التعليقة والتعلم التدبري

التعليقة والتعلم التدبري

بقلم د. سامي نصار

قام الدكتور سامي محمد نصار بكتابة ورقة قيمة باسم "التعليقة والتعلم التدبري" تعليقاً على تعليقتنا إذ أن قسم الأصول والإدارة التربوية في كلية التربية الأساسية ناقش أسلوب التعليقة كطريقة من طرق التعليم وهو المجال الذي وجهنا إليه الأنظار كفكرة وممارسة في كتابنا تراثنا التربوي: ننطلق منه ولا ننغلق فيه، كما رحب القسم الموقر بفكرة نشر التعليقة كمنهج للبحث والتعلم. وهو الأمر الذي يسعدنا لأن فيه إحياء وإثراء للمشروع الذي ننادي به ونعمل من أجله مع تأكيدنا على أهمية أن تتوالى الدراسات الجادة المتخصصة، نظرياً وميدانياً، وبشكل مؤسسي لتجلية منهج التربية الإسلامية في ضوء المستجدات العصرية من أجل تطوير وتقويم طرائق التدريس. 

سنظل إن شاء الله مع مشروع التعليقة "باعثين بذلك أصلاً من أصول التربية الإسلامية نافضين عنه الغبار، دافعين به بحماسة .. إلى مركز العملية التعليمية وقلبها في كلية التربية الأساسية التي تعنى بإعداد المعلم" كما يَصِفنا د. سامي- مشكوراً- في ورقته. سنجتهد في نشر منهج التعليقة تنظيراً وتعليماً وتطبيقاً وذلك بالتعاون المتبادل مع كل من يؤمن بهذه الفكرة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

فيما يلي نص ما كتبه الدكتور الفاضل:

التعليقة والتعلم التدبري: مدخل معاصر إعداد د. سامي محمد نصار[1]

في صبيحة يوم من أيام صيف عام 1982 م كنتُ عائداً من مدينة فرساي الفرنسية إلى باريس، وجاءت جلستي في القطار بجانب مجموعة من الطلاب الفرنسيين الذين كانوا يستعدون لامتحانات نهاية العام الدراسي. وقد دل على ذلك انشغالهم بالقراءة من دفاتر وملفات كبيرة الحجم. وقد اختلستُ النظر إلى ملف من كان إلى جواري فوجدت فيه أشياء لم آلفها من قبل، كتابات بخط اليد بألوان مختلفة، علامات بأسهم ومربعات، قصاصات من صحف لصقت أمام المخطوط، صور لصفحات من كتب، والنص المخطوط في وسط الصفحة مكتوب بخط جميل وواضح ومنمق.

آثار لدي فضولي فبادرت الجالس إلى جواري بالسؤال –معتذرا- عما سوف آخذه من وقته-: "ماذا تفعل؟" فأجاب: "أراجع للامتحان". فسألته: "ولكن أين الكتاب المقرر؟"

فبدت على وجهه علامات استنكار ممزوجة بالتعجب وقال: "أي كتاب تقصد؟ إنني طالب في كلية الحقوق وهذه مادة القانون الجنائي، وهناك كتب وقوانين كثيرة". واعتقدت لوهلة أن من  الأفضل بالنسبة لي ألا أسترسل في الأسئلة حتى لا أضيع وقته من ناحية، ولا أبدو كمن يرى أناساً يستذكرون دروسهم لأول مرة في حياته، ولكن ما شجعني على معاودة السؤال أنه استأذنني أن أحمل عنه الملف قليلا حتى يحضر شيئا من حقيبته، فكانت فرصة لأقلب بسرعة بعض صفحات الملف وأقف على بعض ما فيه فوجدت نصوصاً لقوانين مصورة من مصادرها الأصلية وموثقة، وقصاصات صحف تضمنت حوادث وقضايا وجرائم، وتعليقات الرأي العام وخبراء القانون وآرائهم حولها بعضها قديم وبعضها معاصر، إلى جانب ما هو مخطوط في صفحات مستقلة تحمل أحيانا تعليقات في هوامشها وحواشيها وإحالات لمراجع ولأشياء أخرى لم أتخيلها. وكان سؤالي "أهذا من إعدادك" فقال: "نعم يا سيدي" واستطرد شارحاً "إنما هو مكتوب بخط اليد هو ما شرحه أو أملاه أستاذنا في قاعة المحاضرات، وهو خلاصة فهمي له، والتعليقات في الهوامش إما نتيجة مناقشة دارت داخل القاعة أو نتيجة رأي لي أحببت أن أثبته إلى جانب ما قاله، وصفحات الكتب هي لآراء اختلفت أو اتفقت مع أستاذنا في القضية التي كان يطرحها علينا مؤيدة بنصوص القانون، وقصاصات الصحف هي التطبيق الذي يتمثل في جرائم ارتكبت أو حوادث وقعت كان لها رد فعل كبير داخل المجتمع وأثارت خلافاً بين فقهاء القانون".

انتهى كلام الطالب الفرنسي وانتهت تساؤلاتي.

