَلِّم أما في الفصل السَّادس فلقد قامت الباحثة بدراسةٍ مُقارنة إذ خصَّصت الفصل بأكمله للحديث عن الفِكر التَّربوي الرَّأسمالي، والشُّيوعي ثم قارنت المدرستين بالفكر التَّربوي العربي والفِكر التَّربوي عند الإمام الشَّافِعِيّ. جاء الفصل الأخير كالعادة في معظم الدِّراسات الأكاديمية ليضع الباحث توصياته بعد أن يلخص أهمَّ نتائج الدِّراسة.

البحث يشرح بإسهاب أنَّ التربية الخُلقية عند الشَّافِعِيّ تمتاز بما يأتي:

الاعتماد على الإيمان.

الرِّضا بقضاء الله وقدره.

اتِّباع الآداب والقيم السَّليمة أثناء المناظرة.

التَّرغيب في خصال الخير.

التَّنبيه على ما ينفع مع النَّاس بحسب الطَّبائع.

كَشف ما يُجافي سنن العلم ويُنافي حسن الخلق.

       لاحظت البَّاحثة أنَّ ديوان الشَّافِعِيّ يُعدّ ديوان التَّربية الخلقيَّة (ص161). ومن الملاحظات التَّربوية العميقة للباحثة أنها أشارت إلى أنَّ الشَّافِعِيّ رحمه الله كان يتيح الفرصة لطلابه كي ينوبوا عنه في الإجابة عن الأسئلة التي تُوجِّه إليه كنوع من التَّدريب لهم وهو أمر مهم في إعداد المُعَلِّمين كما أنَّه كان يكلَّف بعض طلابه النَّابغين بإلقاء المحاضرة أثناء وجوده (ص 276).

أشارت الأستاذة فاطمة إلى أنَّ فلسفة الشَّافِعِيّ في تربية الفرد تقوم على تحقيق التَّكامل من خلال الآتي:

التَّركيز على العلم وتعليمه مع مراعاة الفروق الفردية.

الاهتمام باللُّغة العربيَّة.

الاهتمام بالتَّربية العقلية والخلقية والجسمية.

مراعاة طبيعة المجتمع وواقعه المعاصر فالشَّافِعِيّ رحمه الله غيَّر بعض اجتهاداته عندما استقرَّ في مصر.

ولقد أكد البحث على أنَّ التّربية الخلقيّة هي أساس التَّربية عند الشَّافِعِيّ فالقيم الأخلاقية أساس المناظرة والنِّقاش والتَّعامل مع النَّاس. تقول الباحثة "ولم تغفل التَّربية الخلقية عند الشَّافِعِيّ عن الدَّعوة إلى الكلمة الطَّيبة، وحفظ اللِّسان، يقول الشَّافِعِيّ: "إنَّ الأفئدة مزارع الألسن، فازرع الكلمة الكريمة فإنَّها إن لم تنبت كلّها نبت بعضها" (ص 157، انظر البيهقي مناقب الشَّافِعِيّ ج2، ص 76).

 

تَقسيم العلوم الدِّينية

في النَّص الحِواري التَّالي يبين الشَّافِعِيّ بوضوح ما يجب على المسلم تعلمه من أمور الدِّين ولا يمكن التَّنازع فيه والتَّنازل عنه. ‏قال الشَّافِعِيّ ": فقال لي قائل: ما العِلْمُ؟ وما يَجِبُ على النَّاس في العلم؟

فقلت له: العلم عِلْمان: علمُ عامَّةٍ، لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوب على عقْلِه جَهْلُهُ.

قالَ: ومِثْل ماذا؟

قلتُ: مثلُ الصَّلَوَاتِ الخمس، وأن لله على النّاس صومَ شهْر رمضانَ، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر، وما كان في معنى، مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم، وأن يَكُفُُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه.

وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.

وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازعُ.

قال: فما الوجه الثَّاني؟

قلت له: ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض، وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُّ كتاب، ولا في أكثره نصُّ سنَّة، وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة، لا أخبارِ العامَّة، وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا".

 

من مَعالم الفلسفة التَّربوية الإسلامية

بما أنَّ الإسلام دين ودولة فهو منهج حياة وعليه فإنَّ الكاتِبِين في هذا الميدان من الرُّواد يملكون تصوراً شاملاً لمقومات التّنشئة الاجْتِمَاعِيَّة فلا يفصلون بين السِّياسة والتَّعْلِيْم وهكذا فإنَّ فلسفة التّربية الإسلاميَّة تنظر إلى العلم والتَّعْلِيْم وطبيعته وغاياته ووسائله من مَنظور مُتكامل لا يمكن فيه فصل الدُّنيا عن الدِّين.

 في فلسفة التَّربية الإسلامية ومعالمها تكلم الشَّافِعِيّ عن الطَّبيعة التَّوسُّعيَّة للعلم فقال:

كلَّما أدبـــني الدّهـــر
وإذا ما ازددت علمــــاً


 

أراني نقْـــــص عقلــــــي
زادني علمــــــاً بجهلـــــي
 ‏

يقول المؤرخ الغربي الشَّهير ول ديورانت الذّي كتب تاريخ العالم في 42 جزءاً "قبل ستين سنة كنت أعرف كل شيء أما الآن فأنا لا أعرف شيئاً، التَّربية عملية تحررية مُستمرَّة ضد الجهل الذي يلازمنا" ولن يفارقنا. لقد قام ول ديورانت مع زوجته في أربعين عاماً بكتابة تاريخ البشرية في كتابهما قصة الحضارة.

نصح الشَّافِعِيّ المتعلم أن ينوع ثقافته ويأخذ من كل علم مفيد بطرف ينفعه ويركز جهده الأكبر في التَّخصص في علمٍ واحدٍ. هذا التَّخصص لا يعني أن لا يكوِّن المرء لنفسه ثقافة عامَّة لأنَّ العلم عميق بحره. قال الشَّافِعِيّ:  

لن يبلغ العلم جميعاً أحد
إنما العلم عميق بحـره

 

لا ولو حاوله ألف سنـــة
فخذوا من كل شيء أحسـنه             
 ‏

لقد قرن الشَّافِعِيّ بين العلم والعمل فقال: "العلم ما نفع ليس العلم ما حُفِظ". العمل الصَّالح هو سفينة النَّجاة في بحر الحياة وممرات الأنهار الهادرة أو كما يقول الشَّافِعِيّ:

إِنَّ للّهِ عِباداً فُطَنــا
نظروا فيها فلما عَلِموا
جَعلوُها لُجةً[115] واتخـذوا


 

تَركوا الدُّنيا وخافوا الفِتَنا ُ
أنها ليست لحيٍ وَطَنـــا
صالحَ الأعمالِ فيا سُفُـنا


ركَّز الشَّافِعِيّ على أهمية التَّعلم في الصِّغر فقال "إذا تَصدَّر الحدث فاته علم كبير". وعليه فيجب أن يتفرَّغ طالب العلم للتَّحصيل الدِّراسي قبل أن يكبر في العمر فتتزاحم عليه الأعمال والأشغال.

ولا شك أنَّ التَّعلم لا حد له فطلب العلم يجب أن يستمر إلى آخر لحظة. حَدَّدَ الإمام الشَّافِعِيّ أهم دور للآباء تجاه الأبناء فنص على أهمية تعليمهم أمر الحلال والحرام قبل سنّ البلوغ وفي ذلك تهيئة لهم لتحمل التَّكاليف الشَّرعية. قال النَّووي في كتابه المجموع شرح المهذب "قال الشَّافِعِيّ والأصحاب رحمهم الله: على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الصِّغار ما سيتعين عليهم بعد البلوغ فيعلّمه الولي الطَّهارة والصَّلاة والصَّوم ونحوها ويعرِّفه تحريم الزِّنا واللِّواط والسَّرقة وشرب المُسكر والكذب والغِيبة وشبهها: ويُعَرِّفه أنَّ بالبلوغ يدخل في التَّكليف ويعرِّفه ما يَبلغ به" (ج1، ص26). قال الشَّافِعِيّ إنَّ مرحلة البلوغ تكون "تارة بالسِّن وهو إذا بلغ خمس عشرة سنة قمرية أو بالاحتلام إذا احتلم الغلام أو الجارية قبل ذلك أو حاضت زمناً يصح أن يحتلما فيه". إنَّ تعلم أصول الدِّين واجب على كل من الذََّكر والأنثى لأنَّ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. ومن المعلوم أنَّ أصول الدِّين فيها القيِم الأخلاقية والواجبات الدِّينية وأساسيات الحياة الاجْتِمَاعِيَّة المُترابطة.

وشأن الشَّافِعِيّ هو شأن كل عالم مسلم يحث على العِناية بالصَّغير ويذّكر بأهميَّة الرَّضاعة ولكن متى يثبت الرَّضاع ونجزم أنَّ الرَّضاعة تحققت وتنطبق الأحكام الشَّرعية المرتبطة بالرَّضاعة؟  من خلال استعراض رأي الشَّافِعِيّ في هذه المسألة نجده يذكر في الإرضاع شرطين: أحدهما أنَّ يرضع الصَّبي على الأقل خمس رضعات يكتفي الصَّبي بكل واحدة منها والشَّرط الثَّاني: أن يكون في الحولين فإذا تحقق ذلك فإنَّ الرّضاعة في هذه الحالة ينبني عليها الأحكام الشَّرعية المرتبطة بالمصاهرة وغيرها أما الرَّضاعة بعد الحولين فلا يُعتد بها في هذه المسائل.

إنَّ الصَّبي إذا استطاع الصُّوم فيستحب له ذلك في رمضان كي يتدرب عليه فيعتاده في الكِبَر. والمعروف أنَّه لا يجب الصِّيام على من دون سن البلوغ ولكن الشَّافِعِيّ ذكر أنهم يؤمرون به للتَّمرين عليه إذا سمحت طاقتهم بالصِّيام.

شأنه شأن فلاسفة التَّربية نجد الشَّافِعِيّ حَدَّدَ هدف التَّربية بإيجاز وجزالة فقال:

إذا لم يزد علم الفتى قلبه هـــدى
فبشره أنَّ الله أولاه نقمــــــة


 

وسيرته عدلاً وأخلاقـه حُسنــا
يساء بها مثل الذي عبد الوثنــا
 ‏

الاستمرار في تهذيب النَّفس ومعاشرة النَّاس بالحسنى من أهداف التَّربية الإسلاميَّة لأنَّ المسلم الحقيقي هو الذي يسلم المسلمون من شر لِسانه وبطش يده. الذّي يعبد الأوثان ويقترف الآثام يعلم أنَّ الله موجود ولكنه يتَّخذ من الأوثان وسيلة تقرِّبه إلى الله زلفى فلم ينفعه علمه وهو من الخاسرين وكذلك أمر من علم الحقّ فلم يتَّبعه فبات علمه نقمة لا نِعمة. وقول الشَّافِعِيّ في البيت السَّابق "فبشره" تهكّم واستهزاء به وبحاله المنافي للعقل وهو أسلوب عربي فصيح فالتَّبشير وهو الإخبار بما يسر من خير، ولا يستعمل في الشَّر إلا على سبيل التَّهكم والشَّماتة لا الثَّناء. فهدف التَّربية أن يستنير قلب ودرب المتعلِّم بنور العلم وإذا استنارت القلوب بالعلم والدُّروب بالعدل فإنَّ المجتمع يعيش في أمن وكرامة. والحق أنَّ الله سُبْحَانَهُ إنما أرسل الرُّسل، وأنزل الكتب السَّماوية، ووضع النَّواميس الكونية، وخلق الخلق ليقوم النَّاس بالعدل ويعيشوا في ظلاله. الدِّراسة العميقة لفلسفة التَّربية عند الشَّافِعِيّ سترشدنا إلى أنَّ العلم النَّافع سبب السَّعادة في هذه الحياة وبه يَعرف المرء الحلال فيتَّبعه والحرام فيجتنبه فيعيش كريماً حرّاً كما أراد الله له أن يكون.

أشار الشَّافِعِيّ وبوضوح إلى أنَّ العلوم المختلفة تشكِّل شخصية الإنسان وحث على رسم مناهج شاملة فقال "من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجَّته، ومن نظر في اللّغة رقَّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه". عِلم الفِقه مثلاً يورث دِقَّة التَّفكير أما حكايات الزَّهد والورع فهي تهب القلب الرَّاحة والسُّكون ولا يمكن الإقتصار على واحدٍ منهما وكما قال الشَّافِعِيّ:

فقيهاً وصوفياً فكن ليس واحداً
فذالكَ قاسٍ لم يذقْ قلبهُ تُقـىً


 

فإِني وحَقِّ اللّهِ إِياكَ أنصــــحُ
وهذا جَهولٌ، كيف ذو الجهل يصلحُ
 ‏

وكانت حياة الشَّافِعِيّ تدلُّ على أنَّه كرَّس حياته لتكريس مبدأ المناهج الشَّاملة لعصره قال الرَّبيع بن سليمان: "كان الشَّافِعِيّ رحمه اللّه يجلس في حلقته إذا صلى الصُّبح فيجيئه أهل القرآن، فإذا طلعت الشَّمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشَّمس قاموا، فاستوت الحَلقة للمذاكرة والنَّظر فإذا ارتفع الضُّحى تفرَّقوا، وجاء أهل العربيَّة والعروض والنَّحو والشِّعر، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النِّهار".

ومن أهم لبنات النَّظرية التَّربوية الإسلامية أنَّها تقوم على غرس مفهوم المسئولية في الفرد والمجتمع. التَّربية عند الشَّافِعِيّ تقوم على مبدأ تحمُّل المسئولية الشَّخصية ومحاسبة النَّفس والتَّغيير الحقيقي هو الذي يبدأ من داخل الفرد. قال الشَّافِعِيّ:

يعيبُ النَّاسُ كلهم الزَّمانا
نَعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا


 

وما لزمانِنا عيبٌ سوانـا
ولو نطقَ الزمانُ إِذاً هجانا
 ‏

العاقل لا يلوم الناس أو يعاتب الزَّمان ولكن الناس يتأخرون ويتقدَّمون بحسب مراتبهم من محاسبتهم لأنفسهم "ولا عتبٌ على الزَّمنِ" كما يؤمن الشَّافِعِيّ.

 التَّبعية الفردية هي مناط الأمر والعاقل هو الذي ينشغل بالأمور التي تحت دائرة تأثيره. يقول الشَّافِعِيّ:

المرءُ إِن كان عاقلاً ورِعـاً
كما العليلُ السَّقيمُ أشغلَهُ


 

أشغله عن عيوبِ غيره وَرَعـهْ
عن وَجَعِ النّاسِ كلّهم وجعـهْ
 ‏

ويترتَّب على ذلك الفهم أنْ يقوم الإنسان بجميع أموره قدر المستطاع ويتحمَّل المسئولية وكما قال الشَّافِعِيّ:

ما حكَّ جلدَكَ مثلُ ظفرِكَ
وإِذا قصدْتَ لحاجـــةٍ


 

فتولَّ أنتَ جميعَ أمرِكْ
فاقصدْ لمعترفٍ بقدركْ
 ‏

ورد أنَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ كَانَ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلا يَقُولُ لأَحَدِ نَاوِلْنِي إيَّاهُ; وَيَقُولُ: إنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا.

 

خَمسُ فوائد للرِّحلةِ في طَلبِ العِلم

نجد في تراثنا التَّربوي عِناية واضحة بمبحث السَّفر حتى أنَّهم قالوا "السَّفر يُسفر عن أخلاق الرِّجال" ويُروى أنَّه شهد عند عمر بن الخطاب رَضِي اللهُ عَنْهُ رجل شهادة، فقال له: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، فأت بمن يعرفك. فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. فقال بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل. قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فمعاملك في الدِّينار والدِّرهم الذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السَّفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق وجواهر الرِّجال؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثمَّ قال للرَّجل: ائت بمن يعرفك (العجلوني، بتصرف).

عن المزني: سمعت الشَّافِعِيّ يقول "إني كنت لأسير اللَّيالي في طلب الحديث الواحد" وهذا الخُلق الذي تجمَّل الشَّافعي من تعظيم شأن الحديث هو الذي جعل بعضهم يقول "هذا الحديث لو رَحل رجلٌ ولم يصب من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته". واتِّباع الحق والحق وحده هو الذي دفع الشَّافِعِيّ إلى أن يقول: "أنتم أعلم بالحديث والرِّجال منى، فإذا كان الحديث صَحيحاً، فأعلموني كوفياً كان، أو بصرياً، أو شامياً: حتى أذهب إليه، إذا كان صحيحاً". وهو الذي نَقل تلك الحكمة المأثورة والكلمة المشهورة "اطلب العلم ولو في الصِّين".

بيّن الشَّافِعِيّ إيجابيات الرِّحلات العِلْمِيَّة كوسيلة من وسائل التَّربية فقال:

تغرَّب عن الأوطان في طلب العلا
تَفَرُّج هم، واكتساب معيشــةٍ


 

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
وعلمٌ، وآدابٌ، وصحبة ماجــد
 ‏

عن مشاعر المُغترب وقلبه المحترق يقول الشَّافِعِيّ:

إِنَّ الغريبَ له مخافةُ سارقٍ
فإِذا تذكَّرَ أهلَه وبـلادَه


 

وخضوعُ مديونٍ وذلّةُ موثَّقِ
ففؤادُه كجناح طيرٍ خافـقِ
 ‏

هذا شعور المغترب وهو في ديار المسلمين ولكن ما حال من يفتقد حتى سماع الأذان كمن يتغرب في الدُّول الغربية؟!

الهِمم العالية من أهم صفات أهل النَّجاح. قال الشافعي:

سَأضربُ في طول البلاد وعرضها
فإن تَلِفت نفسي فَلِلَّه دَرُّها


 

أنالُ مُرادي أو أموتُ غريبا
وإن سَلِمَت كان الرُّجوعُ قَريبا
 ‏

وقال:

ما في المُقام لذي عقل وذي أدبِ
سَافر تجد عِوضاً عمن تُفارِقُهُ
إنِّي رأيتُ وقوفَ الماء يُفْسِدُه
والأُسدُ لولا فِراقُ الأرضِ ما افْتَرَسَت
والشَّمس لو وقفت في الفُلك دائمةٌ
والتِّبرُ[116] كالتُّرْبِ مُلقىً في أماكنه
فإنْ تغرَّب هذا عزَّ مَطْلَبُهُ


 

من راحة فدع الأوطان واغتربِ
وانصب فإنَّ لذيذ العيش في النَّصبِ
إنْ ساحَ طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ
والسَّهْمُ لولا فراقُ القَوس لم يُصِبِ
لملَّها النَّاسُ من عُجْمٍ ومِن عرب
والعُودُ في أرضه نوعٌ من الحطب
وإن تغرَّب ذلك عزَّ كالذَّهب


وبلمحة خاطفة عن تاريخ وفلسفة الرِّحلة يمكننا القول أنَّ الرِّحلة في طلب العِلم صُورة عملية وترجمة صادقة لقوله سُبْحَانَهُ "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {122} (سُوْرَةُ التَّوبة) وقوله "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5}" (سُوْرَةُ العَلق) وقوله سُبْحَانَهُ "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا {114}" (سُوْرَةُ طَه). وليس في القرآن الكريم كله طلب بصيغة "زدني" إلا هذه الآية لأنَّ العِلم هو الشَّيء الوحيد الّذي إذا زاد وكان عِلماً نافعاً زاد معه الإيمان وزاد معه الإحسان للنَّفس وللنَّاس وللبيئة القريبة والبعيدة. وفي القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة سرد رائع لرحلة موسى عليه السِّلام في طلب العلم وفيها تتجلى أخلاق العالِم والمتعلم. وهكذا فإنَّ الرِّحلة سنَُّة حميدة قام بها بعض الأنبياء وفي زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم نجد الصَّحابة رضوان الله عليهم كان من حالهم التِّرحال في طلب العلم. 

روى النَّسائي في سننه عن "مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنَ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم رَحِيماً رَفِيقاً فَظَنّ أَنّا قَدِ اشْتَقْنَا إلَى أَهْلِنَا فَسَأَلَنَا عَمّنْ تَرَكْنَاهُ مِنْ أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: «ارْجِعُوا إلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا عِنْدَهُمْ وَعَلّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ إذَا حَضَرَتِ الصّلاَةُ فَلْيُؤَذّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». قال السندي في شرحه للحديث: قوله: «شببة» بالفتحات جمع شاب قوله «رفيقاً» من الرِّفق أو من الرِّقة". ويذكر الإمام الْبُخَارِيّ في صحيحه في كتاب العِلم باب الخروج في طلب العِلم فيقول "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديثٍ واحدٍ".

 

ستَّة محاور للعملية التَّعْلِيْمِيَّة

حَدَّدَ الشَّافِعِيّ شروط طلب العِلم فقال: 

أخي لن تنال العلم إلا بستةِ
ذكاء وحرص واجتهاد وبُلْغَة


 

سأنبيك عن تفصيلها ببيــان
وصحبة أستاذ وطول زمــان
 ‏

اشترط الشَّافِعِيّ ستَّة مَحاور للعملية التَّعْلِيْمِيَّة الرَّاشدة، وهي الذَّكاء .. الحرص .. الاجتهاد .. البُلغة .. صُحبة أستاذ .. الوقت. وفيما يلي نشرح بشكلٍ مُجملٍ كل عنصر من تلك العناصر.

الذَّكاء: يقول الإمام الشَّافِعِيّ وهو يُصوِّر الذَّكاء بالأرض الطَّيبة يوضع فيها البذر فتُخرجه طيِّباً نامياً فيقول (الطَّبع أرض، والعلم بذر ولا يكون العلم إلا بالطَّلب، فإذا كان الطَّبع ماثلاً زَكا ريع العلم وتفرَّعت معانيه). وقال:

تعلمْ فليس المرءُ يولدُ عالما


 

وليس أخو علمٍ كمن هوَ جاهلُ


أمَّا الحرص فهو شعور داخلي بأهمية العلم وسعي حثيث في طلبه وعدم الاستسلام للإحباط والفشل. الحرص هو الذي جعل الشَّافِعِيّ يقطع القِفار من أجل طلب حديث واحد وهو الذي جعله يسهر اللَّيالي من أجل طلب العلم. ومن أشكال الحرص أن يحفظ المرء بعض المتون النَّافعة وأيضاً الاحتماء والتَّسلح والحرص على الرِّوايات الموثَّقة والأدلَّة الصَّحيحة فلا مجال في العلوم الدِّينيَّة والدُّنيويّة للمزاعم الواهية فهي وساس لا مكان لها في عالم الحَقائق.

تعظيم العلم وتوليد الدَّافع النَّفسي القوي للسَّعي في طَلبه وإقناع طالب العلم بأن التَّعلم من أجَلِّ الأعمال لتعزيز الحرص في قلب المتعلِّم. قال الشَّافِعِيّ (طلب العلم أفضل من صلاة النَّافلة) وقال أيضاً: (من أراد الدُّنيا فعليه بالعِلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعِلم).

يقول أ.د/محمد شامة (2001 م) الحرص في اللّغة شدة الإرادة والاجتهاد للحصول على المطلوب، ويُطلق ويراد به أيضاً الجشع، واصطلاحاً هو طلب الشَّيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد وإنَّ شدّة الحرص ليست هي السَّبب لوصول الأرزاق، بل بالاجتهاد في العمل وإتِّقانه يحصل المرء على وعد الله بأنَّه يرزق من يشاء بغير حساب.

       أما الاجتهاد ففي اللُّغة يراد به أنْ يبذل الإنسان الجهد ويستفرغ الوسع في تحقيق أمرٍ ما ولا يكون ذلك إلا بكُلفة ومشقة وعلماء الفِقه يقصدون به بذل الجهد واستفراغ الوسع في استنباط الحكم الشَّرعي من دليله. الاجتهاد عند الشَّافِعِيّ هو بذل غاية الجهد المطلوب لطلب الحق بعقلٍ يوزن المسائل بالدَّلائلِ، بعد استعانة الله اللّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، والرَّغبةِ إليه في توفيقه.

لا يحق للمجتهد أن يجتهد في الدِّين حتى تتحقق فيه آلة الاجتهاد وقد ذكر الشَّافِعِيّ في كتابه الرِّسالة شروط المجتهد فقال "ولا يقيس إلا من جمع الآلةَ التي له القياسُ بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضِه، وأدبِه، وناسخِه، ومنسوخِه، وعامِّه، وخاصِّه، وإرشاده. ويَستدل على ما احتمل التَّأويل منه بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سُنَّة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماعٌ فبالقياس.ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السُّنن، وأقاويل السَّلف، وإجماع النَّاس، واختلافهم، ولسان العرب.ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرِّق بين المشتبه، ولا يَعْجَلَ بالقول به دون التَّثبيت. ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه، لأنّه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزدادُ به تثبيتاً فيما اعتقده من الصَّواب. وعليه في ذلك بلوغُ غاية جهده، والإنصافُ من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك".

البُلْغَة أن يكون لدى طالب العلم من القوت ما يكفيه فلا يشغله الكدح في الحصول على لقمة العيش عن التَّفرغ لطلب العلم. ولقد بالغ العلماء في قضية تفرغ طالب العلم عن الشواغل فقال الشافعي "لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة" (ابن جماعة، ص 71) وأن لقمان الحكيم لو ابتلي بماله وعياله لما أصبح حكيماً. هذا المحور الاقتصادي في غاية الأهمية فطالب العلم الذي لا يجد لقمة العيش لا يُقبل بقلبِه على طلبِ العِلم لأنَّ ذهنه مشغول في قوتِهِ. وقد كان الإمام الشَّافِعِيّ رحمه الله يقول: "لا تُشاور من ليس في بيته دقيق" وذلك لأنَّه مشغول الذِّهن، مُشتَّت البال. وفي الفِقه الشَّافِعِيّ نجد أنَّ طالب العِلم المُحتاج يندرج تحت الأبواب الثَّمانية المُستحقة للزَّكاة لأنَّه عابر سبيل وهذا مَدخل اقتصادي حَكيم يمكن أن يُستغل في علاج مشكلة الأمِّية المتفشِّية اليوم للأسف في العالم الإسلامي.

صُحبة أُستاذ: مهما تطورت التِكْنُولُوجِيا الحديثة فإنَّها لا تستطيع أن تُلغي دور المُعَلِّم أبداً. إنَّ المُعَلِّمَ في البيتِ والمدرسة من أركان العمليّة التَّعْلِيْمِيَّة وقديماً قال الشَّافِعِيّ رحمه الله تعالى: "من لا شَيخ له لا عِلم له". ومن واجبات المُعَلِّم أن يُشَجِّع تلميذَه على السُّؤالِ. المُعَلِّمُ هو الذي يَعرف فضل الآخرين ويغرس في تلاميذه حب العلماء. المُعَلِّمُ بكلمة واحدة مُوجزة وبنصيحة حكيمةٍ قد يُرشد المتعلِّم ويهديه إلى آفاق واسعة كأن يُرشد الطَّالب إلى اسم كتاب أو فِكرة ما وهذا هو دور المُعَلِّم وهو الإرشاد والتَّوجيه. لقد كان الشَّافِعِيّ يُرشد طلابه إلى أسماء روِّاد كل علم ليأخذوا منه فيقول لهم إذا أردتُم الفِقه فعليكم بأبي حَنيفة ومن أراد السِّير فعليه بمحمد بن إسحاق ومن أراد الحديث فعليه بمالك ومن أراد التَّفسير فعليه بمقاتل بن سليمان ومن أراد النَّحو فعليه بالكسائي.

مِنْ الحِكم الصِّينية الجميلة قولهم: يومٌ مع معلمٍ عظيمٍ أفضل من ألف يومٍ من الدِّراسة الجادِّة، والغرب اليوم يتبنى هذا الشِّعار فيقول الغربيون:

Better Than A Thousand Days Of Diligent Study Is One Day With A Great Teacher.

والسَّبب أَنَّ المُعَلِّم بإرشاداته يستطيع أن يُرشد الطَّالب إلى كِتابٍ أو فِكرةٍ أو نَصيحةٍ تُوفر عليه بذل الجهود الكبيرة والمُعَلِّم بذلك قد يفتح للمتعلم آفاقاً جديدة بتوجيهٍ واحدٍ حكيمٍ. فلسفة التَّربية عند الشَّافِعِيّ تعتمد على مبدأ يَنص على أنَّ المُعَلِّم يرشدنا إلى باب الخير أما عمل الخير فهو دور المتعلِّم.

يَقول الشَّافِعِيّ "فإِنَّ رسوبَ العلمِ في نَفَراتهِ" أي أنَّ البذل طريق النَّجاح وهذا دليل على أنَّ علماء المسلمين وصلوا إلى مكانة عالية في العلم لأنَّهم عرفوا أنََّ ثني الرُّكب في الحلقات ومداومة النَّظر في مسائل العلم، وتحمُّل المكاره من شروط طلب العلم النَّافع ولا يتحصَّل ذلك إلا بالصَّبر والاحتساب والتَّطلع إلى ثمار المستقبل وحصاده.

طول زمان : الوقت جزء من التَّربية والتَّعْلِيْم، وجزء من نضج الثِّمار، وجزء من العلاج البدني، وهو جزء من تاريخ الحياة. التَّدرج والنُّضج والصَّبر من أساسيات طلب العلم. درس الشَّافِعِيّ عند عدد كبير من العلماء ومرَّ بالدَّورة الطَّبيعية للنُّضج من سهرٍ للَّيالي، وسفرٍ في الفيافي فتأَّلق في مصر بعد طول زمانٍ فاكتسب تجارب عريضة وصار نجماً أهلَّ باليُمن والخير والبركة في سماء الحضارة الإسلامية والثََّقَافَة الإنسانية. المربُّون متَّفقون على القاعدة الشَّهيرة القائلة من طَلَبَ الشَّيءَ قبل أَوانِهِ عُوقِبَ بحرمانِهِ فلا يُمكن للطَّالب أنْ يَرى ثِمار نهايات طَلب العِلم وهو ما زال في مرحلة البدايات فقطف الثِّمار قبل أوانها تعني فوت الفرصة والعجلة في طلب الرِّزق وهذا ممنوع (البيطار، ص 303، ابن شاهين، ص 303، ابن الخطيب، ص 161). وإذا تصدَّر الطَّالب مجالس العلم من دون أن ينضج علمه فإنَّ العلماء يقولون له "تَزَبَّبْتَ قبل أن تتحصرم" أي يريد أن يُصبح كحب الزَّبيب قبل أن يمرَّ في حالة التَّحصرم والحِصْرِمُ هو حب العنب الصَّلب الحامض في أول ظهوره.

 أثَّرت نظرية الشَّافِعِيّ في تحديد شروط طالب العلم في أساتذة وطلاب المدرسة النِّظَامِيَّة في بغداد فيما بعد وهاهو إمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ = 1085م) يقول عن شروط طالب العلم:

ذكاء، وحرص، وافتقار، وغربة


 

وتلقين، وأستاذ، وطول زمان


اعتنى الماوردي (ت 450 هـ = 1058م) أيضاً ببيان شروط طالب العلم في كتابه أدب الدُّنيا والدِّين فكتب "فَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا عِلْمُ الطَّالِبِ وَيَنْتَهِي مَعَهَا كَمَالُ الرَّاغِبِ مَعَ مَا يُلاحَظُ بِهِ مِنْ التَّوْفِيقِ وَيَمُدُّ بِهِ مِنْ الْمَعُونَةِ فَتِسْعَةُ شُرُوطٍ:‏ أَحَدُهَا:‏ الْعَقْلُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ حَقَائِقَ الأُمُورِ.‏ وَالثَّانِي:‏ الْفِطْنَةُ الَّتِي يَتَصَوَّرُ بِهَا غَوَامِضَ الْعُلُومِ.‏ وَالثَّالِثُ:‏ الذَّكَاءُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ حِفْظُ مَا تَصَوَّرَهُ وَفَهْمُ مَا عَلِمَهُ.‏ وَالرَّابِعُ:‏ الشَّهْوَةُ الَّتِي يَدُومُ بِهَا الطَّلَبُ وَلا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْمَلَلُ.‏ ‏‏وَالْخَامِسُ:‏ الاكْتِفَاءُ بِمَادَّةٍ تُغْنِيهِ عَنْ كَلَفِ الطَّلَبِ.‏ وَالسَّادِسُ:‏ الْفَرَاغُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ التَّوَفُُّرُ وَيَحْصُلُ بِهِ الاسْتِكْثَارُ.‏ وَالسَّابِعُ:‏ عَدَمُ الْقَوَاطِعِ الْمُذْهِلَةِ مِنْ هُمُومٍ، وَأَمْرَاضٍ.‏ وَالثَّامِنُ:‏ طُولُ الْعُمُرِ وَاتِّسَاعُ الْمُدَّةِ، لِيَنْتَهِيَ بِالاسْتِكْثَارِ إلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ.‏ وَالتَّاسِعُ:‏ الظَّفَرُ بِعَالِمٍ سَمْحٍ بِعِلْمِهِ مُتَأَنٍّ فِي تَعْلِيمِهِ.‏ ‏‏فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ التِّسْعَةَ فَهُوَ أَسْعَدُ طَالِبٍ، وَأَنْجَحُ مُتَعَلِّمٍ.‏ وَقَدْ قَالَ الإِسْكَنْدَرُ:‏ يَحْتَاجُ طَالِبُ الْعِلْمِ إلَى أَرْبَعٍ:‏ مُدَّةٌ وَجِدَّةٌ وَقَرِيحَةٌ وَشَهْوَةٌ.‏ وَتَمَامُهَا فِي الْخَامِسَةِ مُعَلِّمٌ نَاصِحٌ"‏.‏ ‏

 

أصول التَّفكير العلمي

نبذ الشَّافِعِيّ التَّقليد وبذل جهده في محاربة الشَّعوذة والسِّحر، وعلَّم أتباعه أهمية اتباع الدَّليل، وضرورة معرفة خطوات الاستنباط، وآلية الاجتهاد، وفضيلة إِعمال العقل وأنَّ هذا كله لا يكون ولا يُثمر إلا إذا تحقَّق شرط لإخلاص في اتِّباع الحق والتَّشبث به، بعد البحث عنه.

والإخلاص من أهم أركان تربية المسلمين من الدَّاخل وهذا الإخلاص هو بداية المطاف ونهايته في مسائل العبادات والمعاملات. كان النَّووي رحمه الله يقول: عليكم بالإخلاص في العلم لينفع الله تعالى به العباد، ومن الدَّلائل الصَّريحة على رياء العالِم أن يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره. المُعَلِّم المخلص لا يهمه أن يتعلم التِّلميذ منه أو من غيره من المُعَلِّمين ولكن المهم أن يحصل التِّلميذ على العِلم النَّافع بغض النَّظر عن المصادر فلا يبالي -إذا تحقق المقصود- أن يكون هو أو غيره توصل له لأنَّ الهدف النّهائي مِنَ التَّعْلِيْم هو معرفة الصَّواب لا تحقيق الشُّهرة عِند النَّاس. يقول الشَّافِعِيّ بكل تَواضع: "وددت أنَّ النَّاس تعلموا هذا العِلم، ولم يُنسب إِلى شيء منه فأوجر عليه ولا يحمدوني".

وكان الشَّافِعِيّ رَضِي اللهُ عَنْهُ يقول: ينبغي لِلعالِم أن تكون له خَبيئة من العمل الصَّالح فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ ولا يعتمد على العلم فقط فإنَّه قليل الجدوى في الآخرة. إنَّ الباحث الذي يريد الشُّهرة أو المال قد لا يهتدي إلى الحقائق لأنَّ قَلبه مشغول بالمنَّافع وقد يحمله ذلك على الكذب والغش.

في رِحاب الإسلام يبحث العالم المستوفي للشُّروط فيثاب وإن لم يصب في اجتهاده ولقد ركَّز الشَّافِعِيّ على أهمية الاجتهاد. قال الشَّافِعِيّ "أخبرنا عبد العزيز عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بُسْر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر".

ومن أهم مظاهر التَّربية العقلية عند الإمام الشَّافِعِيّ أنَّه كان يستغل كل فرصة متاحة لحث طلابه على التَّفكر والنَّظر والبحث وبكل قوة هاجم التَّقليد الأعمى. ومن أَعظم الدُّروس التي نحتاجها اليوم أنْ نعلم أنَّ حرية البحث العلمي والدَّعوة للاجتهاد لا تعني أبداً مخالفة الوحي فالعقل السَّليم لا يتناقض مع الحق أبداً. قال الشَّعراني (ت 973هـ = 1565م) في العهود المحمدية "وكان الإمام الشَّافِعِيّ رَضِي اللهُ عَنْهُ يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وكان يقول: إذا رأيتم كلامي يُخالف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعملوا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم واضربوا بكلامي الحائط. وقال للمزني حين قلده في مسألة: لا تقلدني يا أبا إبراهيم في كل ما أقول وانظر لنفسك فإنَّه دين، وكان يقول في المسألة إذا رأى دليلها ضعيفاً لو صحَّ الحديث لقلنا به، وكان أحب إلينا من القياس. وفي رواية: إذا ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي شيء لم يحل لنا تركه ولا حجَّة لأحد معه. وفي رِواية: لا حُجَّة لأحدٍ مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كثروا لا في قياس ولا في شيء فإنَّ الله تعالى لم يجعل لأحدٍ معه كلاماً، وجعل قوله يقطع كل قول" (قسم المناهي).

يستلزم المنهج العلمي في التَّفكير اتباع الأدلَّة ونبذ الأوهام ولقد شنَّ الشَّافِعِيّ هُجوماً لا هَوادة فيه على البدع والخرافات والأوهام والوساوس فهي كلها حبائل الشَّيطان وما زالت رائجة بين عامَّة النَّاس ممن يبحثون في الجرائد عن أبراجهم ليعرفوا ما سيحصل لهم في المستقبل على لسان الكَهنة والمشعوذين والدَّجالين ممن يدعون الغيب ويزيفون الحقائق وفي كل عصر يلبسون لباساً جديداً وضحاياهم أكثر ممن قد يَتصوَّر الفرد.

أقام الشَّافِعِيّ أصول الفِقه كأساس للاجتهاد وفق ضوابط وقوانين مُتَّفق عليها فيعرف الباحث حكم الجزء بعد دراسة الكل ويُعلي من شأن العقل فيطالبه بربط مفهوم الصِّدق بالمعرفة بمدى قوة البراهين. عرف الغرب المنهج العلمي في التَّفكير من خلال فرانسيس بيكون وروجر بيكون ممن درسوا الفكر الإسلامي الذي انتشر في الأندلس وحقيقة المنهج الذي اتبعوه هو الذي سار عليه العلماء في أبحاثهم في السَّابق. أصول الفِقه منهج للتَّفكير العِلمي مَبني على توجيهات الشَّريعة لا الشُّبهات والخرافات التي انتشرت في عالمنا الإسلامي وتشبث بها عامة النَّاس حتى أصبحت الحكايات عن خوارق الكرامات المبالغ فيها، وعجائب الجن المصطنعة، والأحلام والأوهام الكاذبة، وبركة قبور العلماء والأولياء هي الشُّغل الشَّاغل للعقل المسلم. وفي غياب الأسلوب العِلمي يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في المجتمع فلا يتخصص المرء في شيء فنَسبه أو حِزبه أو قَبيلته سلم الوصول للمراتب العالية وهو الأمر الذي شجبه الشَّافِعِيّ وحذَّر منه.

 

وسائل التربية

استخدم الشَّافِعِيّ وسائل التَّربية الرَّاقية المتنوعة وذلك حسب الحاجة إليها، والقدرة على تطبيقها، ومنها التَّربية بإحياء الضَّمير، والقدوة، والخِبرة، والموعظة، والنَّصيحة، والمناظرة، والرِّحلة العِلْمِيَّة، والتَّربية بالعبادة، وبالأحداث الجارية، والتَّرغيب والتَّرهيب، والثَّواب والعِقاب، والقصة، والشِّعر، وضرب الأمثلة التَّوضيحية. وسنذكر هنا لمحة لبعض هذه الوسائل التي نجح الشَّافِعِيّ في تسخيرها في خدمة التَّربية.

أكَّد الشَّافِعِيّ على مفهوم المعاينة (الخبرة والتَّجرِبة). في كتابه الأم اعتبر المعاينة من مراتب العلم لأنَّه يفيد اليقين: "ولا يسع شاهداً أن يشهد إلا بما علم والعلم من ثلاثة وجوه منها ما عاينه الشَّاهد فيشهد بالمعاينة .."  التَّربية بالأحداث الجارية والمواقف الحقيقية من صور التَّربية بالمعاينة.

وعلى هذا أعطى الشَّافِعِيّ أهمية كبيرة للأمثلة المحسوسة. ورُوِي عن الشَّافِعِيّ أنَّه سئل عن وجود الصَّانع وقدرته فقال: هذا ورق التُّوت طعمُه واحدٌ تأكله الدُّود فيخرج منه الإبريسم (الحرير) وتأكله النَّحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشَّاة والبقر والأنعام فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظِّباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.

من وسائل التَّعلم المناظرة ولقد حَدَّدَ الشَّافِعِيّ بعض آدابها فقال:

فناظرْ من تناظرُ في سكونٍ


 

حَليماً لاتلحُّ ولا تكابرْ


وعن المناظرة قال الحسين بن المنصور بالله في كتابه آداب العلماء والمتعلمين على المُعَلِّم "أنْ يصون مَجلسه عن اللَّغط..، وعن رفع الأصوات واختلاف وجهات البحث. قال الرَّبيع: كان الشَّافِعِيّ إذا ناظره إنسان في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نَفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد، ويتلطَّف في دفع ذلك في مباديه قبل انتشاره وثوران النُّفوس. ويذكر الحاضرين بما جاء في كراهة المماراة، لا سيما بعد ظهور الحق، وأنَّ مقصود الاجتماع ظهور الحق وصفاء القلوب، وطلب الفائدة" (ص 31). وقال الشَّافِعِيّ رحمه الله "ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، وددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه" وهذا خُلق من الصَّعب التَّخلق به ومن السَّهل التَّحدث عنه وهو سر سبق الشَّافِعِي في الوصول للحقائق لأنَّ مُراده طلب الحق لا كسب المواقف.

