]الفَصْلُ الثَّالِث: مُخْتَارَات[

ابن مسكويه

المقالة الثانية "الخلق"

ابن سينا

سياسة الرَّجل ولده

الماوردي

في أدب النَّفس

ابن تيمية

حقوق المعلم وواجباته

طلب العلم وحفظ القرآن

ابن قيم الجوزية

تربية الطِّفل

التَّربية الجهادية

ابن خلدون

في تعليم الوِلدان, واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه

 

ابن مِسكَويه

أحمد بن محمد بن يعقوب

(325 - 421 هـ = 935 – 1030 م)

 

المقالة الثَّانية "الخُلُق"

الخُلُق حال للنَّفس داعية لها إلى أفعالها من غير فِكرٍ ولا رَوية وهذه الحال تنقسم إلى قِسمين منها ما يكون طبيعياً من أصل المزاج كالإنسان الذي يحرِّكه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب. وكالإنسان الذي يَجبُن من أيسر شيء كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه أو يرتاع من خبر يسمعه. وكالذي يضحك ضحكاً مفرطاً من أدنى شيء يعجبه وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله.

ومنها ما يكون مُستفاداً بالعادة والتَّدرب وربما كان مبدأه بالرَّوية والفِكر ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً.

ولهذا اختلف القدماء في الخلق، فقال بعضهم الخلق خاص بالنَّفس غير النَّاطقة، وقال بعضهم قد يكون للنَّفس النَّاطقة فيه حظ.

ثم اختلف النَّاس أيضاً اختلافاً ثانياً فقال بعضهم مَن كان له خلق طبيعي لم ينتقل عنه، وقال آخرون ليس شيء من الأخلاق طبيعياً للإنسان ولا نقول أنَّه غير طبيعي. وذلك أنا مطبوعون على قبول الخُلق بل ننتقل بالتَّأديب والمواعظ إما سريعاً أو بطيئاً. وهذا الرَّأي الأخير هو الذي نختاره لأنا نشاهده عياناً ولأن الرَّأي الأول يؤدي إلى إبطال قوة التَّمييز والعقل وإلى رفض السَّياسات كلها وترك النَّاس همجاً مهملين وإلى ترك الأحداث والصِّبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم وهذا ظاهر الشَّناعة جداً.

وأما الرِّواقيون[75] فظنَّوا أنَّ النِّاس كلهم يخلقون أخياراً بالطَّبع ثم بعد ذلك يصيرون أشراراً بمجالسة أهل الشَّر والميل إلى الشَّهوات الرَّديئة التي لا تقمع إلا بالتَّأديب فينهمك فيها ثم يتوصل إليها من كل وجه ولا يفكر في الحسن منها والقبيح.

وقوم آخرون كانوا قبل هؤلاء ظنوا أنَّ النَّاس خلقوا من الطِّينة السّفلي وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطَّبع. وإنما يصيرون أخياراً بالتَّأديب والتَّعْلِيْمِ إلا أنَّ فيهم من هو في غاية الشَّر لا يصلحه التَّأديب، وفيهم من ليس في غاية الشَّر فيمكن أن ينتقل من الشَّر إلى الخير بالتَّأديب من الصِّبا ثم بمجالسة الأخيار وأهل الفضل.

فأمَّا جالينوس فإنَّه رأى أنَّ النَّاس فيهم من هو خير بالطَّبع وفيهم من هو شرِّير بالطَّبع وفيهم من هو متوسط بين هذين. ثم أفسد المذهبين الأولين اللَّذين ذكرناهما.

أما الأول فبأن قال إن كان كل النَّاس أخياراً بالطَّبع وإنما ينتقلون إلى الشَّر بالتَّعْلِيْم فبالضَّرورة إما أن يكون تعلمهم الشُّرور من أنفسهم وإما من غيرهم. فإن تعلموا من غيرهم فإنَّ المُعَلِّمين الذين علموهم الشَّر أشرار بالطَّبع. فليس النَّاس إذن كلهم أخياراً بالطَّبع.

وإنْ كانوا تعلموه من أنفسهم فإما أن يكون فيهم قوة يشتاقون بها إلى الشَّر فقط فهم إذاً أشرار بالطَّبع وإما أن يكون فيهم مع هذه القوة التي تشتاق إلى الشَّر قوة أخرى تشتاق إلى الخير إلا أن القوة التي تشتاق إلى الشَّر غالبة قاهرة للتي تشتاق إلى الخير وعلى هذا أيضاً يكونون أشراراً بالطَّبع.

وأمَّا الرَّأي الثَّاني فإنه أفسده بمثل هذه الحجة. وذلك أنَّه قال إنْ كان كل النَّاس أشراراً بالطَّبع فإمَّا أن يكونوا تعلموا الخير من غيرهم أو من أنفسهم ونعيد الكلام الأول بعينه. ولما أفسد هذين المذهبين صحَّح رأي نفسه من الأمور البينة الظَّاهرة وذلك أنه ظاهر جداً أنَّ من النَّاس من هو خير بالطَّبع وهم قليلون وليس ينتقل هؤلاء إلى الشَّر ومنهم من هو شرِّير بالطَّبع وهم كثيرون وليس ينتقل هؤلاء إلى الخير. ومنهم من هو متوسط بين هذين وهؤلاء قد ينتقلون بمصاحبة الأخيار ومواعظهم إلى الخير وقد ينتقلون بمقاربة أهل الشَّر وإغوائهم إلى الشَّر.

وأمَّا أرسطو طاليس فقد بين في كتاب الأخلاق وفي كتاب المقولات أيضاً أنَّ الشِّرير قد ينتقل بالتَّأديب إلى الخير. ولكن ليس على الإطلاق لأنَّه يرى أنَّ تكرير المواعظ والتَّأديب وأخذ النَّاس بالسِّياسات الجيدة الفاضلة لا بد أن يؤثر ضروب التَّأثير في ضروب النَّاس فمنهم من يقبل التَّأديب ويتحرك إلى الفضيلة بسرعة ومنهم من يقبله ويتحرك إلى الفضيلة بإبطاء. ونحن نؤلف من ذلك قياساً وهو هذا: كل خُلُق يمكن تَغييره. ولا شيء مما يمكن تغيره هو بالطَّبع. فإذاً لا خلق ولا واحد منه بالطَّبع. والمقدِّمتان صحيحتان والقياس منتج في الضَّرب الثَّاني من الشَّكل الأول. أما تصحيح المقدمة الأولى. وهي أنَّ كل خلق يمكن تغيره فقد تكلمنا عليه وأوضحناه وهو بيِّن من العيان ومما استدللنا به من وجوب التَّأديب ونفعه وتأثيره في الأحداث والصِّبيان ومن الشَّرائِع الصَّادقة التي هي سياسة اللّه لخلقه.

وأما تصحيح المقدمة الثَّانية وهي أنَّه لا شيء مما يمكن تغيره هو بالطَّبع فهو ظاهر أيضاً. وذلك أنَّا لا نروم تغيير شيءٍ مما هو بالطَّبع أبداً. فإنَّ أي أحد لا يروم أن يغير حركة النَّار التي إلى فوق بأن يعودها الحركة إلى أسفل ولا أن يعوِّد الحجر حركة العلو يَروم بذلك أن يغير حركة الطَّبيعة التي إلى أسفل. ولو رامه ما صحَّ له تغيير شيءٍ من هذا ولا ما يجري مجراه أعني الأمور التي هي بالطَّبع فقد صحت المقدِّمتان وصحَّ التَّأليف في الشَّكل الأول وهو الضَّرب الثَّاني منه وصار برهاناً.

فأمَّا مراتب النَّاس في قبول هذه الآداب التي سميناها خلقاً والمسارعة إلى تعلمها والحرص عليها فإنَّها كثيرة وهي تُشاهد وتُعاين فيهم وخاصة في الأطفال فإن أخلاقهم تظهر فيهم منذ بدء نشأتهم لا يسترونها بروية ولا فِكر كما يفعله الرَّجل التَّام الذي انتهى في نشؤه وكماله إلى حيث يعرف من نفسه ما يستقبح منه فيُخفيه بضروب من الحيل والأفعال المضادة لما في طبعه: وأنت تتأمل من أخلاق الصِّبيان واستعدادهم لقبول الأدب أو نفورهم عنه أو ما يَظهر في بعضهم من القحة[76] وفي بعضهم من الحياء وكذا ما ترى فيهم من الجود والبخل والرَّحمة والقسوة والحسد وضدّه من الأحوال المتفاوتة ما تعرف به مراتب الإنسان في قبول الأخلاق الفاضلة وتعلم معه أنهم ليسوا على رتبة واحدة وأن فيهم المتواني والممتنع والسَّهل السَّلس والفَظُّ[77] العسر والخيِّر والشِّرير. والمتوسطّون بين هذه الأطراف في مراتب لا تحصى كثرة وإذا أهملت الطِّباع ولم ترض بالتَّأديب والتَّقويم نشأ كل إنسان على سوء طباعه وبقي عمره كله على الحال التي كان عليها في الطُّفولة وتبع ما وافقه في الطَّبع. إما الغضب وإما اللَّذة و إما الزَّعَارَّةُ [78] و إما الشَّره و إما غير ذلك من الطِّباع المذمومة.

الشَّرِيعة: والشَّرِيعة هي التي تقوِّم الأحداث وتعوِّدهم الأفعال المرْضيَّة وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السَّعادة الإنسية للفكر الصَّحيح والقياس المستقيم وعلى الوالدين أخذهم بها وسائر الآداب الجميلة بضروب السِّياسات من الضّروب إذا دعت إليه الحاجات أو التَّوبيخات إن صدتهم أو الأطماع في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الرَّاحات أو يحذرونه من العقوبات. حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدَّة من الزَّمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا براهين ما أخذوه تقليداً وينبهوا على طرق الفضائل واكتسابها والبلوغ إلى غاياتها بهذه الصِّناعة التي نحن بصددها والله الموفق".


ابن سينا

أبو علي الحسين بن عبدالله

(370 – 429 هـ =980 – 1037م)

سياسة الرَّجل ولده

حق الولد على والديه     

من كتابه السياسة

إن من حق الولد على والديه إحسان تسميته، ثم اختيار ظئره[79]، كي لا تكون حمقاً ولا ورهاء[80] ولا ذات عاهة، فإنَّ اللبن يُعدي كما قيل. فإذا فطم الصَّبي عن الرّضاع بدئ بتأديبه، ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، وتفاجئه الشِّيم الذميمة، فإِنَّ الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق، وتنثال عليه الضرائب[81] الخبيثة فما تمكَّن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقة ولا عنه نزوعاً، فينبغي لغنم الصبي أن يجنبه مقابح الأخلاق، وينكب عنه معايب العادات بالترهيب والترغيب، والإيناس والإيحاش، وبالإعراض والإقبال، وبالحمد مرة وبالتوبيخ أخرى ما كان كافياً فإن احتاج إلى الاستعانة باليد لم يحجم عنه. وليكن أول الضرب قليلاً مُوجعاً كما أشار به الحكماء قبل، بعد الإرهاب الشَّديد وبعد إعداد الشُّفعاء فإنَّ الضَّربة الأولى إذا كانت موجعة ساء ظن الصبي بما بعدها، واشتد منها خوفه، وإذا كانت الأولى خفيفة غير مؤلمة حسُن ظنّه بالباقي، فلم يحفل به.

فإذا اشتدت مفاصل الصَّبي واستوى لسانه وتهيَّأ التلقين ووعى سمعه، أُخذ في تعلُّم القرآن، وصوِّر له حروف الهجاء، ولقِّن معالم الدِّين.

وينبغي أن يروى الصَّبي الرجز ثمَّ القصيدة، فإنَّ رواية الرِّجز أسهل وحفظه أمكن، لأنَّ بيوته أقصر، ووزنه أخف.

