من محنة الحرب إلى فتنة الحب

من محنة الحرب إلى فتنة الحب

د. بدر ملك

 

قصص ألف ليلة وليلة هي قصص ألف حيلة وحيلة، تشمل قصص الحب والحرب، والخير والشر. وقصتنا قصة كما تحكى هي قصة حب جرت في ظروف غريبة فيها من معاني الوفاء والشجاعة والإيمان الشيء الكثير وسوف نحكيها مع قليل من التحوير والإضافات.

لقد حرص الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (691-751هـ) أن يخصنا بكتاب رائع في موضوع الحب فكتب "روضة المحبين ونزهة المشتاقين". قلما نجد قصة أو رواية في الحب العفيف بعد اجتياح موجات القصص الجنسي ساحة الأدب. ما زالت قصص عنتر وعبلة أو قيس بن الملوح وليلى مصدر قوة وحتى في الأدب الغربي نجد قصة بول وفرجيني الفرنسية تأسر لب مصطفى لطفي المنفلوطي فيترجمها تحت عنوان "الفضيلة". ونجد عالماً فقيهاً كبيراً مثل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في بلاد الشام ينشر قصة حب كردية  "ممو زين" بأسلوب ساحر مؤثر ويكسوها برداً سابغاً من لغة السحر والبيان لغة القرآن..وينفق في كتابة رواية الحب تلك من الدموع الحارة قدر الذي استهلكته المداد السيالة.

كل القصص السابقة كانت حزينة في نهاياتها وكذا الحال في كثير من قصص ألف ليلة وليلة فهل قصتنا هنا تحكي نفس الفواجع التاريخية التراجيدية؟

حكي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه جهز جيشا من المسلمين تجاه العدو قِبل الشام، فحاصروا حصناً من حصونهم حصاراً شديداً وكان في المسلمين رجلان أخوان قد أتاهما الله حِدة وجراءة على العدو.

 كان أمير ذلك الحصن يقول لجنوده ومن بين يديه من أبطاله: لو أن هذين المسلمين قتلا لكفيتكم من سواهم من المسلمين ولانتصرنا عليهم. فما زالوا ينصبون لهما المصايد ويحتالون عليهما بالمكايد ويجعلون المكامن ويكثرون الكوامن إلى أن أخذ أحدهما أسيراً وقتل الآخر شهيداً احتمل المسلم الأسير إلى أمير ذلك الحصن.

أمير الحصن لما نظر إليه قال إن قتل هذا المسلم القوي لمصيبة، وإن رجوعه إلى المسلمين لكريهة وددت لو يتنكر هذا الشاب لدينه وقومه وأرضه فيكون لنا عوناً وعضداً وجاسوسا. فقال مستشار مطاع: أيها الأمير أنا أجعله يرتد عن دينه ويخذل قومه فنفتنه بفتاة لها جمال وكمال فلو رآها لصادق الأعداء وخان أهله من أجلها. فوافق الأمير على هذه المشورة. ذهب المستشار إلى منزل صبية وضيئة فألبسها من فاخر الثياب فزاد في زينتها وجمالها. وجاء بالرجل الأسير فأدخله المنزل وأحضر الطعام ووقفت الصبية بين يديه كالخادمة المطيعة لسيدها تنتظر أن يأمرها بأمر تمتثله. فلما رأى المسلم الأسير ما نزل به اعتصم بالله وغض بصره واشتغل بعبادة ربه وقراءة القرآن.

 كان الفتى المسلم صاحب صوت حسن، وشخصية متميزة، وقريحة مؤثرة في النفس فأحبته الصبية حباً شديداً وبدأ الغرام يتعاظم في صدرها ثم أحبت معه الإسلام وتعاليمه حتى صارت تقول لنفسها ليته يرضى أن أدخل هذا الدين. فلما نفد صبرها، وضاق صدرها، ترامت الفتاة بين يديه وقالت: أرجوك أن تنظر إلي وتتحدث معي. 

قال: وما كلامك؟ قالت: أعرض علي الإسلام. فعرضه عليها وأسلمت وعلمها كيف تصلي، فلما فعلت ذلك قالت: يا أخي إنما كان دخولي في الإسلام بسببك. فقال لها: إن الإسلام يمنع من الزواج إلا بشاهدين عدلين، ومهر وولي. وأنا لا أجد الشاهدين، ولا الولي ولا المهر، فلو بحثت عن حيلةٍ لنخرج معاً ونعيش معاً لرجوت الوصول إلى دار السلام ، وأعاهدك أن لا يكون لي زوجة في الإسلام غيرك.فقالت: أنا أحتال لذلك.

دعت الصبية الحسناء أباها و أمها وقالت لهما: إن هذا المسلم قد لان قلبه، ورغب في ترك دينه وخدمة بلدنا وقد عرضت عليه الزواج فقال: إن هذا لا يتفق في بلد قُتِل فيه أخي، فلو خرجت منه ليتسلى قلبي فعلتُ ما هو المراد ولا بأس أن تخرجان معه إلى بلد آخر فإني ضامنة لكما وللملك ما تريدونه.

ذهب المستشار المطاع إلى أميرهم وعرَّفه الخبر فسر بذلك سروراً عظيماً، وأمر بإخراجها معه إلى القرية التي ذكرت فلما وصلا إلى القرية وبقيا يومهما، وجن الليل عليهما أخذا في الرحيل وقطع السبيل.

سار المسلم الأسير والصبية الحسناء ليلتهما تلك، وكان الشاب قد ركب جواداً سابقاً وأردفها خلفه وانطلق حتى قرب الصباح فأنزلها، وتوضأ وصليا الصبح فبينما هما كذلك إذ سمعا قعقعة السلاح، وصلصلة اللجم، وكلام الرجال، وحوافر الخيل فقال لها: هذا تبع العدو قد أدركنا، فما تكون الحيلة والفرس قد كلَّ (تعب) ومل، حتى لا يقدر أن يخطو خطوة أخرى؟ فقالت له: ويحك أفزعت وخفت فأين ما كنت تحدثني به من قدرة ربك ونصره للمستغيثين؟ تعال نتضرع إليه وندعه لعله يغيثنا برحمته، ويتداركنا بلطفه سبحانه وتعالى. فقال لها الشاب المسلم: صدقت أيتها المؤمنة. فأخذا في التضرع إلى الله تعالى.

ولما طلع الفجر وصليا الصبح ظهر النور ولم يعثر عليهم العدو وسارا في طريقهما لمدة طويلة ثم رأى الشاب المسلم وزوجته أعلام المدينة المنورة فأقبلا نحوها فلقيه عمر رضى الله عنه والمسلمون فسلموا عليهما. أمر عمر رضي الله عنه أن تُصنع وليمة فحضر المسلمون وأكلوا ورزق الله تعالى الزوجين أولاداً ينشرون العلم والتسامح .

قال الشاب لحبيبته: منذ أن التقيت بك وتواثقنا على الزواج وحبك في صدري يجري كالنهر الجاري واليوم قد آن الأوان لنعيش في حب وأمان. 

هذا شاب عفيف شريف كان عنواناً للوفاء والعفة رغم أنه وقع أسيراً في ديار غير ديار المسلمين إلا أنه حمل عقيدته في خافقه وتمثل بها في واقعه ورفض الإغراء والشهوات المُحرمة وهكذا يجب أن يكون المسلم أينما كان يتدثر بالعفاف والعلم والإيمان.

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1