ركَّز الشَّافِعِيّ على مفهوم القدوة فإنَّ العلم من أجل العمل هدف التَّربية الدَّائمة التَّامة ولن يتحقق ذلك حتى يعمل المُعَلِّم بعلمه فإذا رأى التَّلميذ أستاذه يتحدَّث عن ضرورة الصَّلاة ثم لا يجده في مسجد المدرسة فإنَّ أثر المُعَلِّم سيكون ضعيفاً. من النَّصائح الذَّهبية للإمام الشَّافِعِيّ تلك النَّصيحة العظيمة التي قالها لمعلم أبناء الرَّشيد وهي أساس إعداد المُعَلِّمين وهي من أروع نماذج التَّربية الإسلامية في كل العصور. قال الشَّافِعِيّ لمؤدب أبناء أمير المؤمنين "ليكن ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك، فإنَّ أعينهم معقودة عليك، فالحَسن عندهم ما تَستحسنه، والقَبيح عندهم ما تكرهه، عَلِّمهم كتابَ الله ولا تُكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الشِّعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تُخرجهم من علم إلى غيره حتى يُحكموه، فإنَّ ازدحام الكلام في السَّمع مَضلّة لِلفهم".

وبما أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم القدوة للعالمين، يرى الشَّافِعِيّ أنَّ من مُستلزمات حب النبي صلى الله عليه وسلم  كقدوة أن نحرص على:

الإتباع والطَّاعة.

الاحتكام إلى القرآن والسُّنة، خاصَّة في مواطن الخلاف.

إجلال الصَّحابة رَضِي اللهُ عَنْهُم. ومن شدّة حُبه لهم حذَّر من الخوض فيما جرى بينهم من خلاف وكان الشَّافِعِيّ يُحب أهل الحديث النَّبوي وكلما رآهم تذكر الصَّحابة رَضِي اللهُ عَنْهُ وقال: جزاهم الله خيراً، فهم حَفِظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل" (الذَّهبي، ج10، 69). وقال الرَّبيع سمعت الشَّافعي يقول أفضل النَّاس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رَضِي اللهُ عَنْهُم.

       المَوعظة والنَّصيحة والتَّذكرة من الأساليب التَّربوية في التَّهذيب. يقول الشَّافِعِيّ: "الموعظة للعوام، والنَّصيحة للإخوان والتَّذكرة للخواص منهم، فرض افترضه الله على عُقلاء المؤمنين ولولا ذلك لبطلت السُّنَّة وتعطَّلت الفرائض". يقول الشَّافِعِيّ في النَّصيحة (النَّاس في غفلة من هذه السُّورة: "وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3}" (سورة العصر). والحق كما قال الشَّافِعِي أنَّ سورة العصر تكفي الإنسان في حياته لو عمل بمقتضاها. ومن الوصايا الخالدة في موضوع النَّصيحة قول الشَّافعي:

تعمدْني بنصحِكَ في انفرادي
فإِن النُّصحَ بين النَّاسِ نـوعٌ
وإِن خالفتني وعصيتَ قـولي


 

وَجِّنْبني النّصيحةَ في الجماعـةْ
من التَّوبيخِ لا أرضى استماعَهْ
فلا تجزعْ إِذا لم تُعْطِ طاعــهْ


وهكذا وفي إطار التَّغيير بالحكمة وضع الشَّافِعِيّ آداباً للنَّصيحة الصَّحيحة منها أنَّ لا تكون أمام النَّاس كي لا يُحرج المنصوح. إنََّ النَّصيحة في الملأ توبيخ يدل على عدم لباقة النَّاصح على معالجة الأمور وسياسة النُّفوس والوصول إلى قلب المنصوح بالحكمة.

تحدَّث الشَّافِعِيّ في الرِّسالة عن أهمية نصيحةُ المسلمين وذكر الأدلَّة وقال إِنَّ النَّصيحة من طاعة الله وطاعةُ الله جامعة للخَير. والنَّصيحة باب عظيم للدَّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ولا قوام لها إلا بالحسنى والحكمة فإنَّ النَّصيحة رسالة تحتاج إلى غلاف جذَّاب غير مُنفِّر تصل إلى المنصوح بغرض التَّصحيح لا التَّجريح. ومن مداخل الشَّيطان أنَّ يظن البعض أنَّ وظيفة النَّصيحة خاصة بالعلماء أو أنَّنا في عصر يدعو إلى الحرِّية الشَّخصية ولكل إنسان رأيه ولا ضرر يقع علينا من انحراف المنحرفين إذا اهتدينا وأنَّ الإنسان عليه أن يلزم داره ويدع ما لا يعنيه. والحق الذي لا ريب فيه أنَّ النَّصيحة شعيرة من شعائر الشَّريعة وأنَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم وهم أول تلاميذ المصطفى صلى الله عليه وسلم فَهِموا النَّصيحة كواجب يلزم كل مقتدر على حسب طاقته وامكاناته وأنَّ سبب هلاك الأمم كان بسبب التَّفريط بهذه الشَّعيرة العظيمة. لا يجوز لمسلم أن يرى مُسلماً يتكاسل عن أداء الصَّلاة مثلاً ثمَّ لا ينصحه بل الواجب عليه أن يذكِّره ويتواصى مع إخوانه بالحق. نعم لا يضرنا ضلال المنحرف ولن نحمل آثامه إذا أدينا واجب النُّصح نحوه كل حسب استطاعته وصدق الإمام الشَّافِعِيّ في قوله "ونصيحةُ المسلمين من طاعة الله. وطاعةُ الله جامعة للخَير".

عندما سمع الشَّافِعِيّ تلميذه المزني يقول عن أحد الرُّواة "فلان كذاب" ردَّ عليه: يا إبراهيم، اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء" (الخطيب، 1981 م، ص 267). حفظ اللِّسان ووزن الكلام قبل التَّلفظ به يعصم الإنسان من الزَّلل وقد قال الإِمام الشَّافِعِيّ رحمه اللّه: إذا أراد [الإنسان] الكلام فعليه أن يُفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر وقال الإِمامُ الشَّافِعِيّ رحمه اللّه لصاحبه الرَّبِيع: يا ربيعُ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنَّك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها.

لقد استخدم الشَّافِعِيّ الشِّعر التَّعليمي أيضاً كوسيلة من وسائل التَّربية وديوانه الشِّعري معروف وواسع الانتشار وهو من أروع شِعر الزُّهد. وَضع الشَّافِعِيّ وثيقة قيِّمة حول عناصر النَّظرية الشِّعرية في إطارها الإسلامي التَّربوي وفي ضوئها يُصبح الأدب أداة للبناء والعطاء، لا معولاً للهدم والشَّقاء. قال الإمام الشَّافِعِيّ في حكم شهادة الشُّعراء "الشِّعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه، كقبيح الكلام، غير أنَّه كلام باق سائر، فذلك فضله على الكلام فمن كان من الشُّعراء لا يُعرف بتنقُّص المسلمين وأذاهم والإكثار من ذلك ولا بأن يمدح فيكثر الكذب، لم ترد شهادته". أي أنَّه عدل يُعْتَدُ بقولِهِ.

 

التَّربية الصِّحية

اهتم الشَّافِعِي بالعِناية بالجسد وحثَّ على تنمية الإنسان مادياً وعقلياً ونفسياً. المسلم القوي أحب إلى اللهِ سُبْحَانَهُ من المسلم الضَّعيف وفي كل منهما خير. إنَّ المسلم القوي قادر أكثر من غيره على تحمُّل أعباء الحياة والصَّبر في ميدان الجهاد. منذ نعومة أظفاره توجه الشَّافِعِيّ نحو الرِّماية وركوب الخيل حتى أنَّ أخبار تفوقه في هذين الميدانين مُتواترة في كُتب من ترجم له. ولِشَّدة عنايته بالجسد فإنَّه كان يُوصي طُلابه ببعض الأغذية وكان يُحذِّرهم من الأكل الكثير ويأمرهم بجملة من الآداب الصِّحية في الأكلِ والمَشربِ. وامتداداً لهذا الخط نجده يُعظِّم من علم الطِّب ويوجه المسلمين نحوه فإنَّ علم الأبدان من العلوم الهامَّة لسعادة الإنسان في هذه الدُّنيا. قال الشَّافِعِيّ: العلم عِلمان: علم الأديان، وعلم الأبدان وذكر أنَّ كثرة الطَّعام من أهم أسباب السِّقام.

ولقد استخدم الشَّافِعِيّ الذِّكر والمناجاة والدُّعاء والصَّلاة كوسيلة من وسائل تدعيم الصِّحَّة النَّفْسِيَّة فلا يخيب من اعتصم بخالقه سُبْحَانَهُ وتعالى وهل الاضطرابات النَّفْسِيَّة في العصر الحديث مثل الاكتئاب والقلق والضَّغط النَّفسي إلا ضريبة من ضرائب البُعد عن طاعة الله وترك عبادته بالوجه الأمثل؟ أعلن التَّقرير السَّنوي الصَّادر عن مُنظمة الصِّحة العالمية أنَّ مليون شخص ينتحرون سنوياً بسبب الإكتئاب وأنَّ ما يُقارب 450 مليون شخص يُعانون من أمراض عصبية وعقلية (عبدالدايم، 2001، ص 9).

لم يغفل الشَّافِعِيّ عن الجانب النَّفسي في عملية التَّعلم فقال:

شكوت إلى وكيع سوء حفظـي
وأخبرني بأن العلم نــــور


 

فأرشدني إلى ترك المعاصي
ونور الله لا يهدي لعاصي
 ‏

ولا شك أنَّ الآثام تحجب القلب من نور الحق فهي تشغل العقل وتُنهك الرُّوح إما بالنَّدم والتَّوبة أو التَّمادي في الذََّنب وفي كِلا الحالين ينشغل المرء فلا يُحَصِّل العلم كما ينبغي وتضعف النَّفس.

اهتم الشَّافِعِيّ بالطِّب الرُّوحاني المتمثل بالأدعية المأثورة فتراها في كتبه مبثوثة. واليوم نجد العلاج النَّفسي يحظى باهتمام بالغ. من القواعد الهامة للصحة النَّفْسِيَّة أنَّ القرآن الكريم خير علاج ووقاية وهداية للبَّشر جميعاً، صغاراً كانوا أم كباراً، ذكوراً وإناثاً. يواجه الإنسان يومياً عوائق دنيوية كثيرة فما السَّبيل لمواجهتها؟ قال الشَّافِعِيّ: "فليست تنـزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدَّليلُ على سبيل الهدى فيها".

والإيمان والتَّسليم بالقضاء والقَدَرِ يجلب الرَّاحة النَّفْسِيَّة. وكلَّما فهم الإنسان طبيعة الحياة سهل عليه التَّعايش معها ومِن أبجديات الحياة أن نُوطِّن أنفسنا على خيرها وشرِّها، وحلوها ومرِّها، ونفحاتها ولفحاتها، ومِنَحها ومِحَنها وهو ما أكّد عليه الشَّافِعِيّ لا سِيَّما في شِعره. للشَّافعيّ قَصيدة صادِقة في التَّسليم بقضاء اللهِ وقدره وهي أشهر قصائد الشِّعر العربي وأروعها ويقول فيها:

دَعْ الأيامَ تفعلُ ما تَشاءُ
ولا تَجْزَعْ لحادثِةِ اللَّيالِي
وكُنْ رَجُلاً على الأهوالِ جَلْداً
وإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ في البَرايا
تَسَتَّرْ بالسَّخاءِ فكلُ عَيْبٍ
ولا تُرِ للأعادِي قَطُُّ ذُلا
ولا تَرجو السَّماحَةَ من بخيلٍ
ورِزقُكَ ليس يُنْقِصُهُ التَّأَني
ولا حُزنٌ يَدومُ ولا سُرورٌ
إذا ما كنتَ ذا قلبٍ قنوعٍ
ومَنْ نَزلَتْ بِساحَتِهِ المَنايا
وأرضُ اللهِ واسِعةٌ ولكنْ
دَع الأيام تغدِرُ كلَّ حِينٍ


 

وطِبْ نَفْساً إذا حَكَمَ القضاءُ
فما لحوادثِ الدُّنيا بقاءُ
وَشِيمتُكَ السَّمَاحَةُ والوَفاءُ
وسرَّكَ أن يكونَ لها غِطاءُ
يُغَطِّيهِ كما قِيلَ السَّخاءُ
فإِنَّ شماتَةََ الأعداءِ بلاءُ
فَما في النَّار للظَّمآنِ ماءُ
وليس يَزيدُ في الرِّزقِ العناءُ
ولا بُؤْسٌ عليك ولا رَخاءُ
فأنتَ ومالكُ الدُّنيا سواءُ
فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماء
إذا نَزَلَ القَضاَ ضاقَ الفضاءُ
فما يُغني عن الموتِ الدَّواءُ
 

هذه الكلمات علامة مُضيئة في سماء الصَّبر تُنير حياة الصَّابرين صَبراً جميلاً ولقد جاء في الحديث "والصَّلاَةُ نُورٌ، وَالصّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ" (رواه التِّرمذي، انظر المباركفوري في تُحفة الأحوذي: كتاب الدَّعوات). قال العلماء «والصلاة نور» "معناه أنَّها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر. وتهدي إلى الصَّواب. كما أنَّ النُّور يُستضاء به، وقيل معناه أنَّه يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة وقيل لأنَّها سبب لاشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: {واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة} وقيل معناه أنَّها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة ويكون في الدُّنيا أيضاً على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل «والصَّدقة برهان» معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين كأنَّ العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السُّؤال فيقول تصدَّقت به، ويجوز أن يوسم المتصدِّق بسيما يعرف بها فيكون برهاناً له على حاله ولا يُسأل عن مصرف ماله، وقيل معناه الصَّدقة حُجَّة على إيمان فاعلها فإنَّ المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدَّق استدل بصدقته على صدق إيمانه «والصَّبر ضياء» معناه الصَّبر المحبوب في الشَّرع وهو الصَّبر:

على طاعة الله تعالى

والصَّبر عن مَعصيته [أي يُجاهد هوى النَّفس التي تُزين له فعل المعاصي]

والصَّبر أيضاً على النَّائبات وأنواع المكاره في الدُّنيا،

والمراد أنَّ الصَّبر المحمود لا يزال صاحبه مُستضيئاً مُهتدياً مستمراً على الصَّواب. قال إبراهيم الخواص: الصَّبر هو الثَّبات على الكِتاب والسُّنَّة" (المباركفوري في تُحفة الأحوذي: كتاب الدَّعوات).

 

أخلاق النّبلاء

مَن تمعَّن في تُراث الشَّافِعِيّ يجد أنَّه اعتنى ببيان مكارم الأخلاق فَحَوى شِعره ونَثره نصائح مُخلصة تحث على الفضائل والآداب السَّامية وتنهى عن مساويها ويجده شديد التَّركيز على الأخلاق والجانب الاجتماعي وخاصة أخلاق المربين. ولقد بلغ من أدب العلماء أنَّ الواحد منهم  يدعو الله فيقول: "اللَّهم استر عيب شيخي عني، ولا تُذهب بركة عِلمه مني".

 ومِن أخلاق المربين أنْ يذكر العالِم فضل إخوانه وهاهو الشَّافِعِيّ يبين لنا أنَّه يعرف حقاً قَدْر العلماء فيقول النَّاس في الفِقه عِيال على أبي حنيفة وقال: لولا الزُّهْرِيّ لذهبت السُّنن من المدينة .. لولا مالكٌ وسفيان لذهب علم الحجاز.. ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعيما عبَّر أحدٌ من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي.

وعن أخلاق الصَّديق يقول الشَّافِعِيّ:

سلامٌ على الدُّنيا إِذا لم يكنْ بها


 

صديقٌ صدوقٌ صادق الوعدِ منصفا


ولأهمية موضوع الصَّداقة فإنَّ الشَّافِعِيّ في شعره خاصَّة ونثره عامَّة فصَّل في خصال الصَّديق الصَّالح وقرَّر أنَّ الصَّديق الصَّادق هو الذي يغض الطَّرف عن العثرات، ويحفظ حق صاحبه في الحياة والممات، ويُرافقه ويوافقه في كل أمرٍ يُريده ما لم يكن الأمر من المحرَّمات، كما يقف معه في الأزمات. ومن صِفته حب العلم وغني النَّفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، ولبس التَّقوى، والثِّقة بالله عزَّ وجلَّّ على كل حال، والسَّخاء، والتَّواضع،و الأمر بالمعروف والنَّهى عن المنكر، والمحافظة على حدود الله تعالى. ولأنَّ الإنسان خطَّاء فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته فهو الصَّاحب العادل في ميزان وبيان الشَّافِعِيّ.

حياة الشَّافِعِيّ كلها قائمة على التَّواضع، والإخبات، ولين الجانب، ورحابة الصَّدر، وبشاشة الوجه، وخفض الجناح، وحُسن التَّخلق فزادت هذه المكارم عِلمه عُلُواً، وعِرفانه تعظيماً. قال رحمه الله:

أُحِبُّ الصَّالحين ولست منهم
وأكرهُ من تجارتُه المعاصــي


 

لعلي أن أنالَ بهم شفاعـةْ
ولو كنا سواءً في البضاعةْ
 ‏

والشَّافِعِيّ صاحب العلم والشَّرف والعِز لم يكن يوماً ينظر إلى النَّاس بغرور وفخر. بل كان يُؤمن أنَّه كلَّما زاد عِلمه زاده عِلماً بجهله، وطرح رداء الكِبر وَوِشاحه عندما أخذ يتعلم من طلابه وممن هم في مرتبته من العلم، ويقول لطلابه أين الحديث الصَّحيح لأذهب إليه، ويتمنى أن يأخذ النَّاس علمه من دون أن يشتهر هو، وكان يأمر أصحابه بالتَّواضع وخاصة لمن يأتي إلى درسهم، ويحرص على تقديم أفضل الطَّعام لأصحابه وطلابه. وكل ذلك كان على سبيل التَّواضع وهضم النَّفس. وبلغ الشَّافِعِي غاية التَّواضع عندما كان لا يبالي إذا ظهر الحق على لسانه أو لسان من يناظره فالمهم عنده هو أن يتَّبع الصَّواب ويُصيب الحق. التَّواضع يعني الاستسلام الكامل الصَّادق للحق مع المشي في مناكب الأرض بالعدل لا جَوْرَاً ولا غِلظة. وعليه فإنَّ عدم التَّواضع يُؤدي إلى البغي في الأرض واحتقار الخلق، والإعراض عن الحق. قال الشَّافِعِيّ: التَّواضع من أخلاق الكرام والتَّكبر من أخلاق اللِّئام وأرفع النَّاس قدراً من لا يرى قدره وأكبرهم فضلاً من لا يرى فضله.

 

مُراعاة الفروق الفردية

احتلَّت قضية الفروق الفردية لدى المُعَلِّمين والمتّعلمين عند الشَّافِعِيّ مكاناً هاماً جداً، سواء على مستوى تُراثه في الشِّعر أو على مستوى النَّثر. هذا الموضوع يتمُّ التَّطرق إليه اليوم تحت باب "تفريد التَّعليم" و"التَّعلم الذَّاتي" في علم النَّفس التَّربوي. قال الشَّافِعِي في مقدمة كتابه الرِّسالة "والنَّاس في العلم طَبقات، موقعُهم من العلم بقدْر دَرجاتهم في العِلم به. فحُقَّ على طَلبة العلم بلوغُ غاية جهدِهم في الاستكثار من علمه، والصَّبرُ على كل عارض دون طَلَبِه، وإخلاص النِّية لله في استدراك عِلمه نصّاً واستنباطاً، والرَّغبة إلى الله في العون عليه، فإنَّه لا يُدرَك خيرٌ إلا بعونه".

ترحيب الشَّافِعِيّ بالاجتهاد وحفاوته بإعمال العقل، وعرض آراء المخالفين له ومناقشة حُجَجِهِم، وتنويع طرائق عرض أفكاره، من الأدلَّة على تبنيه أهمية الفروق الفردية وضرورة التَّعرض فكراً وتطبيقاً. كان الشَّافِعِيّ يكلِّم طُلابه على قدر ما يفهمونه عنه، ولو كلمهم على قدر فهمه وسعة لغته ما استفاد منه كل طلابه. قيل للشَّافعي أَخْبِرنا عن العقل يولد به المرء؟ فقال: لا! ولكنَّه يلقح من مجالسة الرِّجال، ومناظرة النَّاس (الأصفهاني، حِلية الأولياء، ج9 ص121). يرى الشَّافِعِيّ أنَّ كل من الوراثة والبيئة يلعبان دوراً كبيراً في تشكيل العَقل البشري فالوراثة مثل البذرة والبيئة مثل التُّربة ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر وكما أشار رحمه الله إلى أنَّ (الطَّبع أرض، والعلم بذر ولا يكون العلم إلا بالطَّلب، فإذا كان الطَّبع ماثلاً زكا ريع العِلم وتفرَّعت معانيه).

قال الإمام مُقرِّراً وجود الفروق الفردية ومُعترفاً بانعكاساتها على ثقافات النَّاس:

والنَّاس يجمعهم شمل، وبينهم


 

في العقل فرق وفي الآداب والحسب


نلاحظ في كتابه الرِّسالة إشارات واضحة في موضوع الفروق الفردية التي كان لها أثراً واضحاً في بناء مِنهاجه في أصول الفِقه ولقد وصف العلماء بقوله "وهم دَرجات فيما وَعَوا".

ورغم إيمانه بالخلاف بين النَّاس عامَّة والعلماء خاصة إلا أنَّه يرى أنَّ هناك اختلاف تَضاد وتصادم وهو مذموم وهناك اختلاف فيه مُسوِّغ وقد يكون اختلاف تنوع وهذا النَّوع غير مذموم. الخلاف الغير مذموم يكون في أمور فيها سعة وتتحمل أكثر من تأويل. وعليه فهناك مَواطن فيها نصوص وأدلة قطعيَّة الدّلالة لا تحتمل النِّزاع وهناك مسائل ونصوص ظنية الدّلالة تتباين فيها وجهات النَّظر والخلاف فيه غير مذموم.

 

مُناقشة التَّربية السِّياسيَّة

أكَّد الشَّافِعِيّ على حرية الإنسان فقال "إنَّ الله خلقك حُرّاً، فكن كما خَلقك" وهذه عِبارة صادقة فأعظم دور للتَّعليم ينبثق من هذه القاعدة إذ المُراد من التَّعْلِيْم تحرير الإنسان من أغلال الجهل، وقيود التَّقليد الأعمى والتَّقاليد السَّلبيَّة التي تحجب المدارك من الرُّؤية العِلمية الموضوعية. أن يعيش المرء حُراً هو أن يعيش سعيداً. قال الشَّافِعِيّ: "كل ما قُلته لكم، ولم تَشهد عليه عقولكم، أو تقبله، أو تراه حقاً فلا تَقبلوه، فإنَّ العقل مُضطر لقبول الحق".

وكما ربى الشَّافِعِيّ طلابه على حُب الحرِّية فإنَّه شن حرباً عاتية على الظُّلم لأنَّه عدو الحرِّية وعدو الكرامة وعدو الإنسانيَّة. الشَّافِعِيّ الفَقيه في حلقاته ودروسه في المسجد هو بلحمه ودمه الشَّافِعِيّ المصلح الاجتماعي الدَّاعي إلى الحرِّية والكرامة واحترام القيم الإنسانية في طرقات المجتمع وداخل قصور السَّلاطين. قال الشَّافِعِيّ عن سُمو نفسه "ونفسي نفس حر ترى المذَّلة كفراً".

والشَّافِعِيّ الذي يرسى دعائم الإسلام يطلب من الحاكم أن لا يستبد برأيه بل عليه أن يستشير مَن حوله من العلماء الأمناء. قال الشَّافِعِيّ: إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه ويدلّه على مالا يَستحضره" (فتح الباري). وعن آلات الرِّياسة وأهم صِفات القائد ذكر الشَّافِعِيّ خمسُ صفاتٍ ينبغي أن يتحلَّى بها صاحب الشَّخصية القيادية وهي: صدقُ اللَّهجة، وكتمان السِّر، والوفاء بالعهد، وابتداء النَّصيحة، وأداء الأمانة.

ورغم أنَّ الشَّافِعِيّ يرى أنَّ الشُّورى مُستحبة فإنَّ الكثير من العلماء مثل القرطبي، الفخر الرَّازي، وابن كثير يرون أنَّ الشُّورى واجبة في حق الحاكم وأنَّه مسئول أمام الرَّعية ومُعرَّض للمساءلة القانونية.

قال القُرطبي في تفسيره "قال ابن عطية: والشُّورى من قواعد الشَّريعة وعزائم الأحكام؛ من لا يستشير أهل العلم والدِّين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه. وقد مدح الله المؤمنين بقوله: "وأمرهم شُورى بينهم" [سُوْرَةُ الشُّورى: 38]. قال أعرابي: ما غبنت قط حتى يغبن قومي؛ قيل: وكيف ذلك؟ قال لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم. وقال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مُشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدِّين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه النَّاس فيما يتعلق بالمصَّالح، ووجوه الكُتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وكان يُقال: ما ندم من استشار. وكان يُقال: من أُعجب برأيه ضل".

يَرى الشَّافِعِيّ أنَّ الشُّورى مُستحبة للحاكم وولي الأمر فهي مُعْلِمَة وليست مٌلْزِمة والأب أيضاً يُستحب له استشارة ابنته في أمر زواجها ولو أنَّه أكرهها على النِّكاح لجاز لكن الأولى عدم فِعل ذلك تطييباً لنفسها كما يرى الشَّافِعِيّ. هذه الآراء قد تُخالف فِطرة المرء في العيش بِحُرِّية فإذا كان النِّكاح مَبني على الكراهية فالنَّكد أول حصاده المر. استناداً إلى هذه المسائل وغيرها يميل بعض الباحثين في العلوم الاجْتِمَاعِيَّة إلى القول بأنَّ بعض المذاهب الفِقهية أحياناً تُعطي المرأة مَساحة محدودة من الحرِّية المدنية والسِّياسية (Safi, 2001, P. 26-27).

قاس الشَّافِعِيّ "أمر الشُّورى على مشاورة البِكر في الزَّواج وهو يراها غير واجبة بل للأب أن يزوج ابنته بغير رضاها وهذا غير صحيح بل يجب على الأب استئذان ابنته البِكر في الزَّواج كما دَلت على ذلك النُّصوص. في رأي الإمام الشَّافِعِيّ أنَّ الشّورى أمر جائز وأنها حق للإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه. لقد ابتلينا في عصرنا بالاستبداد والتَّسلط وإبرام الأمور في غيبة الأمة فهل يكون من الإنصاف والعدل أن نترك قاعدة الشُّورى في هذا الوقت ونحن أحوج ما نكون إليها" (عبدالخالق، 2001 م، بتصرف).

وأفضل طريقة لإصلاح المجتمع  هي الاعتناء بالأسرة ونَشر الشُّورى فيها فيعتاد الطِّفل حُرِّية الحِوار ويعيش مع حقِّ الاختيار فلا يجبره أحدٌ على العمل أو الزَّواج مُكرهاً. شرعاً لا يحق للأب أن يتصرَّف في مال ابنته إذا كانت بالغة رشيدة إلا بإذنها ولا شك أنَّ شأن زواجها أعظم (انظر ابن تيمية، الفتاوى، باب النِّكاح) فكيف يجوز أن يتصرَّف بتزويجها دون رضاها؟ فهذا المنطق مُخالف للأصول والعقول والنِّكاح مَودة ورحمة وسكن لا إكراه وتسلُُّط واستبداد.

نجد في كُتُبِنا التُّرَاثية استنباطات غريبة يتم التَّأكيد عليها في أكثر من مكان وما زالت تُنشر بشكل واسع ويمكن أن تكون لها تفسيرات مُتَطرِّفة منها عدم استشارة المرأة، لنقص عقلها وأنَّ طاعة النِّساء ندامة.. فإنَّهنَّ لا يأمرنَّ بخير والحزم والنَّجاة في خلافهنَّ ..فإنْ لم يجد الرَّجل من يستشيره شاورها وخالفها لما ورد: خالفوا النِّساء فإنِّ في خلافهن البركة. وينسبون إلي الشافعي أَنَّه قال "ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك المرأة والعبد والفلاح" (المناوي). في ظل غياب مبدأ الشُّورى تقع مظالم كبيرة. أن تتزوج الفتاة من رجل أكبر من سنها بخمس مرات وهي ترفضه أمر فرضته الأعراف وليس من الإنصاف.

لقد كان الرَّسول صلى الله عليه وسلم يُكثر من استشارة أصحابه ويأخذ بها ويقبل النَّصيحة وإن كانت من امرأة المهم عنده أن يُصيب الحق في المسائل التي لم ينص عليها الوحي وكذلك كان نهج الخلفاء الأربعة.

على الأُمَّة اليوم تطوير مؤسَّسات سياسيَّة كفيلة بتحقيق مبدأ الشُّورى ومؤسسات التَّعْلِيْم مُطالبه بغرس مفهوم الحرِّية السِّياسيَّة كحق للرَّعيَّة فهي من أهم مستلزمات الوعي التَّربوي ومن أهم مقتضيات الرُّقي الحضاري. يكفي هذه المُؤَسَّسَات التّدريس عبر تكديس المعلومات في ذهن المتعلم دون أن يتعلم المسلم حقوقه السِّياسيَّة التي خُنقت بقوانين الطَّوارئ كغطاء للاستبداد. هذه المهمة في التَّربية السِّياسية من أهم أولويات التَّعْلِيْم في الدُّول العربية والإسلامية بعد أنْ أَصبحت الدُّول الغربية الغير مُسلمة داراً للمفكرين المهاجرين من أبناء المسلمين. العدالة أثمن المفاهيم الأساسية وهي ثمرة الحرِّية، والحرِّية حركة فِكْرِيَّة ومادِّية تنشأ في ظِلِّ السِّياسة الحكيمة القائمة على الشُّورى بين جميع طبقات المجتمع.

"وتأسيساً على هذه المحنة الوجودية للإنسان العربي، تبرز اليوم الضَّرُورة التَّارِيخِيَّة لبناء وعي تربوي عربي مُتكامل بحقوق الإنسان، وتنهض أهمية تأصيل قيم التَّسامح والحق والسَّلام في مؤسَّساتنا التَّربوية، وفي برنامجنا ومناهجنا المدرسيَّة والإعلاميَّة والجامعيَّة. وإذا كانت هذه الضَّرورة التَّربوية تأخذ طابعاً ملحاً في مختلف أنحاء العالم المعاصر، فإنَّها في سِياق وجودنا وحياتنا العربية تَتجاوز حُدود كل أولوية وضَرورة" (وَطفة والرَّاشد، 1999، ص 11).

 

مُناقشة رأي الشَّافعي في العِقاب البدني

للشَّافِعِيّ رأيه المتميِّز الحُر في موضوع استخدام العقاب البدني في أمور التَّعْلِيْم ولا رَيب أنَّه يرى جوازه فالأدب الخفيف لتقويم سلوك الولد والبنت أمر جائز متى وُجِدت الضَّرورة له ومتى أمِنَ المُربي سلامة العاقِبة وتحقَّقت فائدة المُعاقبة. من الواضح أنَّ الشَّافِعِيّ يميل أكثر من غيره إلى تقليل وتقليص أُسلوب العِقاب في الأُسرة والمدرسة إلى أدنى دَرجة مُمكِنة ويُؤكد على أنَّ المرأة الخيِّرة لا يضربها زوجها فخير النِّساء من لا تُضرب. خلافاً للأئمة أصحاب المذاهب الفقهية المعتمدة فإنَّ الشَّافِعِيّة يرون أنَّ المُعَلِّم في حال استخدام العقاب الجسمي بغرض التَّعْلِيْم عند الضَّرورة القُصوى فإنَّه يتحمَّل مسؤولية أي ضرر يلحق بالمتعلم. في العصر الحديث رأي الشَّافِعِي هو المعمول به في معظم أقطار العالم فلا يحق للمعلم أن يحمل معه العصا في المدرسة ولو استخدمها على سبيل التَّأديب ثم ظهر ضرر أو تلف في جسد أو نفس الطَّالب فإنَّ الضَّمان والمسئولية تقع على عاتق المُعَلِّم. الشَّافِعِيّ من أولَّ من تبنى من الفقهاء فِكرة أنَّ الطَّّفل يمكن تربيته من غير الحاجة لعقابه بدنياً مع جواز استخدامه وفق الضَّوابط المعلومة ويرى أن المُعَلِّم يمكن أن يَستغني عن العصا في تربيته لِلصَّبي لأنَّهُ يُمْكِنُهُ تَأَدَّبِيهِ غَالِباً بِغَيْرِ الضَّرْبِ. قال ابن قدامة ‏‏(620 هـ = 1224م) في المُغني رداً على هذه الأُطروحة "وَلِلْمُعَلِّمِ ضَرْبُ الصِّبْيَانِ لِلتَّأْدِيبِ.‏ قَالَ الأثْرَمُ:‏ سُئِلَ أَحْمَدُ، عَنْ ضَرْبِ المُعَلِّم الصِّبْيَانَ ‏قَالَ:‏ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لا يَعْقِلُ فَلا يَضْرِبْهُ.‏ وَمَنْ ضَرَبَ مِنْ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ الضَّرْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ.‏.. وَقَوْلُ الشَّافِعِيّ:‏ يُمْكِنُ التَّأْدِيبُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ.‏ لا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْعَادَةَ خِلافُهُ، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّأْدِيبُ بِدُونِ الضَّرْبِ، لَمَا جَازَ الضَّرْبُ، إذْ فِيهِ ضَرَرٌ وَإِيلامٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.‏ وَإِنْ أَسْرَفَ فِي هَذَا كُلِّهِ أَوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغِنَى بِهِ أَوْ ضَرَبَ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ مِنْ الصِّبْيَانِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، لأنَّهُ مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بِعُدْوَانِهِ" (باختصار).‏ هذا النِّقاش العلمي النَّافع يُعطينا حجم الجهود العِلْمِيَّة التي بُذلت في حضارتنا الإسلامية في سبيل ضَبط وحِماية حقوق العالِم والمتعلم قانونياً وهي مسائل في نهايتها تهدف إلى ترشيد العمل في الحقل التَّعْلِيْمي عبر توفير أكبر قدر من ضمانات الأمن المادي والنَّفسي لكل من المُعَلِّمِ والمتعلِّمِ. رأي الشَّافِعِيّ في تَجنب العقاب البدني إلى أقصى حدٍ رغم أنَّه كان يُخالف رأي جمهور الفُقهاء قديماً نجده اليوم هو الأصل المعمول به في مُعظم مدارس الدُّنيا لأنَّه الأحوط والأسلم قانونياً عند كثير مِن المُربين. كان مُعظم النَّاس قَديماً يُعطون مُطلق الحرِّية للمعلِّم لعقاب الصَّبي جِسمياً في سبيل التَّعْلِيْم ولكن الوضع اليوم اختلف تماماً بل إنَّ عُنصر الثِّقة المُطلقة بِكفاءة اجتهادات المُعَلِّم لم يعد كما كان. إنَّ الثِّقة بالمُعَلِّم تخضع لمعايير أخرى يَحق فيها لولي أمر الطَّالب أن يرفض ما يراه مُضراً في تربية ابنه أو ابنته. هل تَرْك العِقاب بهذه الصُّورة فيه مثاليَّة في التَّربية لا يمكن تصور وجودها واقعياً؟ هل جميع الطُُّلاَب نُعاملهم ونربيهم بنفس الأسلوب؟ إلى أي مَدى تحُدِّد العادات والتَّقاليد معايير التَّعامُل والتَّفاوض؟ هذه وغيرها من المناقشات كانت ومازالت في أذهان فرسان التَّربية يُناقشونها دون أن يُلغي أحدهم الطَّرف المخالف لَه فِكرياً، بل كانوا يعملون في جو عِلمي مُتفتِّح ويقومون باختيار الأُسس الإدارية التَّربوية التي يَنبغي أن  تَحكم مَدارسهم وتوصلهم لغاياتهم.

 
أبو حامد الغزالي

(450 - 505 هـ ) = (1059 – 1111 م)

مَوسوعة التَّربية

m

الإمام الغزالي مفكر ربّاني ملأ طِباق الأرض عِلماً وفَضلاً وتَعليماً نبغ في علوم كثيرة من أهمها علم الفلسفة والتَّصوف والفِقه. هو البحر المُغدق في عِلمه عاش في القرن الخامس الهجري وأدرك بضع سنوات من القرن الذي يليه ويُعتبر من أبرز أعلام التَّربية الإسلاميَّة. تحدَّث بإسهاب عن فضل العلم وأقسامه والحكم الشَّرعي المُرتبط بتعلم العلوم المعروفة في عصره وأخلاقيات العالم والمتعلم. قال عنه السُّبكي في طَبقاته "حُجَّة الإسلام، ومَحَجَّة الدِّين التي يُتوصَّل بها إلى دار السَّلام. جَامِع أشتات العلوم، والمُبرَّز في المنقول منها والمفهوم" (ج6، ص 191).

تدل مُصنفات الغزالي على إلمامه بدقائق صنعة التَّعْلِيْم. من يسبر غور كِتابات الإمام الغزالي صاحب المُصنفات الكثيرة والقَلم السَّيال يتحقق قطعاً من أنَّ التعلم عنده يُعتبر حقاً صنعة هامة لها أُسسها الدِّينيَّة والنَّفْسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة كما أنَّه اهتم بعلاج الأمراض النَّفْسِيَّة كالحسد والكِبَر فدرسها بتفصيل وتأصيل مُتفرد. لقد توسع في الحديث عن حقوق وواجبات الزَّوجين وأكَّد على حق المرأة في التَّعلم ولكنَّه قصر حقها على تعلم بعض الأحكام الشَّرعيَّة فقط. كتاباته - عموماً- فيها إسهاب بالنِّسبة لإيراد الشَّواهد والنقولات مع تركيز واضح على الشَّواهد القرآنيَّة والنَّبوية وآثار السَّابقين وحِكمهم. 

هجر أبو حامد الغزالي الفلسفة بعد أن تعمَّق فيها فاتَّجه نحو الْصُّوْفِيَّة فاصطبغت أفكاره بإعلاء شأن الزُّهد وبالغ أحياناً في موضوع التَّقلُّل من الدُّنيا. تقوم تربيته على الالتزام بالدِّين وتطهير الباطن ولقِّب بحجَّة الإسلام في نظر كثير من العلماء لأنَّه دافع عن الرِّسالة الإسلاميَّة دِفاعاً عادلاً، وردَّ شبهات الفلاسفة وهاجمهم بمنطقهم فجعل الفَلسفة أقرب إلي هاوية التَّهافت، وكذلك فنَّد تأويلات المعتزلة المتكلفة، ونقد الحركة الباطنيَّة بالحُجة البالغة.

 تَركزت مُعظم الانتقادات التي وُجِّهت إليه حول الرِّوايات التي استشهد بها حيث أنَّ الغزالي اعتمد في كثير من الموضوعات على مئات من الأحاديث النَّبوية الضَّعيفة أو الموضوعة وقال البعض أنَّه أغفل موضوع الجهاد ولم يجعله ضمن مِنهاجه الإصلاحي (دمشقية، ص 337). بغض النَّظر عن درجة قوة الانتقادات المذكورة فلقد قرَّر بعض السَّابقين من أئمة أهل السُّنَّة أنَّ الغزالي إمام كبير وما من شرط العالم أنَّه لا يُخطِئ (الذَّهبي، ج19، ص339)، "وما من إمام إلا وقد طعن به طاعنون" (السُّبكي، طَبقات الشَّافعية الكبرى، ج2، ص 9). وعلى ذلك فإنَّ من القواعد المُقرَّرة في دراسة الفِكر التَّربوي الإسلامي أنَّ الإسلام لا يَحجر نِعمة الفِكر على أحدٍ ولا يحتكر الاجتهاد إذا توافرت الشُّروط العِلْمِيَّة المطلوبة له بل يَحض عليه ولكن ليس لبشرٍ أن يدَّعي أنَّه معصوم من الزَّلل إلا أن يكون نبياً قد اصطفاه الله تعالي لحمل رسالته. الفكر يقوم على الأدلة والبراهين وكلَّما حشد المفكر الحجج المساندة لرأيه كلَّما زادت أفكاره قوة. ومن الكتب الموسوعية التُّرَاثية في الدِّفاع عن الإمام الغزالي كِتاب الزَّبيدي؛ السَّيد محمد بن محمد الحسيني، إتحاف السَّادة المتَّقين بشرح أسرار إحياء علوم الدِّين وفي عصرنا هذا دافع الأستاذ صالح الشَّامي دفاعاً مُنصفاً مُخلِصاً عن فِكر الغزالي وفنَّد بحكمةٍ معظم الشُّبهات التي حامت حوله.