ويبدأ من الشّعر بما قيل في فضل الأدب، ومدح العلم، وذمِّ الجهل، وعيب السخف، وما حثَّ فيه على برِّ الوالدين، واصطناع المعروف، وقري الضيف وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

وينبغي أن يكون مؤدب الصَّبي عاقلاً ذا دين، بصيراً برياضة الأخلاق، حاذقاً بِتخريج الصَّبيان، وقوراً رزيناً بعيداً من الخِفة والسخف، قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصَّبي غير كزٍ ولا جامد بل حلواً لبيباً ذا مروءة ونظافة ونزاهة، قد خدم سراة الناس، وعرف ما يتباهون به من أخلاق الملوك، ويتعايرون به من أخلاق السَّفلة، وعرف آداب المُجالسة وآداب المؤاكلة والمُحادثة والمُعاشرة.

وينبغي أن يكون مع الصَّبي في مكتبه صبية من أولاد الجِلَّة، حَسنة آدابهم، مرضيَّة عاداتهم، فإنَّ الصَّبي عن الصَّبي ألقن، وعنه آخذ، وبه آنس.

وانفراد الصَّبي الواحد بالمؤدِّب أجلب الأشياء لضجرهما، فإذا راوح المؤدِّب بين الصبي والصبي كان ذلك أنفى للسآمة، وأبقى للنشاط، وأحرص للصبي على التعلُّم والتخرج فإنه يُباهي الصبيان مرة، ويغبطهم مرة، ويأنف من القصور عن شأوهم مرة.

ثمَّ يحادث الصِّبيان والمحادثة تفيد انشراح العقل، وتحل منعقد الفهم، لأن كل واحد من أولئك إنما يتحدث بأعذب ما رأى، وأغرب ما سمع، فتكون غرابة الحديث سبباً للتعجب منه، والتعجب منه سبباً لحفظه، وداعياً إلى التحدث به.

ثمَّ أنهم يترافقون ويتعارضون[82] الزيارة، ويتكارمون، ويتعاوضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة والمحاكاة وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم، وتحريك لهمِّهم، وتمرين لعاداتهم.

وإذا فرغ الصَّبي من تعلم القرآن وحفظ أصول اللّغة، نظر عند ذلك إلى ما يُراد أن تكون صناعته فوجّه لطريقه، فإن أراد به الكتابة أضاف إلى دراسة اللّغة، دراسة الرَّسائل والخطب، ومُناقلات النَّاس، ومحاوراتهم وما أشبه ذلك وطُورح الحساب ودخل به الدِّيوان، وعني بخطه.

وإن أريد أخرى أخذ به فيها بعد أن يعلم مُدَبر الصَّبي أن ليس كل صناعة يرومها الصَّبي ممكنة له مؤاتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه. وأنَّه لو كانت الآداب والصِّناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملائمة إذن ما كان أحدٌ غفلاً من الأدب وعارياً من صناعة، وإذن لأجمع النَّاس كلهم على اختيار أشرف الآداب وأرفع الصِّناعات، ومن الدَّليل على ما قلنا سهولة بعض الأدب على قوم على قوم وصعوبته على آخرين ولذلك نرى واحداً من الناس تؤاتيه البلاغة، وآخر يؤاتيه النحو، وآخر يؤاتيه الشِّعر، وآخر يؤاتيه الخطب وآخر يؤاتيه النَّسب. ولهذا يُقال: بلاغة القلم وبلاغة الشِّعر. فإذا خرجت عن هذه الطَّبقة إلى طبقة أخرى، وجدت واحداً يختار علم الحساب، وآخر يختار علم الهندسة، وآخر يختار علم الطِّب وهكذا تجد سائر الطَّبقات إذا افتليتها طبقة طبقة حتى تدور عليها جميعاً.

ولهذه الاختيارات، وهذه المناسبات والمشاكلات أسباب غامضة وعلل خفيفة تدق عن أفهام البشر، وتلطف عن القياس والنظر لا يعلمها إلا الله جلّ ذكره.

وربما نافر طباع إنسان جميع الآداب والصَّنائع  فلم يعلق منها بشيء ومن الدَّليل على ذلك أنَّ أناساً من أهل العقل رامو تأديب أولادهم، واجتهدوا في ذلك، وأنفقوا فيه الأموال فلم يدركوا من ذلك ما حاولوا. فلذلك ينبغي لمدبر الصَّبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولاً طبع الصَّبي، ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعات بحسب ذلك، فإذا اختار له إحدى الصناعات تعرف ميله[83] إليها، ورغبته فيها، ونظر هل جرت منه على عرفان أم لا، وهل أدواته وآلاته مساعدة له عليها أم خاذلة، ثم يبت العزم فإنَّ ذلك أحزم في التَّدبير، وأبعد من أن تذهب أيام الصَّبي فيما لا يؤاتيه ضياعاً.

فإذا وغل الصَّبي في صناعته بعد الوغول، فمن التَّدبير أن يعرض للكسب[84]، ويُحمل على التعيُّش منها، فإنَّه يحصل في ذلك له منفعتان:

إحداهما، إذا ذاق حلاوة الكسب بصناعته، وعرف غناها وجداها عظيمين لم يضجع  في إحكامها، وبلوغ أقصاها.

والثَّانية، أنَّه يَعتاد طلب المعيشة قبل أن يستوطئ حال الكفاية، فإنّا قلَّ ما رأينا من أبناء المياسيير من سلم من الرّكون إلى مالِ أبيه، وما أعد له من الكفاية فما عوَّل على ذلك قطعه عن طلب المعيشة بالصناعة وعن التَّحلي بلباس الأدب، فإذا كسب الصبي بصناعته فمن التَّدبير أن يُزوَّج ويُفرد رِحاله[85].


الماوردي

على بن محمد بن حبيب البصري

(364 –450 هـ = 974 – 1058 م)

في أدبِ النَّفس

من كتابه أدب الدُّنيا والدِّين

اعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى شِيَمٍ مُهْمَلَةٍ، وَأَخْلاقٍ مُرْسَلَةٍ،‏ لا يَسْتَغْنِي مَحْمُودُهَا عَنْ التَّأْدِيبِ، وَلا يَكْتَفِي بِالْمُرْضِي مِنْهَا عَنْ التَّهْذِيبِ، لأنَّ لِمَحْمُودِهَا أَضْدَادًا مُقَابِلَةً يُسْعِدُهَا هَوًى مُطَاعٌ وَشَهْوَةٌ غَالِبَةٌ، فَإِنْ أَغْفَلَ تَأْدِيبَهَا تَفْوِيضًا إلَى الْعَقْلِ أَوْ تَوَكُّلاً عَلَى أَنْ تَنْقَادَ إلَى الأحْسَنِ بِالطَّبْعِ أَعْدَمَهُ التَّفْوِيضُ دَرَكَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَعْقَبَهُ التَّوَكُّلُ نَدَمَ الْخَائِبِينَ، فَصَارَ مِنْ الأدَبِ عَاطِلاً، وَفِي صُورَةِ الْجَهْلِ دَاخِلاً، لأنَّ الأَدَبَ مُكْتَسَبٌ بِالتَّجْرِبَةِ، أَوْ مُسْتَحْسَنٌ بِالْعَادَةِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ مُوَاضَعَةٌ ‏.‏ ‏

‏وَذَلِكَ لا يُنَالُ بِتَوْقِيفِ الْعَقْلِ وَلا بِالإنْقِيَادِ لِلطَّبْعِ حَتَّى يُكْتَسَبَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْمُعَانَاةِ، وَيُسْتَفَادَ بِالدُّرْبَةِ وَالْمُعَاطَاةِ.‏ ثُمَّ يَكُونُ الْعَقْلُ عَلَيْهِ قَيِّمًا وَزَكِيُّ الطَّبْعِ إلَيْهِ مُسَلِّمًا.‏ وَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ مُغْنِيًا عَنْ الأدَبِ لَكَانَ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَدَبِهِ مُسْتَغْنِينَ، وَبِعُقُولِهِمْ مُكْتَفِينَ.‏ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:‏ ‏{بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلاقِ}‏. وَقِيلَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏-‏ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلامُ ‏-‏:‏ مَنْ أَدَّبَك ؟‏ قَالَ:‏ مَا أَدَّبَنِي أَحَدٌ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ جَهْلَ الْجَاهِلِ فَجَانَبْتُهُ.‏ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:‏ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مَكَارِمَ الأخْلاَقِ وَمَحَاسِنَهَا وَصْلاً بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمْ، فَحَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَتَّصِلَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِخُلُقٍ مِنْهَا.‏ ‏‏وَقَالَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ:‏ مِنْ فَضِيلَةِ الأدَبِ أَنَّهُ مَمْدُوحٌ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَمُتَزَيَّنٌ بِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَبَاقٍ ذِكْرُهُ عَلَى أَيَّامِ الزَّمَانِ.

وَقَالَ مَهْبُودٌ:‏ شُبِّهَ الْعَالِمُ الشَّرِيفُ الْقَدِيمُ الأدَبِ بِالْبُنْيَانِ الْخَرَابِ الَّذِي كُلَّمَا عَلا سُمْكُهُ كَانَ أَشَدَّ لِوَحْشَتِهِ ‏وَبِالنَّهْرِ الْيَابِسِ الَّذِي كُلَّمَا كَانَ أَعْرَضَ وَأَعْمَقَ كَانَ أَشَدَّ لِوُعُورَتِهِ، وَبِالأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الْمُعَطَّلَةِ الَّتِي كُلَّمَا طَالَ خَرَابُهَا ازْدَادَ نَبَاتُهَا غَيْرَ الْمُنْتَفَعِ بِهِ الْتِفَافًا وَصَارَ لِلْهَوَامِّ مَسْكَنًا.‏

‏وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ:‏ مَا نَحْنُ إلَى مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى حَوَاسِّنَا مِنْ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ بِأَحْوَجِ مِنَّا إلَى الأدَبِ الَّذِي هُوَ لِقَاحُ عُقُولِنَا، فَإِنَّ الْحَبَّةَ الْمَدْفُونَةَ فِي الثَّرَى لا تَقْدِرُ أَنْ تَطْلُعَ زَهْرَتُهَا وَنَضَارَتُهَا إلا بِالْمَاءِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْهَا مِنْ مُسْتَوْدَعِهَا.‏ وَحَكَى الأصْمَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لابْنِهِ:‏ يَا بُنَيَّ الْعَقْلُ بِلا أَدَبٍ كَالشَّجَرِ الْعَاقِرِ، وَمَعَ الأدَبِ دِعَامَةٌ أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا الألْبَابَ، وَحِلْيَةٌ زَيَّنَ اللَّهُ بِهَا عَوَاطِلَ الأحْسَابِ، فَالْعَاقِلُ لا يَسْتَغْنِي وَإِنْ صَحَّتْ غَرِيزَتُهُ، عَنْ الأدَبِ الْمُخْرِجِ زَهْرَتُهُ، كَمَا لا تَسْتَغْنِي الأرْضُ وَإِنْ عَذُبَتْ تُرْبَتُهَا عَنْ الْمَاءِ الْمُخْرِجِ ثَمَرَتُهَا.‏ ‏

