بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

تعليق على قصة (السعادة)

د. لطيفة الكندري

 

        إن الموهبة أمانه عند كل إنسان وتحتاج إلى جهد كبير، وعمل منظم، وعزم أكيد لتحقيق أقصى درجات السعادة العقلية, والنفسية، والاجتماعية, والجسدية. إن اكتشاف المواهب الكامنة بداية ضرورية وحاجة تعليمية لتحقيق الذات والإسهام في مسيرة العطاء للذكور والإناث داخل الأسرة وفي محيط المجتمع وذلك عن طريق شحذ الهمم, وترقية الفكر, وصقل المواهب, والثقة بالنفس, والاجتهاد المتواصل, والتوكل على الله تعالى.

        يمتلك الإنسان مواهب هائلة تتضاعف بالتربية والتعليم وتضمر بالإهمال, والكسل, والجهل وتلك المواهب الجليلة المستودعة فينا خصبة ومستعدة للنماء حسب البذل والعطاء وينبغي أن يسخرها المسلم في مرضاة الله جل ثناؤه وهذا اختبار لا مفر منه عند أولي الألباب.

من خلال قراءتي التربوية الفاحصة لقصة "السعادة" للطالبة المتميزة حصة المبليش (انظر مجلة آفاق الجامعية، 7- 3 – 2004 م، ص 21، العدد 665 السنة 25) وجدت أنها ترمز إلى عدة مفاهيم نبيلة وأصيلة منها معرفة التعبير عن الوعي بالذات فهي خطوة أساسية لإدراك المعارف الأخرى.  تقرن القصة بين اكتشاف الذات ووضوح الهدف وبين السعادة؛ فوضوح الرؤية قوة دافعة تحرك الأفراد ذاتيا نحو ميادين السعادة وتوجه النفوس نحو آفاق الهداية في جميع نواحي الحياة.

قراءة القصص المفيدة ومطالعة الكتب النافعة جولات مثمرة ورياضة عقلية تهذب النفوس البصيرة فالقارئ اللبيب ينتقي المعاني الرفيعة ليقتدي بها والحاجة ماسة ومستمرة إلى استثمار المواهب وفق نظرة متفتحة متفائلة وخطوات ثابتة وموضوعية. القارئ النهم هو الذي يأخذ من العقاد عمقه, ومن الرافعي إبداعه, ومن شوقي إشراقاته لصقل قدراته العقلية والنفسية بصورة ترتقي بالفرد وتقيه من شرور النفس والناس. هكذا فعلت عائشة بنت الشاطئ لتطوير مواهبها لتكون قدوة معاصرة، وكذلك فعلت باحثة البادية: ملك حفني ناصف لقيادة مسيرة النهضة النسائية على هدي الفضيلة، والمسيرة تسع كل من يريد أن يسير على درب العطاء المحفوف بالتحديات والحافل بالإسهامات.

يقول الكاتب الفرنسي برناردين دي سن بيير "إن السعادة ينبوع يتفجر من القلب، لا غيث يهطل من السماء" ويقول تومس الأكويني (ت 1274 م)" لا سبيل لتحقيق السعادة إلا عن طريق تقوى الله".

ومعرفة الإنسان لحقيقة ذاته شيء إذا آنسناه وصاحبناه وسامرناه انطلقنا يقينا إلى النجاح والسعادة, وإلى القدرة على معرفة الآخرين والتعايش معهم؛ فالإنسان الملم بحقيقة ذاته - المليئة بالجواهر النفيسة - يكون دائما قادرا على خلق فرص الحياة المناسبة لنفسه, ويكون أكثر إيجابية في التعامل مع الآخرين.

توضح قصة "السعادة" المعادلة التالية:

معرفة الذات الإنسانية

+

رؤية واضحة للهدف المنشود

+

بيئة ملائمة لتحقيق الهدف

=

سعادة إنسانية

تدعو القصة الرمزية القصيرة (قصة السعادة) إلى ترغيب القارئ بجملة من المعاني التربوية العظيمة منها أن يترك الإنسان أثرا إيجابيا في نفوس الآخرين ففي الحديث الشريف "إذا مات الإنسان؛ انقطع عمله؛ إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو لـه، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به" (رواة مسلم).

ومن ثمار التميز أن يترك الإنسان بصمة حضارية صالحة وسيرة عملية حسنة بعد مماته فالإنسان الذي يترك أثراً صالحاً بعد مماته يظل ذكره الطيب حياً ومشرقا؛ فكم من إنسان عاش ومات ولم يكن شيئاً مذكوراً في سجل العطاء لأنه لم يترك بصمة صالحة على أبنائه وبناته ومجتمعه الذي ينتمي إليه ويعيش فيه, وكم من أُمة عاشت ذليلة على هامش الحياة وماتت ضئيلة في رحلتها الحضارية لأنها لم تترك أثراً صالحاً وميراثا زاخرا يُخلده التاريخ الإنساني في سجله الذي لا يجامل الخمول. 

وبعد هذه التحليلات العابرة, فإنني بكل استبشار أشد على يد كاتبة قصة "السعادة" قائلة لها بارك الله في قلمك وقصتك وهمتك ومواهبك وآمل أن أجد في القريب العاجل ثمار هذه المواهب على صفحات الجرائد والمجلات ومواقع الانترنت ليعم نفعها لا سيما وأن الأقلام النسائية الشابة تقع عليها مسئولية كبيرة في إثراء ميدان الفكر ونشر مشوار الثقافة وخدمة واحة الفنون.

Hosted by www.Geocities.ws

1