 

نشأته وحياته

هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطُُّوسي الغزالي وقيل أنَّ الغزالي نسبة إِلى قرية يُقال لها غزالة أو الغزَّالي نسبة إِلى صَنعة الغزل إذ كان أبوه يشتغل بغزل الصُّوف والقول الأول هو المشهور والمتعارف عليه. ولد في عام 450 هـ = 1059م في طابران من ناحية طوس وهي مُقاطعة في خراسان شمالي شرقي إيران وتُسمى اليوم مدينة مشهد وهي مدينة فيها معالم إسلاميَّة تاريخيَّة. رغم وجود مُؤلفاتٍ كثيرة في ترجمة الغزالي ورغم معرفتنا للكثير من مواقف حياته إلا أنَّنا لا نعرف التَّفاصيل الدَّقيقة عن حياته الأسرية.

كان والد الإمام الغزالي يطمع في أن يتصدر ابنه المجالس حيث أنَّ الكدح في كسب لقمة العيش مَنعه من الطَّلب العِلمي ولم يكن نَصيبه من العلم إلا جلسات بسيطة فكان يجلس أحياناً في مجالس العلم ويسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقه ولداً يُصبح فقيهاً، وكان له ذلك بل أعظم من ذلك وتحقَّق حلمه وأصبح ابنه الفقير اليتيم أشهر إمامٍ وكثيراً ما تتحقَّق الأحلام بعد الآلام. يُقال أنَّ والده ترك مبلغاً من المال بعد وفاته وعهد بابنيه (محمد وأحمد) إِلى أحد الفضلاء من الصُّوفيين ولكنَّ المال الذي ادَّخره سرعان ما نفد وتحول الغزالي رحمه الله إِلى مَدْرَسَةٍ تَكفله مالياً وتوفر له القوت فلم ينشغل بالمعاش. ويُحكى أنَّ الإمام الغزالي قال: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لِلَّه" أي أنَّه دخل المدرسة ليحصل على حاجته المادِّية ولكن اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أنعم عليه فأصبح قصده من تحصيل العلم التَّقرب للخالق سُبْحَانَه.

تمَّ تعيين الغزالي أستاذاً في المدرسة النِّظَامِيَّة وسنّه نحو الثَّلاثين وكان ذلك عام 484 هـ إِلى 488 هـ ببغداد. كانت المدرسة النِّظَامِيَّة تُنافس الأزهر في العصر الفاطمي والذي أُسس في البداية لمناصرة المذهب الشِّيعي. قاد الغزإِلى المَدرسة النِّظَامِيَّة وكانت في ذلك الوقت من أبرز المراكز الفِكْرِيَّة في العالم الإسلامي يقصدها القاصي والدَّاني طَلَباً للعلم. قام الإمام الغزالي بالتَّدريس هناك لمدة أربع سنين ثم اعتزل زاهداً بالمناصب الدُّنيوية مُقبلاً على التَّأمل، والتَّفكير، والكِتابة، والتَّرقية الرُّوحية. ترك الغزالي عالم الخطابة وانكب على الكتابة فكان تحوله المفاجئ خسارة لجمهوره في تلك الفترة، ومَكسباً للمكتبة الإسلامية فيما بعد. لقد شعر أنَّ حُب الظهور أمام النَّاس بمظهر العالِم التَّقي أفسد إخلاصه فحمله صدقه وورعه وعلمه إلى ترك الشُّهرة وكل شيء من مال وأهل وجاه كي يتفرَّغ لتهذيب نفسه وهذه مرحلة من الشَّجاعة لا يصل إليها، ويُخلص فيها، ويكتب عنها إلا النَّدرة من المخلصين المُنصفِين.

سافر الغزالي في رحلة طويلة إلى مكة المكرَّمة والشَّام وجلس في دمشق كما ذهب إِلى الإسكندرية وقرَّر أن يزور المغرب العربي ولكنَّه تراجع لتقلُُّب الأمور السِّياسية فيها. كانت رِحلته في الفيافي والقِفار وتحمل عناء السفر لا تقل شدة عن ترويضه نفسه وبحثه عن سبل إحياء علوم الدِّين لتجري سفينة الحق وهي صامدة أمام طوفان الفلسفة.

وكان الغزالي بعد تركه للتَّدريس في النِّظَامِية يرتزق من نَسخ الكتب بعد أن كانت الأموال تفيض من بين يديه وعن يمينه وشماله. في بلاد الشَّام طاب له المقام وهناك ألَّف كتابه الشَّهير: إحياء علوم الدِّين. بعد رِحلته الطَّويلة لفِكره وجسده، عاد إلى بلده طوس مَسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطن أسرته، فأقام بها وابتنى رباطاً يُدرِّس فيه وبقربه اتخذ داراً حَسنة وغرس فيها بستاناً أنيقاً وأقبل على تلاوة القرآن وقراءة الأحاديث النَّبوية وقد كانت وصيته الأخيرة لأحد طلابه عليك بالإخلاص ولم يزل يكرِّرها حتى مات رحمه الله.

شيوخه وتلاميذه

تلقى الغزالي العلم على يد الكثير من العلماء والعظماء وكان الجويني (ت 478 هـ = 1085 م) على رأس قائمة الشَّخصيات التي أثَّرت فيه إذ أصبح مُعيداً له يحل محله ويُتمِّم جهوده. الجُوَيني هو أبو المعالي الجويني إمام الحرمين ولُقِب بذلك لأنَّه جاور بمكة المُكرمة ومن أشهر مُؤلفاته كتاب البرهان والورقات. كان مئات الطُّلاب يَحضرون المجالس العلمية التي يُحاضر فيها الجويني في مسائل الفِقه ويُناقشها مع طُلابه وفي هذه الأجواء عاش الغزالي. ومن شيوخ الإمام الغزالي أيضاً أبو القاسم الإسماعيلي وهو فقيه وكذلك الفارمذي وهو مُتصوف وواعظ وكذلك نصر المقدسي وهو فقيه شافعي. كما تأثر بالوزير السلجوقي نظام الملك الذي كان وزيراً للسُّلطان السلجوقي ملك شاه وكان عالمِاً.

أخذ عددٌ كبير من العلماء والتَّلاميذ من علم الغزالي ونشروه في الآفاق ولقد ذكر أبو بكر بن العربي أنَّه رأى الغزالي في بغداد وفي مَجلِسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر النَّاس يتعلمون منه. من طُلابه إبراهيم بن المطهر الشبَّاك، وأحمد بن على بن محمد بن برهان، وعبد الكريم بن على بن أبي طالب الرَّازي، وسعد الخير الصِّيني الأندلسي.

 

عصر الإمام الغزالي وأسباب انحراف الفِكر الإسلامي

عاش الغزالي في ظل ظروف سياسية مُتقلِبة الأحداث كما أنَّ أوضاع المسلمين كانت تميل في العموم إِلى التَّرف الفكري والبذخ المادي في الكثير من الحواضر الإسلامية. من النَّاحية الفِكْرِيَّة فإنَّ الأفكار اليونانية وغيرها بدأت تُهيمن على عقلية الفلاسفة كما اشتدَّت قوة مدرسة المعتزلة وكذلك انتَشَرَت أفكار الفرق السِّرية الباطنية.

في ذلك العصر اشتدَّت شوكة الباطنيين وهم طائفة تزعم أنَّ للشَّرائع باطناً لا يعرفه إلا فِئة ما. وفي هذه الطَّائفة يتم شرح نصوص الشَّرع بالهوى إذ أنَّهم يزعمون أنَّ تلك النُّصوص لها بعض الرُّموز والإشارات التي لا يعلمها إلا أهل الخصوص. تصدَّى الغزالي في كتابه "المنقذ من الضَّلال" لتلك الطَّائفة وكشف عن غوائل مذهب التَّعْلِيْم (الباطنية) في كتابه فضائح الباطنية. أكَّد الغزالي في معركته الفِكْرِيَّة مع مذهب التَّعْلِيْمِيَّة على أنَّه لا يجوز صرف شيء من نصوص الدِّين عن ظاهره من غير ذكر سند صحيح وسبب صريح. 

في ذلك العصر أيضاً تعدَّدت الممالك الإسلامية واشتدَّت المعارك في بلاد الأندلس بين المسلمين والنَّصارى وانتصر يوسف بن تاشفين المرابطي - بعد أن وصل إِلى الأندلس - على قوات الملك القشتالي ألفنسو السَّادس في معركة الزَّلاقة الشَّهيرة عام (479 هـ = 1086 م).

تأثَّرت التَّربية بالصِّراع الذي ظهر بين أهل السُّنَّة وبين الفرق المبتدعة من أهل الأهواء مثل الخوارج والمرجئة والجبرية والقدرية ..وكثير منها تُعتبر فرق نشأت لأسباب سياسية أو تأثرت بأديان من دخلوا الإسلام بعد الفتح. هدَّدت تلك الفرق مفاهيم العقيدة التي ينبني عليها العمل فظهر من يدعي أنَّ الإنسان مجبور ومُسَيَّر كالرِّيشة في الهواء كما فعل الجبرية وعليه فلا حاجة للبذل والعمل فالإنسان لا قدرة له. الاعتصام بالقرآن والسُّنَّة وهدي السَّلف، والعمل وفق ذلك هو سفينة النَّجاة كما تُشير نصائح الغزالي في مواجهته لأهل الأهواء. 

في مُقدِّمة كتابه "تهافت الفلاسفة" بيَّن الغزالي سبب تأليفه الكِتاب ووصف عصره قائلاً: "فإنِّي قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التَّميز عن الأتراب والنُّظراء بمزيد الفطنة والذَّكاء قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدِّين: من وظائف الصَّلوات والتَّوقي عن المحظورات واستهان بتعبدات الشَّرع وحدوده ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده بل خلعوا بالكلِّية ربقة الدِّين بفنون من الظُُّنون يتَّبعون فيها رَهطاً يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عِوجاً وهم بالآخرة هم كافرون ولا مُستند لكفرِهِم غير تقليد سماعي إِلْفِي كتقليد اليَّهود والنَّصارى إذ جرى على غير دين الإسلام نشؤهم وأولادهم وعليه درج آباؤهم وأجدادهم, وغير بحث نظري، صادر عن التَّعثر بأذيال الشُّبهة، الصَّارفة عن صوب الصَّواب، والانخداع بالخيالات المزخرفة كلامع السَّراب، كما اتَّفق لطوائف من النُّظار في البحث عن العقائد والآراء، من أهل البدع والأهواء" (ص 73-74).

ولقد حلَّل الغزالي سبب انحراف المفكرين المسلمين في زمنه عندما درسوا تراث اليونان، فركَّز على عدَّة أسباب وهي أيضاً من أسباب الانحراف اليوم، ومَا أشْبَهَ الَّليْلَةَ بِالبَارِحَة. من أهم أسباب ضلال المفكرين ما يلي:

سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس والانبهار بسعة علمهم.

الخَلط بين دقَِّة علوم العلوم الطَّبيعية النَّافعة عند اليونان، وبين علومهم الدِّينية الفاسدة. فسبق الوهم إلى العكس جعل المفكرين يظنون أنَّ كل علوم اليونان سليمة لأنَّ بعض علومهم نافعة.

ظهور التَّقليد السَّلبي البعيد عن التَّفكير النَّاقد المُبدع.

تفوق علماء المصلحة وضعف علماء الإصلاح والنَّصيحة حتى "أصبح علم طريق الآخرة عِلماً مهجوراً". من خلال كتابات الغزالي نَستشف مدى حرص بعض علماء السُّوء في زمنه على الوصول إِلى المناصب وتأثرهم بالمغريات المادِّية وما كان منه إلا أنْ شنَّ هُجُوماً شديداً عليهم فكشف فضائحهم وسرَّ غرورِهِم وتكبُرِهِم. يقول الغزالي "فأما علم  الآخرة وما درج عليه السَّلف الصَّالح مما سماه الله سُبْحَانَهُ في كتابه فِقهاً وحِكمةً وعِلماً وضِياءً ونُوراً وهِدايةً ورُشداً فقد أصبح من بين الخَلْقِ مَطْوِياً وصار نسياً منسياً". 

شيوع التَّرف الفِكري والإسراف المادي.

 

عِملاق الفلسفة

 اشتُهر الغزالي بسعة اطلاعه وإلمامه بعلوم الشَّريعة وأصول الفقه وقدرته العالية على المناقشة والحوار وغوصه في أعماق مذاهب الفلاسفة فجاءت فلسفته التّربوية أصيلة مُتميِّزة. رغم خلافة المنهجي مع الفلاسفة مثل ابن رشد وابن طفيل وابن سينا إلا أنَّه لا يُحَرِّم تماماً علم الفلسفة واعتبر بعض فروع الفلسفة من العلوم الحميدة. مِن الواضح أنَّ الغزالي في فلسفته التَّربوية استفاد من فلاسفة اليونان ولكنه انتقى وحوَّر مادَّتهم العِلْمِيَّة لتنسجم مع الفِكر الإسلامي فكان انتقاؤه مُوَفَّقاً إلى حدٍ بعيدٍ لأنَّه انصرف عن العناصر السَّلبية منها وهاجم مَن يتبناها.

شرح السُّبكي في كتابه طَبقات الشَّافِعِية الكبرى الدَّور الفَلسفي الكبير الذي قام به الغزالي فقال عنه "جاء والنَّاس إلى ردِّ فِرية الفلاسفة أحوجُ من الظَّلماء لمصابيح السَّماء، وأفقر من الجَدباء إلى قطرات الماء" (ج6، ص 193).

وصف ابن كثير في كتاب البداية والنَّهاية الغزالي بأنَّه برع في علوم كثيرة وله مُصنفات مُنتشرة في فنون مُتعدِّدة فكان من أذكياء العالمَ في كل ما يتكلم فيه وساد في شبيبته". 

يقول المفكر الفرنسي أرنست رينان  - الذي عُرِف بتحامله على التُّرَاث والعطاء الإسلامي للفكر الإسلامي كما هو شأن معظم المستشرقين - عن الغزالي: "إنَّه الوحيد بين الفلاسفة المسلمين الذي انتهج لنفسه طريقاً خاصاً في التَّفكير الفلسفي" (أحمد شمس الدين، 1997م، ص 9).

كتب شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي عن الغزالي "وأجمل رأيه فيه بقوله:‏ إذا ذُكِرَ ابن سينا أو الفارابي خطر بالبال فيلسوفان عظيمان، وإذا ذكر ابن العربي خطر بالبال رجل صوفي له في التَّصوف آراء لها خطورتها، وإذا ذُكِرَ البخاري ومسلم وأحمد خطر بالبال رجال لهم أقدارهم في الحفظ والصِّدق والأمانة والدِّقة ومعرفة الرِّجال، أما إذا ذُكر الغزالي فقد تشعبت النَّواحي ولم يخطر بالبال رجل واحد، بل خطر بالبال رجال متعدِّدون، لكل واحد قدره وقيمته، يخطر بالبال الغزالي الأصولي الماهر، والغزالي الفقيه الحر، والغزالى المتكلم إمام أهل السُّنَّة وحامى حماها، والغزالي الاجتماعي الخبير ... والغزالي الفيلسوف، أو الذي ناهض الفلسفة وكشف عما فيها من زخرف وزيف، والغزالي الصُّوفي الزَّاهد وإن شئت فقل:‏ إنه يخطر بالبال رجل هو دائرة معارف عصره" (صقر، 2001 م).‏

"إنَّه في كثير من نظراته النَّفْسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة والتَّربوية يُعَدُّ صاحب فلسفة مُتميِّزة هي عند التَّحقيق أهم من الفلسفة التَّقليدية المستمدة في أصولها من الإغريق. إنَّ الغزالي بهدمه الفلسفة قد غدا فيلسوفاً، ولكن بمعيار آخر، إنّه لم يعدّ تابعاً، بل أصيلاً مُستَقلاً إنَّه فيلسوف وإن لم يُرد أن يكون فيلسوفاً، ولعله لو سُئِل- كما قال الأستاذ العقاد - أأنت فيلسوف؟ لأنكر ذلك" (القرضاوي، 1994م، ص53).

يقول البوطي (1990م) "وما عَرف تاريخ الفلسفة رجلاً مزَّق الأوهام الفلسفية بمباضع المقاييس الفلسفية ذاتها، وانتصر للحق الذي دلَّ عليه كتاب الله عزَّ وجلَّ بالاصطلاحات الفلسفية نفسها، كالإمام الغزالي" (ص163). لا يتَّفِق ابن تيميَّة مع كل ما سبق ذكره ويرى أنَّ الغزالي تورَّط في دخوله هذا العلم أو كما قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَإِنَّهُ: "شَيْخُنَا أَبُو حَامِدٍ دَخَلَ فِي بَطْنِ الْفَلاسِفَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُمْ فَمَا قَدَرَ" (مجموع الفتاوى، ج 4، ص 62، 156).

 

الفكر عند الغزالي

يرى الإمام الغزالي أنَّ الفكر مَحله القلب ويريد بالفِكر "إحضار مَعرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة" ولقد شرح ابن قيم ذلك بمثال واضح يقول فيه إنَّ الإنسان "إذا أحضر في قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقترن به من الآفات وانقطاعه وزواله ثم أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها ولذَّته ودوامه وفضله على نعيم الدُّنيا وجزم بهذين العلمين أثمر له ذلك عِلماً ثالثاً وهو أنَّ الآخرة ونعيمها الفاضل الدَّائم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغِصة" (مفتاح دار السَّعادة، ج2، ص 181). والفِكر عند ابن قيم رحمه الله تعالى هو التَّذكر والنَّظر والتَّأمل والاعتبار والتَّدبر والتَّبصر إذ أنَّها كلها مرادفات لكلمة فكر ويبدو أنَّ تعريف الفِكر عند ابن قيم بنصِهِ مَأخوذ من كِتاب إحياء علوم الدِّين أو أنهما أخذا هذا التَّعريف من مصدر لم يذكراه في هذا المحل.

الفِكر عند الإمام الغزالي أيضاً هو تأليفٌ للمعاني والألفاظ (الاقتصاد في الاعتقاد، ص 144). يقول الغزالي في بيان معنى الفِكر ومُقدِّماته ولواحقه "فمقدماته سماع وتيقظ وذكر ولواحقه العلم، لأنَّ من سمع تيقَّظ، ومن تيقظ تذكَّر ومن تذكَّر تفكَّر، ومن تفكَّر علم، ومن علم عمل أنَّ كان عِلماً يُراد به للعمل، وإنْ كان عِلماً يُراد لذاته سعد والسَّعادة غاية المطلب. أما السَّماع: فحقيقته الانتفاع بالمسموع من حِكمة أو مَوعظة وما يضاهيهما وشرطه الاستماع وهو الإصغاء وهو واجب في استماع كل علم هو فرض عين مدركه السَّمع ومُستحب فيما سِواه في العلوم المحمودة ويحرم فيما حَرَّم الشَّارع من المحرَّمات ويُكره فيما يُكره استماعه. وأمَّا اليقظة: فحقيقتها انتباه القلب لِلخير وعلامة الانتباه: القومية والنُّهوض عن ورطة الفترة والقوامة واجبة على الفور في الأوامر والنَّواهي الفورية وهي مُتعلِّقة بكل مَقام.

وأمَّا التَّذكر: فهو تِكرار المعارف على القلب لتثبت وترسخ. وأما التَّفكر: فهو أن تجمع بين علمين مُناسبين للعلم الذي أنت طالبه بشرط عدم الشَّك فيهما وفراغ القلب من غيرهما ويحدق النَّظر فيهما تحديقاً بالغاً فلم يشعر إلا وقد انتقل القلب من الميل الخسيس إِلى الميل النَّفيس إحضاراً لمعرفتين يُسمى تَذكراً والتَّذكر يتعلق بالعقد والقول والفِعل والتَرك وهو واجب فيما يجب تذكُّره ويحرم بتذكُّر المعاصي إن أدى إِلى استجلابها وحصول المعرفة الثَّالثة المقصود من هاتين المعرفتين يُسمى تَفكراً والتَّفكر واجب عند الشَّك وعند ورود الشُبهة وعند علاج الأمراض الوَّاجب إزالتها من القلوب" (روضة الطَّالبين وعمدة السَّالكين، ص 77).

 

الأمراض النَّفْسِية والاجْتِمَاعِية

‏ومما يمكن ملاحظته في تتبع كلام الغزالي أنَّه يلمس في مناقشاته الأبعاد النَّفْسِيَّة للسُّلوك البشري ولأنَّ تنقية الباطن من أهم مَقاصد التَّربية فإنَّه تَوسَّع في هذا الموضوع فأصبح كتابَه الإحياء موسوعة تُعَالج العِلَل النَّفْسِية وما يتفرَّع منها من أمراض اجتماعية. قال الغزالي في "الإحياء" آفة المدح في المادح أنَّه قد يكذب وقد يُرائي الممدوح بمدحه ولا سِيَّما إن كان فاسقاً أو ظالماً". وقال: الكِبْر على قِسمين: فإن ظهر على الجوارح يُقال تَكَبُّر، وإلا قيل: في نفسه كبر. وقال: الكذب من قبائح الذُّنوب، وليس حراماً لعينه بل لما فيه من الضَّرر، ولذلك يُؤذن فيه حيث يتعين طريقاً إلى المصلحة. وفي شرحه لفتنة الغنى والفقر قال الغزالي: "فتنة الغنى الحرص على جمع المال وحبه حتى يكسبه من غير حله وبمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر يُراد به الفقر المدقع الذي لا يصحبه خير ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدِّين والمروءة، ولا يُبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب، ولا في أي حالة تورط". ويترتب على ذلك معرفة أهمية الشُّكر والصَّبر وكم من ناكرٍ للمعروف، كافر بأنعم الله سَلبه سُبْحَانَهُ النِّعمة وأخذها منه، أو مَحق بركتها من العين والقلب فعاش صاحبها في حسرة الفقر رغم كثرة ماله وولده.

آمن الغزالي أنَّ "مثل المال مثل الحيَّة التي فيها ترياق نافع وسم ناقع، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرِّها ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة، وإن أصابها الغبي فقد لقي البلاء المهلك". عن حفظ اللِّسان من النَّميمة ذكر الإمام النّووي في كتابه الأذكار والذَّهبي في كتابه الكبائر ما أفاض به الغزالي مما يدل على حسن عرضه للموضوع. قال النَّووي "بابٌ في النَّميمة. قال الإِمام أبو حامد الغزالي رحمه اللّه: النَّميمةُ إنما تُطلق في الغالب على مَن يَنمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كقوله: فلان يقولُ فيك كذا، وليست النَّميمةُ مخصوصةً بذلك، بل حدّها كشف ما يكره كشفُه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشفُ بالقول أو الكتابة أو الرَّمز أو الإِيماء أو نحوها، وسواء كان المنقولُ من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيباً أو غيره، فَحَقِيْقَةُ النَّميمة إفشاءُ السِّر وهتكُ السِّتر عمَّا يُكره كشفُه، وينبغي للإِنسان أن يَسكتَ عن كلِّ ما رآهُ من أحوال النَّاس إلا ما في حكايته فائدةٌ لمسلم أو دفعُ معصية، وإذا رآهُ يُخفي مالَ نفسه فذكره فهو نميمة. قال: وكلُّ مَنْ حُمِلت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستَّة أمور:

الأول: أن لا يُصدِّقه، لأنَّ النَّمامَ فاسقٌ وهو مَردود الخبر.

الثَّاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.

الثَّالث: أن يبغضَه[117] في اللّه تعالى فإنَّه بغيض عند اللَّه تعالى، والبغضُ في اللَّه تعالى واجب.

الرَّابع: أن لا يظنّ بالمنقول عنه السّوء لقول اللَّه تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظنّ} [الحجرات:12].

الخامس: أن لا يحملَك ما حُكي لك على التَّجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال اللّه تعالى: {ولا تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12].

السَّادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النَّمامَ عنه فلا يحكي نميمته.

       وهذا كله إذا لم يكن في النَّقل مصلحة شرعية وإلا فهي مُستحبة أو واجبة، كمن اطَّلع من شخص أنَّه يريد أن يُؤذي شَخصاً ظلماً فحذَّره منه، وكذا من أُخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبه مثلاً فلا منع من ذلك" (بتصرُّف).

 

التَّربية السِّياسية

ركز الغزالي رحمه الله على دور الحاكم في كتابه التِّبر المسبوك في نصيحة الملوك حيث حث الحاكمَ على الالتزام بالعدل وضرورة السَّعي لمعرفة حاجات النَّاس من أجل تحقيقها إن أمكن. يرى الغزالي وإذا اجتمع عددٌ من الموصوفين بهذه الصِّفات فالإمام مَن انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف للأكثر يجب رده إلى الانقياد إلى الحق.

صَرامة الغزالي في تَطبيق الحق تجعله يُقرِّر قاعدة سياسية هامة أساسها أنَّه ينبغي تربية النَّاس على الشُّورى والعدل في نِطاق الأسرة والمدرسة والمجتمع ... "السُّلطان الظَّالم عليه أن يكف ولايته وهو إمَّا معزول أو واجب العزل وهو على التَّحقيق ليس بسلطان". المساءلة القانونية من خلال البرلمانات أو المجالس المنتخبة حق للأمَّة لا يمكن التَّنازل عنه في تقييم الحكومات بحكمة ورفق ولو كانت حكومات إسلامية قلباً وقالباً. هذه التَّربية ضرورة من ضرورات العصر ومن لب الحياة الكريمة ويكفي الأمَّة تربية أخلاقية نظرية لا صلة لها بالسِّياسة ومجريات الحياة وكأنَّه كُتب على الأمَّة أن تقبل الحكومات الدِّكتاتورية، وكأنَّ دور التَّربية ترويض الشَّعب المريض ليتعايش مع المرض المزمن.

في عام 1998 م كَتَبَتْ موسوعة عالمية مُتخصِّصة في السِّياسة والإدارة العامَّة عن الغزالي وألمحت إلى أنَّ كتابه التِّبر المسبوك في نصيحة الملوك (المشهور بنصيحة الملوك) يحتوي على مناقشات مُوَسَّعَة لمفهومي العدل والمساواة مع تدعيم الأفكار بالآيات القرآنية. في ذلك الكتاب شرح الغزالي أهم صفات القائد (السُّلطان أو الملك) وفيما يلي الآراء:

معرفة أهمية العدل والمساواة وأنَّها أمانة جسيمة.

تكوين البطانة الصَّالحة من علماء الحق.

لا يكفي القائد أن يكون عادلاً بل يلزمه أن يأمر نُوابه بذلك.

أن يُعامل النَّاس كما يحب هو أن يُعامل.

القائد لا يغفل عن العِبادة.

الحذر من الانسياق خلف إشباع الشَّهوات.

القسوة والقوة تحرمان الحاكم من دعم النَّاس.

خِدمة النَّاس من أهم طرق بناء الولاء والطَّاعة.

الالتزام بتطبيق تعاليم الدِّين الإسلامي هو أساس الحكم.

(The International Encyclopedia Of Public Policy An Administration, 1998, Vol 1, P. 100).

 

مَنهجه في التَّأليف

خلَّف الغزالي نحواً من ثلاثمائة أو أربعمائة رسالة علمية في علوم الدِّين والفِكر ولكن عدد المطبوع منها اليوم لا يصل إِلى نِصف العدد أو حتى ربعه ويشكِّك بعض الباحثين في صِحَّة نسبة بعض الكتب إليه مثل كتاب "المضنون به على غير أهله". وفيما يلي بعض أسماء كُتب الإمام الغزالي رحمه الله المنشورة: كتاب "إِحياء علوم الدِّين" و"أيُّها الولد" و  "مِشكاة الأنوار" و "المنقذ من الضَّلال" و "الاقتصاد في الاعتقاد" و "سرُّ العالَمين وكشف ما في الدَّارين" و "خُلاصة التَّصانيف في التَّصوف" و "المُستصفى" و "تهافت الفلاسفة" و "مُكاشفة القلوب" "كتاب الأربعين في أصول الدِّين" و"المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحُسنى". مُعظم هذه الكتب طبعتها دار الكتب العِلْمِية في بيروت.

ذخائر العرب كثيرة ومن دُررها الفاخرة ودواوينها الخالدة كتاب إحياء علوم الدِّين لأبي حامد الغزالي إذ صاغ فيه مَكنون الحِكم بأوضح لَفظ وأسنى عبارة. لقد نجح الغزالي في الوصول إِلى الأجيال التي لم يرها من خلال كتاباته ولا سِيَّما كتابه إحياء عُلوم الدِّين الذي يتكون من أربعة أرباع وهي:

ربع العبادات.

وربع العادات.

وربع المهلكات.

ربع المنجيات .

ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب: كتاب العلم وكتاب قواعد العقائد وكتاب أسرار الطََّهارة وكتاب أسرار الصَّلاة، وكتاب أسرار الزَّكاة وكتاب أسرار الصِّيام وكتاب أسرار الحج وكتاب آداب تلاوة القرآن وكِتاب الأذكار والدَّعوات وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.

وأمَّا ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب آداب الأكل وكِتاب آداب النِّكاح وكِتاب أحكام الكَسب وكتاب الحلال والحرام وكتاب آداب الصُّحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق وكتاب العُزلة وكتاب آداب السَّفر وكتاب السَّماع والوجد وكتاب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النُّبوة.

وأمَّا ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب شرح عجائب القلب وكتاب رياضة النَّفس وكتاب آفات الشَّهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج وكتاب آفات اللِّسان وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد وكتاب ذم الدُّنيا وكتاب ذم المال والبخل وكتاب ذم الجاه والرِّياء وكتاب ذم الكِبر والعُجب وكتاب ذم الغرور.

 وأمَّا ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب التَّوبة وكتاب الصَّبر والشُّكر وكتاب الخوف والرَّجاء وكتاب الفقر والزُّهد وكتاب التَّوحيد والتَّوكل وكتاب المحبة والشَّوق والأُنس والرِّضا، كتاب النِّية والصِّدق والإخلاص وكتاب المراقبة والمحاسبة وكتاب التَّفكر وكتاب ذِكر الموت.

يرى معظم الباحثين أنَّ كتاب إحياء علوم الدِّين يُعتبر بحق دائرة معارف أخلاقية ضخمة ورائدة ترسم منهج حياة المسلم وعلاقته بربه وبنفسه وبالنَّاس في ضوء قواعد الإسلام. من الواضح أيضاً أنَّ الغزالي قرن بين العِلم والعمل وقدَّم العلم على العمل لأنَّه الهادي إليه والدَّاعي له. وكان سفيان الثَّوري يقول: من لا يعمل بِعلمه شبيه بشجر الحنظل كلَّما ازداد رياً بالماء ازداد مَرارة.

ركَّّز الغزالي على أهمية العلم ودور العلماء في صلاح المجتمع وعلى أهمية النَّصيحة وحذَّر من الأخلاق الاجْتِمَاعِية والنَّفْسِيَّة الذَّميمة وعظم من شأن القرآن الكريم واتباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم والسَّلف الصَّالح من الصَّحابة رضوان الله عليهم.

الصَّحابة رَضِي اللهُ عَنْهُم هم خير القرون وهم الذين زكَّاهم القرآن فقال عنهم "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا {29} (سُوْرَةُ الفتح). وقال سُبْحَانَهُ "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {100}" (سُوْرَةُ التَّوبة).

قال ابن مسعود رَضِي اللهُ عَنْهُ "من كان مُتَأسِياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّهم كانوا أبرَّ هذه الأمَّة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قد اختارهم الله لِصُحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم". قال الغزالي في قواعد العقائد وهو يلخص اعتقاد المسلم في الصَّحابة "وأنْ يعتقد فضل الصَّحابة رَضِي اللهُ عَنْهُم وترتيبهم وأنَّ أفضل النَّاس بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي اللّه عنهم. وأن يُحسن الظَّن بجميع الصَّحابة ويُثني عليهم كما أثنى اللّه عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين".

تتَّسم كِتابات الغزالي بعدَّة سِمات منها:

الموضوعات التي تطرَّق إليها في كتبه كثيرة ومُتنوعة.

يغلب على مؤلفاته طابع النُّصح والتَّوجيه والإرشاد.

الاهتمام ببيان الحكم الشَّرعي مع تفصيل الحِكَم التَّربوية.

استخدم الغزالي الأقاصيص والحكايات والشّعر بشكل كبير في كثير من رسائله.

تميز الغزالي في كتاباته بصراحته في نقل تجاربه الشَّخصية.

بعض كتبه هي مجرد إجابة مُستفيضة على سؤال وُجِّه إليه.

تتَّسم كُتبه أيضاً بتكرار الكثير من الأفكار.

الاهتمام بالأخلاق كمحور رئيسي. كل كتبه تدور حول الأخلاق من عدَّة زوايا مثل الفلسفة والتَّربية والدِّين وعلم النَّفس وعلم الاجتماع الإنساني.

أسماء كُتبه قصيرة وجديدة ومُتنوعة وشائقة وعباراته الموجزة قوية.

لاحظ بعض الباحثين أنَّ الغزالي يغفل كثيراً عن تدوين المصادر التي استفاد منها أو نقل عنها.

استخدم الأمثلة الحسِّية في تبسيط أفكاره وشرحها.    

يهتم بترتيب الأبواب والفصول داخل كتبه.

وفيما يلي بيان لبعض ما سبق إيجازه عن منهج الإمام الغزالي في التَّأليف.

الموضوعات التي تطرَّق إليها الغزالي في كتبه كثيرة ومتنوعة فكتابه "المستصفى" هو في علم أصول الفقه وفي مقدِّمة الكتاب تحدَّث عن أسباب الانحرافات الفِكْرِية عند المعتزلة (ص45)  وقبل ذلك تحدَّث عن العلوم ومراتبها حيث قسَّم العلوم إِلى علوم عقلية كالطِّب والحساب والهندسة، وإِلى علوم دينية كالكلام والفقه وأصول علم الحديث والتَّفسير وعلم الباطن الذي يهتم بالقلب وتطهيره عن الأخلاق الذَّميمة (ص6).  وفي كتابه "تهافت الفلاسفة" شنّ هجوماً كبيراً على منهج الفَلاسفة الذي لا يَستند على أُسس الدِّين ومُسلماته.

يَغلب على مؤلفاته طابع النُّصح والتَّوجيه والإرشاد وينطلق من نُصوص شَرعية غالباً أو تجارب شخصية أحياناً. أكَّد على أهمية النَّصيحة وكُتبه كلها بلا استثناء لا تخلو من نصائح خالدة خاصة للمعلم والمتعلِّم.  يرى الغزالي أنَّ النَّصيحة سهلة والإشكال الحقيقي هو في العمل بها ومن نَصائحه الغالية في كتابه "أيها الولد" "واعلم أنَّ عِلْماً لا يُبعدك اليوم عن المعاصي، ولا يحملك على الطَّاعة لن يبعدك غداً عن نار جهنم". والإمام الغزالي كما كان يُقدِّم النُّصح للعامَّة فإنَّه كان ينصح الملوك دون طمع في تحصيل مناصبهم واكتناز أموالهم…في كتابه "سرُّ العالَمين وكشف ما في الدَّارين" طائفة من النَّصائح التي تدخل ضمن أدبيات التَّربية السِّياسية منها قوله للملك "إذا صليت صبحك تقعد في ذكر الله تعالى إلى طلوع الشَّمس، ثمَّ تأمر أهل دارك ومن حولك بما تريده من حوائجك من مأكل ومشرب، ثم تَركب لتسمع أو يلقاك محجوب أو تلبي مظلوماً أو تطَّلع على الحوادث…"(ص 8).

نِطاق النَّصيحة واسع جداً وفي النَّصيحة فلاح الأُمَّة لقوله تعالى في سُوْرَةُ آل عِمران "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)". ذَكَرَ الإمام مُسْلِمٌ في صحيحه: "عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ صَلي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ ولأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (كِتاب الإيمان). لهذا يقول الإمام الغزالي إنَّ "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدِّين". 

وعن اختيار البِطانة يرشد الملك بقوله "وليكن لك جماعة من أرباب العِلم والعقل والتَّجارب في الرَّأي والمشورة، ووزراء خير لا فسقة؛ فمن ليس بأمين لنفسه فكيف على سواه؟" (ص8) وينصح الملك في الاهتمام بالزِّراعة ويحثه على حلِّ مَشاكل المزارعين.

رغم أنَّ الغزالي تحدَّث عن الأحكام الفقهية إلا أنَّه كان يربطها بالجانب التَّربوي أو ما يسميه صناعة التَّعْلِيْم فمثلاً يقول عن الصَّوم وآثاره التَّربوية "اعلم أنَّ الصَّوم ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص. أمَّا صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشَّهوة. وأمَّا صوم الخصوص فهو كف السَّمع والبصر واللِّسان واليد وسائر الجوارح عن الآثام. أمَّا صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدَّنيئة والأفكار الدُّنيوية وكفه عن ما سوى الله عزَّ وجلَّ بالكلية".

استخدم الغزالي الأقاصيص والحكايات والشِّعر بشكل كبير في كثير من رسائله كوسيلة من وسائل نشر العلم وتربية النَّاس ورغم أنَّ بعض تلك الحكايات فيها معاني الزُّهد المفرط إلا أنَّ معظمها تُركِّز على تهذيب النَّفس.  أورد الغزالي في الإحياء وكذلك كتابه "مُكاشفة القلوب" حكايات كثيرة جداً وهذا يدل عَلى أنَّه في كُتبه التي صنَّفها لعامَّة النَّاس يَستميل عقولهم وأرواحهم من خلال التَّرويح برواية القصص أو شِعر الزُّهد أما في كتبه الفقهية الأصولية مثل "المستصفى" والفلسفية مثل "تهافت الفلاسفة" فإنّه يميل بوضوح إِلى استخدام الجدل والمناظرة والحوار وهو السِّلاح الأنسب لذلك المقام الذي يكثر فيه الخصام ويحتاج إلى الأدلَّة لبلوغ المرام في إقناع الأفهام. ذكر الغزالي في كتابه التبر المسبوك في نصائح الملوك طائفة جميلة من القصص ذات المضامين التَّربوية والمقاصد الأخلاقية التي تُحَبِّب الحكام بالعدل والفضائل.

تميز الغزالي بصراحته في نقل تجاربه الشَّخصية ففي كتاب "المنقذ من الضَّلال" يقرِّر  أنَّه قد يكون اشتغل في نشر العلم لوجاهة دنيوية ثمَّ إنَّه في اكتمال نضجه يقول أنَّه يحاول أنْ يُصلح نفسه وغيره من خلال النِّية الصَّادقة وهو الذي كان يوصي به إلى آخر دقائق حياته فقال: عليك بالإخلاص. وتجربته الشَّخصية يضعها في مقدِّمة ذلك الكتاب عندما يتحدَّث عن نشاطه زمن الشَّباب وخوضه الصِّعاب في طلب العلم وعطشه لمعرفة الحقائق وهي تدل على جوانب التَّغير في حياته الفِكْرِية وصراحته في طرح تجاربه وثقته بنفسه بتسجيل تلك الخلجات المكنونة وأخيراً أهمية تسجيل تلك التَّجارب الذَّاتية ليستفيد منها الآخرون لأنَّها عُصارة تجربة تربوية واعية وواسعة لرحلة علمية عميقة وصادقة. ومن صراحته أنَّه يعترف بأنَّ عِلمه في علم الحديث النَّبوي الشَّريف قليل أو كما يقول عن نفسه "وبضاعتي في علم الحديث مُزجاة" (قانون التَّأويل، ص123). كما أنَّه في مقدِّمة كتاب الإحياء انتقد بشكل واضح علماء عصره كعادته في إخلاص النُّصح والصِّدق في الكتابة.

بعض كتبه هي مجرد إجابة مُستفيضة عن سؤال وُجِّه إليه فكان ردَّة عَلى شكل كتاب مثل كتابه "أيها الولد" وكتاب "مشكاة الأنوار" و "المنقذ من الضَّلال" و"قانون التَّأويل" و"المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى". مَن يتتبَّع كُتب العلماء المسلمين سوف يجد أنَّ الكثير مِنَ الكتب الجيدة النَّافعة جاءت كثمرة لسؤال تمَّ توجيهه له فما كان من العالِم إلا أنْ سخَّر قلمه للرَّد ليكتب كِتاباً كامِلاً رداً عَلى سؤال لا يتجاوز بضعة أسطر كما فعل الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه الرَّائع "الجواب الكافي لمن سأل عن الدَّواء الشَّافي" والإمام السُّبكي في كتابه "مُعيد النِّعم ومبيد النِّقم" ومِن قبلهما الإمام الشَّافِعِي في ردِّه على عبدالرحمن بن مهدي إذ بعث جوابه مُفَصَّلاً فجاء كتابه "الرِّسالة" وهو في علم أصول الفقه وسميت بالرِّسالة لأنَّ الإمام الشَّافِعِي أرسل الجواب (الكتاب) لصاحبه عبدالرحمن فجاء اسم الكتاب من الإرسال. وهذا يعني أنَّ الكُتب الخالدة تَظل راسخة إذا كانت قريبة من اهتمامات النَّاس وتُجيب عَلى أسئلتهم كما أنَّ عِلم العلماء ينمو بلا انقطاع مع مخالطة النَّاس في واقعهم ومع استيعاب العالم الفقيه لمشاكلهم العملية فيعيش معهم في أعماق الحياة لا عَلى الهامش النَّظري.

تتَّسم كُتبه أيضاً بتكرار الكثير من الأفكار إذ يؤكد عليها إذا أُتيحت الفرصة المُناسبة وقد يذكر أنََّ الفكرة قد ذكرها في مُصنَّف مِن مُصنفاته ويذكر اسمه. مُعظم رسائله الصَّغيرة يمكن أنْ نجدَ معانيها في كتابه الفذ إحياء علوم الدِّين. كتاب أيُّها الولد محاولة لتلخيص أفكار عامَّة وردت بصورة أو بأخرى في الإحياء. في كتابه أدب الدِّين يُردِّد الكثير من الآداب والفضائل التي ذكرها في كتابه إحياء علوم الدِّين. أخلاق العالِم والمتعلِّم أينما ذكرها نجده يكرِّر بعض أفكارها. هناك عِدَّة أسباب تدفع الغزالي ليردِّد أفكاره في كُتُبِهِ منها:

-تلخيص ما فصَّله في كتاب من كتبه أو شرح ما أجمله.