‏وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ:‏ الأدَبُ صُورَةُ الْعَقْلِ فَصَوِّرْ عَقْلَك كَيْفَ شِئْتَ.‏ وَقَالَ آخَرُ:‏ الْعَقْلُ بِلا أَدَبٍ كَالشَّجَرِ الْعَاقِرِ، وَمَعَ الأدَبِ كَالشَّجَرِ الْمُثْمِرِ.‏ وَقِيلَ الأدَبُ أَحَدُ الْمَنْصِبَيْنِ.‏ وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءُ:‏ الْفَضْلُ بِالْعَقْلِ وَالأَدَبِ، لا بِالأصْلِ وَالْحَسَبِ، لأنَّ مَنْ سَاءَ أَدَبُهُ ضَاعَ نَسَبُهُ، وَمَنْ قَلَّ عَقْلُهُ ضَلَّ أَصْلُهُ.‏ وَقَالَ بَعْضُ الأدَبَاءُ:‏ ذَكِّ قَلْبَك بِالأدَبِ كَمَا تُذَكَّى النَّارُ بِالْحَطَبِ، وَاِتَّخِذْ الأدَبَ غُنْمًا، وَالْحِرْصَ عَلَيْهِ حَظًّاً، يَرْتَجِيكَ رَاغِبٌ، وَيَخَافُ صَوْلَتَك رَاهِبٌ، وَيُؤَمِّلُ نَفْعَكَ، وَيُرْجَى عَدْلُك.‏

‏وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ:‏ الأَدَبُ وَسِيلَةٌ إلَى كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَذَرِيعَةٌ إلَى كُلِّ شَرِيعَةٍ.‏ وَقَالَ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ:‏ الأدَبُ يَسْتُرُ قَبِيحَ النَّسَبِ.‏ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءُ فِيهِ:‏

فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِثْلَ الْعُقُــولِ
وَمَا كَرَمُ الْمَرْءِ إلا التُّقَــى
وَفِي الْعِلْمِ زَيْنٌ لأهْلِ الْحِجَا


 

وَلا اكْـتَسَبَ النَّاسُ مِثْلَ الأدَبْ
وَلا حَسَبُ الْمَرْءِ إلاّ النَّسَــبْ
وَآفَةُ ذِي الْحِلْمِ طَيْشُ الْغَضَـبْ


وَأَنْشَدَ الأصْمَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:‏

وَإِنْ يَكُ الْعَقْلُ مَوْلُودًا فَلَسْتُ أَرَى ‏
إنِّي رَأَيْتُهُمَا كَالْمَاءِ مُخْتَـــلِطًا ‏
وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَتْهُ فِي مَوَالِـــدِهِ


 

ذَا الْعَقْـلِ مُسْتَغْنِيًا عَنْ حَادِثِ الأدَبْ ُ
بِالتُّرْبِ تَظْهَرُ مِنْهُ زَهْرَةُ الْعُشَـــبْ
غَرِيزَةُ الْعَقْلِ حَاكَى الْبُهْمَ فِي الْحَسَبْ


وَالتَّأْدِيبُ يَلْزَمُ مِنْ وَجْهَيْنِ:‏ أَحَدُهُمَا مَا لَزِمَ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ فِي صِغَرِهِ.‏ وَالثَّانِي مَا لَزِمَ الإنْسَانَ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ نُشُوئِهِ وَكِبَرِهِ.‏ فَأَمَّا التَّأْدِيبُ اللازِمُ لِلأبِ فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهُ بِمَبَادِئِ الآدَابِ لِيَأْنَسَ بِهَا، وَيَنْشَأَ عَلَيْهَا، فَيَسْهُلَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا عِنْدَ الْكِبْرِ لاسْتِئْنَاسِهِ بِمَبَادِئِهَا فِي الصِّغَرِ، لأنَّ نُشُوءَ الصِّغَرِ عَلَى الشَّيْءِ يَجْعَلُهُ مُتَطَبِّعًا بِهِ.‏ وَمَنْ أُغْفِلَ تَأْدِيبُهُ فِي الصِّغَرِ كَانَ تَأْدِيبُهُ فِي الْكِبَرِ عَسِيرًا‏.‏ ‏‏وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ‏{‏مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ نِحْلَةً أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ يُفِيدُهُ إيَّاهُ، أَوْ جَهْلٍ قَبِيحٍ يَكْفِهِ عَنْهُ وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ}‏.‏ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ:‏ بَادِرُوا بِتَأْدِيبِ الأطْفَالِ قَبْلَ تَرَاكُمِ الأشْغَالِ وَتَفَرُّقِ الْبَالِ.‏ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ‏:‏

إنَّ الْغُصُونَ إذَا قَوَّمْتَهَا اعْتَدَلَــتْ
قَدْ يَنْفَعُ الأدَبُ الأحْدَاثَ فِي صِغَرٍ


 

وَلا يَلِينُ إذَا قَوَّمْتَهُ الْخَشَــبُ
وَلَـيْسَ يَنْفَعُ عِنْدَ الشَّيْبَةِ الأدَبُ


وَقَالَ آخَرُ:‏

يَنْشُو الصَّغِيرُ عَلَى مَا كَانَ وَالِـدُهُ ‏


 

إنَّ الأُصُولَ عَلَيْهَا تَنْبُتُ الشَّـجَرُ من المكرمات


وَأَمَّا الأدَبُ اللازِمُ للإنْسَانِ عِنْدَ نُشُوئِهِ وَكِبَرِهِ فَأَدَبَانِ:‏ أَدَبُ مُوَاضَعَةٍ وَاصْطِلاحٍ، وَأَدَبُ رِيَاضَةٍ وَاسْتِصْلاحٍ.‏ فَأَمَّا أَدَبُ الْمُوَاضَعَةِ وَالاصْطِلاحِ فَيُؤْخَذُ تَقْلِيدًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اصْطِلاحُ الْعُقَلاءِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانُ الأدَبَاءِ.‏ وَلَيْسَ لاصْطِلاَحِهِمْ عَلَى وَضْعِهِ تَعْلِيلٌ مُسْتَنْبَطٌ، وَلا لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ دَلِيلٌ مُوجِبٌ، كَاصْطِلاحِهِمْ عَلَى مُوَاضَعَاتِ الْخِطَابِ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَيْئَاتِ اللِّبَاسِ، حَتَّى إنَّ الإنْسَانَ الآنَ إذَا تَجَاوَزَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْهَا صَارَ مُجَانِبًا لِلأَدَبِ، مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ.‏

‏لأنَّ فِرَاقَ الْمَأْلُوفِ فِي الْعَادَةِ، وَمُجَانَبَةَ مَا صَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بِالْمُوَاضَعَةِ، مُفْضٍ إلَى اسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ بِالْعَقْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لِمُخَالَفَتِهِ عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَمَعْنًى حَادِثٌ.‏ وَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَقْلِ أَنْ يُوضَعَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَيَرَوْنَهُ حَسَنًا، وَيَرَوْنَ مَا سِوَاهُ قَبِيحًا، فَصَارَ هَذَا مُشَارِكًا لِمَا وَجَبَ بِالْعَقْلِ مِنْ حَيْثُ تَوَجُّهُ الذَّمِّ عَلَى تَارِكِهِ وَمُخَالِفًا لَهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَقْلِ أَنْ يُوضَعَ عَلَى خِلافِهِ.‏

‏وَأَمَّا أَدَبُ الرِّيَاضَةِ وَالاسْتِصْلاحِ فَهُوَ مَا كَانَ مَحْمُولا عَلَى حَالٍ لا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ بِخِلافِهَا، وَلا أَنْ تَخْتَلِفَ الْعُقَلاءُ فِي صَلاحِهَا وَفَسَادِهَا.‏ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَعْلِيلُهُ بِالْعَقْلِ مُسْتَنْبَطٌ، وَوُضُوحُ صِحَّتِهِ بِالدَّلِيلِ مُرْتَبِطٌ.‏ وَلِلنَّفْسِ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ شَاهِدٌ أَلْهَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى إرْشَادًا لَهَا.‏ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}‏ ‏‏قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏:‏ بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي مِنْ الْخَيْرِ وَتَذَرُ مِنْ الشَّرِّ.‏ وَسَنَذْكُرُ تَعْلِيلَ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهِ وَأَحَقُّ.‏ ‏

فَأَوَّلُ مُقَدَّمَاتِ أَدَبِ الرِّيَاضَةِ وَالاسْتِصْلاحِ أَنْ لا يَسْبِقَ إلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ، فَيَخْفَى عَنْهُ مَذْمُومُ شِيَمِهِ وَمَسَاوِئُ أَخْلاَقِهِ، لأنَّ النُّفُوسَ بِالشَّهَوَاتِ آمِرَةٌ، وَعَنْ الرُّشْدِ زَاجِرَةٌ.‏ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:‏ ‏{‏إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}‏ (سورة يوسف: 53).‏ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:‏ ‏{‏أَعْدَى أَعْدَائِك نَفْسُك الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك، ثُمَّ أَهْلُك، ثُمَّ عِيَالُك}‏.

‏‏وَدَعَتْ أَعْرَابِيَّةٌ لِرَجُلٍ فَقَالَتْ:‏ كَبَتَ اللَّهُ كُلَّ عَدُوٍّ لَك إلا نَفْسَك.‏ فَأَخَذَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:‏

قَلْبِي إلَى مَا ضَرَّنِي دَاعِـــي
كَيْفَ احْتِرَاسِي مِنْ عَـدُوِّي إذَا


 

يُكْثِرُ أَسْقَامِي وَأَوْجَاعِــي
كَانَ عَدُوِّي بَيْنَ أَضْلاعِـي ‏


فَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ كَذَلِكَ فَحُسْنُ الظَّنِّ بِهَا ذَرِيعَةٌ إلَى تَحْكِيمِهَا، وَتَحْكِيمُهَا دَاعٍ إلَى سَلاطَتِهَا وَفَسَادِ الأخْلاقِ بِهَا.‏ فَإِذَا صَرَفَ حُسْنَ الظَّنِّ عَنْهَا وَتَوَسَّمَهَا بِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّسْوِيفِ وَالْمَكْرِ فَازَ بِطَاعَتِهَا، وَانْحَازَ عَنْ مَعْصِيَتِهَا.‏ ‏

‏وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:‏ الْعَاجِزُ مَنْ عَجَزَ عَنْ سِيَاسَةِ نَفْسِهِ.‏ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ:‏ مَنْ سَاسَ نَفْسَهُ سَادَ نَاسَهُ.‏ فَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ بِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ اتِّهَامِ طَاعَتِهَا، وَرَدِّ مُنَاصَحَتِهَا.‏ فَإِنَّ النَّفْسَ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَكْرٌ يُرْدِي فَلَهَا نُصْحٌ يُهْدِي.‏ فَلَمَّا كَانَ حُسْنُ الظَّنِّ بِهَا يُعْمِي عَنْ مَسَاوِئِهَا، كَانَ سُوءُ الظَّنِّ بِهَا يُعْمِي عَنْ مَحَاسِنِهَا.‏ ‏وَمَنْ عَمِيَ عَنْ مَحَاسِنِ نَفْسِهِ كَانَ كَمَنْ عَمِيَ عَنْ مَسَاوِئِهَا، فَلَمْ يَنْفِ عَنْهَا قَبِيحًا وَلَمْ يَهْدِ إلَيْهَا حَسَنًا.‏ وَقَدْ قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ:‏ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي التُّهْمَةِ لِنَفْسِهِ مُعْتَدِلاً،‏ وَفِي حُسْنِ الظَّنِّ بِهَا مُقْتَصِدًا، فَإِنَّهُ إنْ تَجَاوَزَ مِقْدَارَ الْحَقِّ فِي التُّهْمَةِ ظَلَمَهَا فَأَوْدَعَهَا ذِلَّةَ الْمَظْلُومِينَ، وَإِنْ تَجَاوَزَ بِهَا الْحَقَّ فِي مِقْدَارِ حُسْنِ الظَّنِّ أَوْدَعَهَا تَهَاوُنَ الآمَنِينَ، وَلِكُلِّ ذَلِكَ مِقْدَارٌ مِنْ الشُّغْلِ، وَلِكُلِّ شُغْلٍ مِقْدَارٌ مِنْ الْوَهْنِ، وَلِكُلِّ وَهْنٍ مِقْدَارٌ مِنْ الْجَهْلِ.‏

