القرد فوق الدقل

القرد فوق الدقل

من المعضلات اللغوية الكويتية القديمة قولهم "دهن الدقل دهن تدهنقلت فيه". ترديد هذه الجملة غيبا لعدة مرات وبسرعة دون تلعثم دليل على الفصاحة والنباهة والفطنة في التراث الكويتي. ومن معاني الدَّقَل أنها خشبة طويلة تشد في وسط السفينة يمد عليها الشراع ويطلق أهل البحر علي الدَّقَل كلمة الصاري.

في مسند الإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم روى حكاية في غاية الطرافة ولها صلة بالدَّقَل وهي عن بائع غشاش في بني إسرائيل ففي (باقي مسند المكثرين) جاء " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ رَجُلاً حَمَلَ مَعَهُ خَمْرًا فِي سَفِينَةٍ يَبِيعُهُ وَمَعَهُ قِرْدٌ قَالَ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ الْخَمْرَ شَابَهُ [خلطه] بِالْمَاءِ ثُمَّ بَاعَهُ قَالَ فَأَخَذَ الْقِرْدُ الْكِيسَ فَصَعِدَ بِهِ فَوْقَ الدَّقَل. قَالَ: فَجَعَلَ يَطْرَحُ [يلقي] دِينَارًا فِي الْبَحْرِ وَدِينَارًا فِي السَّفِينَةِ حَتَّى قَسَمَهُ).

  إن الدينار الحلال لم يخسره التاجر الخمّار الذي كان شرعهم يبيح بيع الخمر أما الدينار الذي جاء من الغش وخلط الخمر بالماء فان مصيره كان ماء البحر.يقول الأديب زكي مبارك في كتابه النثر الفني في القرن الرابع (الجزء الأول صفحة 409 ) إن "عند القرد جوانب مضيئة في ذهنه، وأن له من الشمائل الإنسانية نصيبا غير قليل، وفي الأقصوصة تسجيل لطرائق اليهود في جمع المال عن طريق المكسب الخبيث، وكذلك يفعلون" لم ينوه الأديب إلى أن أصل القصة التي دون خواطره عنها بأنها قصة رواها المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنه يعتقد أنها من الإسرائيليات ولأنه لم يرجع إلى كتب الحديث فوقع في الوهم.

الحكاية السابقة تلفت انتباهنا إلى حقيقة تنص على أن الحلال بيّن واضح وأن الحرام كذلك حتى في عالم القرود. أما اليهودي فإنه نفس شخصية شايلوك الثري في مسرحية تاجر البندقية لوليم شكسبير وقد نرى أصنافا جديدة ونسمع حكايات عجيبة عن الغش والجشع اليهودي في زمن ازدهار  التطبيع مع اليهود.  من الفوائد اللغوية أن في موسوعة الحديث النبوي لشركة صخر لبرامج الحاسب -وهو عمل عظيم  يستحق الثناء-نجد الشارح شرح كلمة الدَّقَل في الحديث على أنها تشير إلى التمر الردئ وهذا الشرح للكلمة ذكره ابن الاثير صاحب كتاب النهاية في غريب الحديث كمعنى من معاني الكلمة ولكن المقصود بالدَّقَل في حديث القرد هو صاري السفينة لا التمر كما يُفهم بوضوح من سياق  النص النبوي وكما أكده ابن منظور في لسان العرب وصاحب الفتح الربّاني.  

من الزاوية التربوية فإن الحكاية النبوية السابقة ترشدنا إلى أن عملية التعليم وغرس المفاهيم وتأصيل القيم للصبية الصغار و للراشدين الكبار قد تكون من خلال القصة القصيرة الممتعة مما يجعل التعليم بحد ذاته ممتعا يجذب المتعلم واليوم يؤكد خبراء التربية على أنه كلما كان التعليم مشوقا كلما كان التعلم أسرع في التوصيل وأرسخ في التأصيل وأقرب إلى التربية الناجحة.

 

Hosted by www.Geocities.ws

1