-تداخل الموضوعات تدفعه إلى إعادة بعض أفكاره.

-كان يُطلب منه أنْ يُعيد ما كتبه في رسائل خاصة.

-طبيعة الوعظ والشَّرح والتَّعْلِيْم تقتضي إعادة الأفكار.

-الطَّبيعة الإنسانية مَفطورة على أنْ يدور المرء في حديثه حول الأمور التي يُتقنها فمهما انتقل الإنسان إلى موضوعات جديدة فإنَّه لا يُمكن بسهولة أن يَتخلَّص من موروثاته الثَّقافية السَّابقة.

لاحظ بعض الباحثين أنَّ الغزالي يغفل كَثيراً عن تدوين المصادر التي استفاد منها أو نقل عنها والمفروض خاصة من العالِم أنْ يَعزو الأفكار والعِبارات لأصحابها (القرضاوي، 1994 م، ص165). يبدو أنَّ الغزالي كان يظن أنَّ هذه المعلومات التي ينقلها عن الآخرين هي معلومات ظاهرة لا تحتاج إلى التَّوثيق أو أنَّه أراد اختصار المسائل فحذف العزو إلى المصادر. مِنْ جانبٍ آخر يمكن ملاحظة أنَّه استفاد من المدارس والمذاهب الفِقهية عَلى تَنوعها وهذا العمل الانفتاحي يستحق الثَّناء إذ قد يميل بعض العلماء إِلى مَدرسة بعينها وينقلون عنها ويتركون المدارس الأخرى.

استخدم الأمثلة الحِسِيَّة في تبسيط أفكاره وشَرْحِها فمثلاً يَصف عمل المُربي بعمل المزارع والتَّربية بالزِّراعة فيقول ومعنى التَّربية يَشبه فِعل الفَلاح الذي يقلع الشُّوك. يقول الغزالي عن رحمةِ الله عزَّ وجلَّ إنََّ شرح ذلك بحاجة إلى عدَّة مُجلدات ثمَّ يَضرب مثالاً عن رَحمة الله فيقول "فمِن لُطفه خلقه الجنين في بطن الأم في ظلماتٍ ثلاث، وحِفظه فيها وتغذيته بواسطة السّرة إلى أن ينفصل فيستقل في التَّناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثَّدي وامتصاصه ولو في ظلام اللَّيل من غير تَعليم ومُشاهدة" (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص75).

يهتم الغزالي بترتيب الأبواب والفصول داخل كُتبه. لقد اعتنى في كتابه الإحياء مثلاً بأن يبدأ الكتاب بالعلم وانتهى في "باب سعة رحمة الله" كما فعل من بعده الإمام النَّووي رحمه الله في نهاية كتابه المشهور "رياض الصَّالحين" حينما ختم كتابه بالحديث عن الجنة.

لقد ادَّخر الغزالي قِصة ختامية رائعة لينهي كتابه بالأمل الذي يدفع إِلى المزيد من العمل. ورد في صحيح مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أنهُ قَالَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلى أن لا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا".

هذا الموقف النَّبوي في استغلال الأحداث الجارية في تربية أصحابه والذي رواه مسلم ورواه الْبُخَارِيّ أيضاً، ذكر الغزالي موقِفاً قريباً منه في حكايته الأخيرة في كتابه الإحياء ليربي النَّاس عَلى التَّفاؤل ولولا التَّفاؤل لما وجدنا للتَّربية معنى ولا للإصلاح جَدوى.  

الأخلاقُ في أصلها إما فِطرية وإما مُكتسبة ولكل منهما تأثير في الآخر. الأخلاق الفِطرية كالحِلم والشَّجاعة والكَرم هي التي يولد الإنسان بها وقد قسَّمها الله له ولكل نصيبه. يزداد وينقص مقدار الخُلق الفطري على حسب العناية بتهذيبه أو إهماله أما الأخلاق المُكتسبة فهي مجموعة عادات تأصلت من التِّكرار والتَّجربة في النَّفس فصارت سَجية عَفوية في تَصرفات الفرد مُلازمة لسماته الشَّخصية.

كل كتب الغزالي رحمه الله  تدور حول الأخلاق وعالج هذا المحور من عِدَّة علوم مثل علم الفلسفة والتَّربية والنَّفس والاجتماع والتَّصوف والاقتصاد والسِّياسة والبيئة. حديثُهُ عن العلم ومصادره، والسَّعادة، والطَّاعة، وحدود العقل من الموضوعات الفلسفية التي وظَّفها الغزالي للأغراض التَّربوية. مِنَ الموضوعات النَّفْسِيَّة التي تطرَّق إليها الغزالي أنَّه تحدث عن الحسد والكِبر والفِطرة أمَّا الموضوعات الاجْتِمَاعِية فمعظمها تدور حول الأخلاق والتَّنشئة الاجْتِمَاعِية ودور الأسرة والأقران. وكل ما كتبه عن رياضة النَّفس وتزكية الخُلُق فهو يندرج ضمن فلسفته التَّربوية ونزعته الصُّوفيَّة. أغلب ما طرحه عن الأخلاق يدور في فلك الدِّين حيث ركَّز على أهمية النِّيات والعبادات والمعاملات في رحاب الإسلام.

يقول الإمام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة "فقد ورد الشَّرع في الأخلاق، بالتَّوسط بين كل طرفين مُتقابلين، لأنَّ الماء الفاتر، لا حار ولا بارد، فكأنَّه بعيد من الصِّفتين، فلا ينبغي أن يُبالغ في إمساك المال، فيستحكم فيه الحرص على المال ولا في الإنفاق، فيكون مُبذراً، ولا أن يكون مُمتنِعاً عن كل الأمور، فيكون جباناً، ولا مُنهمكاً في كل أمرٍ، فيكون مُتَهَوِّراً، بل يطلب الجُود، فإنَّه الوسط بين البُخل والتَّبذير، والشَّجاعة، فإنَّها الوسط بين الجبن والتَّهور، وكذا في جميع الأخلاق. وعلم الأخلاق طويل، والشَّريعة بالغت في تفصيلها، ولا سبيل إلى تهذيب الأخلاق، إلا بمراعاة قانون الشَّرع، في العمل، حتى لا يَتَّبع الإنسان هواه، فيكون قد اتَّخذ إلهه هواه، بل يقلِّد الشَّرع، فيُقْدِم ويُحجِم بإشارته، لا باختياره فتتهذَّب به أخلاقه" (ص286).

 

تَعريف التَّربية

تعريف التّربية عند الإمام الغزالي نستشِفَّه من هذه العبارة من كتابه التَّربوي الموجز "أيُّها الولد" إذ يقول "والآن أبيِّن لك ما يجب عَلى سالك سبيل الحق: فاعلم أنَّه ينبغي للسَّالك شيخ مرشد مرب، لِيُخرج الأخلاق السَّيئة منه بتربيته ويجعل مكانها خُلُقاً حَسَناً، ومعنى التَّربية يشبه فِعل الفلاح الذي يقلع الشَّوك، ويُخرج النَّباتات الأجنبية من بين الزَّرع ليحسن نباته، ويكمل ريعه، ولا بدَّ للسَّالك من شيخ يُؤدِّبه ويرشده إِلى سبيل الله تعالي، لأنَّ الله أرسل للعباد رسولاً للإٍرشاد إلى سبيله فإذا ارتحل صلى الله عليه وسلم قد خلف الخلفاء في مكانه، حتى يرشدوا إلى الله تعالى" (ص82). وفي كتابه "خلاصة التَّصانيف في التَّصوف" يُكرِّر وصفه للتَّربية بعِبارات قريبة جِداً من العِبارات السَّابقة فيقول "ومعنى التَّربية أن يكون المربي كالمزارع الذي يربي الزَّرع، فكلَّما رأى حجراً أو نباتاً مُضراً بالزَّرع قلعه وطرحه خارجاً ويسقي الزَّرع مِراراً إِلى أن ينمو ويتربى، ليكون أحسن من غيره، وإذا علمت أنَّ الزَّرع بحاجة إِلى المربي علمت أنَّه لا بد للسَّالك من مُرشد مُرب ألبته " (ص 112).

إذا أردنا تحليل الفقرتين السَّابقتين –ومضمونهما واحد- نُلاحظ أنَّ الغزالي يُؤكد في تعريفه للتَّربية عَلى أنَّها عِملية إنسانية مَقصودة يقوم بها عادة الكِبار نحو الصِّغار بغرض تدعيم الأخلاق الحَسنة وغرس الفضائل ونزع الأخلاق الذَّميمة كما أنَّها عملية نمو بحاجة للمتابعة المُستمرة وأنَّها تختلف مِنْ شخص لآخر. 

مِنَ الواضح جداً أنَّ المُعَلِّم أو الشَّيخ أو المُرشد حجر أساس للعملية التَّربوية عند أبي حامد الغزالي فهو ركن ركين لا يمكن الاستغناء عنه كما أنَّ الأخلاق الإسلامية المُتعلِّقة بالفرد والمجتمع نقطة إرتكازية لفهم آراء الغزالي.

يَنظر الغزالي إلي الأَنبياء كمرشدين ومعلمين لهداية البشرية وسعادتهم في الدَّارين. وهذا الفهم العميق والتََّعبير الدَّقيق من الدُّرر الفاخرة لحجة الإسلام هو الذي أكد عليه صلى الله عليه وسلم ففي مسند الإمام أحمد "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ  إنمَا أنا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ …".

ترتقي مرتبة المُعَلِّم في نظر الإمام الغزالي لتصل مرحلة عظيمة في الشَّرف لأنَّ المُعَلِّم يَسير في ركاب قافلةِ الأنبياء خير البشر إذ بعثهم الله سُبْحَانَهُ للتَّعليم والإرشاد بعد التَّبليغ والبَيان. 

 

آراؤه التَّربوية

استمد أبو حامد الغزالي آراءه من معين القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية الشَّريفة وكلام السَّلف الصَّالح ولا يَكاد يخلو كتاب من كتبه من عشرات الاقتباسات المُوفَّقة إضافة إِلى كمٍ هائل من شِعر الزُّهد والحِكَم والآداب. ومِن خلال استقراء انتاج الغزالي الفكري نجد أَنَّه اهتم بعلوم تهذيب الباطن وطالب بتطهير النَّفس من الحَسد والرِّياء والكِبر والبَطر وتطرَّق إِلى التَّربية الشَّاملة للرُّوح والجِسم معاً، وتحدَّث عن الجانب العقدي والتَّشريعي والأخلاقي في الإسلام. لا شك أنَّ هدف التَّربية بالنِّسبة للفرد هو أن يكون عَفيفاً في نَفسه، حَصيفاً في فِكره، شَريفاً في عَمله، نافِعاً لأهله. وبِلُغة الصُّوفيين فإنَّ التَّربية تقوم على التَّحلي بالفضائل، والتَّخلي عن الرَّذائل، والتَّجلي للحق.

 ركَّز الإمام الغزالي عَلى أهمية التَّرويح فقال "ترويح النَّفس وإيناسها بالمجالسة والنَّظر والمُلاعبة إراحة للقلب وتقوية له عَلى العِبادة فإن النَّفس ملول وهي عن الحق نفور لأنَّه عَلى خلاف طَبعها فلو كُلفت المداومة بالإكراه عَلى ما يخالفها جمحت وثابت وإذا روَّحت باللَّذات في بعض الأوقات قَويت ونشطت … وينبغي أن يكون لنفوس المتَّقين استراحات بالمباحات" (الإحياء).    

ومن أقواله التَّربوية الجزلة الموجزة "أيّها الولد العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون".  ينقل المناوي في فيض القدير ما يلي "قال الغزالي: لا بدَّ للعبد من العلم والعمل لكن العلم أولى بالتَّقديم وأحرى بالتَّعظيم لأنَّه الأصل المرفوع والدَّليل المتبوع فيجب تقديمه لما أنَّه يجب أن يعرف المعبود ثم يعبده وكيف تعبد من لا تعرفه ولأنَّه يجب أن نعلم ما يلزمك فِعله من الواجبات الشَّرعية على ما أُمرت به". ومِن نوادر دُرر الإمام الغزالي الغوالي لِلمعلمين أنَّ المُعَلِّم "تَقَلَّد أمراً عظيماً وخَطَراً جَسَيْماً فليحفظ آدابه ووظائفه" وقوله أنَّ التَّعْلِيْم والتَّعلم "هما من أَعظم العِبادات في الدُّنيا". وينقل في الإحياء عِبارة جيِّدة فيقول "إنْ استطعت أَنْ تكون عالِماً فكن عالِماً، فإن لم تستطع أن تكون عالِماً فكن مُتعلِّماً، فإنْ لم تستطع أن تكون مُتعلِّماً فأَحِبهم فإنْ لم تستطع فلا تبغضهم" (ج3، ص 360). كان الغزالي عالِماً بعلوم شتى، خصوصاً أصول الفِقه والفَلسفة فكان قوله فيه عُمق ولا يخلو من صُعوبة للقارِئ الغير المُتخصِّص وعكس هذا نجده في مواعظه فأسلوبه وكلامه الغير مُتكلف يتَّسم بالبساطة مع عذوبة في الألفاظ ويُعَدُّ مِنْ أتَمََّ ما قيل في الوعظ.

غاية التَّربية عنده هي تطهير النَّفس للفوز بالنَّعيم الأخروي والسَّعادة الدُّنيوية عبر مُجاهدة النَّفس والتَّربية الرُّوحية العميقة المُستمرَّة. إنَّ التَّربية هي تصفية للنَّفس لتحقيق النَّجاة في الآخرة والعيش في رحاب القُرب من الله سُبْحَانَهُ وتعالى في الحياة الدُّنيا. لقد أطال الغزالي الحديث عن تربية النَّفس وترويضها عَلى الزُّهد، والعِلم عنده وسيلة للآخرة بل أصل السَّعادة في الدُّنيا والآخرة.

وفي توجيهاته الرَّائعة للمعلم يوصيه بأن يُراعي الجانب النَّفسي للمتعلِّم أثناء عملية توجيه النُّصح فالنَّصيحة سِلاح للإصلاح وهذا السِّلاح بِحاجة إِلى فِقه وضَوابط. مِنْ دقائق صِناعة التَّعْلِيْم في تربية الغزالي أن يزجر المُعَلِّم المتعلم عن سوء الأخلاق باللُّطف والتَّعريض ما أمكن فإنَّ التَّصريح بالنَّصيحة قد يكون أثره سلبياً ويقود إِلى ثلاث آفات وهي أنَّ التَّشهير بالنَّصيحة: تُذهب هيبة المُعَلِّم، وتُورث الجرأة على الانتقام، وتدفع إِلى الإصرار على الخطأ.

ومن الواضح جداً أنَّ الغزالي أدرك أهمية الفروق الفردية في التَّربية. يقول في رياضة النَّفس وتهذيب الصِّبيان "وكما أنَّ الطَّبيب لو يعالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، كذلك المربي لو أشار على المريدين بنمطٍ واحدٍ مِنَ الرِّياضة أهلكهم وأمات قلوبهم. وإنَّما ينبغي أنْ ينظر في مرض المُريد وفي حالِهِ وسِنِّهِ ومزاجِهِ، وما تحتمله نفسه من الرِّياضة ويبني على ذلك رياضته"(الإحياء، ص 1020، الفنيش، 1996 م، ص16).

 

تَقسيم العُلوم

قسِّم الغزالي العلوم إلى قِسمين من حيث حكمها الشَّرعي فالقِسم الأول يضم العلوم التي لها حكم فرض الكفاية مثل علم الطِّب، والحساب، والطَّبيعة ويسميها العلوم العقلية وهي علومٌ محمودةٌ والتَّعمق في تعلمها فضيلة وليست فريضة فلا يُستحب التَّوسع في دقائقها. القسم الثَّاني يَشمل العلوم الدِّينية والتي لها صلة بالعلوم القرآنية والنَّبوية ومعرفة الأحكام الشَّرعية الضَّرُورية وهي علوم لها حكم فرض العين. العلوم التي حكمها فرض كفاية تصبح فرض عين إذا لم يتصدَّى لدراستها والتَّخصص فيها أحدٌ من أفراد المجتمع المسلم.

يُقصد بفرض العَين في مصطلح الفقهاء أنَّه يجب عَلى كل واحد من المسلمين أن يقوم به مثل إقامة الصَّلاة وإلا يُعتبر آثماً إذا لم يكن له العُذر في عدم أداء المطلوب أما فرض الكفاية إذا قام به بعض المسلمين يَسقط عن الباقين ذلك الواجب وصار الحكم الشَّرعي للباقين سُنَّة حميدة وعملاً كريماً مثل الصَّلاة عَلى الميت. إنَّ القاعدة العامَّة بالنِّسبة للحكم الشَّرعي في تعلم العلوم عَلى اختلاف تفريعاتها ينبغي أن تُؤكِّد على أنَّ كل علم ينفع المسلمين ويخدم النَّاس فحري بالمسلم الكَيِّس الفَطن أن يتعلَّمه لسد الثَّغر وحفظ الأُمَّة وخدمة الإنسانية.

 اعتبر الغزالي علوم اللُُّغة من العُلوم الآلية التي تخدم علوم الدِّين وهذا الطَّرح قريب مِنْ رأي ابن خلدون الذي يعتبر اللُُّغة من العُلوم الآلية التي يجب أن لا تُوسَّع فيها الأنظار والمسائل. يقول ابن حزم إِنَّ الشِّعر وعلوم الأدب من العلوم التي لا كبير خير فيها. وهذا التَّوجه سواء للغزالي أو ابن خلدون أو ابن حَزم لا يَستقيم إلى حدٍ ما مع رأي الشَّافِعِيّ الذي أعطى تعلم اللُّغة مكانة أكبر في توجيهاته التَّربوية والشَّرعية. ثمَّة نقطة جديرة بالاهتمام وهي أنَّ المفكرين المسلمين لهم اختلافات اجتهادية أحياناً مُتنوعة ولكنها غالباً ليست مُتناقضة لأنَّ مصدرهم في الاجتهاد والتَّأمل مُتقارب فالجميع يَرجع إِلى أصول القرآن والسُّنَّة وتُراث السَّلف الصَّالح وهي سِمة من سِمات الفِكر الإسلامي التَّربوي أمَّا في الغرب نجد أنَّ اختلاف التَّنوع واختلاف التَّضاد والتَّناقض أيضا سِمة من سِمات الفِكر الغربي المادي والسَّبب يعود لغياب المنهجية والمرجعية التي ينطلق منها المفكرون.

يستعرض القرضاوي في كتابه الحياة الرَّبانية والعِلم رأي الإمام الغَزالي في العلوم الدُّنيوية والدِّينية ويُثري النِّقاش ويبسط رأيه الشَّخصي بما قاله الغزالي في الموضوع ويَربط ذلك بحياتنا المُعاصرة وواقع الأمة. يقول القرضاوي "وأما فرض الكِفاية، فقد يكون في علوم الدِّين، وفي علوم الدُّنيا. فأمَّا علوم الدِّين.. فما ليس بفرض عين فيها فإنَّ تعلمه والتَّبحر فيه فرض كِفاية، بحيث يظل في الأمَّة مَن إذا استُفتى أفتى بعلم. والواجب على الأمَّة ـ بالتَّضامن ـ أن تهيئ من أبنائها من يقوم بهذه المهمَّة في الإفتاء والتَّفقيه والتَّعْلِيْم والدَّعوة والإرشاد، في صورة التَّخصص العالي، والعلم الاستقلالي، وأن يكون لديها العدد الكافي بحيث يلبي حاجتها في كل بلد من البلدان. وأما علوم الدُّنيا.. فأعدل ما قيل فيه ما قاله الإمام الغزالي، وهو أنَّ فرض الكِفاية منها: كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدُّنيا، كالطِّب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنَّه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث..

وما قاله الغزالي قوي وموافق لمقاصد الشَّريعة، فإنَّها تقصد إلى إنشاء أُمَّة قوية عزيزة مُكتفية بذاتها، قادرة على التَّصدي لأعدائها، وهذا يُوجب عليها ـ بالتَّضامن ـ أن تتفوق في كل العلوم الطَّبيعية والرِّياضية التي تحتاج إليها الأمم في عصرنا لتنمو وتتقدم. وليس الطِّب والحساب فقط، كما تحتاج إلى الصِّناعات التِّكْنُولُوجِية المتطوِّرة، وليس أصول الصِّناعات القديمة وحدها. هذا.. ولا نوافق الإمام الغزالي على اعتباره التَّعمق في دَقائق الحِساب، وحقائق الطِّب: مجرد فضيلة لا فريضة، فلعلَّ هذا كان بالنِّسبة إلى زمنه، أما زمننا فيُعتبر التَّعمق في هذه العلوم وما يشبهها من الرِّياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والأحياء وغيرها، بحيث يصل إلى دقائقها، ويرتقي إلى حقائقها، فريضة لازمة. والأمم تتسابق في هذا تَسابقاً خطيراً، كل تحاول أن تحتلَّ مَكاناً يجعل لها قدراً، ولولا التَّعمق في هذه العلوم ما وصل عصرنا إلى تحطيم الذَّرة، وغزو الفضاء، وصِناعة "الكمبيوتر"، وغيرها مما أمسى من خواص عصرنا" (انتهى كلام القرضاوي باختصار).

نظرية سبق الوهم إلي العكس

عوائق التَّفكير كثيرة ومنها أنَّنا قد نُصدر حُكْماً على مسألة وعقولنا مُتأثِّرة بمعلومات وهمية سابقة وهذا العائق قد يُعاني منه العلماء والعامَّة على حد سواء. تَحَدَّث الإمام الغزالي عن نظرية سبق الوهم إِلى العكس وهي تَشبه في بعض ملامحها نظرية "الاقتران الشَّرطي" المشهورة في علم النَّفس (الحاج ، 1988 م، ص42) ورائدها هو العالِم الرُّوسي بافلوف (1849-1936م). قال الإمام الغزالي إنَّ الإنسان إذا أحب أمراً حُلواً فإنَّ ما يقترن به يصبح حلواً وإنَّه إذا مرَّ الشَّخص بتجرِبة سيئة فإنَّ الّذي اقترن بالشَّيء المذموم يُصبح أيضاً مذموماً. من خلال هذه النَّظرية ننتبه إِلى ربط التَّعلم بالثَّواب إذ أنَّ حُب الطَّالب للثَّواب سوف يَدفعه إِلى حب التَّعلم المُقترن به كما تُشير نظرية الاقتران الشَّرطي. إنَّ اليوم الأول في حياة الطِّفل المدرسية إذا كان سعيداً فإنَّ الطِّفل غالباً سيُحب الذِّهاب للمدرسة في اليوم التَّالي لأنَّ التَّجربة اقترنت بموقف سارٍ.  

حديثاً يتحدَّث التّربويون وعلماء النَّفس وخاصة سكنر (1904 - 1990 م) عن أهمية الثَّواب والتَّعزيز للسُّلوك الإيجابي وحاجة المتعلِّم إِلى الدَّعم المعنوي والمادِّي لتثبيت الخبرات التي يتعلمها. كما أنَّ علماء النَّفس يتحدَّثون عن أثر الإدراك القَبلي على عملية التَّعلم فالذي يتصوَّر أنَّ مادة الرِّياضيات مادة مُمِلَّة ولا يمكن فهم مسائلها بحال من الأحوال، وله خبرات سابقه سيئة عن دروس الرِّياضيات، وتجرِبة سلبية مع مُعلِّم المادة فإنَّه عادة سيستقبل أي تجربة جديدة بشيء من التَّشاؤم وإن كانت التَّجرِبة الجديدة طريفة وسهلة. الإدراك المُسبق عن أستاذ ما بأنَّه مُفَوَه وصاحب حُجَّة قوية غالباً ما يجعلنا أنْ نتصوَّر أنَّ كل مواقِفه قوية وحكيمة على ذلك النَّحو.

قال الإمام الغزالي في كتابه المستصفى "فإنَّ ما يُرى مقروناً بالشّيء يُظن أنَّ الشَّيء أيضاً لا محالة مقرون به مُطلقاً، ولا يدري أنَّ الأخص أبداً مقرون بالأعم، والأعم لا يلزم أن يكون مقروناً بالأخص، ومثاله: نفرة نفس السَّليم، وهو الذي نهشته الحيَّة عن الحبل المبرقش اللَّون، لأنَّه وجد الأذى مقروناً بهذه الصُّورة، فتوهم أنَّ هذه الصُّورة مَقرونة بالأذى، وكذلك تنفر النَّفس عن العسل إذا شبه بالعذرة، لأنَّه وجد الأذى والاستقذار مَقروناً بالرطب، الأصفر، فتوهم أنَّ الرطب الأصفر مقرون به الاستقذار، ويغلب الوهم حتى يتعذَّر الأكل، وإن حكم العقل بكذب الوهم، لكن خلقت قوى النَّفس مُطيعةٍ للأوهام، وإن كانت كاذبة، حتى أنَّ الطَّبع لينفر عن حسناء سميت باسم اليَّهود إذ وجد الاسم مقروناً بالقبح، فظن أنَّ القبح أيضاً مُلازم للاسم، ولذا تُورد على بعض العوام مسألة عقلية جَليلة فيَقبلها، فإذا قلت: هذا مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إنْ كان يُسيء الاعتقاد فيمن نسبته إليه وليس هذا طبع العامي خاصة بل طبع أكثر العقلاء ... إلا العلماء الرَّاسخين الذين أراهم اللهُ الحق حقاً وقواهم عَلى اتباعه، وأكثر الخلق قوى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها، وأكثر إقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام، فإنَّ الوهم عظيم الاستيلاء عَلى النَّفس، ولذلك ينفر طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع قطعه بأنَّه لا يتحرك، ولكنَّه كأنَّه يتوهم في كل ساعة حركته ونُطقه.

 فإذا تنبَّهت لهذه المثارات فنرجع ونقول: إنَّما يترجح الإنقاذ عَلى الإهمال في حق مَن لا يعتقد الشَّرائع لدفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقَّة لجنسه، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه، وسببه أنَّ الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية، ويقدر غيره معرضاً عنه وعن انقاذه، فيستقبحه منه بمخالفة غرضه، فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف عَلى الهلاك في حق نفسه، فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه فهو بعيد تصوره، ولو تصور فيبقى أمر آخر، وهو طلب الثَّناء عَلى إحسانه، فإنَّه فرض حيث لا يعلم أنَّه المنقذ، فيتوقع أن يعلم فيكون ذلك التَّوقع باعثاً، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم، فيبقى ميل النَّفس، وترجح يضاهي نفرة طبع السَّليم عن الحبل المبرقش، وذلك أنَّه رأى هذه الصُّورة مقرونة بالثَّناء، فظن أنَّ الثَّناء مقرون بها بكل حال، كما أنَّه لما رأى الأذى مقروناً بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فنفر عن المقرون بالأذى، فالمقرون باللَّذيذ لذيذ، والمقرون بالمكروه مكروه، بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإذا انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره، ولذلك قال الشَّاعر:

أمرُّ عَلى الدِّيار ديار ليـلي
وما تلك الدِّيار شغفن قلبي


 

أُقَبل ذا الجدار وذا الجــدارا
ولكن حب من سكن الدِّيـارا
 ‏

    وقال ابن الرّومي مُنبِّهاً على سبب حُبِّ الأوطان:

وحُبب أوطان الرِّجال إليهم
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم


 

مآرب قضاها الشَّباب هنالكا
عهود الصِّبا فيها فحنوا لذلكا
 ‏

    وشواهد ذلك مما يكثر، وكل ذلك من حكم الوهم"(ص48-49).

وفي كتابه الاقتصاد في الاعتقاد يُعطي المزيد من الشَّرح لنظرية الاقتران الشَّرطي في بعض جوانبها فيقول الغزالي "وإذا تتبع الإنسان الأخلاق والعادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر فهذا هو السَّبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الأمور الذَّاهلين عن أسرار أخلاق النُّفوس الجاهلين بأنَّ هذا الميل وأمثاله يرجع إِلى طاعة النَّفس بحكم الفطرة والطَّبع بمجرد الوهم والخيال الذي هو غلط بحكم العقل. ولكن خُلقت قوى النَّفس مُطيعة للأوهام والتَّخيلات بحكم إجراء العادات، حتى إذا تخيل الإنسان طعاماً طيباً بالتَّذكير أو بالرُّؤية سالَ في الحال لُعابه وتحلبت أشداقه وذلك بطاعة القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللُُّعاب المعين عَلى المضغ للتَّخيل والوهم فإنَّ شأنها أن تنبعث بحسب التَّخيل وإن كان الشَّخص عالماً بأنه ليس يريد الإقدام عَلى الأكل بصوم أو بسببٍ آخر" (ص 195 - 196).

قال الإمام ابن تييمية وهو يشرح الآية التَّالية { فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } "فَالنَّفْسُ إذَا أَحَبَّتْ شَيْئًا سَعَتْ فِي حُصُولِهِ بِمَا يُمْكِنُ حَتَّى تَسْعَى فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ تَكُونُ كُلُّهَا مَقَامَاتٍ لِتِلْكَ الْغَايَةِ فَمَنْ أَحَبَّ مَحَبَّةً مَذْمُومَةً أَوْ أَبْغَضَ بُغْضًا مَذْمُومًا وَفَعَلَ ذَلِكَ كَانَ آثِمًا مِثْلَ أَنْ يُبْغِضَ شَخْصًا لِحَسَدِهِ لَهُ فَيُؤْذِي مَنْ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ إمَّا بِمَنْعِ حُقُوقِهِمْ، أَوْ بِعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ. أَوْ لِمَحَبَّةِ لَهُ لِهَوَاهُ مَعَهُ فَيَفْعَلُ لأَجْلِهِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ لِلَّهِ فَيَفْعَلُهُ لأجْلِ هَوَاهُ لا لِلَّهِ وَهَذِهِ أَمْرَاضٌ كَثِيرَةٌ فِي النُّفُوسِ وَالإنْسَانُ قَدْ يُبْغِضُ شَيْئًا فَيُبْغِضُ لأجْلِهِ أُمُورًا كَثِيرَةً بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ. وَكَذَلِكَ يُحِبُّ شَيْئًا فَيُحِبُّ لأجْلِهِ أُمُورًا كَثِيرَةً، لأَجْلِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ :

أُحِبُّ لِحُبِّهَا السُّودَانَ


 

حَتَّى أُحِبُّ لِحُبِّهَا سُودَ الْكِلابِ


فَقَدْ أَحَبَّ سَوْدَاءَ، فَأَحَبَّ جِنْسَ السَّوَادِ حَتَّى فِي الْكِلابِ وَهَذَا كُلُّهُ مَرَضٌ فِي الْقَلْبِ فِي تَصَوُّرِهِ وَإِرَادَتِهِ" (الفتاوي، ج10، ص 130).

نجد في الفِكر التَّربوي الإسلامي أنَّ العلماء كانوا يحرصون على ترغيب الأطفال بالصَّلاة في المسجد ويرغبونهم بما يحبونه كي يحدث الاقتران الإيجابي فلقد ذكر الإمام الذََّهبي في كتابه سير أعلام النُّبلاء عن زبيد بن الحارث وهو من طبقة صغار التّابعين أنَّه كان مُؤذن "مسجده فكان يقول للصِّبيان: تعالوا فصلُُّوا أهب لكم جوزاً، فكانوا يُصلُّون ثم يُحيطون به فقلت له في ذلك فقال: وما علي أن أشتري لهم جوزاً بخمسة دراهم، ويتعودون الصَّلاة" (ج5، ص297).

نظرية التَّعلم من خلال الاستجابة الشَّرطية Conditioned Response مُحاولة علمية مَعملية لإماطة اللِّثام عن بعض جوانب نظرية "سبق الوهم إلى العكس" التي أشار إليها الغزالي في نظريته الفلسفية المحضة. لقد نال بافلوف جائزة نوبل Noble Prize  عام 1904م لتجربته التي قام بها عَلى الكلاب وإسهامه في تطوير علم الفسيولوجيا الذي يدرس علم وظائف الأعضاء. لقد وجد بافلوف أنَّ من أنماط التَّعلم هو التَّعلم من خلال الرَّبط والمقارنة وهو ما يُعرف الآن بنظرية الاقتران الشَّرطي.

قدَّم بافلوف للكلب قِطعة لحم مع صوت جرس وفي كل مرة يُعيد فيها العملية وجد أنَّ الكلب يُفرز اللُّعاب من فمه بمجرد سماع صوت الجرس. وبعد فترة من التَّدريب تبين أنَّه إذا سمع الكلب صوت الجرس فإنَّ اللُّعاب ينزل حتى لو لم يتم إحضار الطَّعام ولكن سرعان ما يترك الكلب هذا السُّلوك إذا استمر قرع الجرس دون تقديم الطَّعام.

العالمان واطسون ورينر كانا من أشدِّ المتحمِّسين لنظرية بافلوف (صادق، و أبو حطب، 1988، ص 193) وعلى ضوء ذلك قاما بتجربة الطِّفل ألبرت في عام 1920م وكان عمر الطِّفل ألبرت 11 شهراً قُدِّم له فأر أبيض ليلعب به بحرِّية ودون خوف، ثم استخدم الباحثان أسلوب التَّعلم الشَّرطي، فكان كلّما ظهر الفأر أمام الطِّفل صدر صوت مرتفع فبدأ الطِّفل ألبرت يخاف وبعد تكرار التَّجربة وجد الباحثان أنَّ الطِّفل بدأ يخاف من رؤية الفأر ومن دون أن يسمع الضَّوضاء. 

من التَّطبيقات العملية التَّربوية لنظرية التَّعلم بالاقتران الشَّرطي في عالمنا المعاصر هو ما نجده من حب الطِّفل للمدرسة عندما يجد المُتعة داخل أسوارها أو أنَّه يكره الذِّهاب إليها إذا واجه خبرات أليمة فيحدث الرَّبط والاقتران. التَّعلم خلال الاقتران الشَّرطي الإيجابي يجعل المتعلِّم يقرن المعلومة التي يتعلمها مُقترنة بما هو جميل كي يكون التَّعْلِيم راسخاً مُمتِعاً. 

من الصُّور الدَّارجة في أوساط النَّاس أن تُرَغِب الأم ولدها بطاعة الأب فتقول له "إنَّ والدك يعمل ويبذل من أجلك فيجب أن تَسمع كلامه". عندما يقترن حب الأب بالمادة تُصبح طاعة الأب بمثابة ردّ الجميل لا فريضة من الله على كاهل كل ابن وابنة ومع ذلك فيجب إبراز جهد الأب ولكن مع الحذر من الاقتران السَّلبي فطاعة الوالدين فريضة قبل أن تُصبح رداً لإحسان رغم أنَّه ليس بإمكان الأبناء الوفاء الكامل بردِّ جميل الأمَّهات والآباء فإنَّ حقهم عظيم. ومِن هذا الباب أيضاً يقرن بعض الآباء حُب الأبناء بالتَّحصيل الدِّراسي فيقول الأب لابنه أنا أحبك لأنَّك نجحت بتقدير "امتياز" مع أنَّ الكل يتمنى لابنه التَّفوق إلا أنَّ تعليق الحب الأبوي الفطري بالقيود والشُّروط الدُّنيوية بحاجة إلى تأمل واعتدال في استخدامه كي لا يُصبح اقتراناً سلبياً.

لا ينحصر التَّعلم من خلال الاقتران الشَّرطي بالمضمار التَّربوي حيث نجد اليوم أنَّ الإعلام يستخدم في إعلاناته التِّجارية على هذه القاعدة حيث يتم ربط البطولة والتَّفوق مع شرب نوع معين من المشروبات الغازية فيتم اختيار مشاهير عالَم الرِّياضة أو الفن لعمل الإعلان وما أن ترتبط سلعة معينة باسم أحد المحبوبين عالمياً حتى تزيد السِّلعة في الانتشار.

مما سبق يتَّضح أنَّ سبق الوهم إلى العكس من المفاهيم المهمَّة وأنَّها تصلح لفهم مواقف الطلاب وتفسير أسباب حبهم أو كراهيتهم للأنشطة المدرسية. سبق الوهم يمكن أن يُستخدم إيجابياً ويمكن أن يُستخدم سلبياً والتَّأثير السَّلبي له قد يقع فيه العلماء أيضاً فهو من موانع التَّفكير الحر فالنَّفس مطيعة للأوهام والتَّخيلات وقد تقع النَّفسُ ضحيةً لسبق الوهم إلى العكس.

 

آداب المتعلّم والمُعَلِّم

ذكر الإمام أبوحامد الغزالي أنَّ المُعَلِّم عليه أن يُشفق بالمتعلم ولا يُرهقه وعليه أن يسمح له بوقت للاستراحة واللَّعب كما أنَّه أكَّد عَلى أن يُعطي المُعَلِّم تلميذه على قدر فهمه وهذا يدل على أنَّ الأنماط التَّعْلِيْمِيَّة عند الغزالي يجب أن تقوم على أُسس نفسية لأنَّ التَّربية عملية إنسانية مُتواصلة وإذا أردنا للتَّربية أن تكون في أوج الرُّقِي فعلينا أن لا نغفل عن ذلك الأصل الأصيل. صناعة التَّعْلِيْم عند الغزالي تقوم عَلى معرفة الفروق الفردية إذ المُعَلِّم يجب أن ينوع أساليبه التَّربوية وأنماطه التَّعْلِيْمِيَّة فالمُعَلِّم في نظر الإمام الغزالي كالطَّبيب لا يُعطي مَرضاه كلهم نفس الدَّواء وإلا قتلهم.

 بحكم طبيعة العصر الذي عاش فيه من انتشار للمؤسسات التَّعْلِيْمِيَّة مثل المدارس نجد أن الإمام  الغزالي ركَّز عَلى صنعة التَّعْلِيْم بشكل مُفَصَّل ،ومَنهجي، ومُتوسع إذ تحدَّث عن وظيفة المُعَلِّم وصفات المتعلم أما الإمام الشَّافِعِي مثلاً فتحدَّث عن تلك الموضوعات بشكل مُوجز في أماكن مُتفرِّقة من إنتاجه العلمي لأنَّ القرن الثَّاني الهجري لم يشهد التَّطورات والتَّعقيدات التي ظهرت في القرن الخامس في ميدان التَّعليم. في القرن الثَّاني كانت عملية التَّنشئة بسيطة تلعب كل من الأسرة والمساجد الدور الأكبر في توسيع مدارك الفرد والمساهمة في إعداده لخوض مضامير الحياة.

يمكن اختصار أهم النُّقاط التي ذكرها أبو حامد الغزالي بشأن خُلق المتعلم استناداً إِلى كتابه "الإحياء" بالآتي:

1- تطهير النَّفس من رذائل الأخلاق.

2 -التَّقلل من شواغل الدُّنيا والحذر من الرُّكون إِلى ملذاتها.

3- أن لا يتكبر المتعلِّم على العلم ولا يتأمَّر على المُعَلِّم.

4- عدم الخوض في الاختلافات العِلْمِية في بداية طلب العلم.

5- أن يطَّلع على مبادئ العلوم بتنوعها.

6 - دراسة الأهم من الفنون والعلوم.

 7- أن لا يخوض الطَّالب في فن حتى يَتَّقن الفن الذي قبله.

8- معرفة ثمرة العلوم هل هي أبدية أو فانية وعليه أن يَحرص على العِلم الذي يُوصله للآخرة .

9- إخلاص القصد وعدم احتقار سائر العلوم.

10- معرفة نسبة العلوم إلى مقاصدها الأُخروية. 

ويمكن اختصار أهم النُّقاط التي ذكرها الإمام الغزالي بشأن وظائف المُعَلِّم كما تناول أُسسها المهنية الأخلاقية في الإحياء بالآتي:

1-الشَّفقة بالمتعلم وأنَّ يجريهم مجرى بنية لقول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم "إنَّما أنا لكم مثل الوالد لولده".

2- أن يكون تعليمه لوجه الله تعالى لا الثَّواب الدُّنيوي.

3- إخلاص النُّصح للمتعلِّمين.

4-استخدام التَّعريض والتَّلميح لا التَّعنيف والتَّوبيخ في تصويب الخطأ.

 5- أن لا يُقَبِّح العلوم الأخرى في نفس المتعلم مع مراعاة التَّدرج في تنقل المتعلِّم من رتبة إِلى رتبة.

6- أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه.

7- أنّ المتعلِّم القاصر ينبغي أنْ يُلقى إليه الجلي اللائق به ولا يذكر له أنَّ وراء هذا تدقيقاً له فإنَّ ذلك يفتر رغبته ويشوِّش عليه قلبه.

8-أن يكون المُعَلِّم عامِلاً بعلمِه فلا يكذب قوله فعله لأنَّ العلم يُدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر فإذا خالف العمل العلم مُنِع الرُّشد وكل من تناول شيئاً وقال لنا لا تتناولوه فإنَّه سم مهلك، سخر النَّاس به وزاد حرصهم عَلى ما نُهُوا عنه.