‏وَقَالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ:‏ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ أَظْلَمَ، وَمَنْ هَدَمَ دِينَهُ كَانَ لِمَجْدِهِ أَهْدَمَ.‏ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ بِهَا أَبْلُغُ فِي صَلاحِهَا، وَأَوْفَرُ فِي اجْتِهَادِهَا، لأنَّ لِلنَّفْسِ جَوْرًا لا يَنْفَكُّ إلا بِالسَّخَطِ عَلَيْهَا، وَغُرُورًا لا يَنْكَشِفُ إلا بِالتُّهْمَةِ لَهَا، لأنَّهَا مَحْبُوبَةٌ تَجُورُ إدْلالاً وَتَغُرُّ مَكْرًا، فَإِنْ لَمْ يُسِئْ الظَّنَّ بِهَا غَلَبَ عَلَيْهِ جَوْرُهَا، وَتَمَوَّهَ عَلَيْهِ غُرُورُهَا فَصَارَ بِمَيْسُورِهَا قَانِعًا، وَبِالشُّبْهَةِ مِنْ أَفْعَالِهَا رَاضِيًا.‏

‏‏وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ:‏ مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ أَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ.‏ وَقَالَ كُشَاجِمُ:‏

لَمْ أَرْضَ عَنْ نَفْسِي مَخَافَةَ سُخْطِـهَا
وَلَوْ أَنَّنِي عَنْهَا رَضِيتُ لَقَصَّــرَتْ ‏
وَتَبَيَّنَتْ آثَارَ ذَاكَ فَأَكْثَــــرَتْ


 

وَرِضَا الْفَتَى عَنْ نَفْسِهِ إغْضَابُــهَا ْ
عَمَّا تَزِيدُ بِمِثْلِهِ آدَابُهَــــــا
عَذْلِي عَلَيْهِ فَطَالَ فِيهِ عِتَابُــــهَا


‏وَقَدْ اُسْتُحْسِنَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ الطَّائِيِّ:

وَيُسِيءُ بِالإحْسَانِ ظَنًّا لا كَمَـنْ


 

هُوَ بِابْنِهِ وَبِشَعْرِهِ مَفْتُـــــونُ


فَلَمْ يَرَوْا إسَاءَةَ ظَنِّهِ بِالإحْسَانِ ذَمًّا وَلا اسْتِقْلَالَ عِلْمِهِ لَوْمًا، بَلْ رَأَوْا ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْفَضْلِ وَأَبْعَثَ عَلَى الازْدِيَادِ فَإِذَا عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ مَا تُجِنُّ، وَتَصَوَّرَ مِنْهَا مَا تُكِنُّ، وَلَمْ يُطَاوِعْهَا فِيمَا تُحِبُّ إذَا كَانَ غَيًّا، وَلا صَرَفَ عَنْهَا مَا تَكْرَهُ إذَا كَانَ رُشْدًا، فَقَدْ مَلَكَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي مِلْكِهَا، وَغَلَبَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي غَلْبِهَا.‏

‏وَقَدْ رَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:‏ ‏{‏الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ}‏.‏ وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:‏ إذَا عَصَتْكَ نَفْسُك فِيمَا كَرِهْتَ فَلا تُطِعْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ، وَلا يَغُرَّنَّك ثَنَاءٌ مَنْ جَهِلَ أَمْرَك.‏ وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ:‏ مَنْ قَوِيَ عَلَى نَفْسِهِ تَنَاهَى فِي الْقُوَّةِ، وَمَنْ صَبَرَ عَنْ شَهْوَتِهِ بَالَغَ فِي الْمُرُوَّةِ.‏ ‏‏فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ نَفْسَهُ عِنْدَ مَعْرِفَةِ مَا أَكَنَّتْ، وَخِبْرَةِ مَا أَجَنَّتْ بِتَقْوِيمِ عِوَجِهَا وَإِصْلاحِ فَسَادِهَا.‏ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ ‏{‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى يَعْرِفُ الإنْسَانُ رَبَّهُ؟‏ قَالَ إذَا عَرَفَ نَفْسَهُ}‏.‏ ثُمَّ يُرَاعِي مِنْهَا مَا صَلُحَ وَاسْتَقَامَ مِنْ زَيْغٍ يَحْدُثُ عَنْ إغْفَالٍ، أَوْ مَيْلٍ يَكُونُ عَنْ إهْمَالٍ، لِيَتِمَّ لَهُ الصَّلاحُ وَتَسْتَدِيمَ لَهُ السَّعَادَةُ، فَإِنَّ الْمُغَفَّلَ بَعْدَ الْمُعَانَاةِ ضَائِعٌ، وَالْمُهْمِلَ بَعْدَ الْمُرَاعَاةِ زَائِغٌ.‏ وَسَنَذْكُرُ مِنْ أَحْوَالِ أَدَبِ الرِّيَاضَةِ وَالاسْتِصْلاحِ فُصُولاً تَحْتَوِي عَلَى مَا يَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ مِنْ الأخْلاقِ، وَيَجِبُ مُعَانَاتُهُ مِنْ الأدَبِ، وَهِيَ سِتَّةُ فُصُولٍ مُتَفَرِّعَةٍ.‏


ابن تيمية

أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام

(661 – 728 هـ = 1263 – 1328 م)

حقوق المعلم وواجباته

الْمَسْئُولُ مِنْ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ الْقَادَةِ الْفُضَلاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ - رضي الله عنهم أجمعين - أَنْ يُخْبِرُونَا بِفَضَائِلِ الرَّمْيِ وَتَعْلِيمِهِ، وَمَا وَرَدَ فِيمَنْ تَرَكَهُ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَأَيُّمَا أَفْضَلُ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ أَوْ الطَّعْنُ بِالرُّمْحِ؟ أَوْ الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ؟ وَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَمَحَلٌّ يَلِيقُ بِهِ؟ وَإِذَا عَلَّمَ رَجُلٌ رَجُلاً الرَّمْيَ أَوْ الطَّعْنَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ آلاتِ الْحَرْبِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَحَدَ تَعْلِيمَهُ، وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ وَانْتَمَى إلَيْهِ: هَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ أَمْ لا؟ وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ لِهَذَا الْمُنْتَقِلِ: أَنْتَ مَهْدُورٌ أَوْ تُقْتَلُ: أَثِمَ بِذَلِكَ أَمْ لا؟ وَإِنْ زَادَ فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ لَقِيطٌ أَوْ وَلَدُ زِنَا: يُعَدُّ قَذْفًا وَيُحَدُّ بِذَلِكَ أَمْ لا؟ . وَهَلْ يَحِلُّ لِلأُسْتَاذِ الثَّانِي أَنْ يَقْبَلَ هَذَا الْمُنْتَقِلَ وَيُعَزِّرَهُ عَلَى جَحْدِهِ لِمُعَلِّمِهِ؟ وَإِذَا قَالَ الْمُنْتَقِلُ: أَنَا أَنْتَمِي إلَى فُلانٍ تَعْلِيمًا وَتَخْرِيجًا وَإِلَى فُلانٍ إفَادَةً وَتَفْهِيمًا: هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لا؟ وَهَلْ لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ  يَقُومَ فِي وَسَطِ جَمَاعَةٍ مِنْ الأُسْتَاذَيْنِ والمتعلمين وَيَقُولَ: يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَسْأَلُكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا فُلَانًا أَنْ يَقْبَلَنِي أَنْ أَكُونَ لَهُ أَخًا أَوْ رَفِيقًا أَوْ غُلامًا أَوْ تِلْمِيذًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَقُومَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ فَيَأْخُذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُهُ وَيَشُدَّ وَسَطَهُ بِمَنْدِيلِ أَوْ غَيْرِهِ: فَهَلْ يَسُوغُ هَذَا الْفِعْلُ أَمْ لا؟ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَامَاةِ وَالْعَصَبِيَّةِ لأُسْتَاذِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ لِكُلِّ مِنْ الأُسْتَاذَيْنِ إخْوَانٌ وَرُفَقَاءُ وَأَحْزَابٌ وَتَلامِذَةٌ يَقُومُونَ مَعَهُ إذَا قَامَ بِحَقِّ أَوْ بَاطِلٍ وَيُعَادُونَ مَنْ عَادَاهُ وَيُوَالُونَ مَنْ وَالاهُ. وَهَلْ إذَا اجْتَمَعُوا لِلرَّمْيِ عَلَى رَهْنٍ هَلْ يَحِلُّ أَمْ لا؟ وَهَلْ يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الأُسْتَاذِ إذَا فَعَلَ التَّلامِذَةُ مَا لا يَحِلُّ فِي الدِّينِ وَيُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ إذَا شَدَّ الْمُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ وَحَصَلَ بِذَلِكَ هِبَةٌ وَكَرَامَةٌ – وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يَرْجِعُ إلَى الأُسْتَاذِ – يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ أَمْ لا؟ وَهَلْ لِلأُسْتَاذِ أَنْ يَقْبَلَ أُجْرَةً أَوْ هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً؟ فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ تَلْحَقُهُ كُلْفَةٌ مِنْ آلاتٍ وَغَيْرِهَا. أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَأَرْشِدُونَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ أَجْمَعِينَ.

[جواب الإمام ابن تيميَّة]

فَصْلٌ

وَتَعَلُّمُ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ هُوَ مِنْ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِمَنْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ ذَلِكَ كَانَ شَرِيكَهُ فِي كُلِّ جِهَادٍ يُجَاهِدُ بِهِ لا يُنْقَصُ أَحَدُهُمَا مِنْ الأَجْرِ شَيْئًا كَاَلَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُ الْعِلْمَ. وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ فِي ذَلِكَ وَيَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَنْصَحَ لِلْمُتَعَلِّمِ وَيَجْتَهِدَ فِي تَعْلِيمِهِ وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَةَ أُسْتَاذِهِ وَيَشْكُرَ إحْسَانَهُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ وَلا يَجْحَدَ حَقَّهُ وَلا يُنْكِرَ مَعْرُوفَهُ.

وَعَلَى الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ : "{الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يُسْلِمُهُ وَلا يَظْلِمُهُ}. وَقَوْلِهِ: "{مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ}. وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "{وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ}. وَقَوْلِهِ: "{الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ} وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "{لا تَحَاسَدُوا وَلا تَقَاطَعُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا}. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ.

وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "{أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ}. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "{تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا، إلا رَجُلا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا}. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "{لا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ}.

وَلَيْسَ لأَحَدِ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى الآخَرِ وَلا يُؤْذِيَهُ بِقَوْلِ وَلا فِعْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}. وَلَيْسَ لأَحَدِ أَنْ يُعَاقِبَ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ ظُلْمٍ وَلا تَعَدِّي حَدٍّ وَلا تَضْيِيعِ حَقٍّ، بَلْ لأَجْلِ هَوَاهُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فِيمَا رَوَى عَنْهُ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم: "{يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا}.