ومن آداب معلم الصبيان أن "يبدأ بصلاح نفسه، فإنَّ أعينهم إليه ناظرة، وآذانهم إليه مُصغية، فما استحسنه فهو عندهم الحسن، وما استقبحه فهو عندهم القبيح، ويلزم الصَّمت في جلسته، ويكون معظم تأديبه بالرَّهبة، ولا يكثر الضَّرب والتَّعذيب، ولا يحادثهم فيجترئوا عليه، ولا يدعهم يتحدَّثون فينبسطون بين يديه، ولا يمازح بين أيديهم أحداً ويتنزَّه عمَّا يعطونه، ويتورَّع عمَّا يطرحونه بين يديه ، ويمنعهم من التَّحريش، ويقبِّح عندهم الغِيبة، ويُوحش عندهم الكذب والنَّميمة، ولا يسألهم عن أمر ينوبهم فيثقلوه، ولا يُكثر الطَّلب من أهلهم فيملُّوه، ويعلمهم الطَّهارة والصَّلاة، ويُعرِّفهم بما يلحقهم من النَّجاسة (مجموعة رسائل الإمام الغزالي: الأدب في الدِّين ، ص 92، باختصار).  ومن صِفات العالِم "لزوم العِلم، والعمل بالعِلم، ودوام الوقار، ومنع التَّكبر والرفق بالمتعلم، والتَّأني بالمتعجرف، وإصلاح المسألة للبليد، وترك الأنفة من قول لا أدري.. وترك التَّكلف، واستماع الحجة والقبول لها وإن كانت من الخصم (مجموع رسائل الإمام الغزالي: الأدب في الدِّين، ص 91).

ومن آداب المتعلِّم مع العالِم أنْ "يبدؤه بالسَّلام، ويقل بين يديه الكلام، ويقوم له إذا قام، ولا يقول له: قال فلان خلاف ما قلت، ولا يسأل جليسه في مجلسه، ولا يبتسم عند مخاطبته، ولا يشير عليه بخلاف رأيه، ولا يأخذ بثوبه إذا قام، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه حتى يبلغ إِلى منزله، ولا يُكثر عليه عند ملله (مجموع رسائل الإمام الغزالي: الأدب في الدين، ص 91).

 

مناقشة بعض آراء الغزالي

 شأن الغزالي شأن كل مُجدِّد فكري لا يسلم من قبولِ ورد بعض كلامه فمهما سما وعلا المفكر فأفكاره فهي بشرية وستظل مَحَلاً للنِّقاش. كثير من الباحثين في الحقل الإسلامي يأخذون عَلى الغزالي إسرافه في النَّزعة الْصُّوْفِيَة وإفراطه في الزُّهديات. لم يَتحدَّث بتوسع عن الاهتمام بالملبس والاعتدال في التَّمتع بنعم الله بقدر ما أكد عَلى ضرورة التَّقشف والخشونة في العيش. المشاهدات والمكاشفات والرُّؤى والذَّوق وغيرها من كلمات الْصُّوْفِية والتي ردَّدها الإمام الغزالي لا يمكن قبولها على إطلاقها كوسيلة للحصول عَلى المعرفة الحقة وفي كل عصر يقف غلاة المتصوفة عَلى مثل تلك العبارات لتسويغ رياضات نفسية تعبدية لم يرد بها الشَّرع ويزعمون أنَّ الخاصَّة منهم يحصل على العلم اللَّدني الغيبي من خلال تلك الْصُّوْفِيَّة وممارساتها الخارقة التي تستغني عن علم النَّقل أو الورق وتكتفي بعلم الخرق.

رغم جمال أغلب الحكايات المذكورة في كتب الغزالي إلا أنَّه للأسف الشَّديد ذَكَرَ في بعض كُتبِهِ حِكاياتٍ هي من شطحات الْصُّوْفِيَّة التي حذَّر منها هو بنفسه ففي الإحياء عقد فصلاً بعنوان (بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم). ورد في نهاية قصَّة البسطامي "..اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللِّباس، واتزر بعباءة، وعلِّق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصِّبيان حولك، وقل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السُّوق، وطف الأسواق كلها عند الشُّهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك". قال الغزالي فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر النَّاس إليه ولا ينجي من هذا المرض سوى هذا. ذُكرت هذه القصة في مقام الثَّناء رغم أنَّ مَضامينها مُظلمة من جميع الجوانب المرتبطة بالسُّلوك.

مُعظم التَّوجيهات التي نثرها الغزالي في كتبه تمثل قواعد رئيسة في التَّربية الإسلامية وتظل بعضها ذات نزعة صُوْفِية مُفرطة مُجافية للأوامر الشَّرعيَّة وفي غاية الغرابة والخطورة فهو مثلاً في شروط الإرادة ومقدِّمات المجاهدة وتدريج المريد في الرِّياضة يوصي بالخلوة في بيت مُظلم فيقول "الخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم فإن لم يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه، أو يتدثر بكساء أو إزار ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة..".

فيما يلي ننقل رأي ابن تيمية في كتاب الإحياء: "وَأَمَّا مَا فِي ( الإِحْيَاءِ ) مِنْ الْكَلامِ فِي "الْمُهْلِكَاتِ" مِثْلُ الْكَلامِ عَلَى الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَغَالِبُهُ مَنْقُولٌ مِنْ كَلامِ الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ فِي الرِّعَايَةِ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَقْبُولٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَرْدُودٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَنَازَعٌ فِيهِ. و " الإِحْيَاءُ " فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، لَكِنْ فِيهِ مَوَادُّ مَذْمُومَةٌ فَإِنَّهُ فِيهِ مَوَادُّ فَاسِدَةٌ مِنْ كَلامِ الْفَلاسِفَةِ تَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ فَإِذَا ذَكَرَ مَعَارِفَ الْصُّوْفِيَّة كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ عَدُوًّا لِلْمُسْلِمِينَ أَلْبَسَهُ ثِيَابَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَنْكَرَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى "أَبِي حَامِدٍ" هَذَا فِي كُتُبِهِ. وَقَالُوا: مَرَّضَهُ "الشِّفَاءُ" يَعْنِي شِفَاءَ ابْنِ سِينَا فِي الْفَلْسَفَةِ. وَفِيهِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ ضَعِيفَةٌ، بَلْ مَوْضُوعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَغَالِيطِ الصُّوفِيَّةِ وَتُرَّهَاتِهِمْ. وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ الْمُسْتَقِيمِينَ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالأَدَبِ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا يَرِدُ مِنْهُ فَلِهَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ اجْتِهَادُ النَّاسِ وَتَنَازَعُوا فِيهِ" (مجموع الفتاوى، ج 10، ص 552).

 استخدم الإمام الغزالي الكثير من الأحاديث الموضوعة والضَّعيفة والأقوال التي قد تدفع إلى الْصُّوْفِية المتطرِّفة والتي قد توهم بأنَّها تدعو إِلى الكسل والرُّكود وعدم البذل …  في كتاب الإحياء ما يقارب 4000 رِواية تقريبا،ً منها 900 رِواية ضعيفة أو موضوعة وهذا يعني أنَّ 21 % تقريباً من مُجمل أحاديث الكتاب في موضعِ شكٍ عند كثير من الباحثين.  ولقد أحسن الحافظ العراقي إذ كان ردَّه العملي ونقده العِلمي لكتاب إحياء علوم الدِّين من خلال تَحقيقه للأحاديث النَّبوية الواردة فيه وكذلك نقد ابن الجوزي وابن قُدامة وغيرهما بطبيعة الحال والذي يتمثل في تلخيص وتخليص الإحياء من الشَّوائب والأقوال التي قد يُساء فهمها. فكان كتاب "منهاج القاصدين" لابن الجوزي و"مُختصر  منهاج القاصدين" لابن قُدامة و"موعظة المؤمنين" للقاسمي و …. ملخصات أخرى كثيرة. وهكذا يجب أن يكون النَّقد العملي البنَّاء والنِّقاش الهادئ الهادف البعيد عن تجريح الأشخاص وتجريدهم من محاسنهم أما النَّقد الجدلي الُمجرَّد القائم عَلى نبذ كل ما في كتاب إحياء علوم الدِّين بِحُجَّة أنَّ فيه بعض الأخطاء فهذا منهج غير معتدل في رأي كثير من الباحثين الذين يَدْعون لتنقية التُّرَاث أو مُناقشته ولكن لا يدعون إلى حذفه.

والجدير بالذِّكر أنَّ التَّساهل من التَّربويين قديماً وحديثاً في رواية الأحاديث الضَّعيفة أو عدم توثيق مصدر الأحاديث لأنَّها من باب الفضائل من المسائل التي يجب أن تُضبط ببعض الضَّوابط التي ذكرها أهل التَّخصص.  يرى بعض العلماء أنَّه يجوز ويُستحب العمل بتلك الأحاديث في الفضائل والتَّرغيب والتَّرهيب ما لم يكن الحديث موضوعاً. وذكروا لذلك بِضعة شروط من أهمها:

أن يكون الضَّعيف غير شديد فيخرج ما انفرد بحديث رواه مِنَ المكذِّبين والمتَّهمين بالكذب ومَن فَحُش غلطه.

أن يكون مُندرجاً تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصلاً.

أن لا يُعتقد عند العمل به ثبوته لِئلا يُنسب إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله بل يعتقد الاحتياط (السِّيوطي: تحفة الأبرار بنكت الأذكار للنَّووي، ص  1).

أن لا يذكر الحديث بصيغة الجزم والتَّأكيد ولكن يُروى بصيغة التَّمريض مثل قِيل رُوي أو ورد في الأثر.

يَذكر الذَّهبي في سِيرِه أنَّ بعض العلماء أفتوا باحراق كتب الغزالي وطالبوا النَّاس الابتعاد عنها (ص109 ، ص327) لأنَّ الإمام الغزالي صوفي. ولله در الامام الذَّهبي الذي اعتبر الإمام الغزالي بحراً من بحور العلم، وناقشه في بعض المسائل وانتقده فيها في دائرة أدب النَّقد ودون أن يُنقص من شأنه. لقد تكلم الإمام الغزالي عن أسرار يعرفها المتصوفة وأنَّهم يجب أن لا يفشونها للعامة ..إلى آخر الكلام الذي لا يُسَلَّم له به ولقد تتبَّع العلماء أمثال ابن الجوزي هذه الأفكار فنقد مسالك الْصُّوْفِية في الشَّطح والدَّعاوى وأنكر عليه رواية قصص تُجيز أعمالاً تورث المرض الشَّديد كمنهج لترويض النَّفس وأنكر عليه قصة من ألقى ماله في البحر ليكون زاهداً (انظر تلبيس إبليس). والعجيب أنَّ الغزالي الفقيه النَّاقد نهل من روايات الْصُّوْفِية ونقل حكاياتهم العجيبة دون مُناقشة لها أو شك فيها ولم يتَّخذ منهج الشَّك الذي تبناه للتَّعامل مع المدارس الفلسفية.

كتب عبد الرحمن عبد الخالق في بحثه في الفكر الصُّوفي عن الغزالي وطرق الكشف كمصدر من مصار المعرفة فقال: "لعل من العجائب والغرائب أن يسقط رجل في طريق التَّصوف كالغزالي رحمه الله وعفا عنه. وعلى ما كان منه فقد كان من علماء الشَّريعة. ولكن لقصر باعه -رحمه الله- في علم السُّنَّة ومعرفة صحيح الحديث من ضعيفه فقد اغتر بما عليه الْصُّوْفِية من ظاهرهم، وما يبدونه ويعلقونه من الورع والتَّقوى، ولما كان عنده من الفلسفة الأولى التي دخل في بطنها ولم يستطع الخروج منها على حد قول تلميذه الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله فإنَّه قد دوَّن للمتصوفة ما دوَّن في كتابه إحياء علوم الدِّين". قال الذَّهبي الذي اعتبر الغزالي البحر في الذَّكاء المفرط: "فرحم الله أبا حامد فأين مثله في علمه وفضائله ولكن لا نرى عصمته من الغلط والخطأ ولا تقليد في الأصول" (ج9 ص346).

يقول النَّدوي (2409 هـ –1989م) "ولا يزال الكتاب (إحياء علوم الدِّين) الذي يكثر قرَّاؤه والمعجبون به والمتأثرون به في أكثر البلاد ولا يزال ثروة زاخرة في الدِّين ومصدراً قوياً من مصادر الإصلاح والتَّربية ( ص198). ولا شك أنَّ الكثير من المعاهد والكليات الشَّرعية – في مُعظم العالم الإسلامي – كانت ولا زالت تُقَرِّر بعض مُصَنفات الإمام الغزالي لأهميتها وأصالتها وكذلك العلماء والوعاظ والدُّعاة عادة يجدون في كتبه التُّرَاثية زاداً تربوياً متفرِّداً.

يأخذ بعض الباحثين عَلى الإمام الغزالي - إضافة إِلى هفواته الْصُّوْفِية وسرده للأحاديث النبّويّة الواهية - أنَّه أهمل في كتابه "الإحياء" موضوع الجهاد فلم يتكلم عنه وهو مأخذ يستحق اللَّوم عليه كما يقولون، ويبطلون كل دفاع أو تأويل لذلك. المدافعون عن الإمام الغزالي يقولون إنَّ "الإحياء" لم يُقصد به بحال من الأحوال إهمال شعائر الملّة وأن الجهاد في حقيقته هو جهاد النَّفس عبر التَّربية والتَّصفية والتَّزكية وهو ما فصَّل فيه الإمام الغزالي في "الإحياء". أما الجهاد ضد الأعداء المعتدين من الصَّليبين والتَّتار فلم يكن من أهداف الكتاب وهذا لا يعني بحال من الأحوال الإهمال كما يرى المُنتقدون. فعلى سبيل المثال يتحدَّث الباحثون اليوم عن الأصول التَّربوية وأحياناً لا يتطرقون إلى الحديث عن الأصول الاقتصادية أو الأصول الصِّحية والبدنية والقانونية وهذا لا يعني من قريب أو بعيد أنهم يهملون تلك الأصول إذ الغرض دائماً هو ذكر بعض الأصول لا حصرها فهي كثيرة ومن العسير إيرادها كلها وبالتَّفصيل في كتاب واحد فليس المراد استيفاء واستقصاء الحديث بالشَّرح لكل الأصول. المنتقدون سيقولون إِنَّ غزو الصَّليبين لمدينة انطاكية سنة 491 هـ = 1097 م من الخطوب العظيمة في تاريخ المسلمين والأعظم أنهم اقتحموا القدس سنة 495 هـ = 1101 م وأثناء ذلك كله قُتل عشرات الألوف والغزالي يتحدَّث عن إصلاح الفرد فقط لأنَّه أساس التَّغيير السِّياسي والاجتماعي!! مهما يكن الأمر فلكل فريق وجهته ورأيه الوجيه والأصل أن نذكر الآراء العِلْمِية للطَّرفين بأمانة وسعة فكر.

 

مُناقشة موضوع المرأة والتّربية الاجْتِمَاعِيَّة عند الغزالي

لقد أجاد الإمام الغزالي في التَّأكيد عَلى الحقوق الشَّرعية للمرأة ونقل النُّصوص القرآنية والنَّبوية في ذلك وطالب بتعليم المرأة وتلقينها أصول الدِّين خاصة الأمور التي تخص النِّساء مثل أحكام الطَّهارة. من صور الورع الجميلة التي يُقدِّمها الغزالي عن إيمان المرأة المسلمة قوله كانت عادة النِّساء في السَّلف أنَّ "الرَّجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته أو ابنته إيَّاك وكسب الحرام فإنَّا نصبر عَلى الجوع والضُّر ولا نصبر عَلى النَّار. وهمَّ رجلٌ من السَّلف بالسَّفر فَكَرِه جيرانه سفره فقالوا لزوجته لم ترضين بسفره ولم يدع لك نفقة فقالت زوجي منذ عرفته أكَّالاً وما عرفته رزَّاقًا ولي ربي رزَّاق، يَذهب الأكَّال ويَبقى الرَّزاق (الإحياء). وهو توكل جميل ويظل الأصل أن يترك الرَّجل لأهله حاجتهم وخاصة في حال سفره.

وفي آداب الرَّجل مع زوجته يقول الإمام الغزالي كلاماً جميلاً إذ يطلب من الزَّوج "حُسْن العِشرة، ولطافة الكلمة، وإظهار المودة، والبسط في الخلوة، والتَّغافل عن الزَّلة، وإقالة العَثرة، وصيانة عرضها، وقِلَّة مجادلتها، وبذل المؤونة بلا بخل لها وإكرام أهلها، ودوام الوعد الجميل، وشدَّة الغيرة عليها" (الأدب في الدِّين ص 111).

ومِنَ الوصايا الخالدة في تراثنا العربي ما ينقله الغزالي في تربية البنات قبل الزَّواج هذه الوصية عن "بنت خارجة الفزاري قالت لابنتها عند التَّزوج إنَّك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إِلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فكوني له أرضاً يكن لك سماءً، وكوني له مهاداً يكن لك عماداً، وكوني له أمَة يكن لك عَبداً".

  لقد نقل الإمام الغزالي أقوالاً قليلة قد لا تُقبل عَلى إطلاقها وبحاجة إِلى تفسير حَسن إن كانت الرِّوايات المنثورة في كُتبه صحيحة من حيث أسانيدها. نجد في الإحياء عبارة ترسم منهج التَّعامل مع رأي المرأة إذ قال أحدهم "شاوروهنَّ وخالفوهنَّ" ونجد وصف المرأة في عبارة أخرى "ما أنت إلا لعبة في جانب البيت إن كانت لنا إليك حاجة وإلا جلست كما أنت" وفي مَذمَّة المرأة العقيم نجد الأثر الذي يقول "لَحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد" و "سوداء ولود خير من حَسناء لا تلد" وقولهم "ثلاثة إذا أكرمتهم أهانوك وإذا أهنتهم أكرموك ومنهم المرأة وهي عبارة نقلها الرَّازي في المناقب عن الإمام الشَّافِعِيّ وحاول الغزالي توجيه المعنى. لا شك أنَّ بعض الرِّجال بِطبعهم لا يحترمون من يحترمهم ويهينون اليد التي تُحسن إليهم ولا سِيَّما إذا اتبع الرَّجل شهواته الجنسية فقد يبيع بلده ويبدِّل دينه في لحظة من أجل نزوة عارضة وشهوة مُحرَّمة. وكذلك بعض النِّساء سواء بسواء أمَّا أن تُصوَّر المرأة وحدها بتلك الصِّفة ويتم تعميم الأمر كأصل قائم  فليس ذلك الأمر بمقياس صحيح. 

 وفي الأدب العربي ما هو إشارة إلى عظيم مكانتها وهناك ما يمكن أن يدل على التَّقليل من مكانة المرأة مثل قولهم "اعص النِّساء فتلك السُّنَّة الحَسنة" (العجلوني في كشف الخفاء). يقول الإمام الغزالي في تحذيره من شر وكيد معشر النِّساء "وشرهن فاش والغالب عليهن سوء الخُلُق وركاكة العقل ولا يعتدل منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة " وأيضاً يَقول "فالقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في قعر بيتها لازمة لمغزلها لا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام لجيرانها لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدُّخول. فإنْ خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثَّة تطلب المواضع الخالية دون الشَّوارع والأسواق محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها لا تتعرف إِلى صديق بعلها في حاجاتها بل تتنكَّر على من تظن أنَّه يعرفها أو تعرفه (الإحياء وكذلك في الأدب في الدِّين باب آداب الزَّوجة مع زوجها)

ومِنْ أقواله "يجب على العقلاء، أن يكونوا رحماء بالنِّساء، ولا يظلموهن، ولا يجوروا عليهن، فإنََّ المرأة أسيرة الرَّجل، ويجب على الرِّجال مُداراة النِّساء، لسبب نقص عقولهن، وبسبب نقص عقولهم، لا يجوز لأحد أن يتدبر بآرائهن، ولا يلتفت إلى أقوالهن، ومن اعتمد على آرائهن، والتفت إلى أقوالهن، ودبَّر نفسه بمشورتِهن خسِر" (التِّبر المسبوك ص 266).

مثل هذه الحيطة وغيرها فيها مُبَالغة ظاهرة ولا تلامس سماحة ويسر الإسلام. قوله في حُقوق الزَّوج عَلى الزَّوجة "والقول الشَّافِي فيه أنَّ النِّكاح نوع رِق، فهي رقيقة له، فعليها طاعة الزَّوج مُطلقاً في كل ما طُلِب منها في نفسها مما لا معصية فيه" (الإحياء ج2، ص 58؛ انظر الزَّواج السَّعيد ص 109). وكثير مِنَ الفُقهاء وشُرَّاح الحديث النَّبوي يتحدَّثون عن عَقد الزَّواج بألفاظ وتعاريف قريبة من تعريف الغزالي الذي يستند إلى بعض الألفاظ النّبوية فالمرأة أسيرة عند زوجها ولا يذكرون ما ذكره ابن العربي في شرحه للتِّرمذي حيث قصر مفهوم الرِّق في كون المرأة لا تستطيع أن تتصرَّف في مال الرَّجل وكذلك الخروج من الدِّار دون إذنه وهي بهذا المعنى أسيرة.

 لا أحد ينكر ضرورة طاعة الزَّوجة لزوجها واحترام الرَّجل لزوجته والسَّعي في إسعادها ولكن كلمة رق قد لا تكون دقيقة ورقيقة فالزَّواج عقد اجتماعي ديني يُلبي حاجة الإنسان الأساسية والسامية من خلال الارتباط بالجنس الآخر وهو عقد ديني ينبني على اعتبار حرية الاختيار لا الإجبار. وهو عَقد مودَّة ورحمة وسكن بين شقَّين يأنس أحدهما بالآخر وتظل التَّعبيرات القرآنية تُلامس قلب الحق وباطن العقل معاً. فتلك العبارة وما شابهها من الأقوال المأثورة من المفترض أن تُفهم وتُعرض في ظل الإطار العام لمبادئ الإسلام الذي جاء لتحرير المرأة من عنت العادات وأغلال التَّقاليد التي تتذرع بتعبير رقّ في التَّعسف في معاملة النِّساء.

ويروي الإمام الغزالي في الإحياء أنَّ امرأة لم تزر أبيها في مرض موته فغفر الله لأبيها بطاعتها لزوجها وهذا الحديث رغم ضعفه كما حقَّقه العراقي لا يمكن مُطلقاً أن نعتبره قاعدة لتربية المرأة كي تعرف حقوق الزَّوج عليها فالإسلام دين رحمة وإنسانية وفي الأحاديث الصَّحيحة كفاية في تقرير حق الزَّوج وضَرورة الطَّاعة فيما لا معصية فيه. منهج الغزالي بالعموم يدلنا على أنَّ كل شيء ضد الرَّحمة مرفوض..وكل شيء ضد العدل مرفوض وأن مقاصد الشَّريعة كلها تتضمن مصلحة للعِباد في الدُّنيا والآخرة وعليه فإنَّ مثل تلك القصص إذا لم تُرَد فينبغي أنْ يتم تأويلها دون تكلف أو تعسف.

لم يُطالب الغزالي بأهمية التَّعْلِيْم الغير ديني للمرأة وحصر التَّعْلِيْم الدِّيني بأحكام الحيض والإستحاضة وأحكام الدِّين التي تخصها. يبدو أنَّ العصر الذي عاش فيه كان عصر فِتنة مما جعله يُحَذِّر من خروج المرأة  …. ولكن الفتن التي أصابت المرأة والتي لا يخلو أي مجتمع منها دفعت بكثير من العلماء والدُّعاة قديماً وحديثاً إِلى مسار غير عملي في قضايا المرأة من باب سد الذَّرائع وهو مدخل لا يقل خطورة عن التَّساهل في تلك القاعدة الفقهية فكل إفراط أو تفريط له أضراره وعواقبه.  لقد طالب الإمام الغزالي بأن لا تخرج المرأة من بيتها إِلى المسجد إلا العجائز بسبب تغير الزَّمان وفساد النَّاس.

قال الدكتور نوفل (1994) "أما الفتيات فإنَّ لهن وضعاً خاصاً عند الغزالي وغيره من فلاسفة التَّربية الإسلامية. فعلى الرَّغم من اهتمام الإسلام بتحسين الوضع الاجتماعي للمرأة واهتمامه بتربيتها، فإنَّ الأحاديث المتأخِّرة وما بُني عليها من مبادئ اجتماعية وتربوية قد وضعت المرأة في مكانة سيئة. ويمثّل الغزالي هذا الاتجاه السَّلبي في النَّظر إلى المرأة والتَّعامل معها وتعليمها" (ج1، ص284). يؤكِّد شفشق (1980م) على أنَّ "الغزالي لم يقل شيئاً عن تعليم البنت، بل اهتم فقط بتعليم الصَّبي، ولا عجب في هذا، فإنَّ كثيراً من المسلمين رأوا أنَّ التَّعْلِيْم للرِّجال فقط" (ص 151). وأشار الصَّاوي (1999م) إلى نفس الملاحظة بصورة مُقتضبة أيضاً (ص 331). وفي دراسته المغالية في النَّقد كتب زكي مبارك (1988م) عن تربية البنات فقال "لم يتكلم الغزالي عن تربية البنات، وكان عليه أن يهبهنّ نصيباً من عنايته. ولكن الرَّجل تأثر بعصره، وبقومه، فقد كانت تربية البنات مما لا يهتم به الأوَّلون" وكان "العلم الواجب على الرَّجل لامرأته لا يزيد عن معرفة الفرائض من صلاة وصيام. ومعرفة الفرائض هذه لا تفيد المرأة شيئاً في الحياة المنزلية، وهي العبء الملقى على عواتق النِّساء" (ص 258).

ما الذي دفع الغزالي إلى تبني بعض الآراء الشَّاذة في كيفية التَّعامل مع المرأة؟ لا نملك الإجابة الكاملة الدَّقيقة لهذه المسألة فهي ظاهرة مُعقَّدة عميقة وقع في غوائلها الكثير من العلماء ولكن في نظرنا يمكن عزو ذلك إلى عدة أسباب منها:

 1- طبيعة العصر الذي عاشه الغزالي حيث الفِتن والتَّوسع في الملذات وانتشار المفاسد.

2-النَّزعة الانعزالية الْصُّوْفِية عند الغزالي جعلته يقترب من فكرة عزل المرأة عن المجتمع إلى حد التَّشدد.

3-تسرب الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة إلى ثقافته فأخذ يروي الحكايات والأحاديث الموقوفة والمرفوعة دون تمحيص لسندها أو لمتنها.

4-تأثره بفكر الفلاسفة اليونانيين فإنَّ الدِّراسات تشير إلى أنَّ الغزالي في آرائه في تأديب الصِّبيان استفاد كثيراً من بروسن (جمال الدين، 1995 م، ص 99) في كتابه "في تدبير الرَّجل لمنزله" أو على أقل تقدير فإنَّ الغزالي نقل الكثير من آرائه في تربية الصِّبيان من ابن مسكويه وهو قطعاً مبني على التُّرَاث اليوناني كما أفاد ابن مسكويه في مقدِّمة كتابه تهذيب الأخلاق. من المعروف أنَّ التُّرَاث اليوناني أهمل تعليم المرأة سواءاً في أسبرطا أو في أثينا.

5- في ذلك العصر كانت المعرفة العامَّة بإدارة البيت ومعرفة بعض الأحكام الدِّينية العامَّة على الأقل تكفي حاجة المرأة فلا تحتاج إلى أن تخرج خارج إطار الأسرة من أجل أن تتعلم. لم يتوسع الغزالي في تعليم المرأة لقناعته بعدم حاجتها لذلك في ذلك العصر ويكفيها أن تعرف الأحكام الشَّرعية العامَّة والتي لها صلة بالمرأة أي أنَّه اقتصر على التَّعْلِيْم الدِّيني المحدود للمرأة.

6-اتساع مستوى الجهل بين النِّساء في عصره جعله يُطالب بتعليم المرأة الحد الأدنى من العلم والذي حرمت منه. قراءة مقدِّمة كتاب أحكام المرأة لابن الجوزي تدل على شيوع الجهل في أوساط النِّساء في تلك القرون فلا يُعقل أن يُطالب الغزالي بتعليم المرأة تعليماً عالياً ومعظم النِّساء في زمنه أميات فطالب أهل زمانه بالسَّماح للمرأة بأن تدرس الضَّروري من العلم الذي يمس حياتها وهي دعوة واقعية.

7- لا يمكن أن نلوم العوامل السابقة فقط ونترك المرأة كضحية لا تتحمل المسؤولية. شريحة كبيرة من النساء جهلن أو تجاهلن حقوقهن الشرعية ولم يطالبوا بها وهذا التفريط وجد الترحيب من جانب الرجال... والكل مسؤول على كل حال.

المهم أنَّ احترامنا وإجلالنا لعلمائنا لا يمنعنا من الاختلاف معهم في بعض الأحيان فنحن نناقش أفكارهم بموضوعية قدر الإمكان ولا نتطاول على أشخاصهم وما نحن – في أحسن الأحوال - إلا قطرة من بحر علمهم. نسأل الله سُبْحَانَهُ أن يغفر لنا ويرحمهم ويرحم كل من دَرس عندهم، وأخذ العلم عنهم، واستفاد الخير منهم.

 

ملخص مُناقشة رأي الغزالي في تعليم المرأة

يمكن تلخيص رأي الغزالي في قضايا التربية الاجْتِمَاعِيَّة للمرأة بالنُّقاط الآتية:

1-حرص الإمام الغزالي رحمه الله على أن يربط قضايا المرأة بنصوص الشَّريعة التي تحث على الاعتناء بالمرأة وحُسن التَّعامل معها كما ذكر الغزالي تطبيقات السَّلف الصَّالح وأقوالهم في معاملة المرأة. لقد أكَّد في كثير من المواطن ومعظم ما كتب على ضرورة الإحسان إلى المرأة وحُسن تربيتها كبنت وأخت، وأكَّد على حُسن معاشرتها كزوجة.

2-لم يتوسَّع في قضية تعليم المرأة واقتصره عَلى الشُّئون الدِّينية المرتبطة بحياتها العملية الضَّرورية.

3-حاول أن يُوازن بين بسط القول في حقوق وواجبات كل من الزَّوج والزَّوجة على حد سواء.

4-بعض النُّصوص التي نقلها حول المرأة مَبنية على أحاديث ضعيفة وموضوعة قد يُساء فهمها لأنَّها تسير في ركاب النَّزعة التَّشدُّدية المهمِّشة لدور المرأة.

5-ذَكَرَ نقاط  الضَّعف عند النِّساء ولم يتوسع في الحديث عن نقاط الضَّعف عند الرِّجال ولم يُحذِّر من بطش بعض الرِّجال الذين في كل عصر ومصر قد يستغلون ضعف المرأة فيظلمونها باسم الدِّين وتحت لواء القوامة والإسلام. قليلٌ من الباحثين حاولوا أن يدرسوا قضية تعليم المرأة أو البنت وحسن التَّعامل معها عند الإمام الغزالي ولم تتجاوز دراساتهم حدّ الإشارة العابرة.

6-بعض آراء الغزالي فيما يتَّصل بالنِّقاب والزَّواج والتَّعْلِيْم والمبالغة في ملازمة البيت تميل بشكل واضح نحو الحيطة وأحياناً قد تصل إِلى مرحلة التَّشدُّد الزَّائد عن الحدِّ.

7- بعض العِبارات القليلة التي ذكرها الغزالي وقد يُفهم منها التَّقليل من قدرات المرأة قد تكون ناتجة من ضغوط الواقع الاجتماعي حيث انتشرت المفاسد في ذلك العصر مما دفع ببعض الفقهاء إلى اللُّجوء إلى أخذ الحيطة الدِّفاعية في معالجة قضايا المرأة ومن الأسباب أنَّ الإمام الغزالي كان يتساهل في نقل الأخبار فاستند على طائفة من الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة إضافة إلى أنَّ طبيعته الْصُّوْفِيَّة قد جعلته أقرب إلى فكرة العُزلة ونبذ فكرة المخالطة وفق الضَّوابط. ومِن الأسباب أيضاً أنَّ الغزالي في اهتمامه بتعليم الصِّبيان نقل بعض العبارات والأفكار من التُّرَاث اليوناني ولم يُشر إلى مصادرها ومِن المعروف أنَّ التُّرَاث اليوناني لم يُكرِّم المرأة من خلال تعليمها التَّعْلِيْم اللائق بها ومِن جانبٍ آخر فإنَّ نساء عصره انتشر بينهن الجهل فأكَّد على الحدِّ الأدنى من المعرفة لتعليمهن.

8-المحور الأخلاقي هو أساس التَّربية الاجْتِمَاعِيَّة للمرأة والأصل أنَّ المرأة عليها أنْ تتحلى بالفضائل وتتخلى عن الرذائل.

9- حديث الإمام الغزالي عن المرأة أكثر بكثير عن حديثه عنها كبنت وفي المقابل تحدَّث عن تربية الصِّبيان بعمق وتوسع كما تحدث عن تربية الرِّجال.

10- مُعظم الدِّراسات التَّربوية لا تشير إِلى هذا الموضوع بتفصيل وشرح ومن الإشارات التّربوية الموجزة  في موضوع تربية المرأة عند الغزالي ما ذكره شفشق (1980م) ونوفل (1994م) والصَّاوي (1999م).

 

منهجه في تربية الأطفال

في كتابه إحياء علوم الدِّين عقد الإمام الغزالي فصلاً رائعاً شرح فيه منهجه في كيفية تربية الأطفال فبين الطَّريق في رياضة الصِّبيان ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم. قرَّر هناك أنَّ التَّربية المبكِّرة مِن أهم الأمور واعتبر الأُسرة مسؤولة عن ذلك وأنََّ قلب الطِّفل جوهرة نفيسة قابلة لكل نقش سواء كان نقشاً يتضمَّن فيه الخير أو الشَّر وهذه القابلية للنَّقش هي قابلية الطِّفل للتَّعلم وأكبر خطر يهدِّد الأطفال هو الإهمال أو تعويدهم الشَّر.

يَنص الغزالي على أنَّ الطِّفل أمانة في عنق والديه ثمَّ يستشهد بقوله سُبْحَانَهُ كما في سُورة التّحريم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)". وهذه الآية الكريمة من أصول التَّربية الإسلامية وعادة يبدأ العلماء بتعزيز أفكارهم التَّربوية بهذا الأصل الكريم كما نجد الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود. وهي تدل على العديد من المعاني والإرشادات منها: أهمية  المسئولية الفردية والجماعية في التَّربية الإسلامية وخاصة في تربية النَّاشئة. والحقيقة الثَّانية التي يمكن أن تُستنبط من الآية الكريمة أنَّ الأسرة أساس التَّربية النَّاجحة وأساس الانطلاقة التَّعْلِيْمِية.

في منهاج الغزالي التَّربوي نجده أكَّد على طائفة مِنَ التَّوجيهات التي مِن شأنها أن تُقوِّم الطِّفل ومُعظم هذه التَّوجيهات هي من ركائز التَّربية الإسلامية والقليل منها هي اجتهادات شخصية. مِن أهم توجيهات الإمام الغزالي في تربية الطِّفل ما يلي:

1-على الوالدين تأديبه وتهذيبه وتعليمه مكارم الأخلاق فيصونه من نار الدُّنيا والآخرة.

2-يحفظه من قرناء السُّوء لأنَّ أصل تأديب الصِّبيان الحفظ من قرناء السُّوء.

3-لا يُعود التَّنعم ولا يُحبب إليه الزِّينة وأسباب الرَّفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك.

4-حُسن اختيار المرضعة بأن تكون امرأة صالحة مُتدينة تأكل الحلال فإنَّ اللَّبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه.

5-الطِّفل المستحي لا ينبغي أن يُهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه.

6-الطِّفل يجب أن يتعلم آداب الطَّعام من التَّسمية والأكل باليمين ومما يليه والإمام الغزالي في هذا يلخص ما ورد في الهدي النَّبوي كما جاء في الحديث الشَّريف (عن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ قال كُنْتُ غُلامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ) رواه الْبُخَارِيّ في صحيحه كتاب الأطعمة.

7-لبس الثِّياب البيض دون الملوَّن والابريسم (الحرير) كي لا يتشبَّه بالنِّساء.

8-إرسال الطِّفل إلى المكتب ليتعلم القرآن الكريم وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصَّالحين وفي هذا دليل على أنَّ الغزالي يرى أنَّ القِصة من أفضل الوسائل في غرس الفضائل في نفوس الأطفال. يؤمن كذلك أنَّ رواية الحكايات وسيلة هامة لعلاج الغضب فإنَّ قصص الحِلم والصَّفح تدفع الفرد للإقتداء بهذه النَّماذج.

9-حِفظ الطِّفل من سماع شعر العشق والمجون.

10-ضرورة استخدام الثَّواب لتعزيز السُّلوك الإيجابي.

11-التَّغافل عن بعض أخطاء الصِّبيان واستخدام النَّصيحة سِرّاً وعدم إكثار العِتاب حتى لا يَهُون عليه ذلك.

12-أن يُمنع من النُّوم نَهاراً وهذا الرَّأي يبدو أنَّه نِسبي ويعتمد على البيئة الخاصة بالطِّفل وكثير من المربين ينصحون الطِّفل بالقيلولة وفي الحديث الشَّريف "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيلُ"[118].

13-يُعَوَّد جسم الطِّفل الخشونة في المفرش والملبس والمطعم.

14-يُعوَّد في بعض النَّهار المشي والحركة والرِّياضة.

15-يُمْنَعْ من الفُرُش الوطيئة النَّاعمة الوثيرة.

16-ويُمْنَعْ من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والده أو بشيء من مطاعمه وملابسه.

17-يُعَلََّم الرِّفعة في الإعطاء كي يُصبح كريماً.

18-يتعلَّم آداب حضور المجالس مثل حُسن الاستماع واحترام الكبير.

19-الصَّبر على ضرب المُعَلِّم.

20-السَّماح للطِّفل في اللَّعب بعد الخروج من المكتب كي يستريح ويستفيد.

21-التَّدريب على صيام بعض أيام رمضان وتجنب لبس الديباج والحرير والذََّهب للصِّبيان.

22-ترهيبه من الأخلاق الذَّميمة كالسَّرقة والخيانة وأكل الحرام.

23-تعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشَّرع.

24-الزُّهد بالدُّنيا والتَّطلع للآخرة.

25-الطِّفل خُلق قابلاً للخير والشَّر جميعاً وإنَّما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين.

 

مُناقشة التَّربية المهنية عند الغزالي

يرى الدكتور شفشق (1980 م) أنَّ الإمام الغزالي من الفلاسفة الذَّين وضعوا نظاماً تربوياً شاملاً  يمتاز بوضوح الأهداف والوَّسائل ورغم ذلك فإنّه لم يُركز عَلى بعض الجوانب التَّربوية مثل العلوم الفنِيَّة والجمالية والمهنية.  "ولم يظهر رأي الغزالي بشأن التَّربية المهنية بوضوح. فقد تكلَّم عن ضرورة تعليم بعض العلوم كالطِّب والفلك والحساب والصِّناعات، وفي نفس الوقت لم يُظهر تحمساً للتَّعليم المهني،بل على العكس فإنَّه كان من الدَّاعين إلى الابتعاد عن السَّعي وراء الأجر لقاء الخدمات التي يقوم بها الفرد للنَّاس، وخاصة في النّواحي التَّعْلِيْمِية. كما أنَّه أشار إلى عدم تحبيذه للمهن، أو التَّعْلِيْم المهني، لأنَّ العلم يجب أن يُطلب لذاته، ولما يقوم به من تقريب الفرد إِلى الله، لا لما يمكن أن يدرّ عليه من رزق أو مال" (ص 152).

يبدو أنَّ ذلك العصر قد بلغ فيه الرَّخاء المادي مَنزلة عظيمة مما جعل بعض العلماء يتوجهون إِلى التَّأكيد عَلى معاني الزُّهد والتَّقلل من الدُّنيا. لا شك أنَّ العمل المهني من الأعمال الشَّريفة التي تحرص التَّربية الإسلامية عَلى غرسها في نفوس المسلمين فالأنبياء الكرام - وهم خير الخلق قاطبة – عمل بعضهم في الرَّعي وكان زكريا عليه السَّلام نَجاراً ولقد أصاب العلامة ابن خلدون كبد الحقيقة عندما أشار في كتابه إِلى أهمية تعليم الصَّنائع عندما عقد فصلاً في أنَّ المدن تنقص فيها المهن الصِّناعية في حال الضَّعف أو بتعبيره "إنَّ الأماصر إذا قاربت الخراب انتقصت منها الصَّنائع" هذا عَلى المستوى الجمعي أما عن تأثير المهن والصِّناعات عَلى مستوى الفرد فيقول "الصِّناعات تُكسب صاحبها عقلاً وخصوصاً الكتابة والحساب". ويرى أنَّ إقبال النَّاس على صناعة ما يدفع إلى إجادة الصَّنعة كما يدعو إلى كثرة الطلاب الذين يريدون تعلمها ليكون منها معاشهم. البشر في كل المجتمعات نجد بعضهم في اسم عائلاتهم دلالة على مِهنة من المهن مثل عائلة السَّماك والصَّياد والنَّجار وقديماً نجد عائلة الطرائقي أي الذي يبيع الهدايا والتُّحف وأدوات الزِّينة المصنوعة من الخشب.

ونجد في كتبنا التُّرَاثية أحياناً بعض الأقوال الفضفاضة التي من شأنها أن تُؤدي إلى ترسيخ فكرة تنقيص قدر بعض المهن الشَّريفة كقول بعضهم وهو يمدح أحد العلماء أنَّه لم يكن غلاماً لقصاب أو كناس فإنَّ هذه الحِرف تؤدي إلى إسقاط المروءة" (انظر ابن العماد، ج6، ص 123).

ورغم هذا فإنَّ كتابات الغزالي عن العناية بالبيئة والإحسان في العمل وتعمير الأرض والعمل بالزِّراعة والتِّجارة والصِّناعة تدل قطعاً على أنَّه لم يُهمل هذه الصَّنائع بل إنَّ الغزالي يرى أهمية التَّنوع ولولا تنوع المهن  لما قام المجتمع لأنَّ المهن من العلوم التي تدخل في فرض الكفاية فإذا اشتدت الحاجة إليها تُصبح في مقام فرض العين.

والذي نُرجحه في شأن التَّربية المهنية عند الغزالي هو أنَّه لم يهتم بالتَّربية المهنية كأساس في مِنهاجه الدِّراسي في تربية الصِّبيان إلا أنَّه من خلال كتاباته عن المجتمع واحتياجاته ومن خلال تقسيمه للعلوم يمكننا أن نرى أنَّه اعتنى بهذا الباب بشكل غير مباشر غالباً. 

 

الغزالي في كتب المستشرقين

قُلنا في الفصل الأول أنَّ الاستشراق حركة تدَّعي الدِّراسة العِلْمِية للإسلام وتقوم بدراسة الشَّرق وديانته وثقافته والمستشرق هو الباحث الغير مسلم والذي يدرس الإسلام وثقافة الشَّرق سواء كان هذا الباحث المُستشرق يعيش في الشَّرق أو في الغرب. يحدثنا التَّارِيخ أنَّه كلما زادت الأنشطة الإستشراقية زادت الهيمنة الخارجية على الدُّول الضَّعيفة. يذهب بعض الباحثين إِلى أنَّ الاستشراق علمياً وعملياً نشأ مع إقبال الأوربيين على دراسة الإسلام وعلومه أثناء الحكم الإسلامي في أسبانيا وقيل أنَّه ظهر بشكل أكاديمي مع الاحتلال الفرنسي لمصر في القرن الثَّامن عشر الميلادي حيث أحضر نابليون معه عدداً من العلماء مع جيوشه. يؤمن عددٌ كبير من الباحثين أنَّ الاستشراق كحركة فِكْرِيَّة لها سلبيات أكبر وأكثر من الإيجابيات. كتابات المستشرقين أمثال بروس (Brosse - 1991)  وديني (Denny -1994) وجون اسبوزيتو (Esposito – 1991)   تدل على أنَّهم يعتبرون الغزالي من أبرز رواد الفكر الإسلامي كما أنَّهم اهتموا به كفيلسوف وصوفي. يقول دورنت إنَّ صراع الغزالي مع شكوك الفلاسفة جعل علماء النَّصارى يُقبلون عَلى كتب الغزالي المترجمة لأنَّ فيها قوة في الدِّفاع عن الدِّين.

أكدت موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث على أن الإمام الغزالي يعتبر أبرز مفكر إسلامي استحوذ عَلى فكر المستشرقين لأسباب وجيهة منها أنَّ أعمال الغزالي تتَّسم بالدِّقة والمنهجية وهذا قريب الشَّبه بالأبحاث العصرية كما تشير الموسوعة. لقد هاجم الغزالي التَّقليد الأعمى وأكََّد عَلى دراسة المبادئ والأفكار بموضوعية كما أنَّه درس جوهر الدِّين والأخلاق بشكل مفصَّل مع الإشارة إلى اعتقاد عامَّة النَّاس في المسائل الفِكْرِيَّة.

 (The Oxford  Encyclopedia Of The Modern Islamic World , 1995 , Vol , 2 , P, 63 ) .

 الموسوعة البريطانية تذكر أنَّ أول كتاب للغزالي تُرجم إلى اللاتينية هو كتاب مقاصد الفلسفة في القرن الثَّاني عشر الميلادي وكان هذا الكتاب له التّأثير الكبير على الفِكر في أوربا. وتؤكِّد هذه الموسوعة الأكاديمية على أنَّ علماء الغرب أُعجبوا بالإسهامات الرُّوحية  للغزالي فأعطى الغرب اهتماماً أكبر له مقارنة بغيره من المفكرين المسلمين..

ولكن للأسف الشَّديد فإنَّ غرام معظم المستشرقين بغلاة الْصُّوْفِية والغرائب دفع بهم إلى الاهتمام بالحلاج وابن عربي وغيرهما فقاموا بإبرازهم على أساس أنهم الرُّموز الحقيقية للفكر الإسلامي وقام المستشرقون بجهود مكثَّفة ومن خلفهم إمكانات مادية ضخمة بإحياء ذكرهم وطباعة آثارهم في المؤتمرات. إنهم بذلك لا يدرسون تاريخ الفكر الإسلامي كما هو بقدر ما ينتقون ما يخدم أغراضهم ويناسب ثقافتهم. 

درس الباحث مايرس (Mayers, 1964) شخصية الغزالي فوجد أنَّ أهم إسهاماته الدِّينية هي أنَّه واجه الفلسفة اليونانية من جهة وأنَّه قارب بين أهل السُّنَّة والْصُّوْفِية من جهة أخرى. على المستوى التَّربوي فإنَّ أول إسهام للغزالي هو أنَّه ربط التَّربية بالأخلاق وقرَّر أنَّ المادة لا تجلب السَّعادة إذا لم تصحبها يقظة رُوحية وأخلاقية. التَّربية إذاً يجب أن لا تكون مقصورة على نقل المعلومات ولكنها يجب أن تُخاطب الوعي الأخلاقي للأفراد.

 ريغن Reagan (1996) في دراسته للتَّربية المقارنة ركَّز على الغزالي كرائد تربوي رسم فلسفة التَّربية الإسلامية. ومن ملاحظات ريغن أنَّ الغزالي كمفكر أعطى جلَّ اهتمامه للتَّربية الأخلاقية لا مجرد التَّحصيل الدِّراسي وأنَّه حَدَّدَ أنَّ المعرفة تُؤخذ من طريقين هما الوحي والعقل. والجدير بالذِّكر أنَّ الباحث نوه على أنَّ الغزالي وانطلاقاً من المنظور الإسلامي ينظر إلى الطِّفل على أنَّه يولد على الفطرة وبخلاف النَّظرة النَّصرانية المرتبطة بالإثم والخطيئة الأولى. الولد له طبيعة جيدة (فِطرة) مُستعدة للتَّلقي (ص 112-113).

ترجم فضل الكريم (Fazul-Ul-Karim, 1978) كتاب الإحياء إلى اللّغة الإنجليزية بصورة مختصرة ويرى أنَّ الغرب استقبل وحافظ على تراث الغزالي أكثر من بعض المسلمين الذين كانوا لا يقرؤون كتبه بل إنَّ بعضهم قد يُحرِّمون ذلك أو يأمرون بإحراقها (ص 7).

درس أفنر جيلادي - الباحث الإسرائيلي - الفكر التربوي الإسلامي وخاصة فكر الغزالي وابن قيم الجوزية ولمدة سنين طويلة تفرَّغ لدراسة الطِّفل في فترة العصور الوسطى (Gil’adi, 1952, 1983, 1992). يرى جيلادي أنَّ الطِّفل في التُّراث الإسلامي أخذ نصيباً كبيراً من اهتمام رواد التَّربية الإسلامية حيث درسوه من الجانب الدِّيني، والقانوني، والطِّبي، والجانب الأخلاقي التَّربوي (Gil’adi, 1992, P. Ix). وجد جيلادي أنَّ المستشرقين تجاهلوا دراسة الأسرة ودورها في تربية الطِّفل في الفكر الإسلامي رغم وجود ثراء في المصادر التَّاريخية التي تفتح أبواب الدِّراسات العميقة في هذا الموضوع الهام. بعض الأبحاث التي نشرها جيلادي عن الطِّفل في الفِكر الإسلامي مُتوفرة باللُّغتين العِبرية والإنجليزية.

مع مطلع الألفية الثَّالثة، يؤكِّد وليم غراهام  –البرفسور في قسم تاريخ الدِّين والدِّراسات الإسلامية في جامعة هارفرد - على أنَّ كتابات الغزالي عن حياته وتجربته الفلسفية في كتابه الفذ المنقذ من الضَّلال لا تعدُّ فقط من الكتابات الإسلامية الكلاسيكية ولكنها واحدة من أروع وأبرز التَّراجم الرُّوحية في تراث المفكرين في الأديان الكبرى في العالم (Graham, 2000, P. 15). قال صقر (2001 م) في فتاويه: لقد ألَّف المستشرق "كارادفو" "كتابا ذكر فيه أنَّ الغزالى اجتمعت لديه صفات الخطيب والعالم النَّفسانى والواعظ الدِّينى، فهو يفيض بالأولى، ويحلِّل بالثَّانية، ويأسر النُّفوس بالثَّالثة، وذكر في كتابه "مفكرو الإسلام" أنَّ أسلوبه خصب سهل واضح، وأنَّه إذ يستعين بالصّور الخيالية لا يغض الطَّرف عن الجانب العلمي، يستهوي القارئ ولا يتعبه، عقله متَّزن، إذا اقتبس من السُّنَّة فعل ذلك بدون إثقال أو إفراط، إنَّه يُقَسِّم ويُفَرِّع بعناية ووضوح، وبدون تصنع أو مباهلة، ومع كونه نفسانياً لا يهوى الدِّقة المغالية" (باختصار).‏

لقد لاقت شخصية الغزالي اهتماماً واضحاً عند المستشرقين في حقل التَّارِيخ والفلسفة والتَّربية والتَّرجمة ورغم ذلك فإنَّ شخصية الغزالي لم تُدرس إلا نادراً في كتب تربوية موسَّعة خاصة به وأقصى ما نجد في الأدبيات التَّربوية هو مجموعة صفحات تتبع بعض إسهاماته.

 

ماذا نستفيد من حياة الغزالي وآثاره؟

إنَّ الإمام  الغزالي بحر زاخر بالمعرفة زاهر بالحكمة أودع الله عزَّ وجل فيه خيراً كثيراً يشعر به أغلب من اقترب من علمه، واقترف من نبعه، واتَّبع منهجه الإصلاحي القائم على فهم وتطبيق قواعد الإسلام، ويظل إنتاجه الفياض المبارك مثل أي كتاب أرضي بشري عليه بعض النقد مع الاعتراف بسبقه في مساهماته التربوية فالعلماء غير معصومين.  إننا ندرس الفكر التَّربوي لننطلق منه لا لننغلق فيه ومن أعظم الدروس التربوية التي نستفيدها من دراسة فكر الإمام الغزالي:

أنه ساهم في إصلاح الأمة المسلمة من خلال إحياء علوم الدِّين والدِّفاع عنها ومهاجمة المناوئين بسلاح الفكر الفلسفي والبرهان والمنطق المنطلق من قلاع وحصون الإسلام. القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أساس السعادة ومنبع العلوم النافعة.

كان أول فصل كتبه في "الإحياء" عن العلم وكأنه يقول بلسان الحال والمقال أنه لا سبيل إلى إصلاح أحوال المجتمع دون استخدام العلم كسلاح. إن الأمم تقوم على العلم النافع الذي يقترن بالعمل المنتج وليس لأحدهما نفع دون الآخر.

لقد آمن الغزالي بتهافت فلسفة الإلحاد وأهمية الانقياد للشرع مع التّأكيد على أنَّ الحس ليس المصدر الوحيد للعلم إذ أنَّ الوحي هو المصدر الأول للعلم والمعرفة. وهو ما يحتاجه المؤمن اليوم ليثبت أنَّ العلم الصَّحيح لا يتناقض مع الإيمان الصَّادق بل العلم النَّافع هو دليل الإيمان النَّابض ونبع من فيضه، أو وميض من قبسه. ومن نصائحه العاصمة من قواصم الزَّلل الفكري قوله في كتاب قواعد العقائد "فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يُعرف صدق الطبَّيب بالتَّجربة ويعرف صدق النَّبي بالمعجزة".

إنَّ تصفية النَّفس من الأكدار والأغيار والصِّفات السَّيِئة هي في مجملها أُس التَّربية الأخلاقية الفعلية في عملية الجهاد في تهذيب الباطن من الأدران.

تزداد أهمية فكر الغزالي في عصرنا الحاضر لأنَّه عصر طغت فيه المادَّة وتهاون النَّاس بل حتى مؤسَّسات التَّعليم في الاعتناء بالباطن وتنقيته. يجب أن تُولي التَّربية المزيد من الاهتمام بالجانب النَّفسي للإنسان وعلاقته بخالق الأكوان وقيوم السَّماوات والأرضين.

التَّعْلِيْمُ صَنعة لها أُسسها الدِّينية والنَّفْسِية والاجْتِمَاعِية وصَنعة التَّعْلِيْم من أشرف المهن ولا تقوم إلا بسياج من الأخلاقيات العالية لكل من العالِمِ والمتعلِّم.

حُرِّية التَّفكير والانفتاح على المذاهب دون الانغلاق على مدرسة بعينها من سمات الفِكر عند الغزالي وكتاب الإحياء على سبيل المثال خير دليل فمنهجه الفِكري يقوم على هذه الرَّكيزة فهو يأخذ الحق الذي درج عليه السَّلف الصَّالح فنجد شواهده ونقولاته من شتى المدارس الإسلامية المعتمدة ومن علماء الدِّين الذين يسميهم "زعماء الفقه وقادة الخلق" فلقد نهل من علم أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثَّوري وغيرهم. إن الذي يتربى على إنتاج أعاظم العلماء لن يُعادي أحداً منهم أبداً ولكن المشكلة تكمن في تربية النَّاشئة على علم وسيرة أحد أولئك العظماء مع مهاجمة الآخرين من العلماء وهو الأمر الذي من شأنه إحداث الفِتن التي تقود الأمة إِلى الوهن. كل أولئك النوابغ وغيرهم  يمثلون روافد غنية ومنابع ثرة يجدر بكل مسلم أن يستفيد منها دون أن يتعصب أو يتحزب.

مات الغزالي والكتب التي أرَّخت له تدل على أنه كان يطلب علم الحديث ويستزيد منه وبنى خانقاه بقرب داره وكانت آخر وصية له الحث على الإخلاص وهكذا يكون العالم عالماً حقاً وصدقاً بخلقه وعلمه إلى آخر لحظة في حياته.

إذا كان عامة الفلاسفة في عصر الإمام الغزالي خالفوه وتأثروا بالفلسفة اليونانية وانسلخوا عن بعض المفاهيم الإسلامية فإنَّ التَّارِيخ يُعيد نفسه فطائفة من أبناء المسلمين اليوم انبهروا بحضارة الغرب إِلى حد التَّقليد الأعمى وتظل المواجهة قائمة في بلاد المسلمين بين اتباع فلسفة الغرب دون قيد أو شرط وبين التمسك بالشرع.

 رحم الله الإمام الغزالي الذي جاهد بقلبه العامر بالإيمان وقلمه الساحر بالبيان.

 

@@@


الآراء التربوية لابن خلدون

(732- 808 هـ = 1332-1406م)

مؤسس علم الاجتماع

m

هو مؤيد الدِّين قاضي قضاة المالكية في القاهرة أبو زيد ولي الدِّين عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الأندلسي من أعيان المائة التَّاسعة للهجرة. ولد في أول شهر رمضان الكريم وتوفي في سن يناهز الرَّابعة والسَّبعين. يُعتبر من أشهر المربين المسلمين وهو مُؤرخ ثقة ثبت وفيلسوف وواضع مَعالم علم الاجتماع أو ما يُسميه "علم العمران". مارس السِّياسة والتَّدريس على حد سواء في فترة حاسمة من فترات أمتنا فجاءت تجرِبته وإنتاجه إضافة وإضاءة في سجل الوعي الإسلامي. وُلِد في تونس وتعلَّم فيها حتى برع في علوم الشَّريعة وخاصة في ميدان الفِقه المالكي واشتغل في القضاء في مصر.

يقول السَّامرائي (2001 م) "وإذا كان كل إنسان تشغله تجاربه الخاصة، فثراء حياة ابن خلدون العلمي واشتغاله بالسِّياسة جعله يشعر بوجود (فراغ سياسي)، وأنَّ أُمته تدور في حلقة مفرغة من الحروب والفتن، كما شاهد تشرذم الإمارات في الأندلس، وسقوطها الواحدة تلو الأخرى بأيدي الأسبان. ثم تحول إلى الشَّمال الإفريقي، ليجد فتنة جديدة، حيث وصل بدو بني سليم وبني هلال، فعاثوا في المنطقة فسادًا، وأسقطوا إمارات منها إمارة (بجاية)، والذي كان ابن خلدون يشغل وظيفة (حاجب) فيها، وهو أعلى منصب بعد الأمير، وقد انتدب لمفاوضة هؤلاء البدو، وأوشك أن يُقتل على أيديهم، ومن هنا جاءت نقمته على البدو والأعراب بشكل عام" (ج1).

تأمَّل ابن خلدون أحوال الدُّول وما يخامرها من ترف وتتبع كيفية انهيارها. وهو بذلك قد وضع لنا لبنات الفقه الحضاري المتمثل بدراسة عوامل ظهور الدُّول، والعلل التي تقضي على نضارتها. لقد أشار ابن خلدون إلى الظَّواهر الاجْتِمَاعِية وقدرتها على التَّأثير في العمر الزَّمني لبقاء وفناء الحكومات وتدور دورة الزَّمن على منوال يمكن للباحث في فلسفة التَّارِيخ أنْ يتتبع الكثير من قسماتها. الحرص على تمحيص الأخبار دفع ابن خلدون إلى التَّوقف والاحتراز في قبول رواية الثِّقات حتى يتبين له مُحتوى قولهم ومدى مصداقيته على ضوء الوقائع والقرائن الأخرى. نفوس النَّاس مَجبولة على حُب الثََّناء وتعشق رواية الغرائب ولا يَسلم النَّاس من الأوهام، هذه وغيرها من القوادح من شأنها أن تجعل المؤرِّخ يأخذ بالحيطة في تدوين ونقل الأخبار ليتحصن من الممتنع عقلاً، والمُستحيل نقلاً فيحكم بزيفه ويعتصم بالممكن ويحكم بقبوله فيتمكن من معرفة طبائع العمران البشري والاجتماع الإنساني.

والحق أنَّ المقدِّمة الفذة التي ألفها ابن خلدون تتضمَّن نظرية تربوية واضحة ومُنظَّمة. هذه النَّظرية التَّربوية العميقة تدرس أسباب نضارة واضمحلال النُّظم التَّعْلِيْمِية في الحضارات. قام ابن خلدون في مُقدِّمته بالتَّعريف بأهم العلوم وشرع في بيان طرق التّدريس والصَّنائع التي تلحق بها ومدى ضرورتها الحضارية مُستوعباً لقضاياها المُتشعبة، ومُجلياً لمسائلها الغامضة على حسب وسعه وبما يخدم الأمَّة من بعده. إنَّ المقدِّمة تَستحق أنْ يقتنيها كل تربوي ينشد الثَّقَافَة العالية الأصيلة فهي تُعد أنموذجاً عِلمياً رائعاً يزداد حُسْناً على ممر السِّنين.

 

حياته

جمعت أسرته النَّسب العربي الأصيل، والعمل السِّياسي البارز، والتَّفوق العلمي المتميِّز. كتب ابن خلدون عن نفسه وعن نسبه في نهاية كتابه العبر وقال عن نسبه "خلدون هذا هو الدَّاخل إلى الأندلس ويرجع نسبنا في حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب، وهو معروف وله صُحبة. وفد على النَّبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه وأجلسه عليه، وقال: اللَّهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم الدِّين. وبعث معاوية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم الإسلام والقرآن، فكان له بذلك صحابة مع معاوية " (باختصار وتصرف).

ولقد قام الحضارمة عبر تاريخهم العريق في إشبيلية وغيرها من المدن الإسلامية بخدمة العلوم والمعارف النّظرية والعملية بشكل متميز. قال ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء "ابن خلدون: هو أبو مسلم عمر بن أحمد بن خلدون الحضرمي، من أشراف أهل إشبيلية ومن جملة تلامذة أبي القاسم مسلمة بن أحمد أيضاً، وكان متصرِّفاً في علوم الفلسفة مشهوراً بعلم الهندسة والنُّجوم والطِّب مشبهاً بالفلاسفة في إصلاح أخلاقه وتعديل سيرته وتقويم طريقته، وتوفي في بلده سنة تسع وأربعين وأربعمائة" (ص، 495).

هذا عن أجداده أمَّا عن حياته العِلْمِيَّة فلقد تربى عبدالرحمن بن خلدون في حِجر والده إلى أن أيفع وحفظ القرآن الكريم، وقرأ على يد مشايخه بعض الكتب الفقهية وكان يحفظ الكثير من مسائلها وأحاديثها. ولازم أيضا مجلس أئمة الحديث بتونس وسمع عليهم كتاب مسلم بن الحجاج المعروف اليوم بصحيح مسلم وكتاب الموطَّأ وأجازوه في الرِّواية. وكثير من مشايخه ماتوا في الطَّاعون الجارف. إلى جانب ذلك تعلَّمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّة على يد والده وبعض العلماء وحفظ طائفة من شِعر المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني للأصفهاني.

 

مُقَدِّمة ابن خلدون

لقد قامت شهرة ابن خلدون عند العامَّة والخاصة على كتابه المشهور المقدِّمة. تجلَّت في "المقدِّمة" العقلية التَّربوية الفذَّة لابن خلدون إذ بسط القول في أصول التَّربية وقواعد التَّعامل الإنساني التي تعتبر وكأنها من الأفكار العصرية فهي تدل بحق على شرف سبقه في العلوم التَّربوية والاجْتِمَاعِية على حد سواء. من ملاحظاته الاجْتِمَاعِية أنَّ للهواء والغذاء والطّبيعة تأثيراً في تشكيل أخلاق وطباع البشر، وأنَّ أهل البدو أقرب إلى الشَّجاعة من أهل الحضر، وأنَّ البدو أيضاً أقرب إلى الخير والفِطرة. ومن القواعد ذات الصِّبْغة السِّياسية أنَّ المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب وأنَّ الأمم الوحشية أقدر على التَّغلب ممن سواها.

اشتهر ابن خلدون بمقدِّمته "مقدِّمة ابن خلدون" حيث حَدَّدَ فيها فلسفة التَّارِيخ وكيفية فهم التَّغيرات الاجْتِمَاعِية وِفق أُسس منهجية وملاحظة منظَّمة تنبثق من القوانين القرآنية المسطورة والسُّنن الطَّبيعية المنظورة وهذا التَّوجه الاجتماعي في جوهره هو فِقه التَّغيرات الاجْتِمَاعِية الحضارية الهادفة إلى معرفة سر التَّصرفات الإنسانية ومسار حركة المجتمع. وكتابه المقدِّمة جاء في مجلدٍ كبيرٍ وهو توطئة وتمهيد لكتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السُّلطان الأكبر". وهو كتاب تاريخي رتَّبه على تَسلسل السَّنوات. "وقد أتمَّه في عام 797 م بعد أن قضى ما يقارب خمس عشرة سنة في تأليفه" (باقارش والآنسي 1986 م، ص 193). يقول ول ديورانت (2001 م) صاحب كتاب قصة الحضارة "والمقدِّمة واحدة من الرَّوائع في الأدب الإسلامي وفي فلسفة التَّارِيخ فهي إنتاج "حديث" إلى درجة مُذهلة لعقليةٍ عاشت في العصور الوسطى" (ص 5813). ورغم النَّقد التَّارِيخي الذي وجَّهه ديورانت لبعض كِتابات ابن خلدون كإهماله سرد تاريخ النَّصارى بتفصيل أكبر إلا أنَّه في النِّهاية يُؤكِّد على أنَّ أهم كتاب تاريخي في العصور الوسطى هو مقدِّمة ابن خلدون.

يقول المؤرِّخ والمفكر الغربي توينبي في كتابه دراسة التَّارِيخ عن ابن خلدون إنَّه في مقدِّمته التي وضعها وتخيلها لكتابه في فلسفة التَّارِيخ، بلا ريب أعظم عمل من نوعه ابتكره أي عقل، في أي عصر، في أي بلد. وقد وصفه (جمبلوفتش) وصفاً رائعاً، فقال) لقد أردنا أن ندلل على أنَّه قبل أوجست كونت، بل قبل فيكو، جاء مسلم تقي، فدرس الظَّواهر الاجْتِمَاعِية بعقلٍ مُتَّزن، وأتى في هذا الموضوع بآراءٍ عميقة، وأنَّ ما كتبه هو ما نُسميه اليوم: علم الاجتماع ). ويَعتبره د. قسطنطين زريق (أبرز باحث في الحضارة، في اللُّغة العربية، بل أول من عالج شؤون الحضارة بصورة مُنظَّمة، في أي لغة من اللُّغات، لذا فقد استحق أن يُعتبر المؤسِّس لعلم الحضارات" (السَّامرائي، 2001 م، ج1). قال (جان مارسيه): " إنَّ مقدِّمة ابن خلدون هي أحد المؤلفات الأكثر ضرورة والأكثر إثارة من بين المؤلفات التي قيض للعقل البشري إنتاجها "ولعل هذا وغيره ما دعا فيليب حِتِّي "إلى القول: لقد كان ابن خلدون أكبر فيلسوف ومؤرخ أخرجه الإسلام كما كان أحد أعاظم الفلاسفة والمؤرخين في كل العصور" ..‏  (معروف، 2001 م).

تطرَّق ابن خلدون في المُقدِّمة لمئات من المسائل الهامَّة ويمكن تحديد العلوم الرَّئيسة التي تندرج تحتها معظم أطروحات ابن خلدون بما يلي:

"في العمران البشري: وهي تقابل اليوم (علم الاجتماع العام)، وقد درس ابن خلدون ظواهر المجتمع البشري، والقواعد التي تسير عليها المجتمعات.

في العمران البدوي، وقد درس الاجتماع البدوي، كاشفاً أهم خصائصه المميزة، وأنَّه أصل الاجتماع الحضري وسابق عليه.

في الدَّولة والخلافة والملك: وهو يقابل (علم الاجتماع السِّياسي)، وقد درس قواعد الحكم والنُّظم الدِّينية وغيرها.

في العمران الحضري: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الحضري)، وقد شرح كافَّة الظَّواهر المتَّصلة بالحضر، وأصول المدنية، وأنَّ التَّحضر هو غاية التَّمدن.

في الصَّنائع والمعاش والكسب: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الاقتصادي)، وقد درس تأثير الظُّروف الاقتصادية على أحوال المجتمع.

في العلوم واكتسابها: وهو ما يقابل (علم الاجتماع التَّربوي)، وقد درس الظَّواهر التَّربوية، وطرق التَّعلم وتصنيف العلوم.

كما درس الاجتماع الدِّيني والقانوني والنَّفسي، رابطاً بين السِّياسة والأخلاق. لقد استودع ابن خلدون (مقدِّمته) كل خبراته المعرفية والسِّياسية، ولأنَّ البيئة لم تكن مُناسبة، لم يستفد أحدٌ من كل ذلك" (السَّامرائي، 2001، ج1 بتصرف يسير).

 

ابن خلدون الطَّالب والسِّياسي والمربي

يمكن تقسيم حياة ابن خلدون إلى ثلاث مراحل رئيسة مُتداخلة وهي مرحلة طلب العلم ثم العمل ثم التّأليف. المرحلة الأولى تُعتبر المرحلة التّأسيسية في بناء الشَّخصية الخلدونية وفيها مات أبواه بمرض الموت وهو الطَّاعون الجارف. لقد لعب والده دوراً كبيراً في تثقيفه وتوجيهه إلى علوم القرآن الكريم واللّغة والحديث النَّبوي الشَّريف والفقه.

 قال ابن خلدون "ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكباً على تحصيل العلم، حريصاً على اقتناء الفضائل، متنقلاً بين دروس العلم وحلقاته، إلى أنْ كان الطَّاعون الجارف، وذهب الأعيان والصُّدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله" ورغم هلاك معظم أساتذته بالطََّاعون إلا أنَّه لم ينقطع عن الطَّلب وتتمَّة مِشواره في تحصيل العِلم.

المرحلة الثَّانية هي المرحلة السِّياسية والتي تتَّسم بخوض غمار السِّياسة والدُّخول في عوائقها وعوالقها من مناصب الرَّخاء وسجون البلاء. هذه المرحلة حافِلة بقرض الشِّعر يتقرَّب به للأمراء كما أنَّ السِّعايات والوشايات المعادية له كانت تُلاحقه من باب إلى باب ففتحت عليه باب الدَّسائِس السِّياسية التي أدَّت إلى اعتقاله وسجنه عِدَّة مرَّات وفي هذه الفترة عمل في الكِتابة القائمة حينذاك على السَّجع وتصريف شئون الدَّولة كما كانت تعهد إليه الخطابة والتَّدريس. من تلمسان إلى قرطبة وغرناطة ومراكش وفاس كانت الأخبار تفد لابن خلدون تُخبره عن التَّقلبات والانقلابات السِّياسية الواقعة في قصور السَّلاطين كابن عنان وأبي سالم وابن الأحمر وبرقوق وغيرهم. وكان في نهاية الأمر أنْ ضَجر من هذه الحياة المضطربة المُكتظة بالنَّكبات فعمد إلى رباط الشَّيخ الولي أبي مدين ونزل بجواره مؤثراً للتَّخلي والانقطاع للعِلم فبدأ بتدريس العلم لكنَّ الحياة السِّياسية وما فيها من ائتلاف واختلاف جذبته إليها من جديد ولم يسلم ابن خلدون كالعادة من شيئين وهما سخط السَّلاطين ودسائس الحاسِدين. في هذه المَرحلة كان ابن خلدون الكاتب الأديب والمحارب الأريب يصول ويجول من قارَّة إلى أخرى بحثاً عن الشُّهرة غالباً وعن العلم أحياناً.

عاش ابن خلدون في عصر عصيب مُتقلب فها هو لسان الدِّين ابن الخطيب (713-776 هـ = 1313- 1374 م) الوزير المعروف بلقب "ذي الوزارتين" لتسلمه وزارة القلم والسَّيف يُخنق ويُحرق (ابن العماد، ج 8،  425) وهو الذي يعد من أشهر المؤرِّخين في زَمانه وسبقَ أنْ قابلَ ابن خلدون في قصورِ غرناطة وهو رحمه الله مؤلِّف كتاب الإحاطة في تاريخ غرناطة وفيها أورد ترجمة حَسَنة للإمام ابن خلدون.

وكانت المرحلة الثَّالثة التي تُعتبر المرحلة الإصلاحية وهي مرحلة التَّفرغ العِلمي وتسلَّم القضاء والتَّدريس وهي أخصب مراحل عمره في الإنتاج العلمي. ومن الواضح أنَّ المرحلة الثَّانية وهي التَّجارب السِّياسية تداخلت مع المرحلة الثَّالثة أحياناً وهي مرحلة العطاء الفِكري. من أسباب إعجابه بالقاهرة أنَّها كانت تزهو بالخَوَانِق والمدارس وهذا النَّشاط العلمي المتعاظم هو الذي دفعه للاستقرار في القاهرة والتَّدريس في الأزهر الشَّريف ليدرِّس فيه علم الحديث والفقه المالكي لمدَّة أربعة عشر عاماً. قال ابن خلدون فانتقلت إلى القاهرة فرأيت حاضرة الدُّنيا وبستان العالم، وإيوان الإسلام، تزهر الخَوَانِق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور و الكواكب من علمائه، ومررت في سكك المدينة التي تغص بزحام المارَّة، وأسواقها تزخر بالنِّعم. كأن حاله ومَقالِه يقول من لم ير القاهرة العامرة لم يعرف عزَّ الحضارة العربية الإسلامية الباهرة.

تسلَّم ابن خلدون القضاء في مصر وبذل جهده في الحكم بالعدل وفي رأي العسقلاني - كما في تاريخه عن قضاة مصر - أنَّه لم يُفلح في تحقيق العدل أحياناً مما سبَّب بغض بعض العلماء لتصرفاته. وفي هذه الفترة ذهب إلى الحج وتقلبت به الحياة فتمَّ عزله من القضاء عدَّة مرات ثمَّ كان يعود إليها من جديد إلى أن توفي رحمه الله. كان ابن خلدون بعد تعيينه قاضياً في مصر "لا يتزيَّا بزِيِّ القضاة بل هو مُستمر على طريقته في بلاده" (ابن العماد، ج 9، ص 115).

انتقد بعض العلماء مثل العسقلاني سلوك ابن خلدون في مصر كما أنَّه ذكر في قدحه أنَّه عاد في آخر عهده للقضاء فباشره "بلين مفرط وعجز وخور". يبدو أنَّ منافسة الفقهاء وحرصهم على منصب قاضي القضاة دفع البعض منهم لترويج نقائص المخالفين لهم في ذلك العصر. نجد في كتاب "رفع الإصر عن قضاة مصر" للعسقلاني أنَّه لما دخل ابن خلدون "الدِّيار المصرية تلقاه أهلها وأكرموه، واكثروا ملازمته والتّردد إِلَيْهِ. فلما ولي المنصب تنكَّر لهم، وفَتَكَ فِي كثير من أعيان الموقعين والشّهود. وقيل إنَّ أهل المغرب لما بلغهم أنَّه ولي القضاء، عجبوا من ذاك، ونسبوا المصريين إِلَى قلّة المعرفة، حَتَّى إنّ ابن عرفة قال لما قدم إِلَى الحج: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب. فلما بلغنا أنَّ ابن خلدون ولي القضاء، عددناها بالضدّ من ذَلِكَ. ولما دخل القضاة للسَّلام عَلَيْهِ، لَمْ يَقُم لأحدٍ منهم، واعتذر لمن عاتَبه عَلَى ذَلِكَ .... واستمر معزولاً ثلاثَ عشرة سنة وثلاثة أشهر... ولازَمه كثير من النَّاس فِي هَذِهِ العطلة وحَسَّنَ خُلقه فِيهَا، ومازح النَّاس، وباسَطَهم، وتردد إِلَى الأكابر وتواضَع معهم. ومع ذَلِكَ لَمْ يغير زيه المغربي وَلَمْ يلبس زي قضاة هَذِهِ البلاد. وَكَانَ يحب المخالفة فِي كل شيء. ولما مات ناصر الدِّين ابن التَّنَسِيّ، طلبه الملك الظَّاهر، فوجده توجه إِلَى الفيوم بسبب بلد القميحة وَكَانَ لَهُ نصيب فِي تدريسها. فُوض إِلَيْهِ القضاء ... فباشر عَلَى عادته من العسف والجنَف. لكنه استكثر من النواب والشهود ... عَلَى عكس مَا كَانَ فِي الأول، فكثرت الشّناعة عَلَيْهِ.." (ص 175-176بتصرُّف). وقال العسقلاني أيضاً إنَّ الملك الظاهر برقوق عين ابن خلدون "فِي قضاء المالكية بالدِّيار المصرية، فباشرها مباشرة صعبة، وقلب للناس ظهر المِجَنّ[119]، وصار يعزِّز بالصَّفع ويسميه الزج. فإذا غضب عَلَى إنسان، قال: زجوه، فيصفع حَتَّى تحمر رقبته. قرأت بخط البشبيشي؛ كَانَ فصيحاً مُفوهاً جميل الصورة وخصوصاً إذَا كَانَ معزولاً. أما إذَا ولي فلا يُعاشَر، بل ينبغي ألا يرى. وقد ذكره لسان الدِّين ابن الخطيب فِي تاريخ غرناطة وَلَمْ يصفه بعلم، وإنما ذكر لَهُ تصانيف فِي الأدب، وشيئاً من نظمه، وَلَمْ يكن بالماهر فِيهِ. وَكَانَ يبالغ فِي كتمانه، مع أنه كَانَ جيداً لنقد الشِّعر. وسئل الركراكي فقال: عَرِيٌّ عن العلوم الشَّرعية. لَهُ معرفة بالعلوم العقلية من غير تقدم فِيهَا، ولكن محاضرته إليها المنتهى، وهي أمتع من محاضرة الشَّيخ شمس الدِّين الغماري.

صلاح الدِّين رحمه الله من أشهر من قام ببناء الخَوَانِق في مصر والحق أنّه قد اعتنى بشكل كبير ببناء مؤسَّسات التَّعْلِيْم ورغم أنَّ ابن خلدون جاء بعد زمن صلاح الدِّين إلا أنَّ القاهرة ومعظم المدن الإسلامية عاشت في أجواء تُقارب تلك الأجواء الثَّقافية في بعض الجوانب. قال المقريزي إنَّ السُّلطان الملك النَّاصر صلاح الدِّين يوسف بن أيوب في 564 هـ = 1168 م شرع في تغيير الدَّولة وأنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشَّافِعِيَّة ومدرسة للفقهاء المالكية فتظاهر النَّاس من حينئذ بمذهب مالك والشَّافِعِيّ وكذلك كان السُّلطان الملك العادل نور الدِّين محمود بن عماد الدِّين زنكي حنفياً فيه تعصب فنشر مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ببلاد الشَّام ومنه كثرت الحنفية بمصر وقدم إليها أيضاً عدة علماء من بلاد الشَّرق وبنى لهم السُّلطان صلاح الدِّين يوسف بن أيوب المدرسة السيوفية بالقاهرة ومازال مذهبهم ينتشر ويقوى وفقهاؤهم تكثر بمصر والشِّام من حينئذ. وأما العقائد فإنَّ السُّلطان صلاح الدّين حمل الكافَّة على عقيدة الأشعري وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر. فلما كانت سلطنة الملك الظَّاهر بيبرس ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ. فاستمرَّ ذلك من سنة 665 هـ = 1266 م حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعريّ (المواعظ والاعتبار ص، 1684بتصرف)  

عاصر ابن خلدون جحافل الجيوش العسكرية التي واجهت جيوش التَّتر وهجمت على العالم الإسلامي بقيادة (تيمور لنك)، فهبَّت الفتنة، وغلت بها المراجل، واحتكَّ ابن خلدون بتيمور شخصياً وذلك في بلاد الشَّام بعد انسحاب جيش المسلمين. كانت المباحثات العِلْمِية والمناظرات بين العلماء كثيرة في مجلس تيمور لنك الذي كان رغم بطشه وجوره يصل العلماء بالمال الجزيل والجوائز الثَّمينة كما أنَّه كان يقبل من العلماء هداياهم. أراد تيمور أن يحكم الدُّنيا ويمزِّق الملوك وتحقق له الكثير من ذلك.

قال الحاجي خليفة رُوي أنَّ ابن خلدون "كان في وقعة تيمور قاضياً بحلب، فحصل في قبضته أسيراً سميراً، فكان يُصاحبه، وسافر معه إلى سمرقند، فقال له يوماً: لي تاريخ كبير، جمعت فيه الوقائع بأسرها، خلفته بمصر، وسيظفر به المجنون يشير إلى برقوق، فقال له: هل يمكن تلافي هذا الأمر، واستخلاص الكتاب؟ فاستأذنه في أن يعود إلى مصر، ليجيء به، فأذن له. ولعل ذلك الكتاب هو: (العبر، وديوان المبتدأ ..)".

وصفَ ابن الخطيب صاحبَهُ ابن خلدون الذي زار الأندلس فقال عن حاله "هذا الرَّجل الفاضل حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصال، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، قوى الجأش، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدِّد المزايا سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التَّصور، بارع الخط، جواد الكف حسن العِشرة مبذول المشاركة مقيم لرسوم التَّعين عاكف على رعي خِلال الأصالة مفخرة من مفاخر التُّخوم المغربية" (ص 1059 باختصار).

 

التَّعليم بين المُحاضرة والمُناظرة

تأثَّر ابن خلدون بمدرسة مالك بن أنس تأثراً كبيراً منذ سن الطُُّفولة إلى مرحلة الكهولة إذ درس كتاب الموطّأ للإمام مالك في صغره وصار قاضياً يحكم بالشَّرع استناداً إلى فِقه المذهب المالكي في كِبَره فأصبح فقه مالك من أهم المكوِّنات الفِكْرِية التي صاغت شخصية وفكر ابن خلدون ولقد كَتَبَ ابن خلدون عن رأيه في منهج التَّعليم عند مالك[120].

يرى ابن خلدون أنَّ طريقة مالك في التَّدريس طريقة مباشرة تعتمد على البساطة والوضوح لأنَّها تقوم على الإلقاء والتَّدوين وهي تُناسب طبيعة علم الحديث النَّبوي على عكس طريقة أبي حنيفة الفِقهية والتي تقوم على المناقشة والمُناظرة وهي طريقة تعليمية مُتَقَدِّمة حضارياً كما يرى ابن خلدون الذي يقول عن مذهب مالك "فالبداوة كانت غالبة على المغرب، والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق (أي طريقة أبي حنيفة في التَّدريس المعتمدة على المناظرة) فكانوا إلى أهل الحجاز أميل، لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضاً عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها".

 من خصائص مذهب أبي حنيفة في التَّعْلِيْم أنَّه يعتني بمناقشة المسائل، وتدوير الآراء في المجلس بين طلابه بغرض التَّشاور في حين أنَّ مجالس مالك وأحمد تعتمد على "المحاضرة" وإلقاء الدُّروس والتَّلقين وقلَّما يخلو الدَّرس من كتاب بين يديهم أما الشَّافِعِيّ فكان يجمع ويمزج بين تلك الوسائل في تعليمه. وتلك الوسائل كلها وسائل تعليمية استفاد منها الطلاب فكان منهم الفقيه والأديب والقاضي وإلى يوم الناس هذا يُحاول الأساتذة الاستفادة من مناهجهم والاستجابة لحركة المجتمع الإسلامي. وهذا المنهج الحنفي يشبه منهج أرسطو الذي يجعل من الحوار والسُّؤال طريقاً لتوضيح المسائل للطَّالب.

إنَّ الفكر الإسلامي بما فيه من مكونات ومعطيات استفاد من فيض المدارس الفقهية الأربعة في أمور التّربية والتَّعْلِيْم فهي مدارس غنية بعطائها، عميقة بأصالتها. وإنّا لنجد في عصرنا الحاضر ميل جمع من المفكرين إلى التزوّد من التُّرَاث واستلهام قيمه الحضارية القائمة على مقاصد الشَّريعة مع استيعاب الخلافات المذهبية والتَّعامل معها برحابة صدر بَيْدَ أنَّ المعارك الفِكْرِية المذهبية وما فيها من تعصب وتشدد مازالت تُعكر صفو الثَّقَافَة العصرية.