وَإِذَا جَنَى شَخْصٌ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ بِغَيْرِ الْعُقُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ لأَحَدِ مِنْ الْمُتَعَلِّمِينَ وَالأُسْتَاذَيْنِ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِمَا يَشَاءُ، وَلَيْسَ لأَحَدِ أَنْ يُعَاوِنَهُ وَلا يُوَافِقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَجْرِ شَخْصٍ فَيَهْجُرَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ شَرْعِيٍّ أَوْ يَقُولَ: أَقْعَدْته أَوْ أَهْدَرْته أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ القساقسة وَالرُّهْبَانُ مَعَ النَّصَارَى والحزابون مَعَ الْيَهُودِ وَمِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ أَئِمَّةُ الضَّلالَةِ وَالْغَوَايَةِ مَعَ أَتْبَاعِهِمْ. وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ الَّذِي هُوَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أُمَّتِهِ: أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّهَ فَإِنْ عَصَيْت اللَّهَ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "{لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ}. وَقَالَ: "{مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا تُطِيعُوهُ}. فَإِذَا كَانَ الْمُعَلِّمُ أَوْ الأُسْتَاذُ قَدْ أَمَرَ بِهَجْرِ شَخْصٍ، أَوْ بِإِهْدَارِهِ وَإِسْقَاطِهِ وَإِبْعَادِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَنْبًا شَرْعِيًّا عُوقِبَ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ بِلا زِيَادَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا شَرْعِيًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَاقَبَ بِشَيْءِ لأَجْلِ غَرَضِ الْمُعَلِّمِ أَوْ غَيْرِهِ.

وَلَيْسَ لِلْمُعَلِّمِينَ أَنْ يحزبوا النَّاسَ وَيَفْعَلُوا مَا يُلْقِي بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَلْ يَكُونُونَ مِثْلَ الإِخْوَةِ الْمُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (سُوْرَةُ المائدة: 2). وَلَيْسَ لأَحَدِ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَحَدٍ عَهْدًا بِمُوَافَقَتِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ، وَمُوَالاةِ مَنْ يُوَالِيهِ، وَمُعَادَاةِ مَنْ يُعَادِيهِ بَلْ مَنْ فَعَلَ هَذَا كَانَ مَنْ جِنْسِ جنكيزخان وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَنْ وَافَقَهُمْ صَدِيقًا مُوَالِيًا وَمَنْ خَالَفَهُمْ عَدُوًّا بَاغِيًا، بَلْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَتْبَاعِهِمْ عَهْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَفْعَلُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَيُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَرْعَوْا حُقُوقَ الْمُعَلِّمِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَإِنْ كَانَ أُسْتَاذُ أَحَدٍ مَظْلُومًا نَصَرَهُ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ يُعَاوِنْهُ عَلَى الظُّلْمِ بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "{اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُك إيَّاهُ}.

وَإِذَا وَقَعَ بَيْنَ مُعَلِّمٍ وَمُعَلِّمٍ أَوْ تِلْمِيذٍ وَتِلْمِيذٍ أَوْ مُعَلِّمٍ وَتِلْمِيذٍ خُصُومَةٌ وَمُشَاجَرَةٌ لَمْ يَجُزْ لأَحَدِ أَنْ يُعِينَ أَحَدَهُمَا حَتَّى يَعْلَمَ الْحَقَّ فَلا يُعَاوِنُهُ بِجَهْلِ وَلا بِهَوَى بَلْ يَنْظُرُ فِي الأَمْرِ فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَعَانَ الْمُحِقَّ مِنْهُمَا عَلَى الْمُبْطِلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحِقُّ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ أَصْحَابِ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُبْطِلُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ أَصْحَابِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ، وَاتِّبَاعَ الْحَقِّ وَالْقِيَامَ بِالْقِسْطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (سُوْرَةُ النساء: 135)، يُقَالُ: لَوَى يَلْوِي لِسَانَهُ: فَيُخْبِرُ بِالْكَذِبِ. وَالإِعْرَاضُ: أَنْ يَكْتُمَ الْحَقَّ، فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ.

وَمَنْ مَالَ مَعَ صَاحِبِهِ - سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ - فَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ فَيَكُونَ الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمَحْبُوبُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُهَانُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِحَسَبِ مَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا بِحَسَبِ الأَهْوَاءِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّهُ لا يَضُرُّ إلا نَفْسَهُ.

فَهَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ اعْتِمَادُهُ. وَحِينَئِذٍ فَلا حَاجَةَ إلَى تَفَرُّقِهِمْ وَتَشَيُّعِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (سورة الأنعام: 159). وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (سورة آل عمران: 105) وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ عَلَّمَهُ أُسْتَاذٌ عَرَفَ قَدْرَ إحْسَانِهِ إلَيْهِ وَشَكَرَهُ.

وَلا يَشُدُّ وَسَطَهُ لا لِمُعَلِّمِهِ وَلا لِغَيْرِ مُعَلِّمِهِ، فَإِنَّ شَدَّ الْوَسَطِ لِشَخْصِ مُعَيَّنٍ وَانْتِسَابَهُ إلَيْهِ - كَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ: مِنْ بِدَعِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِنْ جِنْسِ التَّحَالُفِ الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْعَلُونَهُ، وَمِنْ جِنْسِ تَفَرُّقِ قَيْسٍ وَيُمَنِّ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الشَّدِّ وَالانْتِمَاءِ التَّعَاوُنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَهَذَا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِدُونِ هَذَا الشَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّعَاوُنَ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَهَذَا قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَمَا قُصِدَ بِهَذَا مِنْ خَيْرٍ فَفِي أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ اسْتِغْنَاءٌ عَنْ أَمْرِ الْمُعَلِّمِينَ وَمَا قُصِدَ بِهَذَا مِنْ شَرٍّ فَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .

فَلَيْسَ لِمُعَلِّمِ أَنْ يُحَالِفَ تَلامِذَتَهُ عَلَى هَذَا وَلا لِغَيْرِ الْمُعَلِّمِ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدًا مِنْ تَلامِذَتِهِ لِيُنْسَبُوا إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْبِدْعِيِّ: لا ابْتِدَاءً وَلا إفَادَةً وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْحَدَ حَقَّ الأَوَّلِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ إفَادَةِ التَّعَلُّمِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يَقُولَ: شُدَّ لِي وَانْتَسِبْ لِي دُونَ مُعَلِّمِك الأَوَّلِ بَلْ إنْ تَعَلَّمَ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُرَاعِي حَقَّ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلا يَتَعَصَّبُ لا لِلأَوَّلِ وَلا لِلثَّانِي وَإِذَا كَانَ تَعْلِيمُ الأَوَّلِ لَهُ أَكْثَرَ كَانَتْ رِعَايَتُهُ لِحَقِّهِ أَكْثَرَ.

وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مَعَ أَحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ يَكُونُ كُلُّ شَخْصٍ مَعَ كُلِّ شَخْصٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلا يَكُونُونَ مَعَ أَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَلْ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَتَعَاوَنُونَ لا عَلَى ظُلْمٍ وَلا عَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ وَلا اتِّبَاعِ الْهَوَى بِدُونِ هُدَى مِنْ اللَّهِ وَلا تَفَرُّقٍ وَلا اخْتِلافٍ، وَلا شَدِّ وَسَطٍ لِشَخْصِ لِيُتَابِعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلا يُحَالِفَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.

وَحِينَئِذٍ فَلا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَى أَحَدٍ، وَلا يَنْتَمِي أَحَدٌ: لا لَقِيطًا وَلا ثَقِيلاً وَلا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ إنَّمَا وَلَّدَهَا كَوْنُ الأُسْتَاذِ يُرِيدُ أَنْ يُوَافِقَهُ تِلْمِيذُهُ عَلَى مَا يُرِيدُ فَيُوَالِيَ مَنْ يُوَالِيهِ وَيُعَادِيَ مَنْ يُعَادِيهِ مُطْلَقًا. وَهَذَا حَرَامٌ، لَيْسَ لأَحَدِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ أَحَدًا، وَلا يُجِيبَ عَلَيْهِ أَحَدًا، بَلْ تَجْمَعُهُمْ السُّنَّةُ وَتُفَرِّقُهُمْ الْبِدْعَةُ، يَجْمَعُهُمْ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ أَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ أَهْلَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا تَكُونُ الْعِبَادَةُ إلاَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلا الطَّاعَةُ الْمُطْلَقَةُ إلاَّ لَهُ سُبْحَانَهُ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم.

وَلا رَيْبَ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى عَادَتِهِمْ الْجَاهِلِيَّةِ - أَيْ مَنْ عَلَّمَهُ أُسْتَاذٌ كَانَ مُحَالِفًا لَهُ - كَانَ الْمُنْتَقِلُ عَنْ الأَوَّلِ إلَى الثَّانِي ظَالِمًا بَاغِيًا نَاقِضًا لِعَهْدِهِ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِعَقْدِهِ، وَهَذَا أَيْضًا حَرَامٌ وَإِثْمُ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ فِعْلِهِ، بَلْ مِثْلُ هَذَا إذَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ أُسْتَاذِهِ وَحَالَفَهُ كَانَ قَدْ فَعَلَ حَرَامًا، فَيَكُونُ مِثْلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لا  بِعَهْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْفَى وَلا بِعَهْدِ الأَوَّلِ، بَلْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلاعِبِ الَّذِي لا عَهْدَ لَهُ وَلا دِينَ لَهُ وَلا وَفَاءَ. وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَالِفُ الرَّجُلُ قَبِيلَةً فَإِذَا وَجَدَ أَقْوَى مِنْهَا نَقَضَ عَهْدَ الأُولَى وَحَالَفَ الثَّانِيَةَ - وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَالِ هَؤُلاءِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(سورة النَّحل: 91-94).

وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلا يَدَعُوا بَيْنَهُمْ مَنْ يُظْهِرُ ظُلْمًا أَوْ فَاحِشَةً وَلا يَدَعُوا صَبِيًّا أَمْرَدَ يَتَبَرَّجُ أَوْ يُظْهِرُ مَا يَفْتِنُ بِهِ النَّاسَ وَلا أَنْ يُعَاشِرَ مَنْ يُتَّهَمُ بِعِشْرَتِهِ وَلا يُكْرَمَ لِغَرَضِ فَاسِدٍ. وَمَنْ حَالَفَ شَخْصًا عَلَى أَنْ يُوَالِيَ مَنْ وَالاهُ وَيُعَادِيَ مَنْ عَادَاهُ كَانَ مِنْ جِنْسِ التَّتر الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلا مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَؤُلاءِ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هَؤُلاءِ مِنْ عَسْكَرِ الشَّيْطَانِ وَلَكِنْ يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ لِتِلْمِيذِهِ: عَلَيْك عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنْ تَوَالِيَ مَنْ وَالَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتُعَادِيَ مَنْ عَادَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتُعَاوِنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تُعَاوِنَ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ مَعِي نَصَرْت الْحَقَّ وَإِنْ كُنْت عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ تَنْصُرْ الْبَاطِلَ. فَمَنْ الْتَزَمَ هَذَا كَانَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شُجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. فَإِذَا كَانَ الْمُجَاهِدُ الَّذِي يُقَاتِلُ حَمِيَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُقَاتِلُ رِيَاءً لِلنَّاسِ لِيَمْدَحُوهُ، أَوْ يُقَاتِلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّجَاعَةِ: لا يَكُونُ قِتَالُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَكَيْفَ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلُ تَعَلُّمِهِ صِنَاعَةَ الْقِتَالِ مَبْنِيًّا عَلَى أَسَاسٍ فَاسِدٍ لِيُعَاوِنَ شَخْصًا مَخْلُوقًا عَلَى شَخْصٍ مَخْلُوقٍ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلاءِ والتتر الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الإِسْلامِ وَمِثْلُ هَؤُلاءِ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تَزْجُرُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالاخْتِلافِ، حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَكُونُونَ قَائِمِينَ بِالْقِسْطِ يُوَالُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُحِبُّونَ لِلَّهِ وَيُبْغِضُونَ لِلَّهِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ.

وَلِلْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَطْلُبُوا جُعْلاً[86] مِمَّنْ يُعَلِّمُونَهُ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ، فَإِنَّ أَخْذَ الْجُعْلِ وَالْعِوَضِ عَلَى تَعْلِيمِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ جَائِزٌ وَالاكْتِسَابَ بِذَلِكَ أَحْسَنُ الْمَكَاسِبِ وَلَوْ أَهْدَى الْمُعَلَّمُ لأُسْتَاذِهِ لأَجْلِ تَعْلِيمِهِ وَأَعْطَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ السَّبَقِ أَوْ غَيْرِ السَّبَقِ عِوَضًا عَنْ تَعْلِيمِهِ وَتَحْصِيلِهِ الآلاتِ وَاسْتِكْرَائِهِ الْحَانُوتَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلأُسْتَاذِ قَبُولُهُ وَبَذْلُ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ حَتَّى إنَّ الشَّرِيعَةَ مَضَتْ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبْذَلَ الْعِوَضُ لِلْمُسَابِقَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا. فَإِذَا أَخْرَجَ وَلِيُّ الأَمْرِ مَالاً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسَابِقَيْنِ بِالنُّشَّابِ وَالْخَيْلِ وَالإِبِلِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ الأَئِمَّةِ. وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ بِبَذْلِ الْجُعْلِ فِي ذَلِكَ كَانَ مَأْجُورًا عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا يُعْطِيهِ الرَّجُلُ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ هُوَ مِمَّنْ يُثَابُ عَلَيْهِ وَهَذَا لأَنَّ هَذِهِ الأَعْمَالَ مَنْفَعَتُهَا عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ جَائِزًا وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيعًا الْعِوَضَ وَكَانَ مَعَهُمَا آخَرُ مُحَلِّلاً يكافيها كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ فَبَذَلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ لَهُ أَطْعَمَ بِهِ الْجَمَاعَةَ أَوْ أَعْطَاهُ لِلْمُعَلِّمِ أَوْ أَعْطَاهُ لِرَفِيقِهِ: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا. وَأَصْلُ هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الأَعْمَالَ عَوْنٌ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَقْصُودُهُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَجِمَاعُ الدِّينِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا : أَنْ لا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَّعَ، لا نَعْبُدُهُ بِالْبِدَعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (سورة الملك: 2)، قَالَ الفضيل بْنُ عِيَاضٍ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قِيلَ لَهُ: مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا وَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ. وَالصَّوَابُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا، وَلا تَجْعَلْ لأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا. وَهَذَا هُوَ دِينُ الإِسْلامِ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَهُوَ الاسْتِسْلامُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهُ كَانَ مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَتِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سورة غافر: 60) وَمَنْ اسْتَسْلَمَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} (سورة النِّساء: 48) وَلِهَذَا كَانَ لِلَّهِ حَقٌّ لا يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ فَلا يَعْبُدُ إلا اللَّهَ وَلا يَخَافُ إلا اللَّهَ وَلا يَتَّقِي إلا اللَّهَ وَلا يَتَوَكَّلُ إلا عَلَى اللَّهِ وَلا يَدْعُو إلا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (سُوْرَةُ الشَّرح: 7-8) "وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلا إيَّاهُ} (سُوْرَةُ الإسراء: 23). وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (سورة النُّور: 52)، فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} (سورة التَّوبة: 59). فَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَالتَّحَسُّبُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ. وَأَمَّا الإِيتَاءُ فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (سورة الحشر: 7). فَالْحَلالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ فَلَيْسَ لأَحَدِ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَالأُمَرَاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ وَسَائِرِ الْخَلْقِ خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يَدِينُوا بِدِينِ الإِسْلامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَيَدْخُلُوا بِهِ كُلُّهُمْ فِي دِينِ خَاتَمِ الرُّسُلِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ خَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمًا وَكُلُّ مَنْ أَمَرَ بِأَمْرِ كَائِنًا مَنْ كَانَ عُرِضَ عَلَى  الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ قُبِلَ وَإِلا رُدَّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "{مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ} أَيْ: فَهُوَ مَرْدُودٌ.

فَإِذَا كَانَ الْمَشَايِخُ وَالْعُلَمَاءُ فِي أَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ: الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ وَالْهَدْيُ وَالضَّلالُ وَالرَّشَادُ وَالْغَيُّ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَيَقْبَلُوا مَا قَبِلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَرُدُّوا مَا رَدَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: فَكَيْفَ بِالْمُعَلِّمِينَ وَأَمْثَالِهِمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (سورة النِّساء: 59) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(سورة البقرة: 213). فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ" (ص 13-25).


طَلَبُ الْعِلْمِ وحِفظ الْقُرْآن

" سُئِلَ شَيْخُ الإِسْلامِ أَيُّمَا طَلَبُ الْقُرْآنِ أَوْ الْعِلْمِ أَفْضَلُ؟

"فَأَجَابَ: أَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ عَيْنًا كَعِلْمِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ مَا لا يَجِبُ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ الأَوَّلِ وَاجِبٌ وَطَلَبَ الثَّانِي مُسْتَحَبٌّ وَالْوَاجِبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ. وَأَمَّا طَلَبُ حِفْظِ الْقُرْآنِ: فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا تُسَمِّيهِ النَّاسُ عِلْمًا: وَهُوَ إمَّا بَاطِلٌ أَوْ قَلِيلُ النَّفْعِ. وَهُوَ أَيْضًا مُقَدَّمٌ فِي التَّعَلُّمِ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ مِنْ الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّ مِثْلِ هَذَا فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ أَنْ يَبْدَأَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ أَصْلُ عُلُومِ الدِّينِ بِخِلافِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الأَعَاجِمِ وَغَيْرِهِمْ حَيْثُ يَشْتَغِلُ أَحَدُهُمْ بِشَيْءِ مِنْ فُضُولِ الْعِلْمِ مِنْ الْكَلامِ أَوْ الْجِدَالِ وَالْخِلافِ أَوْ الْفُرُوعِ النَّادِرَةِ أَوْ التَّقْلِيدِ الَّذِي لا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ غَرَائِبِ الْحَدِيثِ الَّتِي لا تَثْبُتُ وَلا يُنْتَفَعُ بِهَا وَكَثِيرٍ مِنْ الرِّيَاضِيَّاتِ الَّتِي لا تَقُومُ عَلَيْهَا حُجَّةٌ وَيَتْرُكُ حِفْظَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلا بُدَّ فِي مِثْل [ هَذِهِ ] الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ. وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِمَّةَ حَافِظِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ" (ص 54-55‍‍‍‍‍).


ابن قيم الجوزية

محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي

(691 - 751 هـ = 1291-1350 م)

تربية الطفل

من كتابه تحفة المودود بأحكام المولود

قال الإمام ابن قيم رحمه الله في مقدمة كتابه تحفة المودود بأحكام المولود "وهذا كتاب، قصدنا فيه ذِكر أحكام المولود المتعلقة به بعد ولادته مادام صغيراً، عن عقيقته وأحكامها، وحلق رأسه، وتسميته، وختانه، وبوله وثقب أذنه، وأحكام تربيته، وأطواره من حين كونه نُطفة إلى مُستقرَّة في الجنة أو النار، فجاء كتاباً بديعاً في معناه مشتملاً من الفوائد على ما لا يكاد يوجد في سواه من نُكت بديعة من التَّفسير وأحاديث تدعو الحاجة إلى معرفتها وعللها والجمع بين مختلفها، ومسائل فقهية لا يكاد الطَّالب يظفر بها، وفوائد حِكميَّة تشتد الحاجة إلى العلم بها. فهو كتاب ممتع لقارئه، مُعجب للنَّاظر فيه يصلح للمعاش والمعاد. ويحتاج إلى مضمونه كل من وُهب له شيء من الأولاد، ومن الله استمد السَّداد، وأسأله التَّوفيق لسبل الرشاد، إنه كريم جواد وسميته: "تُحفة المودود بأحكام المولود" والله سُبْحَانَهُ المسؤول، أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنَّه حسبنا ونعم الوكيل. وجعلته سبعة عشر باباً:

الباب الأول في استحباب طلب الأولاد.

الباب الثاني في كراهة تسخط ما وهب الله له من البنات.

الباب الثالث في استحباب بشارة من وُلد له ولد.

الباب الرابع في استحباب الأذان والإقامة في أذنيه.

الباب الخامس في استحباب تحنيكه.

الباب السادس في العقيقة وأحكامها وذكر الاختلاف في وجوبها وحجة الطائفتين.

الباب السابع في حلق رأسه والتَّصدق بزنة شَعره.

الباب الثامن في ذكر تسميته ووقتها وأحكامها.

الباب التاسع في ختان المولود وأحكامه.

الباب العاشر في ثقب أذن الذَّكر والأنثى وأحكامه.

الباب الحادي عشر في حكم بول الغلام والجارية قبل أكلهما الطعام.

الباب الثاني عشر في حكم ريق الرَّضيع ولعابه، وهل هو طاهر أو نجس، لأنه لا يغسل فمه مع كثرة قيئه.

الباب الثالث عشر في جواز حمل الأطفال في الصَّلاة وإن لم يعلم حال ثيابهم.

الباب الرابع عشر في استحباب تقبيل الأطفال والأهل.

الباب الخامس عشر في وجوب تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم.

الباب السادس عشر في ذكر فصول نافعة في تربية الأولاد.

الباب السابع عشر في أطوار الطفل من حين كونه نطفة إلى وقت دخوله الجنة أو النار.


الباب السادس عشر

في فصول نافعة في تربية الأطفال تُحمد عواقبها عند الكبر

 
(فصل) ينبغي أن يكون رضاع المولود من غير أمِّه بعد وضعه يومين أو ثلاثة وهو الأجود، لما في لبنها ذلك الوقت من الغلظ والاخلاط بخلاف لبن من قد استقلت على الرِّضاع[87]، وكل العرب تعتني بذلك حتى تسترضع أولادها عند نساء البوادي كما استرضع النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد.

(فصل) وينبغي أن يُمنع من حملهم والتِّطواف بهم حتى يأتي عليهم ثلاثة أشهر فصاعداً لقرب عهدهم ببطون الأمهات وضعف أبدانهم.

(فصل) وينبغي أن يقتصر بهم على اللَّبن وحده إلى نبات أسنانهم لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عن الطعام، فإذا أنبتت أسنانه قويت معدته وتغذى بالطعام، فإنَّ الله سُبْحَانَهُ أخر انباتها إلى وقت حاجته إلى الطعام لحكمته ولطفه ورحمة منه بالأم وحلمة ثديها فلا يعضه الولد بأسنانه.

(فصل) وينبغي تدريجهم في الغذاء، فأوَّل ما يطعمونهم الغذاء: اللبن، فيطعمونهم الخبز، المنقوع في الماء الحار، واللبن الحليب. ثم بعد ذلك الطبيخ، والأمراق الخالية من اللَّحم، ثم بعد ذلك ما لطف جداً من اللحم بعد إحكام مضغه أو رضه رضاً ناعماً.

(فصل) فإذا قربوا من وقت التَّكلم وأريد تسهيل الكلام عليهم، فلِتدلك ألسنتهم بالعسل والملح الأندراني لما فيهما من الجلاء للرطوبات الثقيلة المانعة من الكلام، فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سُبْحَانَهُ وتوحيده، وأنه سُبْحَانَهُ فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم وهو معهم أينما كانوا، وكان بنو إسرائيل كثيراً ما يسمون أولادهم بـ[عما نويل] ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا، ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله: عبدالله، وعبدالرحمن[88]، بحيث إذا وعي الطِّفل وعقل، علم أنَّه: عبدالله، وأنَّ الله هو سيده ومولاه.