يرى ابن خلدون أنَّ بلدان المغرب العربي وبلاد الأندلس عاشت في ظل المنهج المالكي الذي يعتمد على المُحاضرة لعدَّة أسباب منها بساطة الشُّعوب البدوية، وكثرة الرَّحلات إلى الحجاز، واختيار الرُّواد من أهل المغرب التَّخصص بمذهب مالك مثل أسد بن الفرات وسحنون. إضافة إلى أنَّ الكتب المالكية انتشرت هناك مثل كتاب الموطأ لمالك والأسدية  لأسد بن الفرات القيرواني، الذي استشهد سنة 213 هـ = 828 م ومدونة سحنون.

من الواضح جداً أنَّ ابن خلدون يُشَجِّع المناظرة الهادفة كوسيلة من وسائل التَّدريس كما فعل أبوحنيفة في مجالسه وطالب بمعرفة آداب المناظرة وحدودها التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم ليعرف منه حال المستدل والمجيب. ولاشك أنَّها كوسيلة ينبغي أن تُنمي قريحة المتعلم وتدربه على دِقََّة الاستنباط، وسرعة الاستدلال والتَّجرد للحق. قال لقمان هذه الأمة: حاتم الأصم (ت 237 هـ = 851 م) "أفرح إذا أصاب من ناظرني، وأحزن إذا أخطأ" (الذَّهبي، ج11، ص 487).

 

الدَّورة الحضارية للمجتمعات

رَزق اللهُ ابن خلدون من فضلِ العلم ولُطف الفهم ما جعله من أبرز من كَتب في أحوال المجتمعات وسننها الكونية ولا سيَّما في مرحلتي التَّكوين والتَّمكين.

1- مرحلة التَّكوين والنمو وهي حالة تقتضي التَّماسك القِبلي والصَّلاح والانتظام والكَوْر والكرامة.

2- مرحلة التَّمكين والعلو وهي حالة تنتهي بالفساد السِّياسي والتَّرف والشَّتات والحَوْر والحيرة.

حاول ابن خلدون أن ينتزع القوانين العامة والملامح الرَّئيسة لحركة التَّارِيخ في صعودها حال التَّكوين وسقوطها بعد التَّمكين وحال التَّربية والتَّعْلِيْم في المرحلتين والحدّ الفاصل بين البداوة والحضارة. لقد كتب مقدِّمته الخالدة ليميط اللِّثام عن عاقبة الظُّلم وأنَّه "مُؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النُّوع" الإنساني على حد تعبيره. نوه ابن خلدون على أنَّ المقاصد الشَّرعية في الأحكام من تحريم السَّرقة والقتل والزِّنا كلها مبنية على حِكمة المحافظة على العمران وتعزيز أواصر التَّعاون والاجتماع. إنَّ الزِّنا على سبيل المثال مخلط للأنساب مفسد للنَّسل وكذلك القتل فيه من مضاره تدمير الوحدة ما فيه كما يُفهم من كلام ابن خلدون.

مِنَ القواعد التي أصَّلها ابن خلدون أنَّ المغلوب مولع بتقليد الغالب وأنَّ الاجتماع الإنساني ضروري لأنَّ الإنسان مدني بطبعه. ومن ملاحظاته الاجْتِمَاعِية أنَّ التَّرف من أقوى علامات الضَّعف الدَّالة على نِهاية الدَّولة وأنَّ عمر الدُّول غالباً 120 سنة وتموت بعد مرحلة الشَّيخوخة وهو الجيل الرَّابع وهم أحفاد المؤسِّسين الأوائل. الجيل المؤسس هو جيل قوي ولكن يدب الضَّعف في الأبناء حتى إذا جاء الجيل الرَّابع من الأبناء ينفرط عقد الدَّولة وتنقرض الحضارة لفساد الجيل المترف وعلى أنقاضها تبدأ دورة جديدة للحضارة. قال السَّامرائي (2001 م) إِنَّ ابن خلدون تطرَّق إلى الحديث عن "رئاسة الدَّولة، فجعلها في أربعة أجيال: باني الدَّولة، ثم ابنه المقلِّد لأبيه، ثم الثَّالث الذي يكون مقتفياً ومقلِّداً لمن تقدمه، ثم الرّاَبع المقصر عنهم والمضيع لصفاتهم، ثم تسقط الدَّولة" (ج1).

يرى ابن خلدون أنَّ الحضارة مرحلة تصل إليها الدُّول نتيجة تنوع وإتقان الفنون والصَّنائع فيزدهر العمران ويكثر الفساد الأخلاقي نتيجة للتَّرف المادي فتنهار ثم تبدأ الحضارة دورتها من جديد من البداوة إلى الحضارة وهكذا دواليك.

 يمكن رصد حركة التَّحضر ومساراتها عند الفلاسفة من خلال عدَّة نظريات. يُؤمن البعض بأنَّ التَّارِيخ يخبرنا أنَّ الحضارة تسير عادة نحو التَّقدم في خط بياني صاعد ولقد آمن بذلك بعض فلاسفة اليونان، ثم جاء بعدهم كل من بيكون وديكارت أما فوكوياما فإنَّه يرى أنَّ التَّارِيخ وصل نهايته وأنَّ الحضارة اليوم بلغت ذروتها وآخر مراحلها في النُّضج على يد الحضارة الغربية ولن يصعد التَّارِيخ في خطه البياني أكثر من ذلك لأنَّ الأنموذج الغربي الديمقراطي هو أرقى نماذج التَّطور الإنساني. لا يخلو هذا التَّصور من مبالغة وتغطرس لرجل يعيش في الغرب ولا يرى سواه. وهناك مدرسة ترى أنَّ للحضارة دورات كالدَّائرة المغلقة أو المفتوحة مثل ابن خلدون، وفيكو، واشبنجلر، وتوينبي، ومالك بن نبي (انظر السَّامرائي، 2001، ج1) ومن المفكرين من يعتقد عدم التزام خط واحد للحضارة فليس لِحركتها قانون مُنضبط يمكن تتبُّعه. ومنهم من يُؤمن بالانقطاع التَّارِيخي للحضارات وظهور حضارات أخرى ونظرية هنتنغتون تقوم على فكرة صراع الحضارات وتُؤمن بزوال بعض الحضارات الرَّئيسة تدريجياً بعد أن لعبت دوراً كبيراً على مسرح التَّارِيخ العالمي ثم كان مآلها الانقطاع التّام كما تُؤمن أيضاً بحتمية صِدام الحضارة الإسلامية بالحضارة الغربية المعاصرة. ن تحتوي ظرية هنتنغتون على رسالة تحريضية مُبَطَنَّة قِوامها: لا يجتمع سيفان في غِمد فعلى الغرب أنْ يتخلص من الحضارة الإسلامية. لكن غيره من المفكرين مثل فاول واسبوزيتو من جامعة جورج تاون الأمريكية وريتشارد نيكسون يرفضون هذه النَّظرية ويؤمنون بأنَّه بإمكان الحضارات أن تتعايش سِلمياً.

علاقة الغالب بالمغلوب من المظاهر الاجْتِمَاعِية النَّاتجة من الصِّراعات السِّياسية التي حرص ابن خلدون على ملاحظتها وتحليلها تحليلاً نفسياً، وتدوينها تدويناً منطقياً فقال:"المغلوب مُولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسَّبب في ذلك أنَّ النَّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إمَّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنَّ انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتَّصل لها حصل اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أنَّ غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنَّما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضاً بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول. ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في مَلبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم. وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السُّلطان في الأكثر لأنَّهم الغالبون لهم حتى إنَّه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التَّشبه والاقتداء حظ كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجَلالِقَة فإنَّك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التَّماثيل في الجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك النَّاظر بعين الحكمة أنَّه من علامات الاستيلاء والأمر لله. وتأمَّل في هذا سر قولهم: العامَّة على دين الملك فإنَّه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده والرَّعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم. والله العليم الحكيم وبه سُبْحَانَهُ وتعالى التَّوفيق".

 

العرب وخصوصيتهم التَّارِيخِية

العرب لهم خصوصية تاريخية تتمثل بأنَّ عزَّهم مرتبط بتمسكهم بدينهم. قال تعالى "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ {10} (سُوْرَةُ الأنبياء) قال ابن عباس: فيه شرفكم. لقد كتب العلامة ابن خلدون عن العرب عدَّة فصول شائكة منها: فصل في أنَّ العرب لا يتغلبون إلا على البسائط. فصل في أنَّ العرب إذا تغلبوا على أوطانٍ، أسرع عليها الخراب. فصـل في أنَّ العـــرب لا يحصــــل لهم الملك إلا بصبغة دينيــة، من نبــوة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدِّين على الجملة. فصل في أنَّ العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك. فصل في أنَّ العرب أبعد النَّاس عن الصَّنائع. فصــل في أنَّ المـباني التي كـانت تختطــها العــرب يُسرع إليها الخراب إلا في الأقل. فصل في أنَّ حملة العلم في الإسلام، أكثرهم العجم. فهل هذه الأفكار تندرج ضمن التَّوجه الشُّعوبي المعادي للعرب؟ إنَّ الشُّعوبية بجميع صورها تبغض وتحتقر العرب وتفضل وتحب العجم وما ذكره ابن خلدون قد يخدم بصورة أو بأخرى مآرب هذه الطّائفة الحاقدة أو النَّاقدة.

 يعتقد بعض الباحثين أنَّ لفظ العرب في كتابات ابن خلدون يُراد به الأعراب الموغلون في البداوة والبعض قد يفهم أنَّه تقليل من شأن قدر العرب ولكن د. عبدالحليم عويس (2001 م) في كتابه التّأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون يُحاول أنْ يُفَنِّد هذه النَّظريات ويرى أنَّ ابن خلدون عندما وصف العرب بأنَّهم لا يحصل لهم الملك، إلا بصبغة دينية يعتمد على أنَّ من  طبيعتهم انتهاب ما في أيدي النَّاس وليس الأمر أمر (طبيعتهم) فقط، بل إنَّهم في المستويين الاجتماعي والسِّياسي، لا يصلحون بغير الإسلام وقلَّ أن يُسـَـلِّم أحــدٌ منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه، أو أخاه، أو كبير عشيرته، إلا في الأقل، وعلى كُره، من أجل الحياء، فيفسد العمران وينتقض وينتكس. فابن خلدون يُجرِّد العرب من إمكانية أي استقلال عن الإسلام، فجذورهم البدوية لا تسمح بذلك، وطبيعتهم، التي اكتسبوها عبر تاريخهم، شكلتهم تشكيلاً خاصاً، فإمَّا أن يقودهم الإسلام وإمَّا أن يتآكلوا، أو يكونوا تبعاً لدول كبرى مُحيطة بهم!!".

ولتدعيم هذا التَّوجه في التَّحليل يقول الكاتب التُّونسي راشد الغنوشي (1984م) "ورحم الله علامتنا عبدالرحمن بن خلدون فقد كان مرآة صافية لأنوار القرآن كما وصفه محمد إقبال (ت 1938م) - وهو أفضل دارس اجتماعي لمكونات الشَّعب العربي يقول "فصل في أنَّ العرب لا يقوم لهم الملك إلا بصبغة دينية لأنهم لخلق التَّوحش الذي فيهم (يقصد الفردية) أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض" (ص، 114).

 

الحضارة والعلوم وصِناعة الورق

الحضارة إرث إنساني عالمي تراكمي زماناً، تعاوني إنتاجاً لا يحق لأمةٍ من الأمم أن تحتكره ومن مقتضيات الرُّقي الحضاري إزدهار الفنون والصَّنائع والتَّوسع في التَّمكن من مهاراتها مع مرور الزَّمن. الصَّنائع ضرورة حَضارية. ألمح ابن خلدون إلى أنَّ الصَّنائع لا بدَّ لها من التَّعلم وأنها تكمل بكمال العمران وكثرته. وأهم الصَّنائع الضَّرورية هي الفلاحة والبناء والخياطة والتِّجارة والحياكة. وأما الصَّنائع الشَّريفة في موضوعها فهي التَّوليد والكتابة والوراقة والغناء والطِّب. ومن ضمن نظراته التَّربوية أنَّ الصَّنائع تكسب صاحبها عقلاً وخصوصاً الكتابة والحساب. قال رحمه الله "واعلم أنَّ الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره، لأنَّ براهينها كلها بينة الانتظام، جلية التَّرتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها، فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ، وينشأ لصاحبه عقل على ذلك المهيع[121]. وقد زعموا أنَّه كان مكتوباً على باب أفلاطون من لم يكن مهندساً فلا يدخلن منزلنا. وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون: ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصَّابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والأدران، وإنَّما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه" (ص 458).

وهنا نجد ابن خلدون يهتم بالعلوم الغير شرعية طالما أنَّها تنفع الفرد والمجتمع ونحن في عصر أصبح فيه حُكم تعلم مثل هذه العلوم لطائفة من المجتمع المسلم واجباً لا مُستحباً ليسدوا الثَّغر بعدما اتَّسع الخرق وأصبحت الأجهزة التِكْنُولُوجِية ثمرة من ثمرات علم الرِّياضيات.

هناك علاقة ملموسة بين رواج صناعة الكاغد (الورق) وبين ازدهار الحضارة. قال ابن خلدون "الفصل الحادي والثَّلاثون في صناعة الوراقة: كانت العناية قديما بالدَّواوين العِلْمِية والسجلات في نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرِّواية والضَّبط. وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدَّولة وتوابع الحضارة. وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدَّولة وتناقص العمران بعد أنْ كان منه في الملة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس. إذ هو كله من توابع العمران واتساع نطاق الدَّولة ونفاق أسواق ذلك لديهما. فكثرت التآليف العِلْمِيَّة والدَّواوين، وحرص النَّاس على تناقلهما في الآفاق والأعصار فانتُسخت وجلدت. وجاءت صناعة الورَّاقين المعانين للانتساخ والتَّصحيح والتَّجليد وسائر الأمور الكُتبية والدواوين واختصت بالأمصار العظيمة العمران. وكانت السّجلات أولاً لانتساخ العلوم وكتب الرَّسائل السُّلطانية والإقطاعات والصّكوك في الرّقوق المهيأة بالصِّناعة من الجلد لكثرة الرَّفه وقلَّة التآليف صدر الملة كما نذكره وقلة الرسائل السلطانية والصكوك مع ذلك فاقتصروا على الكتاب في الرِّق تشريفاً للمكتوبات وميلاً بها إلى الصحة والإتقان. ثم طما بحر التآليف والتَّدوين وكثر ترسيل السُّلطان وصكوكه وضاق الرَقُّ عن ذلك. فأشار الفضل بن يحيى بصناعة الكاغد وصنعه وكتب فيه رسائل السُّلطان وصكوكه. واتخذه النَّاس من بعده صحفًا لمكتوباتهم السُّلطانية والعِلْمِيَّة. وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت. ثم وقفت عناية أهل العلوم وهمم أهل الدُّول على ضبط الدَّواوين العِلْمِية وتصحيحها بالرواية المسندة إلى مؤلفيها وواضعيها.." (ص، 371).

عندما كانت القراطيس تُستخدم للأغراض العِلْمِية بشكل واسع سطعت شمس الحضارة الإسلامية وساهمت في الإزهار العلمي إذ أنَّ انتشار الورق في بغداد والشَّام والأندلس وسمرقند سهَّل عملية النَّسخ فظهر الخطاطون وراجت دكاكين الوراقين وأسواق الكتب بشكل عظيم. كانت المدن الإسلامية عنوان الحضارة والنَّضارة والمدنية بل إنها كانت من أرقى مدن العالم قاطبة حينذاك من حيث الثََّقَافَة فإليها يشد الغرب رحاله وفيها يجد المرء آماله. هذا ومازالت البقية الباقية مِن تلك الكتب والأوراق الثَّمينة في متاحف العالم منثورة لم تمتد بعد إليها أيدي الباحثين من كثرتها.

 

الطَّبيعة الإنسانية

بسط ابن خلدون القول في أنَّ الأصل في التّربية أنَّ الإنسان جاهل بالذَّات عالم بالكسب لقول الله تعالى في مقام الامتنان علينا "وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ" (سُوْرَةُ تبارك: الآية 23). وقوله تعالى"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" (سُوْرَةُ العلق). أي أكسب الله الإنسان من العلم ما لم يكن حاصلاً له بعد أن كان علقة ثم مضغة فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي والعلم الكسبي. والإنسان جاهل بذاته ولكن الله فطره على الخير فهو مستعد له ويكسب من البيئة التي حوله وفي الصَّحيحين نجد الحديث الصَّحيح عن الفطرة الإنسانية "مَا مِنْ مَولُودٍ إلا يُوَلَدُ على الفِطْرَة فأبواه يُهودَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ". والفطرة هنا الخير ودين الحق وهو دين التَّوحيد.

تُبين مسألة البدواة والشَّجاعة عند ابن خلدون مدى أهمية البيئة في صياغة شخصية الفرد. قال ابن خلدون: "في أنَّ أهل البدو أقرب إلى الشَّجاعة من أهل الحضر والسَّبب في ذلك يعود إلى أنَّ أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الرَّاحة والدّعة وانغمسوا في النَّعيم والتَّرف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد فهم غارون آمنون قد ألقوا السِّلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النِّساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خُلقاً يتنزل منزلة الطَّبيعة. وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضَّواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم. فهم دائماً يحملون السِّلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطُّرق ويتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس وعلى الرِّحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبآت والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقاً والشَّجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ. وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السَّفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئاً من أمر أنفسهم. وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النَّواحي والجهات وموارد المياه ومشارع السُّبل. وسبب ذلك ما شرحناه. وأصله أنَّ الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقاً وملكة وعادة تنزل منزلة الطَّبيعة والجبلة. واعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيراً صحيحاً. والله يخلق ما يشاء" (ص 84).

يقول ابن خلدون عن الفِكر عند النُّوع الإنساني "اعلم أنَّ الله سُبْحَانَهُ وتعالى ميَّز البشر عن سائر الحيوانات بالفِكر الذي جعله مبدأ كماله ونهاية فضله علىالكائنات وشرَّفه. وذلك أنَّ الإدراك وهو شعور المدرك في ذاته بما هو خارج عن ذاته هو خاص بالحيوانات فقط من بين سائر الكائنات والمجودات.

فالحيوانات تشعر بما هو خارج عن ذاتها بما ركب الله فيها من الحواس الظاهرة: السَّمع والبصر والشَّم والذَّوق واللَّمس. ويزيد الإنسان من بينها أنّه يدرك الخارج عن ذاته بالفِكر الذي وراء حسنه وذلك بقوى جعلت له في بطون دماغه ينتزع بها صور المحسوسات ويجول بذهنه فيها فيجرد منها صوراً أخرى. والفِكر هو التَّصرف في تلك الصُّور وراء الحس وجولان الذِّهن فيها بالانتزاع والتَّركيب وهو معنى الأفئدة في قوله تعالى "وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ" (سورة تبارك: الآية 23). والأفئدة جمع فؤاد وهو هنا الفكر وهو علىمراتب:

(الأولي) تعقل الأمور المرتبة في الخارج ترتيباً طبيعياً أو وضعياً ليقصد إيقاعها بقدرته. وهكذا الفِكر أكثره تصورات وهو العقل التَّمييزي الذي يحصل منافعه ومعاشه ويدفع مضاره.

(الثَّانية) الفِكر الذي يفيد الآراء والآداب في معاملة أبناء جنسه وسياستهم. وأكثرها تصديقات تحصل بالتَّجربة شيئاً فشيئاً إلى أن تتم الفائدة منها. وهذا هو المسمى بالعقل التَّجريبي.

(الثَّالثة) الفكر الذي يفيد العلم أو الظَّن بمطلوب وراء الحس لا يتعلق به عمل. فهذا هو العقل النَّظري. وهو تصورات وتصديقات تنتظم انتظاماً خاصاً علىشروط خاصة فتفيد معلوماً آخر من جنسها في التَّصور أو التََصديق ثم ينتظم مع غيره فيفيد علوماً أخر كذلك. وغاية إفادته تصور الوجود علىما هو عليه بأجناسه وفصوله وأسبابه وعلله فيكمل الفكر بذلك في حقيقته ويصير عقلاً مَحضاً ونفساً مُدركة وهو معنى الحقيقة الإنسانية" (مقدِّمة ابن خلدون، ص 390).

كرَّم الله الإنسان فرزقه نعمة العقل واختلف الفلاسفة في إمكاناته فمنهم من اعتبره أساس كل المعارف والعلوم وأنَّه لوحده قادر على إدراك الحقائق، ومنهم من أعلى من شأنه وأشاد بقدراته الخلاقة لكنهم لم يغالوا فيه إذ أنَّ له حداً ينتهي إليه فلا ينبغي المبالغة في إمكاناته. وبعيداً عن تعقيد الفلاسفة يعرض ابن خلدون رأيه ببساطة فيؤكد على فساد رأي من يرى أنَّ العقل مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها ويقول "فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا لأنَّ إدراكاتنا مخلوقة مُحدثة. فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر واتبع ما أمرك الشَّارع به في اعتقادك وعملك فهو أحرص على سعادتك وأعلم بما ينفعك لأنَّه من طور فوق إدراكك ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك. وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنّك لا تطمع أن تزن به أمور التَّوحيد والآخرة وحقيقة النبُّوة وحقائق الصِّفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإنَّ ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذَّهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك. على أنَّ الميزان في أحكامه غير صادق لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنَّه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. واعلم أنَّ الكمال عند الشَّارع في كل ما كلف به إنَّما هو الإقبال على العبادات والمواظبة عليها" (المقدِّمة ص 408-409 باختصار وتصرف).

      

مَقاصد التّأليف

كل من يتصدَّر للتّأليف ينبغي أن يعرف مقاصد التَّصنيف فهي تُحَدِّدَ مسار المقال أو الكتاب أو البحث الذي نريد أن نؤلِّفه ولا يؤلف كاتب إلا في دائرتها. مقاصد التَّأليف عند ابن خلدون سبعة وهي:

استنباط العلم بموضوعيَّة وتقويم أبوابه وتتبع مسائله. وتحت هذا القسم يندرج الموضوع الذي لم يُسبق إليه فيخترعه المؤلِّف.

شرح كلام الآخرين.

مناقشة وتصحيح الأفكار وتنقيتها من الزَّيف.

إتمام ما نقص في كتب المتقدمين.

ترتيب مسائل العِلم وتنظيمها حسب الموضوع. ويندرج تحت هذا القسم كل شيء مختلط يرتبه الباحث من جديد.

جمع ما تفرَّق من فوائد العلم.

اختصار وإيجاز الكتب الموسعة دون أن يخل بشيء من معانيها فلا يضيف المؤلف للكتاب ولكن يحذف بما يتناسب مع غرض التَّلخيص.

وعليه فكل كتاب لا يندرج تحت هذه الأبواب لا يعدّه ابن خلدون كِتاباً نافعاً. مثل أن ينتحل كاتب كتاب غيره أو يكتب كتاباً فيه عكس الصَّواب. فائدة مقاصد التَّعْلِيم أن يعرف المتعلم تلك المقاصد ويضعها نصب عينيه ويجتهد في أن يوازن ثقافته على طول المدى فلا يقبل على كتب النَّقد فتصير شغله الشَّاغل ويهمل ما سواها من الكتب فيحرم نفسه من المقاصد الأخرى. وهذه المقاصد تنفع طالب العلم في عمل أبحاثه كما تنفع كمعايير لتصنيف الكتب وتقيمها من حيث موضوعاتها.

والجميل في منهج ابن خلدون أنَّه لم يترك صبغته الإسلامية في تأليفه لعلم الاجتماع فهو دائم الاستناد والاستنباط من الآيات والأحاديث كلما سنحت الفرصة المناسبة وهذا أدب أخل به من ظن أنَّ المساحة الدِّينية لا صلة لها بالتَّأليف في المساحات العِلْمِية والبحثية في العلوم الوضعية.

ابن خلدون الذي كان قلمه يكتب أرقى أساليب البيان تميزت نهايات فصوله بذكر الله والدّعاء بغية البركة ففي كل خاتمة فصل يحرص على الختام بالذِّكر ولا يسأم منه كقوله:

واللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى أعلم وبه التَّوفيق.

واللهُ العليم الحكيم وبه سُبْحَانَهُ وتعالى التَّوفيق.

واللهُ الهادي إلى الحق بمنه وفضله.

واللهُ الحكيم الخبير.

"وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا {114}" (سُوْرَةُ طه).

قال الحسين بن المنصور بالله في كتابه آداب العلماء والمتعلمين "جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم، كذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب، لكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدَّرس كقوله: وهذا آخره أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى ونحو ذلك، ليكون قوله والله أعلم خالصاً لذكر الله تعالى ولقصد معناه. ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم والحمد لله، كما يستفتح جواب الفتيا بذلك ليكون ذاكراً لله .. في بدأته وخاتمته" (ص15-14). وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ: «أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا جَلَسَ مَجْلِساً أَوْ صَلّى تَكَلّمَ بِكَلِمَاتٍ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: إنْ تَكَلّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابِعاً عَلَيْهِنّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإنْ تَكَلّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَفّارَةً لَهُ سُبْحَانَكَ اللّهُمّ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ». قال الإمام السندي في حاشيته على النَّسائي "فيُستحب للإنسان ختم المجلس به أي مجلس كان والله تعالى أعلم".

يبين ابن خلدون في بداية المقدِّمة أسباب الخلل في التَّأليف لا سيّما الكتب التَّارِيخِية ومن تلك الأسباب تسلُل الأخبار المدسوسة، وعدم ملاحظة أسباب وأحوال الوقائع وقال ناقداً "فالتَّحقيق قليل، وطرف التَّنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم: نسيب للنَّاس وخليل، والتَّقليد عريق في الآدميين وسليل، والتَّطفل على الفنون عريض وطويل، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل. والحق: لا يقاوم سُلطانه، والباطل يقذف بشهاب النَّظر شيطانه، والنَّاقل إنَما هو يُملي وينقل، والبصيرة تنقد الصَّحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات الصَّواب ويصقل".

لقد بلغت عناية المفكرين المهتمين بتجويد صنعة التّأليف أن يرسموا معالم يسترشد بها كل من شرع في شرح كتاب أو تأليف رسالة يسميها قدماء الحكماء: الرُّؤوس الثَّمانية (انظر المقريزي والقنوجي). ويمكن إيجاز أهم الرُّؤوس الثََّمانية بالنّقاط التَّالية:

1- تحديد المقصد من تدوين العلم أي معرفة الفائدة المترتبة عليه.

 2- تحديد السِّمة وهي: عنوان الكتاب ثم اسم المؤلف.

3- معرفة من أي علم هو وما أهميته؟ أي من النَّظريات أو العمليات، من الشَّرعيات أو غيرها، ليطلبها المتعلم.

4-ترتيب فصوله.

من الواضح أنَّ ابن خلدون توسع في الحديث عن رأس واحد مهم من الرُّؤوس الثَّمانية العامة المعروفة عند الفلاسفة ألا وهو الرَّأس المتّصل بمقاصد التَّأليف وكأن مقصد التَّأليف هو لب الكتاب وأي نقص منهجي فيه هو نقص جوهري في العمل كله ويتحول فيه البحث العلمي المبني على غير مقاصد إلى عبث فكري فاسد.

 

هل المختصرات مُخِلَّة بالتَّعْلِيْم؟

لقد حذَّر ابن خلدون من كثرة التَّأليف في العلوم لأنَّها عائقة عن طلب العلم وذكر أنَّ الاختصارات المؤلفة في العلوم مُخلَّة بالتَّعلم وضارة بالمتِّعلم لأنَّ الاختصار يعتمد على كلمات صعبة فيها اختصار مخل وإن كانت سهلة للحفظ. واليوم في عصر السُّرعة والتَّقنية أصبحت الكتب المختصرة الصَّغيرة تغزو طلاب العلم فانقطعوا عن التَّبحر في كتب التُّرَاث وهو أمر غير محمود إذا اقتُصر عليها منهج تربية النَّاشئة. إنَّ معرفة هدي السَّابقين في التّأليف وكيفية البحث في كتبهم يضمن التَّواصل الثَّقافي بين الأجيال ولا شك أنَّ المنهج العقيم هو المنهج المقطوع الصِّلة عن ماضيه.

يكشف ابن الجوزي عن ضرر المختصرات في بقاء المخزون الثَّقافي فيقول في كتابه صيد الخاطر عن كُتب السَّابقين "ألا إنَّ أكثر تصانيفهم دثرت لأنَّ همم الطُُّلاَب ضعفت فصاروا يطلبون المختصرات ولا ينشطون للمطوَّلات. ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها فدثرت الكتب ولم تُنسخ. فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات فليكثر من المطالعة فإنَّه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرِّك عزيمته للجد وما يخلو كتاب من فائدة. وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدئ ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزَّاهد. فالله الله وعليكم بملاحظة سير السَّلف ومُطالعة تصانفيهم وأخبارهم فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم وإني أُخبر عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز. ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامِية فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد وفي ثبت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر وكتب أبي محمد بن محمد بن الخشاب وكانت أحمالاً وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه. ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد في الطَّلب. فاستفدت بالنَّظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع" (ص 362).

يثني د. محمد الصَّالح على رأي ابن خلدون في رفض استخدام المختصرات في التَّعْلِيْم فهو رأي صائب وحقيق بالعناية. وأبعد من هذا فإنَّ تعقيب الصَّالح يصلح لمناقشة أوضاع التَّعْلِيْم اليوم حيث أنَّ الضَّرر من منهج المختصرات أصاب جودة المخرجات التَّعْلِيْمِيَّة. إن تذكَّر حقائق الفن بإيجاز يجعل المادة جافة صعبة، ويشجع التَّلاميذ على حفظ هذه الملخصات عن ظهر قلب للانتفاع بها في الامتحان لا للوصول إلى الأدب والحكمة والمعرفة. وبهذه الوسيلة تُترك الكتب الوافية الموسوعية، ويستبدل بها مذكرات تُسمى مُلخصات ومُذكرات، فتضيع أوقات التَّلاميذ في معلومات محدودة سطحية وبهذا يهبط مستواهم الثَّقافي. ولا غرابة بعد هذا كلِّه إذا ضعف مُستوى التعليم في عالمنا العربي. ولا عجب إذا نفر الطلاب وسئموا من المدرسة والجامعة. لأنهم لم يجدوا من يرغبهم في الدراسة والبحث ويستميل نفوسهم إلى الإطلاع مما يؤدي إلى قصور الهمم (ص 285).

لا نود أن نُقَدِّم صورة قاتمة عن طريقة المختصرات فإنَّها وسيلة لها جوانب قوة إذا أحسن المتعلم والمؤلف والباحث في استخدامها وهي من مقاصد التأليف عند ابن خلدون. ابن منظور علامة اللّغة العربية صاحب كتاب لسان العرب قام بنفسه باستثمار فكرة المختصرات لبناء ثقافته الواسعة فلقد اختصر كثيراً من كتب الأدب المطولة ككتاب الأغاني للأصفهاني، والعقد الفريد لأحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي (ت 238 هـ = 852 م) حتى قيل أنَّ مختصراته بلغت خمسمائة مجلد. أغلب المتون في الفنون هي مُختصرات كما أنَّ الكثير من الكُتيبات الصَّغيرة ما زالت تلعب دوراً عظيماً في زيادة وعي النَّاس ثقافياً.

 

مناهج وطرق التَّدريس

تكلم ابن خلدون عن عدَّة وسائل من شأنها أن تجعل التَّعْلِيْم فاعلاً، والإرشاد أقوى انطلاقاً لكل من مرحلتي التَّعْلِيْم الابتدائي في الكتاتيب والعالي في المدارس.

قال الإمام ابن خلدون وهو يشرح أفضل طرق تربية الأطفال من حيث الوسائل والمناهج: "ومن أحسن مذاهب التَّعْلِيْم ما تقدَّم به الرَّشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: "يا أحمر إنَّ أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصيِّر يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن وعرِّفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلِّمه السُّنن، وبصِّره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضَّحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه. ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تُحزنه فتميت ذهنه. ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ فيألفه وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشِّدة والغلظة "(مقدمة ابن خلدون، ص 508 - 509). توفي الأحمر في سنة 194 هـ =810 م.

ركز ابن خلدون على وسائل عديدة للتَّربية منها القدوة، والتَّرغيب والتَّرهيب، والرِّحلة في طلب العلم واعتبر تعليم القرآن الكريم من شعائر الدِّين وأصل تعليم الصِّغار.

وإذا استعرضنا سيرة معلمنا الكريم وقائدنا العظيم نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فسنجد موقفه في صُلح الحديبية من أوضح وأكمل المواقف التي يحتاج أن يعرفها المربي كي يعرف القوة الكامنة في القدوة. في صلح الحديبية: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من  الصُّلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فلم يقم منهم رجلٌ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، فلم يقم أحدٌ، فدخل على السَّيدة  أم سلمة  - رَضِي اللهُ عَنْها - فأخبرها الخبر الحزين، فقالت له بحنكتها وحكمتها: اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكلم منهم أحداً من أصحابه حتى فعل ذلك، فلما رأوا فعله صلى الله عليه وسلم قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً من شدَّة حرصهم وندمهم على ما قد سلف منهم من تقاعس في الاستجابة الفورية لتنفيذ الأمر النبَّوي.

وعن تنوع وسائل التَّربية في تعليم الصِّبيان كتاب الله نجد ابن خلدون يقول في "الفصل التَّاسع والثَّلاثون في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه":

 "اعلم أنَّ تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدِّين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث. وصار القرآن أصل التَّعْلِيْم الذي ينبني عليه ما يحصل بعده من الملكات. وسبب ذلك أنَّ تعليم الصِّغر أشدُّ رسوخاً وهو أصل لما بعده لأنَّ السَّابق الأول للقلوب كالأساس للملكات. وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه. واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التَّعْلِيْم من الملكات. فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرَّسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شِعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعاً عن العلم بالجملة. وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في وِلدانهم إلى أن يُجاوزوا حد البلوغ إلى الشَّبيبة. وكذا في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره. فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم. وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو وهذا هو الذي يراعونه في التَّعْلِيْم. إلا أنَّه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه ومنبع الدِّين والعلوم جعلوه أصلاً في التَّعْلِيْمِ. فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رِواية الشِّعر في الغالب والتَّرسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب" (ص، 105).

ذكر ابن خلدون خمس طرق لتعليم القرآن الكريم للأطفال في زمنه وهي:

1-طريقة أهل المغرب والبربرمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط فلا يخلطون تدريس القرآن الكريم بسواه من العلوم في مجالس تعليمهم ثم إذا تمكَّن من هذا العلم اشتغل بالعلوم الأخرى. في هذا المذهب لا يُطلب مِن التِّلميذ أن يعرف الأساليب البلاغية للقرآن في الصِّغر وهو خلاف مذهب أهل المشرق.

2-طريقة أهل المشرق وتضم مدن العراق والشَّام ومصر. مذهبهم يضم تدريس العلوم الهامة الأخرى كالحديث النَّبوي وعلوم اللُّغة فيدرس الطََّالب هذه المواد في مرحلة الكتاتيب.

3-طريقة أهل الأندلس تشبه طريقة أهل المشرق ولكنهم يدرِّسون الخط في طريقتهم في حين أنَّ أهل المشرق لهم مؤسسات أخرى غير الكتاتيب لتجويد الخط والتَّخصص في فنونه.

4--طريقة أهل إفريقية يخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب, ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها. وعنايتهم بالقرآن واختلاف رِواياته وقراءاته أكثر مما سواه. وهم أقرب إلى مذهب أهل الأندلس لأسباب تاريخية وجغرافية.

5-طريقة القاضي أبي بكر بن العربي المالكي (468 - 543 هـ = 1075 – 1148م). أن يبدأ الطِّفل من تعلم اللُّغة العربية ثم يتعلم القرآن فيفهم معاني آياته ويفهم سائر العلوم ولا يحفظها فقط. يرى ابن خلدون أنَّ هذا المذهب حَسَن لكنه مثالي فالعادات لا تُساعد في تطبيقه كما أنَّ بركة حفظ القرآن في الصِّغر خير كبير في قلب الصغير، إضافة إلى أنَّ مشاغل الحياة قد تصرف الطِّفل إذا كبر عن البدء بالقرآن الكريم لذلك فعلى الطِّفل أن يبدأ بالقرآن لا اللّغة. في رأي ابن خلدون أنَّه لو ضمن المعلمُ  أنَّ الولدَ لن يترك الدِّراسة بعد أن يكبر في السِّن فإنَّه يرى أنَّ مذهب القاضي أبي بكر أفضل من سائر المذاهب.

اليوم التَّربية المُقارنة من أهم فروع علم التَّربية وهو الباب الذي تناوله ابن خلدون فناقش خمس طرق تعليمية كانت دارجة في عصره وهذه المحاولة كأنها من أحدث الدِّراسات التربوية المعاصرة التي يتصدى لها كبار الخبراء في ميدان علم الإجتماع التربوي المُقارن.

كان تنوع طرق تعليم القرآن قد خلق التَّنافس الحضاري بين سكان الأقاليم والذي ظهر بصورٍ شتى منها الافتخار بنبوغ بعض العلماء في كل إقليم فيقول بعضهم لبعض إذا فاخرنا أهل المشرق بفلان فاخرناهم بفلان (انظر ابن العماد، ج4، ص 276) أي أنَّهم يذكرون لهم اسم عالم في بلادهم يضارعه في علمه أو حِفظه.

أما فيما يتعلق بأمثل السُّبل في التَّدريس داخل الفصل فإنَّ لابن خلدون فلسفة مُتكاملة تُعين على توصيل العلم بأسلوب مُتسلسل يراعي طبيعة الإنسان. من أجل ذلك شرع في شرح الخطوات الرَّئيسة لإدارة حلقات العلم وهذه الخطوات تشبه خطوات هربرت سبنسر ولكن ابن خلدون له فضل السَّبق في كشف ملامحها قبل عدَّة قرون. 

يكون التَّعْلِيْم مفيداً من وجهة نظر ابن خلدون إذا كان على التّدرج شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً ويجب أن يتلقَّى المتعلِّم الأصول ثم يبدأ بالفروع والتَّفصيل. وينبغي كما يرى ابن خلدون أن يراعي المُعَلِّم قوة عقل الطَّالب واستعداده للتَّعلم ويبدأ التَّعْلِيْم المفيد من البسيط إلى المعقد، ومن الواضح إلى الغامض، ومن المعلوم إلى غير المعلوم، ومن المحسوس إلى غيره، ومن العام إلى الخاص، ومن المحكمات إلى المتشابهات، ومن المتَّفق عليه إلى المختلف فيه. المرحلة الأولى في الشَّرح تكون عن طريق ذِكر الفِكرة الإجمالية وفي المرحلة الثَّانية يقوم المُعَلِّم بالشَّرح والبيان ويخرج عن الإجمال إلى التَّفصيل وشرح أوجه الخلاف ثمَّ في المرحلة الثَّالثة يشرح المُعَلِّم كل مسألة صعبة ويجعل المتعلم يتمكن من فهم المادة العِلْمِية تماماً. يرى ابن سينا في كتابه القانون أن التَّدرُّج ينبغي أن يكون للصَّبي منذ بداية دخوله للمكتب فلا يُطلب منه ملازمة المُعَلِّم كرَّة واحدة بل يتم تقليل ساعات اللَّعب وزيادة ساعات الدِّراسة بالتَّدريج (ص 224). ومن توجيهات ابن خلدون للمعلم في قاعة الفصل أن لا يدرس أكثر من علم في جلساته حتى يتفرغ العقل لعلمٍ واحد ولا تتداخل عليه العلوم فيتشتت ذهن المتعلم. ومن نصائحه في التَّعْلِيْم أن تكون الجلسات مُتَّصلة غير منفصلة حتى لا ينسى المتعلم الدروس السَّابقة فالأفكار ترسخ في العقول إذا تكرَّرت وجاءت متتابعة. ناقش د. محمد الصالح هذا الرَّأي ويرى أنَّه على جودته إلا أنَّه يصعب العمل به في المدارس نظراً لتنوع المواد وأن النَّفس تسأم العمل الواحد المستمر (ص 283).

 

مناهج التَّعْلِيْم العالي

تنقسم العلوم عند ابن خلدون إلى علوم نقلية وعلوم عقلية أما النَّقلية فتشمل علم القرآن والحديث والفرائض وأصول الفِقه وعلم الكلام والتَّصوف وتعبير الرُّؤيا وأما العلوم العقلية فمن أنواعها العلوم العددية والهندسة والهيئة (الفلك) وعلم المنطق والطَّبيعيات. والعلوم كلها أيضاً تنقسم إلى علوم مقصودة بذاتها كالعلوم الدِّينية وإما أنَّها من العلوم الآلية التي تدرس بحسب الحاجة لها لفهم العلوم المقصودة. العلوم الآلية مثل علم الحساب والمنطق وعلوم اللُّغَة الْعَرَبِيَّة.

وأما العلوم العقليَّة التي هي طبيعة للإنسان في البحث عنها فيرى ابن خلدون أنَّ النَّوع الإنساني يبحث عنها من حيث أنَّه ذو فكر، فهي غير مختصة بملة من ملل أو عصر من العصور، بل يوجد النَّظر فيها لأهل الملل كلهم، ويستوون في مداركها الفِطرة، ومباحثها وتُسمى هذه العلوم: علوم الفلسفة والحكمة.

ومن توجيهات ابن خلدون للمتعلم أن لا يتوسع المتعلم في دراسة العلوم الآلية مثل علم اللُّغة والحساب والمنطق لأنَّ هذه العلوم ليست غاية الدِّراسة بل هي غير مقصودة بذاتها على عكس العلوم الشَّرعية التي تُطلب لذاتها. يقول ابن خلدون في المقدمة "يجب على المُعَلِّمين لهذه العلوم الآلية أن لا يتبحَّروا في شأنها وينبهوا المتعلم على الغرض منها ويبقوا عنده. فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التَّوغل فليرق له ما شاء من المراقي صعباً أو سهلاً. وكل ميسر لما خُلق له" ص505.

اهتم ابن خلدون بالتَّعريف بجملة من العلوم مع ذكرٍ لأهم الفروع المندرجة تحتها وبيان تاريخ ظهور كل علم وأهم روَّاده. فيقول عن علم البيان: "هذا العلم حادث في الملَّة بعد علم العربية، واللُّغة، وهو من العلوم اللِّسانية، لأنَّه متعلق بالألفاظ، وما تفيده، ويقصد بها الدّلالة عليه من المعاني". وعن علوم القرآن من التَّفسير والقراءات فيقول "أما التَّفسير فاعلم أنَّ القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته، وتراكيبه، وكان ينزل جُمَلاً جُمَلاً، وآياتٍ آياتٍ، لبيان التَّوحيد، والفروض الدِّينية، بحسب الوقائع منها: ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها: ما هو في أحكام الجوارح، ومنها: ما يتقدم، ومنها: ما يتأخر، ويكون ناسخاً له، وكان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يبين المجمل، ويميز النَّاسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه، فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات، ومُقتضى الحال منها منقولاً عنه كما علم من قوله تعالى: "إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ {1}" (سُورَةُ النَّصر): أنها نعي النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمثال ذلك، ونقل ذلك عن الصَّحابة - رضوانُ الله عليهم أجمعين - وتداول ذلك التَّابعون من بعدهم، ونُقل ذلك عنهم، ولم يزل ذلك مُتناقلاً بين الصَّدر الأول، والسَّلف، حتى صارت المعارف عُلوماً، ودوَّنت الكُتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصَّحابة، والتَّابعين، وانتهى ذلك إلى الطَّبري، والواقدي، والثَّعالبي، وأمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار".

توسع ابن خلدون في الحديث عن تاريخ علم المنطق وجذوره عند أرسطو ثمَّ بيَن تأثر فلاسفة المسلمين به من أمثال ابن سينا وعرض رأي علماء الشَّريعة في حكم تعلم هذا العلم فذهب بعضهم إلى تحريمه لأنَّه علم عقيم الفائدة وذهب البعض الآخر إلى الحض على تعلِّمه ويمكن استخدامه في عملية الدِّفاع عن العقائد بالحجج العقلية.

 قال ابن خلدون في تعريفه لعلم المنطق وبداية ظهوره: "علم المنطق: وهو قوانين يعرف بها الصَّحيح من الفاسد في الحدود المعروفة للماهيات والحجج المفيدة للتَّصديقات وذلك لأنَّ الأصل في الإدراك إنَّما هو المحسوسات بالحواس الخمس. وجميع الحيوانات مشتركة في هذا الإدراك من النَّاطق وغيره وإنَّما يتميز الإنسان عنها بإدراك الكليات وهي مجردة من المحسوسات. وذلك بأن يحصل في الخيال من الأشخاص المتَّفقة صورة مُنطبقة على جميع تلك الأشخاص المحسوسة وهي الكلي. ثم ينظر الذِّهن بين تلك الأشخاص المتَّفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض فيحصل له صورة تنطبق أيضاً عليهما باعتبار ما اتفقا فيه. ولا يزال يرتقي في التَّجريد إلى الكلي الذي لا يجد كلياً آخر معه يوافقه فيكون لأجل ذلك بسيطاً. وهذا مثل ما يجرد من أشخاص الإنسان صورة النَّوع المنطبقة عليها. ثم ينظر بينه وبين الحيوان ويجرد صورة الجنس المنطبقة عليهما ثم ينظر بينهما وبين النَّبات إلى أن ينتهي إلى الجنس العالي وهو الجوهر فلا يجد كلياً يوافقه في شيء فيقف العقل هنالك عن التَّجريد. ثم إنَّ الإنسان لما خلق الله له الفكر الذي به يدرك العلوم والصَّنائع وكان العلم: إما تصوراً للماهيات ويعني به إدراك ساذج من غير حكم معه وإما تصديقاً أي حكماً بثبوت أمر لأمر فصار سعي الفكر في تحصيل المطلوبات إما بأن تجمع تلك الكلِّيات بعضها إلى بعض على جهة التَّآليف فتحصل صورة في الذِّهن كلية منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصُّورة الذهنية مفيدة لمعرفة ماهية تلك الأشخاص وإما بأن يحكم بأمر على أمرٍ فيثبت له ويكون ذلك تصديقاً. وغايته في الحقيقة راجعة إلى التَّصور لأنَّ فائدة ذلك إذا حصل فإنَّما هي معرفة حقائق الأشياء التي هي مقتضى العلم الحكمي. وهذا السَّعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطَّريق الذي يسعى به الفِكر في تحصيل المطالب العِلْمِيَّة ليتميز فيها الصَّحيح من الفاسد فكان ذلك قانون المنطق. وتكلم فيه المتقدمون أول ما تكلموا به جملاً جملاً ومتفرقاً متفرقاً. ولم تهذب طرقه ولم تجمع مسائله حتى ظهر في يونان أرسطو فهذَّب مباحثه ورتَّب مسائله وفصوله وجعله أوَّل العلوم الحكمية وفاتحتها. ولذلك يُسمى بالمُعَلِّم الأول وكتابه المخصوص بالمنطق يُسمى النَّص" (المقدِّمة، ص 454-455).

 

حِفظ المتون

لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللِّسان العربي وعلى قدر جودة المحفوظ تكون جودة الملكة الحاصلة عنه الحافظ. هذا هو المنهج الذي تربى عليه ابن خلدون، ودعا إليه، وتدل عليه سيرة السَّلف الصَّالح وكما قيل "من حَفِظ المتون حاز الفُنون". لا بد للحفظ من وعي وفهم للمادة المراد حفظها ما أمكن وأهم مُعين لتقوية الحِفظ هو الحرص ودوام المذاكرة. فمن كان محفوظة من الشِّعر الجيد تكون ملكته أجود وأعلى مقاماً في البلاغة ممن يحفظ الشِّعر الأقل جودة لأنَّ الطّبع ينسج على منوال المحفوظ وتنمو ملكة البلاغة بتغذيته. القاعدة التَّربوية عند ابن خلدون في ذلك أنَّ ملكة الشِّعر تنشأ بحفظ الشِّعر والملكة العِلْمِية بمخالطة العلوم والادراكات والأبحاث والأنظار والملكة الفقهية بمخالطة الفقه وتنظير المسائل وتفريعها وتخريج الفروع على الأصول. في ميدان علم النَّفس حديثاً نجد أنَّ نظرية انتقال أثر التَّدريب تُؤَكِّد على أنَّ تعلم مهارة معينة تساهم في تسهيل تعلم مهارة أخرى فكيفية استخدام جهاز مُعين قد ينتقل أثره التَّعْلِيْمي ليشمل أجهزة شبيهة له.

تدل كتابات المفكر اليوناني كونتليان على اهتمام الرُّومان بقوة الذَّاكرة وخاصة في مرحلة الطُّفولة. وإذا كان الرُّومان واليونان من قبلهم بل حتى عرب الجاهلية قد عُرفوا بالاهتمام بقوة الحفظ فإنَّ ملكة الحفظ أصبحت في ظل الإسلام فناً هاماً من فنون عِلم القرآن الكريم وعلم الحديث النَّبوي الشَّريف حيث تمَّ تدوين سير الرُّواة من الجنسين مع تحديد درجة الحفظ عند كل واحد منهم وكل حديث يكون في إسناده من هو سيئ الضَّبط لا يُعتبر حديثاً صحيحاً.

ذَكَرَ ابن خلدون أنَّ من القواعد الضَّابطة لعملية تعلم اللُّغات أنَّ اللّغة ملكة صناعية وقال: "اعلم أنَّ اللّغات كلها ملكات شبيهة بالصِّناعة إذ هي ملكات في اللِّسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنَّظر إلى المفردات وإنَّما هو بالنَّظر إلى التَّراكيب. فإذا حصلت الملكة التَّامة في تركيب الألفاظ المفردة للتَّعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التّأليف الّذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصودة للسَّامع وهذا هو معنى البلاغة. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأنَّ الفعل يقع أولاً وتعود منه للذَّات صِفة ثم تتكرر فتكون حالاً. ومعنى الحال أنَّها صفة غير راسخة ثم يزيد التِّكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة. فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللُّغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصَّبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولاً ثم يسمع التَّراكيب بعدها فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللُّغات من جيل إلى جيل وتعلَّمها العجم والأطفال. وهذا هو معنى ما تقوله العامَّة من أنَّ اللّغة للعرب بالطَّبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم. ثم فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم. وسبب فسادها أنَّ النَّاشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب فيعبِّر بها عن مقصودة لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضاً فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى".

من الملاحظ أنَّ ابن خلدون الأديب الشَّاعر استخدم الشِّعر الرَّفيع لأغراضه السِّياسية ولكنه لم ينظم الشِّعر كلون من ألوان التَّربية ووسيلة تعليمية تحمل أفكاره ومن ثَمَّ تنتشر في أوساط العلماء والعامَّة بسهولة وهو الأمر الذي نجح في أدائه الإمام الشَّافِعِيّ وغيره. كان الشِّعر من أقوى وسائل الإعلام قديماً. وعلى كل حال فإنَّ الشِّعر الذي حفظه ابن خلدون منذ الطُّفولة جعله فصيح اللِّسان، حَسن البيان، جَيد الحفظ، قَوي الحُجَّة.

 

الشِّدة بالمتعلِّمين مضرة بهم

للثواب أثره البليغ في تربية النَّاشئة ولكن استخدام العقاب أحياناً ضرورة تربوية تُقدَّر بقدرها وتُستَخدم وفق شروط أهمها أن يكون العقاب بجميع صوره بغرض التَّهذيب وليس الانتقام وأن لا يترك أي أثر سلبي على الجسد أو في النَّفس، ولا يكون المُعلم في حالة غضب وانفعال، كما يجب أن لا يمس الوجه بسوء.

المُعَلِّم البصير دمث الخلق ليس بالجافي ولا المُهين وهو الذي يجعل جلسات التَّدريس مُتعة فيها التَّشجيع المستمر مما يجعل المتّعلم يُضاعف من جهده ويزيد من بذله. قال المناوي إنَّه يجب على المعلم أن يتحلى بالأخلاق الحَسنة فلقد "كان علماء السَّلف يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينفع النَّاسَ في حياتهم وبعدهم، وأن يتواضع مع طلبته ويرحب بهم عند إقبالهم عليه ويكرمهم ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم ويعاملهم بطلاقة وجه".

الإفراط في الشِّدة على المتعلمين مضرَّة بهم وخاصة الصِّغار منهم لأنَّ الشِّدة تدفع المتعلِّم إلى الخوف والجبن والكذب والكَسل. هذا الذي أشار به العلامة ابن خلدون وجاءت مُعطيات وتوصيات علم النَّفس التَّربوي اليوم لتؤكد على هذه الحقيقة الهامَّة. يمكن الاستدلال على شيوع الإفراط في العقاب من خلال التَّعرف على صوره المتنوعة في ميدان التَّربية الأسرية والتَّربية السِّياسية فإنَّ الحاكم الذي يقسو على رعيته يفقد حبهم ويعاملونه بأخلاق النِّفاق وما أكثر صور المواطن العربي المهان بين الجماهير الجاهلة والمثقفة. قال عمر رَضِي اللهُ عَنْهُ كما يروي ابن خلدون "من لم يؤدبه الشَّرع لا أدَّبه الله". لأنَّ العقاب من غير ضوابط يهدم البناء النَّفسي للفرد فإنَّ ابن خلدون يحرص الحرص كله على "صون النُّفوس من مَذلة التَّأديب" على حدِّ تعبيره. وفي حال استخدم الضَّرب فإنَّ على مؤدب الصِّبيان - كما ينصح ابن خلدون - أن لا يزيد على ثلاثة أسواط شيئاً ولا تُستخدم الشِّدة والغلظة إلا في حال الضَّرورة لتحقيق الصِّحة النَّفْسِية وضمان سلامة النُّمو الوجداني. عندما تحدَّث ابن خلدون عن وظيفة المُحتسب وأعوانه فإنَّه أكَّد على ضرورة مُراقبة المؤدبين في الكتاتيب إذ يجب منعهم من المبالغة في ضرب الصِّبيان المُتعلمين وهكذا فإنَّ وضع التَّشريعات النَّظرية بحاجة إلى آليات لمتابعة التَّطبيقات العملية.

ويرى ابن سينا أن العقاب في حال الضَّرورة يجب أن يحمل طابع الجدية كي يتعاون الطِّفل مع المعلم ولا يتهاون.

ولا شك أنَّ العقاب البدني مشروع في الإسلام والأمر بضرب الأولاد تأديباً وتهذيباً في عظائم الأمور ووفق الضَّوابط لا يمكن إنكاره فقد وقع عليه إجماع الأمة وإن أنكرته بعض المناهج الغربية اليوم. المرفوض هو الاسترسال في التَّعنيف والعقاب دون ضوابط وأصول. وفي الحديث "إذا بلغَ أولادُكم سبعَ سنينَ فَفَرِّقوا بين فُرُشهم، وإذا بلغُوا عشرَ سنينَ فاضربوهم على الصَّلاةِ" (رواه الدَّار قطني والحاكم، انظر صحيح الجامع الصَّغير للألباني ج1، ص 135). ويظل الأصل في سياسة النَّاس وتربيتهم من خلال دائرة التَّعريف باللُّطف لا العنف فكما ورد في الشَّمائل النَّبوية أنَّه "ما ضرب بيده صلى الله عليه وسلم أحداً قط إلا أن يضرب في سبيل الله تعالى وما انتقم في شيء صنع إليه إلا أن تنتهك حرمة الله، وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم فيكون أبعد النَّاس من ذلك".

الرِّفق في التَّعليم أصل التربية.وعندما تُصبح القسوة أساس التَّأديب تتحول المدارس إلى مؤسسات لتحطيم العزَّة في النُّفوس وتحويل النَّاس إلى مجرد أتباع بلا رأي فيصبحون كجسد بلا رأس ويتحول التَّأديب إلى تعذيب والتَّعليم إلى تحطيم. وليس بِخَافٍ على الأحرار أنَّه في بعض دول العالم الإسلامي أصبح الخطاب بأسلوب العقاب والإرهاب من الوسائل السِّياسية في توجيه الشُّعوب. لقد ربط ابن خلدون في نقاشه بين العقاب البدني الشَّديد وبين الشُّعوب الذَّليلة وكأنَّه يتحدَّث عن علم الإجتماع السِّياسي من منظور التَّربية الإسلامية، ومَن يتأمل المُقدِّمة قد يجد أنَّ مِن أجمل ما تم تأصيله في هذا الباب هو "وذلك أنَّ إرهاف الحد في التَّعليم مضرٌ في المتعلم سِيَّما في أصاغر الولد لأنَّه من سوء المَلكة. ومَنْ كان مُرَباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النَّفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخُبث وهو التَّظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخُلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتَّمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل وكسلت النَّفس عن إكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السَّافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف...فينبغي للمعلم في مُتَعلمه، والوالد في ولده أن لا يستبد عليهم في التَّأديب".

قد يظن البعض أنَّ علم النَّفس التَّربوي من العلوم العصرية والحق أنَّ رواد التَّربية الإسلامية منذ القِدم لهم لمسات نفسية واضحة في هذا الفن وبالأخص فيما يتَّصل بالنمو النَّفسي للطفل. كتب ابن سينا كتاب القانون في الطِّب وفي ذلك الكتاب تحدَّث عن تدبير الأطفال إذا انتقلوا من مرحلة الرَّضاعة إلى سن الصِّبا فيؤكد على أنَّ العناية يجب أن تنصرف إلى مراعاة أخلاق الصَّبي لحفظ الصِّحة للنَّفس والبدن معاً ولا يكون ذلك إلا بحفظ الصَّبي من الصَّدمات النَّفْسِية "من غضب شديد أو خوف شديد أو غم أو سهر وذلك بأن يتأمل كل وقت ما الذِي يشتهيه ويحن إليه فيقرب إليه وما الذي يكرهه فَيُنَحَى عن وجهه وفي ذلك منفعتان: أحدهما في نفسه بأن ينشأ من الطُُّفولة حَسن الأخلاق ويصير ذلك له مَلكة لازمة. والثَّانية لبدنه فإنَّه كما أنَّ الأخلاق الرَّديئة تابعة لأنواع سوء المزاج فكذلك إذا حدثت عن العادة استتبعت سوء المزاج المناسب له" (ص، 224).

 

مُناقشة التَّربية السِّياسية

أَصْلُ التَّربيةِ السِّياسية فِي الإِسْلامِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الأحْكامِ "مَقْصُودُهَا أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِذَلِكَ وَبِهِ أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَبِهِ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَعَلَيْهِ جَاهَدَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ"[122] وَبِهِ نادى المفكِّرُون، وعليه سار المعلمُون من المسلمِين عبر القرون وَبِهِ تحصل السَّعادة للنَّاسِ في الدَّارينِ.

 من الواضح أنَّ ابن خلدون لا يَفصل بين الدِّين والسِّياسة ولكن حماسه كمفكر للعمل السِّياسي بعد تجاربه القاسية قلَّ كثيراً. يمكننا أن نرى توجه ابن خلدون في البعد عن مَتاهات العمل السِّياسي في طرحه للموضوع بقوله أنَّ العلماء في سِلك التَّربية من بين سائر البشر ينبغي لهم أن يكونوا أبعد النَّاس عن السِّياسة ومذاهبها لأنهم معتادون النَّظر الفكري التَّجريدي المثالي أكثر من مطابقة الواقع. هذه القضية من القضايا المثيرة للجدل والنِّقاش إلى يوم النَّاس هذا. النَّاظر في حياة النَّاس يجد شواهد لشخصيات كثيرة كانت من أهل الخير والصَّلاح وبمجرد دخول البرلمان أو حلبة السِّيادة يتبدل الفرد منهم إلى إنسان له لسان معسول ولكنَّه لا يُطبِّق ما يقول، ويسير أينما سارت المصلحة الشَّخصية ولكن هل هذه الحالات الفردية حُجَّة لتقرير فكرة الإحجام عن خوض السِّياسة ليترأسها أهل الأهواء؟ هل يمكن لأهل السِّياسة أن يقوموا بصنع القرار من غير الرجوع إلى أهل العلم؟ يبدو أنَّ ابن خلدون كان يصف في ذلك الفصل من كتاب المقدِّمة الواقع الذي عاشه في زمانه لا المبدأ الذي يؤمن به في فلسفته.

بعض الذين عملوا في السِّياسة لمدة سنين طويلة ثمَّ اعتزلوها وتحولوا للعمل في حقل الفِكر والتَّعليم وصرفوا طاقاتهم في هذا السَّبيل يؤمنون بعد عناء التَّجارب القاسية بأنَّ الإصلاح السِّياسي يجب أن يَسبقه الإعداد التَّربوي الفكري ليستند إليه وهي للعالِم أسلم في نتائجها من العمل السِّياسي الذي يعج بالتَّقلبات (المبارك، 1970 م، ص 23).

عندما نقرأ معالم النَّظرية السِّياسية عند ابن خلدون وخاصة عندما يتحدَّث عن نظام الحِسْبَة سنلاحظ أنَّ الدَّولة المسلمة عليها أن تتحمل مسئولية إرشاد عامَّة النَّاس على مقتضى النَّظر الشَّرعي في مصالحهم كلها سواء المصالح الدُّنيوية أو المصالح الأُخروية وبما أنَّ الدُّنيا مزرعة الآخرة فإنَّ المصالح مُتشابكة متداخلة. ولسلامة التَّفكير والتَّنفيذ السِّياسي فإنَّ ابن خلدون يُقرِّر أنَّ مُهمة الدَّولة ووظيفتها تتحَدَّد في الدَّرجة الأولى بحراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا به. وهو كأي مُفكر مسلم أصيل يؤمن بأنَّ حراسة الدِّين لا تتم إلا بدعامة الأمر بالمعروف ودعامة النَّهي عن المنكر وسياسة الدُّنيا تتم بتطبيق مكارم الأخلاق الدِّينية في إدارة البلاد وتصريف الأمور. هكذا نجد ابن خلدون يبدأ وينتهي مع مقاصد الدِّين وهذه طبيعة الفكر الإسلامي في السِّياسة والاقتصاد والتَّربية وسائر الميادين فلا قِوام له إلا به ولا ينطلق إلا منه.

كتب ابن خلدون في المقدمة "الفصل الحادي والثلاثون" عن الحِسبة فقال"هي وظيفة دينية، من باب الأمر في المعروف والنَّهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يُعيَّنُ لذلك من يراه أهلاً له، فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر، ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع في المضايقة في الطرقات ومنعِ الحمالين وأهل السُّفنِ من الإكثار في الحملِ".

وتقوم فلسفة السِّياسة عنده على العلم والإيمان والعدل. والعِبرة الكبرى من دراسة التَّارِيخ تظل في أنَّ زوال الأمم إنَّما هي عاقبة الظُّلم. يجب أن تقوم التَّربية ببيان خطر الظُّلم وأنَّه لا يدوم مهما طال الزَّمان وأنَّ عاقبة الظَّالم ستكون بلا شك عاقبة أليمة. كشف القرآن الكريم في كثير من المواطن وخاصة في قصص سيِّدنا موسى عليه السَّلام مع فرعون وعصبته حقيقة الطُّغيان وآثاره على المجتمع وكيفية الإصلاح وعاقبة الظَّالمين لأنَّ في دراستها تربية ووقاية للأمم كي تقف سداً منيعاً أمام طوفان الظُّلم. العدل هو المنبع الأول للحياة الكريمة. هذه التَّربية السِّياسية هي من صميم التَّربية القرآنية. لم يكتف ابن خلدون ببيان مناهل الخير بل إنَّه أتبع ذلك ببيان المهالك كي يحذر منها العاقل.

ومن روائع التُّراث الإنساني وقواعد الاجتماع السِّياسي ما قاله أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة فَتَاوِيْهِ: "فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: "{اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً}" (ج 28، ص 60).

مِن أجل تربية مواطن عاقل غير غافلٍ، وفي ظل غياب العدالة مع تضييق على الحرِّيات فمن الحكمة اليوم أن ينادي رواد التَّربية وأجهزة التَّثقيف بربط مؤسسات التَّعْلِيْم بالقضايا السِّياسية كلما دعت الحاجة كي يتدرب المتعلِّم على المشاركة الإيجابية بحصيلة ثرية ورؤية متعمقة للحقوق والواجبات الدُّستورية. تؤكد التَّربية الحديثة على أنَّ هناك علاقة تبادلية واضحة بين الحياة الكريمة وبين وجود الحرِّيات السِّياسية في المجتمع كما أنَّ العلاقة أيضاً واضحة ومُتبادلة بين إزدهار المعرفة والصَّنائع وبين سعة مساحة الحقوق الإنسانية التي يمارسها المواطن في بلده ومن يقارن الجامعات العربية بالجامعات الغربية يعرف طبيعة وأهمية تلك العَلاقة الضَّرورية.

 

الرِّحلة في طلب العلم

الرِّحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التَّعْلِيْم والسَّبب في ذلك كما يقول ابن خلدون "أنَّ البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علماً وتعليماً وإلقاءً، وتارة محاكاة وتلقيناً بالمباشرة إلا أنَّ حصول الملكات عن المباشرة والتَّلقين أشد استحكاماً وأقوى رسوخاً فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها" (المقدِّمة ص 508). ويقول أنَّ الطَّالب في الرِّحلة وعند لقاء العلماء "يُصحح معارفه ويميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتَّلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم. وهذا لمن يسَّر الله عليه طُرق العِلم والهداية. فالرِّحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال".

رحلات ابن خلدون ونضاله من أبلغ الأمثلة لأهمية الرِّحلة في الحضارة الإسلامية فهو الذي طاف ورحل إلى الآفاق، وأقام في دول المغرب العربي، والأندلس، ومصر، والشَّام فعمل عند السُّلطان أبي عنان ثم أبي سالم في فاس وعمل سفيراً عند ابن الأحمر في غرناطة وعيَّنه السُّلطان برقوق قاضياً للمالكية في مصر، وقربه تيمور لنك في دمشق. وهكذا عمل وانتصب للتَّدريس في ثلاث قارات وهي أفريقيا وأوربا وآسيا وهذا كله يدل دلالة قاطعة على وجود ثقافة إسلامية واسعة مباركة أتاحت للنَّاس حرية كافية للحركة. وفي كتابه العبر غُرُّ القصائد يمدح فيها بعض الأمراء ويصف أوضاعهم.

 

تمحيص الرِّوايات التَّارِيخِية

عظَّم ابن خلدون من شأن دراسة التَّارِيخ ووهب نفسه لكتابة فوائد وقواعد إنسانية استنبطها من تأملاته التَّارِيخِية النّاقدة كما نادى بتجريد الأخبار من خلال تمييز السَّقيم من الصَّحيح وفق معايير ثابتة. التَّارِيخ فنٌّ عزيز المذهب شريف الغاية عند ابن خلدون إذ أنَّ غاية دراسة التَّارِيخ الإقتداء بسيرة السَّلف والاهتداء بالنُّور الذي اتَّبعوه. يوقفنا التَّارِيخ على أحوال الماضيين من المجتمعات ويبين لنا الأخلاق الكريمة الهادية للخير. ورغم اقراره بأهمية السَّند في قبول الرِّوايات إلا أنَّه أشار إلى أهمية نقد المتون فصِدق الرَّاوي لا يعني قبول الرِّواية إذ أنَّ الرِّواية ينبغي أن لا تصطدم مع المعطيات التَّارِيخِية والعقلية القرينة بالرِّواية. دافع في بداية مقدِّمته عن الخليفة هارون الرَّشيد وفنّد الأباطيل التي نُسبت له وانتهى إلى أنَّ هارون كان عابداً مُجاهداً.

وعن كيفية ردّ الأخبار المستحيلة التَّصديق يقول في بداية المقدِّمة يُروى أن "الإسكندر لما صدَّته دواب البحر عن بناء الإسكندرية وكيف اتخذ تابوت الخشب وفي باطنه صندوق الزُّجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتى كتب صور تلك الدَّواب الشَّيطانية التي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنية ونصبها حذاء البنيان ففرت تلك الدَّواب حين خرجت وعاينتها وتم له بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قِبَلِ اتخاذه التَّابوت الزُّجاجي ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ومن قِبَلِ أنَّ الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرر ومن اعتمده منهم فقد عرض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع النَّاس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ينتظرون به رجوعه عن غروره ذلك طرفة عين ومن قِبَلِ أنَّ الجن لا يعرف لها صور ولا تماثيل تختص بها إنما هي قادرة على التَّشكل وما يذكر من كثرة الرُّؤوس لها فإنما المراد البشاعة والتّهويل لا أنه حقيقة. وهذه كلها قادحة في تلك الحكاية. والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كله. وهو أنَّ المنغمس في الماء ولو كان في الصَّندوق يضيق عليه الهواء للتَّنفُّس الطّبيعي وتسخن روحه بسرعة لقلته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرّئة والرُّوح القلبي ويهلك مكانه. وهذا هو السَّبب في هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء البارد والمتدلين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤه بالعفونة ولم تداخلها الرِّياح فتخلخلها فإنَّ المتدلي فيها يهلك لحينه. وبهذا السَّبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإنَّ الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ هو حار بإفراط والماء الذي يعدله بارد والهواء الذي خرج إليه حار فيستولي الحار".

يقول ابن خلدون في بداية مقدمته عن فلسفته في كتابة التَّارِيخ وما ينبغي أن يلتفت إليه المؤرخ في عمله:

"في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتَّغلب والكسب والمعاش والصَّنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب.

 اعلم أنَّه لما كانت حقيقة التَّارِيخ أنَّه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التَّوحش والتَّأنس والعصبيات وأصناف التَّغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدُّول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصَّنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه. فمنها التشيعات للآراء والمذاهب فإنَّ النَّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقَّه من التَّمحيص والنَّظر حتى تتبين صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتَّشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتَّمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثِّقة بالنَّاقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التَّعديل والتَّجريح. ومنها الذُّهول عن المقاصد فكثير من النَّاقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ومنها توهم الصِّدق وهو كثير وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثِّقة بالنَّاقلين. ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التَّلبيس والتَّصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتَّصنع على غير الحق في نفسه. ومنها تقرب النَّاس في الأكثر لأصحاب التَّجلَّة والمراتب بالثَّناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذِّكر بذلك فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة فالنُّفوس مولعة بحب الثَّناء والنَّاس متطلعون إلى الدُّنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضاً وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران فإنَّ كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فِعلاً لا بدَّ له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا السَّامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك تمحيص الخبر على تمييز الصِّدق من الكذب وهذا أبلغ في التَّمحيص من كل وجه يعرض. وكثيراً ما يعرض للسَّامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم".

عالج ابن خلدون في كتابه المقدمة التَّارِيخ كموضوع ونسق عضوي واحد، كموضوع له كيانه وقسماته، فأخذ يتفحص القواعد العامَّة ويستلهم العِبر دون الخوض في التَّفاصيل التَّارِيخِيَّة وتسلسل الأحداث أما في كتابه العِبر فأخذ بمنهج سرد الأحداث التَّارِيخِيَّة بدقة وتتبع التَّفاصيل وهكذا درس التَّارِيخ الإنساني بالمنهجين:

الموضعي التَّفكيكي.

الموضوعي التَّركيبي.

درس ابن خلدون أحداث ومعطيات التَّارِيخ كجزئيات وكليات فكانت كتاباته تجمع بين خطوط فِكْرِيَّة متنوعة تجمعت في مكان واحد ويعتبره كثير من الباحثين كالنَّهر العميق المتدفق. لقد ساهم هذا النَّهر الهادر عبر الدُّهور في تنمية الوعي التَّارِيخي وفق تحليلات واستنباطات علمية عملية.

 

مُناقَشات سياسية

بدأت عناية الغرب العملية بكتابات ابن خلدون مع بداية الاستعمار الغربي للشَّرق فنهض الباحثون في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بترجمة كتب ابن خلدون لفهم المجتمعات المسلمة اجتماعياً بغرض إخضاع الشُّعوب لهيمنتها. ولهذا تضاربت أقوالهم في تقييم ذلكم التُّرَاث. هذا ولقد فهم الباحثون في الإتحاد السُّوفيتي أنَّ كتابات ابن خلدون تصب في خانة الفِكر الإشتراكي لنزعته المادية وتحليله للعناصر الاقتصادية والسِّسيولوجية في فهم التَّغيرات التَّارِيخِية ومن ثمَّ تلقف بعض أبناء جلدتنا من العَلمانيين اللادينيين كتابات ابن خلدون في بلادنا وأخذوا يدرسون تراثه ويحرِّفون الكلم عن مواضعه ويعدلون به عن القصد جهلاً أو تجاهلاً كي يكون على مقتضى نظريتهم. والحق أنَّ الباحث الجاد يعلم يقيناً أنَّ ابن خلدون نفسه لم يناد بالإفك الفكري الذي ينادون به من عزلِ الدِّين عن شئون الدَّولة فالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة يفخر به ابن خلدون القاضي المالكي.

شأنه شأن أفذاذ المفكرين لم يسلم ابن خلدون من تطاول الطَّاعنين عليه في بعض أفكاره الأصيلة أو التي تأثر بها من تراث اليونان على أنَّ قول التَّعديل في حقه أكثر من التَّجريح فكتبه مُقنعة نافعة وهو صاحب فكر متين، وعلم مبين وليس من شرط المفكر في الإسلام أن يسلم من الزَّلل أو من نقد النَّاقدين.

في عام 1989م نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي مجموعة أبحاث في إسلامية المعرفة منها ورقة لعبد الحميد أبو سليمان بعنوان "مفاهيم في إعادة منهجية الفكر الإسلامي المعاصر". ويرى الباحث أنَّ اهتمام المسلمين وحفاوتهم بابن خلدون جاءت إثر حفاوة الغرب به. وعن مقدمة ابن خلدون رغم عمقها وعظمتها يقول الباحث "إنَّ جانب التأثير الشَّرعي والغاية الشَّرعية فيه ضعيفة، فلا تبدو للكتاب غاية إسلامية إصلاحية مباشرة كما في عمل ابن تيمية، بل إنَّ دراسة ابن خلدون لم تلتزم بالمبادئ الإسلامية العامة وتجاوزتها، دون تحرير، حتى ليصدمك على سبيل المثال اللَّمسة العنصرية التي تبدو في أحكام ابن خلدون في الحديث عن بعض الشُّعوب وانحطاطها عنده بالطَّبع" (ص 51). وهذا الذي وقع فيه ابن خلدون من تهميش للعرب ناتج من العصر الذي عاشه فهو مليء بالفتن كما جاء في تحليل الباحث. وهذا تحليل غير مُسلّم به عند كثير من الباحثين وقد تكون قراءة نقدية لا تسلم من النَّقد لاشتمالها على نقاط انطلاق غير مُتَّفق عليها فابن خلدون عندما تحدَّث عن انحطاط الطَّبع العربي يحتمل كلامه عدَّة معانٍ فلعله كان يقصد انحطاط الأعراب أو عصور عربية معينة درسها أو العرب في حال بُعدهم عن الشَّرع الذي هو أساس ملكهم على قاعدة عمر بن الخطاب رَضِي اللهُ عَنْهُ الذي قال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزَّ بغير الإسلام، أذلنا الله.

ومهما يكن الأمر فإنَّ الباحثين اختلفوا في فهم كلام ابن خلدون فيما يتصل بإِشْكَالِيَّة انحطاط العرب ويمكن أن تكون المشكلة قائمة بسبب عدم معرفتنا لمراد ابن خلدون وهل انحطاط العرب قياس مطّرد أم إخبار عن واقع أصاب العرب بعد الخلافة الرَّاشدة؟

من كلام ابن خلدون الذي فيه إشكال يمس التَّربية الرُّوحية قوله "ومن هؤلاء المريدين من المتصوفة قوم بهاليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصِّديقين وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذُّوق مع أنهم غير مكلفين. ويقع لهم من الإخبار عن المغيبات عجائب لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما يُنكر الفقهاء أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التَّكليف عنهم والولاية لا تحصل إلا بالعبادة وهو غلط فإنَّ فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها. وإذا كانت النَّفس الإنسانية ثابتة الوجود فالله تعالى يخصها بما شاء من مواهبه" (ص 71). نظن أنَّ هذه العبارات الخلدونية لا تتَّسق مع منهجه في النَّقد العلمي ولا تصمد مع التَّمحيص. ومن العِبارات الغريبة قول ابن خلدون في مُقدِّمته "الفصل الرابع والعشرون" إذ قال "إنَّما تُذعن للرِّقِّ في الغالب أمم السُّودان لنقص الإنسانية فيهم وقربهم من عرض الحيوانات العُجم" وفي الفصل الرابع نرى وصفاً للسودان بالخِفة والطَّيش وكثرة الطَّرب. والسؤال هو إلى أي مدى لعب التُّراث دوراً في تبرير الاستبداد المستمر؟

 

مُناقَشات تَربوية

ذكر د. علي عبدالواحد وافي في تحقيقه لمقدمة ابن خلدون أنَّ التربية الحديثة وخاصة مدرسة الجشطالت في علم النَّفس ترى أنَّ تعليم الطِّفل الكتابة عن طريق الكلمات والجمل أفضل من تعليمه الحروف فالحرف لا مدلول له والعقل البشري ينتقل بطبيعته من إدراك الكل إلى إدراك الجزء. يعتقد علي عبدالواحد وافي أنَّ ابن خلدون أخطأ في تفضيله الطَّريقة السَّائدة في مصر قديماً وهي تعليم الطِّفل الكتابة عن طريق تعليمه الحروف أي إدراك الجزء ثم الكل.

رأينا المُتواضع في هذه المسألة أنَّ التَّربية مَبنية على مساحة واسعة من النِّسبية وخاصة في طُرق التَّعلم وأمثل الطُُّرق في ذلك، فلكل طفل طريقة تُناسبه ولكل معلم مَذهبه الذي يُحب التَّدريس فيه. الذي نراه أنَّ القول بأنَّ ابن خلدون أخطأ في هذه المسألة عبارة غير دقيقة لأنَّ لكلِ طريقة تربوية إيجابياتها وسلبياتها أو على أقل تقدير لا بد لتطبيق أي طريقة تعليمية أنْ تواجهها بعض التَّحديات. هذا الأمر الذي وسِع أهل مصر قديماً واتبعه بعض الأمم حديثاً لا يخلو من الإيجابيات وكذلك طريقة الجشطالت وهي طريقة إدراك الكل أولاً ثمَّ الأجزاء فيها الكثير من الإيجابيات ولقد اتَّبعها أهل المغرب والأندلس في زمن ابن خلدون وذلك في تعلم الخط والكتابة.

 

دروس وعبر

من الواضح أنَّ المضامين التَّربوية في كتابات ابن خلدون تدور حول طبيعة الاجتماع البشرى وهي محاولة علمية جادة لتحليل الإنسان في نسق الجماعة وأنشطته من منظور تاريخي واجتماعي ونفسي وديني وفلسفي واقتصادي. الكثير من المبادئ التي أشار إليها ابن خلدون يمكن اعتبارها دون مبالغة من النَّتائج العِلْمِية العصرية التي تُثبتها الدِّراسات الأنثروبولوجية والتَّجارب النَّفْسِية وهو الأمر الذي يدل على سبق علماء المسلمين في الكثير من الميادين العِلْمِية والعملية. دراسة حياة وآثار ابن خلدون تكشف لنا أنَّه رغم اختلاف أنماط التَّعْلِيْم في البقاع الإسلامية إلا أنّها تلتقي عند أصول دينية واحدة وأنَّ بلاد المسلمين رغم تفككها كانت وحدة واحدة يتنقل العلماء في أرجائها وينشرون علمهم بحُرِّية كبيرة.

من المؤكد أنَّ ابن خلدون تأمَّل السُّنن الإلهية في قيام وسقوط الأمم من آيات القرآن الكريم. قال تعالى "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً {62} " (سُوْرَةُ الأحزاب). وقال أيضاً "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا {16} (سُوْرَةُ الإسراء). وهناك الكثير من النُّصوص الإسلامية جاءت من أجل تحذير الإنسان من المبالغة في التَّرف والتَّنعم وفي مسند الإمام أحمد مسند الأنصار عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ". وهكذا يظل القرآن العظيم منبع المعرفة النَّافعة المُقنعة ومصدر العلوم الكريمة.

ويمكن ملاحظة عناية علماء المسلمين بالعلوم والصِّناعات حيث أفرد ابن خلدون في مُقدِّمته فصولاً خاصة تشرح فضل كل منها وتشرح أصولها ومن تلك الفنون الأعمال المهنية اليدوية كما أنَّه اعتبر التَّعْلِيْم صنعة عظيمة لها أُسسها وتطبيقاتها وروَّادها. يرى ابن خلدون أنَّ صنعة التَّعْلِيْم من الصَّنائع التي يجب الإحاطة بأصولها كي يتمكن المُعَلِّم من أداء عمله بإتّقان ويقول إنَّ "الحذق في العلم والتَّفنين فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلاً" (المقدِّمة، ص 396). تناول العلامة ابن خلدون وصف طرائق التَّعْلِيْم في الأندلس وبلاد المسلمين الأخرى شرقاً وغرباً وضمن تدوينه لمناهج التَّعْلِيْم انتقد سلبية التَّلاميذ الذين لا يشاركون المجالس العِلْمِيَّة بالنِّقاش ويكتفون بالاستماع كما عاب على من يهتم بالعناية بحفظ العلوم من دون فهم لها فإنَّ الأمة المسلمة أمة رِواية ودِراية والمسلمون للعلوم رعاة ورواة.

قد تنهزم الأمّة عسكرياً وقد تسقط وتنحط في ميادين كثيرة ولكن عطاءها الفكري لا ينضب فها هو ابن خلدون في أفول الحضارة الإسلامية يُقدِّم للبشرية سِفره القيم "المقدِّمة". قد تسقط وتتعثر وتتأخر التَّطبيقات العملية لقيم الحضارة الإسلامية أو بعضها في بعض المجتمعات أو بعض الأوقات ولكن تظل تلك المُثل دائماً ثابتة كالجبال الرَّاسية تنتظر الجيل الذي يعيدها إلى الحياة من جديد لتستأنف مسيرتها كخير أمة أخرجت للناس.

إنَّ خبر تاريخ الاجتماع الإنساني يرشدنا إلى أنَّ الأيام دول وأنَّ الحضارة المسلمة قد ضعفت ولكنها لم ولن تنقرض فقد تغيب ولكن لا تموت بمعيار السُّنن التَّارِيخِية فالدَّورة الحضارية سجال وما أن تنهي الأمة دورتها حتى تبدأ دورة جديدة إذا سعت في تطبيق فن صِناعة الحضارة والتزمت بشروط النَّهضة والله سبحانه غالب على أمره فلا يمنعه شيءٌ من إنجاز وعده للعاملين. 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws
GridHoster Web Hosting
1