(فصل) فإذا حضر وقت نبات الأسنان فينبغي أن يُدلك لثاهم كل يوم بالزبد والسَّمن، ويمرخ حدر العنق تمريخاً كثيراً ويحذر عليهم كل الحذر وقت نباتها إلى حين تكاملها وقوتها من الأشياء الصّلبة، ويمنعون منها كل المنع لما في التمكن منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها وخللها.

(فصل) ولا ينبغي أن يشق على الأبوين بكاء الطِّفل وصراخه، ولاسيما لشربه اللَّبن إذا جاع، فإنه ينتفع بذلك البكاء عظيماً، فإنَّه يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه ويفسح صدره ويسخن دماغه ويحمي مزاجه ويثير حرارته الغريزية، ويحرك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول، ويدفع فضلات الدّماغ من المخاط وغيره.

(فصل) وينبغي أن لا يهمل أمر قماطه ورباطه، ولو شق عليه إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاؤه ويجلس على الأرض، فحينئذ يمرن ويدرب على الحركة والقيام قليلاً قليلاً إلى أن يصير له ملكة وقوة يفعل ذلك بنفسه.

(فصل) وينبغي أن يوقى الطِّفل كل أمر يفزغه من الأصوات الشَّديدة الشَّنيعة، والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة، فإنَّ ذلك ربما أدى إلى فساد قوته العاقلة لضعفها فلا ينتفع بها بعد كبره، فإذا عرض له عارض من ذلك فينبغي المبادرة إلى تلافيه بضده وإيناسه بما ينسيه إياه، وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى رضاعه ليزول عنه حفظ ذلك المزعج له، ولا يرتسم في قوة الحافظة فيعسر زواله ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة إلى أن ينام فينسى ذلك ولا يهمل هذا الأمر، فإن في إهماله إسكان الفزع والرَّوع في قلبه فينشأ على ذلك ويعسر زواله ويتعذر.

(فصل) ويتغير حال المولود عند نبات أسنانه، ويهيج به القيء والحميات وسوء الأخلاق، ولاسيما إذا كان نباتها في وقت الشتاء والبرد أو في وقت الصيف وشدة الحر، وأحمد أوقات نباتها: الربيع والخريف، ووقت نباتها لسبعة أشهر، وقد تنبت في الخامس، وقد تتأخر إلى العاشر، فينبغي التلطف في تدبيره وقت نباتها، وأن يكرر عليه دخول الحمام وأن يغذى غذاء يسيراً، فلا يملأ بطنه من الطعام وقد يعرض له انطلاق البطن فيعصب بما يكفيه مثل عصابة صوف عليها كمون ناعم وكرفس وانيسون، وتدلك لثته بما تقدم ذِكره، ومع هذا فانطلاق بطنه في ذلك الوقت خير له من اعتقاله، فإن كان بطنه معتقلاً عند نبات أسنانه فينبغي أن يبادر إلى تليين طبيعته، فلا شيء أضر على الطفل من اعتقال طبيعته، ولاشيء أنفع له من سهولتها باعتدال.وأحمد ما تلين به عسل مطبوخ يتخذ منه فتائل ويحمل بها، أو حبق[89] مسحوق معجون بعسل يتخذ منه فتائل، كذلك وينبغي للمرضع في ذلك الوقت تلطيف طعامها وشرابها، وتجنب الأغذية المضرة.

(فصل) في وقت الفطام، قال الله تعالى "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {233}" (سُوْرَةُ البقرة) فدَلت الآية على عدة أحكام، أحدها: إن تمام الرضاع حولين، وذلك حق للولد إذا احتاج إليه وأكد بكاملين لئلا يحمل اللفظ على حول وأكثر، وثانيها: إن الأبوين إذا أرادا فطامه قبل ذلك بتراضيهما وتشاورهما مع عدم مضرة الطفل فلهما ذلك، وثالثها: إن الأب إذا أراد أن يسترضع لولده مرضعة أخرى غير أمه فله ذلك، وإن كرهت الأم إلا أن يكون مضاراً بها وبولدها فلا يجاب إلى ذلك، ويجوز أن تستمر الأم على رضاعه بعد الحولين إلى نصف الثالث أو أكثر، وأحمد أوقات الفطام إذا كان الوقت معتدلاً في الحر والبرد، وقد تكامل نبات أسنانه وأضراسه، وقويت على تقطيع الغذاء وطحنه، ففطامه عند ذلك الوقت أجود له، ووقت الاعتدال الخريفي أنفع في الفطام من وقت الاعتدال الربيعي، لأنه في الخريف يستقبل الشتاء والهواء يبرد فيه، والحرارة الغريزية تنشأ فيه وتنمو، والهضم يزداد قوة، وكذلك الشهوة.

(فصل) وينبغي للمرضع إذا أرادت فطامه أن تفطمه على التَّدريج ولا تفاجئه بالفطام وهلة واحدة، بل تعوده إياه وتمرنه عليه لمضرة الانتقال عن الإِلف والعادة مرة واحدة، كما قال بقراط في فصول استعمال الكبير بغتة مما يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحركه بنوع آخر من الحركة أي نوع كان فهو خطر، وكل ما كان كثيراً فهو معاد للطبيعة، وكل ما كان قليلاً فهو مأمون.

(فصل) ومن سوء التدبير للأطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام وكثرة الأكل والشرب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم ليجود هضمهم وتعتدل أخلاطهم، وتقل الفضول في أبدانهم وتصح أجسادهم وتقل أمراضهم لقلة الفضلات الغذائية. قال بعض الأطباء: وأنا أمدح قوماً ذكرهم حيث لا يطعمون الصبيان إلا دون شبعهم، ولذلك ترتفع قاماتهم وتعتدل أجسامهم، ويقل فيهم ما يعرض لغيرهم من الكزاز ووجع القلب وغير ذلك. قال فإن أحببت أن يكون الصبي حسن الجسد مستقيم القامة غير منحدب، فَقِه يترك كثرة الشَّبع، فإن الصبي إذا امتلأ وشبع فإنه يكثر النوم من ساعته ويسترخي ويعرض له نفخة في بطنه ورياح غليظة.

(فصل) وقال جالينوس: ولست امنع هؤلاء الصبيان من شرب الماء البارد أصلاً، لكني أطلق لهم شربة تعقب الطعام، في أكثر الأمر وفي الأوقات الحارة في زمن الصيف إذا تاقت أنفسهم إليه، قلت: وهذا لقوة وجود الحار الغريزي فيهم، ولا يضرهم شرب الماء البارد في هذه الأوقات ولاسيما عقيب الطعام، فإنه يتعين تمكينهم منه بقدر، لضعفهم عن احتمال العطش باستيلاء الحرارة.

(فصل) ومما ينبغي أن يحذر أن يحمل الطفل على المشي قبل وقته لما يعرض في أرجلهم بسبب ذلك من الانفتال والاعوجاج بسبب ضعفها وقبولها لذلك، واحذر كل الحذر أن تحبس عنه ما يحتاج إليه من قيء أو نوم أو طعام أو شراب أو عطاس أو بول أو إخراج دم، فإن لحبس ذلك عواقب رديئة في حق الطفل والكبير.

(فصل) في وطء المرضع وهو الغيل، عن حذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهي عن الغيلة فنظرت في الروم والفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً، ثم سألوه عن العزل؟ فقال: ذلك الوأد الخفي، وهي: وإذا الموؤدة سئلت رواه مسلم في الصحيح.

وروى في صحيحه أيضاً عن أسامة بن زيد، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أعزل عن امرأتي، فقال له صلى الله عليه وسلم: لِمَ تفعل ذلك؟ فقال الرَّجل: أُشفق على ولدها أو أولادها.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان ذلك ضاراً لضر الفارس والروم وعن أسماء بنت يزيد قالت:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقتلوا أولادكم سراً فوالذي نفسي بيده إنه ليدرك الفارس فيدعثره.

قالت، قلتُ: ما يعني قالت: الغيلة- يأتي الرجل امرأة وهي ترضع، رواه الإمام أحمد وأبو داود، وقد أشكل الجمع بين هذه الأحاديث على غير واحد من أهل العلم، فقالت طائفة قوله صلى الله عليه وسلم: لقد هممت أن أنهي عن الغيلة أي أحرمه فأمنع منه، فلا تنافي بين هنا وبين قوله في الحديث الآخر، ولا تقتلوا أولادكم سراً، فإن هذا نهي كالمشورة عليهم، والإرشاد لهم إلى ترك ما يضعف الولد ويقتله، قالوا: والدليل عليه أن المرأة المرضع إذا باشرها الرجل حرك منها دم الطمث وأهاجه للخروج، فلا يبقى اللَّبن حينئذ على اعتداله وطيب رائحته، وربما حبلت الموطوءة، فكان ذلك من شر الأمور وأضرها على الرضيع المتغذي بلبنها، وذلك إن جيد الدم حينئذ ينصرف في تغذية الجنين الذي في الرحم فينفذ في غذائه، فإن الجنين لما كان ما يناله ويجتذبه مما لا يحتاج إليه ملائماً له، لأنه متصل بأمه اتصال الغرس بالأرض وهو غير مفارق لها ليلاً ولا نهاراً.

وكذلك ينقص دم الحامل ويصير رديئاً فيصير اللبن المجتمع في ثديها يسيراً رديئاً، فمتى حملت المرضع فمن تمام تدبير الطفل أن يمنع منها، فإنه متى شرب من ذلك اللبن الرديء قتله أو أثر في ضعفه تأثيراً يجده في كبره فيدعثره عن فرسه، فهذا وجه المشورة عليهم والإرشاد إلى تركه ولم يحرمه عليهم، فإن هذا لا يقع دائماً لكل مولود، وإن عرض لبعض الأطفال، فأكثر الناس يجامعون نساءهم وهن يرضعن، ولو كان هذا الضرر لازماً لكل مولود لاشترك فيه اكثر الناس، وهاتان الأمتان الكبيرتان الفارس والروم تفعله ولا يعم ضرره أولادهم، وعلى كل حال فالأحوط إذا حبلت المرضع أن يمنع منها الطفل ويلتمس له مرضعاً غيرها، والله أعلم.

(فصل) ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلقه، فإنه ينشأ عما عوده المربي في صغره من حر وغضب ولجاج وعجلة وخفة مع هواه، وطيش وحده وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولابد يوماً ما، ولهذا تجد اكثر الناس منحرفة أخلاقهم وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها.

وكذلك يجب أن يجتنب الصبي إذا عقل: مجالس اللهو والباطل، والغناء وسماع الفحش والبدع ومنطق السوء، فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر، وعز على وليه استنفاذه منه، فتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبه إلى استجداد طبيعة ثانية، والخروج عن حكم الطبيعة عسير جداً.

وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب، فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يعطي، ويعوده البذل والإعطاء، وإذا أراد أن يعطي شيئاً إعطاء على يده ليذوق حلاوة الإعطاء، ويجنبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع، فإنه متى سهل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كل خير.

ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة بل يأخذه بأضدادها ولا يريحه إلا بما يجم نفسه وبدنه للشغل، فإن الكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة ندم، وللجد والتعب عواقب حميدة، أما في الدنيا وأما في العقبى وأما فيهما، فأروح الناس أتعب الناس، وأتعب الناس أروح الناس، فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى لا يوصل إليها إلا على جسر من التعب.

قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنال العلم براحة الجسم ويعوده الانتباه آخر الليل فإنه وقت قسم الغنائم وتفريق الجوائز، فمستقل ومستكثر ومحروم، فمتى اعتاد ذلك صغيراً سهل عليه كبيراً.

(فصل) ويجنبه فضول الطعام والكلام والمنام ومخالطة الأنام، فإن الخسارة في هذه الفضلات وهي تفوت على العبد خير دنياه وآخرته، ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب، فإن تمكينه من أسبابها والفسح له فيها يفسده فساداً يعز عليه بعده صلاحه، وكم من أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته له على شهوته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده وفوَّت عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.

 (فصل) والحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يُزيل عقله من مسكر وغيره، أو عشرة مَن يخشى فساده أو كلامه له أو الأخذ من يده، فإن ذلك الهلاك كله، ومتى سهل عليه ذلك فقد سهل الدياثة ولايدخل الجنة ديوث، فما أفسد الأبناء مثل تفريط الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النار بين الثياب، فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمده العدو الشديد العداوة مع عدوه وهم لا يشعرون، فكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح، حرمهم الانتفاع بأولادهم وحرم الأولاد خيرهم ونفعهم لهم هو من عقوبة الآباء.

(فصل) ويجنبه لبس الحرير فإنه مفسد له ومخنث لطبيعته كما يخنثه اللواط، وشرب الخمر والسرقة والكذب، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم يحرم الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم والصبي وإن لم يكن مكلفاً فوليه مكلف لا يحل له تمكينه من المحرم، فإنه يعتاده ويعس فطامه عنه، وهذا ا أصح قول العلماء، واحتج من لم يره حراماً بأنه غير مكلف، فلم يحرم لبسه للحرير كالدابة وهذا من أفسد القياس، فإن الصبي وإن لم يكن مكلفاً فإنه مستعد للتكليف، ولهذا لا يمكن من الصلاة بغير وضوء، ولا من الصلاة عرياناً ونجساً، ولا من شرب الخمر والقمار واللواط.

(فصل) ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعياً، فهذه من علامات قبوله وتهيؤه للعلم، لينقشه في لوح قلبه مادام خالياً فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية، وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وإنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها فإنه أنفع له وللمسلمين، وإن رآه بخلاف ذلك وإنه لم يخلق لذلك ورأى عينه مفتحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها وهي صناعة مباحة نافعة للناس، فليمكنه منها. هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك ميسر على كل واحد لتقوم حجة الله على العبد، فإن له على عباده الحجة البالغة، كما له عليهم النِّعمة السَّابغة. والله أعلم.

 

التربية الجهادية

من كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد

في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسَّرايا والبعوث

 

لما كان الجهاد ذِروة سَنام الإسلام وقُبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرِّفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذِّرْوَةِ العُلْيَا منه، واستولى على أنواعه كلها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب، والجَنان، والدعوة، والبيان، والسَّيف، والسِّنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً، وأعظمهم عند الله قدراً.

وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، وقال "وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا {51} فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا {52} (سورة الفرقان) فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحجة، والبيان، وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {73} (سورة التوبة). فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عدداً، فهم الأعظمون عند الله قدراً.

ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدَّة المعارض، مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك أكمل الجهاد وأتمه.

ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعاً على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". كان جهاد النَّفس مقدماً على جهاد العدو في الخارج، وأصلاً له ، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده، ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه، حتى يجاهد نفسه على الخروج.

فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث، لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويخذله، ويرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللَّذات، والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشَّيطان، قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (سورة فاطر: 6) . والأمر باتخاذه عدواً تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، ومجاهدته، كأنَّه عدو لا يفتر، ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء، أمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بلى بمحاربتها في هذه الدار، وسلطت عليه امتحاناً من الله له وابتلاء، فأعطى الله العبد مدداً وعدة وأعواناً وسلاحاً لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مدداً وعدة وأعواناً وسلاحاً، وبلا أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن من يتولاه، ويتولى رسله ممن يتولى الشَّيطان وحزبه، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا {20} (الفرقان) . وقال تعالى "ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ" (سورة محمد : 4) ، وقال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ {31}" (سورة محمد) . فأعطى عباده الأسماع والأبصار، والعقول والقوى، وأنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته، وقال لهم: "أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ (سورة الأنفال : 12)" وأمرهم من أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به، لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم، وأنه إن سلطه عليهم، فلتركهم بعض ما أمروا به، ولمعصيتهم له، ثم لم يؤيسهم، ولم يقنطهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم، ويداووا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوهم فينصرهم عليه ويظفرهم بهم، فأخبرهم أنه مع المتقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المؤمنين، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعه عنهم، لتخطفهم عدوهم، واجتاحهم.

وهذه المدافعة عنهم بحسب إيمانهم، وعلى قدره، فإن قوي الإيمان، قويت المدافعة، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه.

وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله، في كون كله لله، وبالله لا لنفسه، ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه، فإنَّه يعد الأماني، ويمني الغرور، ويعد الفقر، ويأمر بالفحشاء، وينهى عن التقى والهدى، والعفة والصبر، وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده بتكذيب وعده، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان، وعدة يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله ، لتكون كلمة الله هي العليا. واختلفت عبارات السَّلف في حق الجهاد: فقال ابن عباس: هو استفراغ الطَّاقة فيه، وألا يخاف في الله لومة لائم. وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله، واعبدوه حق عبادته. وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النَّفس والهوى. ولم يصب من قال: إنَّ الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده: هو ما يطيقه كل عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة، والعجز، والعلم، والجهل. فحق التَّقوى، وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شئ، وبالنِّسبة إلى العاجز الجاهل الضَّعيف شئ، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (سورة الحج : 78) والحرج: الضِّيق، بل جعله واسعاً يسع كل أحد، كما جعل رزقه يسع كل حي، وكلف العبد بما يسعه العبد، ورزق العبد ما يسع العبد، فهو يسع تكليفه، ويسعه رزقه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بعثت بالحنيفية السمحة أي: بالملة، فهي حنيفية في التَّوحيد، سمحة في العمل.

وقد وسع الله سُبْحَانَهُ وتعالى على عباده غاية التَّوسعة في دينه، ورزقه، وعفوه، ومغفرته، وبسط عليهم التَّوبة ما دامت الرُّوح في الجسد، وفتح لهم باباً لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطَّلع الشَّمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارة تكفرها من توبة، أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مصيبة مُكفِّرة، وجعل بكل ما حرم عليهم عوضاً من الحلال أنفع لهم منه، وأطيب، وألذ، فيقوم مقامه ليستغني العبد عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يضيق عنه، وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسراً قبله، ويسراً بعده، فلن يغلب عسر يسرين فإذا كان هذا شأنه سُبْحَانَهُ مع عباده، فكيف يكلفهم ما لا يسعهم فضلاً عما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه.

فصل:  إذا عُرِف هذا، فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. فجهاد النَّفس أربع مراتب[90] أيضاً:

إحداهما: أن يجاهدها على تعلِّم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه، شقيت في الدارين.

الثَّانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثَّالثة: أن يُجاهدها على الدَّعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبيات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.

الرَّابعة: أن يجاهدها على الصَّبر على مشاق الدَّعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الرَّبانيين، فإنَّ السَّلف مُجمعون على أنَّ العالِم لا يستحق أن يُسمى ربانياً حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويُعلِّمه، فمن عَلم وعَمل وعلَّم فذاك يُدعى عظيماً في ملكوت السَّماوات.

فصل: وأما جهاد الشِّيطان فمرتبتان، إحداهما جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشُّبهات والشُّكوك القادحة في الإيمان.

الثَّانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشَّهوات، فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثَّاني يكون بعده الصَّبر. قال تعالى "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ {24}" (سُوْرَةُ السَّجدة). فأخبر أنَّ إمامة الدِّين، إنما تنال بالصَّبر واليقين، فالصَّبر يدفع الشَّهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشُّكوك والشُّبهات.

فصل :وأما جهاد الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللِّسان، والمال، والنَّفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللِّسان.

فصل: وأما جهاد أرباب الظلم، والبدع، والمنكرات، فثلاث مراتب: الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز، انتقل إلى اللسان، فإن عجز، جاهد بقلبه، فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد, ومن مات ولم يغز، ولم يُحَدِّث نفسه بالغزو، مات على شُعبة من النِّفاق.


ابن خلدون

عبدالرحمن بن محمد

(732 - 808 هـ = 1332-1406م)

 

في تعليم الولدان، واختلاف مذاهب الأمصار الإسلاميَّة في طرقه

من كتابه: مقدِّمة ابن خلدون

"اعلم أنَّ تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدَّين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التَّعليم الذي يبتني عليه ما يحصل بعد من الملكات.

وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشدّ رسوخاً وهو أصل لما بعده لأنَّ السَّابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه.

واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التَّعليم من الملكات.

فأمَّا أهل المغرب: فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المُدارسة بالرَّسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعاً عن العلم بالجملة.

وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشَّبيبة. وكذا في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم.

وأمَّا أهل الأندلس: فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التَّعليم. إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه ومنبع الدَّين والعلوم جعلوه أصلاً في التَّعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشِّعر في الغالب والتَّرسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب.

ولا تختص عنايتهم في التَّعليم بالقرآن دون هذه بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشَّبيبة، وقد شدا بعض الشَّيء في العربيَّة والشِّعر والبصر بهما وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم، ولكنهم ينقطعون عند ذلك لانقطاع سند التَّعليم في آفاقهم، ولا يحصل بأيديهم إلا ما حصل من ذلك التَّعليم الأول وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد المعلم.

وأما أهل إفريقية: فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها، إلا أنَّ عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه، وعنايتهم بالخط تبع لذلك. وبالجملة فطريقتهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس، لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عند تغلب النَّصارى على شرق الأندلس، واستقرُّوا بتونس وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك.

وأما أهل المشرق فيخلطون في التَّعليم كذلك على ما يبلغنا، ولا أدري بم عنايتهم منها، والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشَّبيبة، ولا يخلطونه بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده كما تعلم سائر الصَّنائع ولا يتداولونها في مكاتب الصِّبيان. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة. ومن أراد تعلُّم الخط فعلى قدر ما يسنح له بعد ذلك من الهمَّة في طلبه ويبتغيه من أهل صنعته.

فأمَّا أهل إفريقيَّة والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللِّسان جملة، وذلك أنَّ القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أنَّ البشر مصروفون عن الإتيان بمثله فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها، وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللِّسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلَّة التَّصرُّف في الكلام. وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من التَّصرف ومحاذاة المثل بالمثل إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة لما أنَّ أكثر محفوظهم عبارات العلوم النازلة عن البلاغة كما سيأتي في فصله.

وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنُّن في التعليم وكثرة رواية الشعر والتَّرسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللِّسان العربي. وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها، فكانوا لذلك أهل حظ وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التَّعليم الثَّاني من بعد تعليم الصِّبا.

ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب (رحلته) إلى طريقة غريبة في وجه التَّعليم وأعاد في ذلك وأبدأ وقدَّم تعليم العربية والشِّعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس. قال: "لأنَّ الشِّعر ديوان العرب. ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التَّعليم ضرورة فساد اللُّغة ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنَّه يتيسر عليه بهذه المقدِّمة".

ثم قال: "ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصَّبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ مالا يفهم وينصب في أمر غيره أهم عليه منه".

قال: "ثم ينظر في أصول الدِّين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه".

ونهى مع ذلك أن يخلط في التَّعليم عِلمان إلا أن يكون المتعلم قابلاً لذلك بجودة الفهم والنَّشاط.

هذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر رحمه الله وهو لعمري مذهب حسن، إلا أنَّ العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال، ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثاراً للتَّبرك أو الثَّواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصِّبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن، فإنَّه ما دام في الحجر منقاد للحكم. فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشَّبيبة فألقته بساحل البطالة، فيغتنمون في زمان الحجر وربقه الحكم تحصيل القرآن له لئلا يذهب خلواً منه.

ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التَّعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى مما أخذ به أهل المغرب والمشرق، ولكنَّ الله تعالى يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه، سُبحانه (ص 529 – 531).


 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1