   وسرحت بعين عقلي عبر البحر المتوسط لأجد طلابنا وقت الامتحانات وهم يتجولون في حدائق الجامعة وقد حمل كل منهم كتابا مقررا تهرأت صفحاته من كثرة التقليب فيها فليس أمامهم غيره وهو المرجع والمصدر وهو المبدأ والمنتهى، وهو غاية الإرب في تعليم بني العرب. ولا تختلف الليلة عن البارحة فما كان موجوداً منذ أكثر من ربع قرن من الزمان لا يزال ماثلاً أمامنا نطالعه في طرقات الجامعة وفي قاعات المحاضرات، أستاذ يشرح أو يلقن...أو طلاب فتحوا آذانهم وأعينهم وكتبهم وأغلقوا عقولهم. يراجعون على الأستاذ ما يقول فكرة فكرة، وفقرة فقرة، وتجري أيديهم بأقلامهم على صفحات الكتاب تشطب ما لم يقله، وتضع خطوطاً تحت ما وقف عنده وأسهب فيه. وقرب الامتحان تبدأ المفاوضات حول ما هو مقرر وما هو غير مقرر، وما قاله الأستاذ وما لم يقله...الخ.

   وكأن التعليم صار عملية إعادة إنتاج لنفس الأفكار بل لنفس النصوص بكلماتها، وبشكل سطحي لا يمس جوهر المتعلم عقلاً وتفكيراً، وموقفاً وسلوكاً، وقيماً ومبادئ.

   تذكرت كل هذا عندما قرأت ما كتبه الأخ والزميل د. بدر ملك والأخت د. لطيفة الكندري عن "التعليقة" باعثين بذلك أصلاً من أصول التربية الإسلامية نافضين عنه الغبار، دافعين به بحماسة تدعو إلى الإعجاب إلى مركز العملية التعليمية وقلبها في كلية التربية الأساسية التي تعنى بإعداد المعلم.

ولما كنت أحسب نفسي من زمرة المستغربين (وهي عكس المستشرقين لا أقل ولا أكثر) فقد بدأت من الاتجاه المضاد للزميلين الفاضلين فإذا كانا قد بدءا من التراث العربي الإسلامي فإنني أبدأ من التراث الغربي وبالتحديد الفكر التربوي المعاصر لأقف على الكيفية التي استطاع فيها هذا الفكر أن يغرس في عقول الطلاب المنتسبين إليه روح التفكير الناقد، والمبادرة الدؤوبة للبحث عن المعرفة من مختلف مظانها، وروح التحدي لما يتلقونه من معرفة، فلا يصبحون مجرد متلقين سلبيين لها، بل تتفاعل داخل عقولهم لتنتج موقفاً جديداً، وأفكاراً متجددة من خلال إعادة قراءة النص وإنتاج "نص" مختلف يعبر عن رؤية جديدة للعلاقات التي تربط بين أقسام المعرفة الإنسانية، ونظرة جديدة للعالم ووجدت أن قسما كبيرا من ذلك يرجع إلى تأصيل فكرة "التدبر" Reflection وترسيخ مهاراتها لدى طلابهم من خلال ما أطلق عليه التعليم التدبري Reflective Teaching .

ولاستجلاء مفهوم التعليم التدبري لا بد لنا من وقفتين إحداهما لغوية والأخرى اصطلاحية. ولغويا تشير كلمة تدبر في اللغة الإنجليزية على معان متعددة منها انعكاس الضوء أو الحرارة أو الأشعة من سطح ما، كما تشير أيضاً إلى التفكير والتركيز فيما يحدث داخل العقل، ومن معانيها أيضاً في اللغة الإنجليزية العودة إلى الوراء والتفكير في موضوع أو فكرة أو هدف "Webester, 1993".

وقد درج المترجمون العرب على استخدام كلمة تأمل في مقابل كلمة Refection وهو استخدام شائع في الكتابات الفلسفية وقد آثرنا هنا ترجمتها إلى "تدبر" لتشير إلى استفادة الإنسان من عملية التفكير في تصحيح مسار تفكيره أو عمله، فدبر الأمر لغة أي ساسه ونظر في عاقبته، وتدبر الأمر عرفه بآخره (مجمع اللغة العربية: 1985).

وفي القرآن الكريم وردت الكلمة بصياغات ثلاث: الأولى يدبر كما في الآية الكريمة" ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ" (يونس: 30). "وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَفَسَيَقُولُونَ اللّهُ" (يونس: 31). وهي هنا تعني ساس الأمر وملك  ناصيته (محمد فريد وجدي، 1988م). والصيغة الثانية يتدبر في مثل قوله تعالى "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " (محمد: 24) وهي هنا بمعنى يتأملون، والصيغة الثالثة يدبر كما في الآية الكريمة "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"(ص: 29) وهي هنا بمعنى ليتفكروا في آياته ويتعظوا به (محمد فريد وجدي: 1988).

أما من الناحية الاصطلاحية في مجال التربية فمصطلح التعلم التدبري استخدمه جون ديوي ليشير إلى عناصر وخطوات الخبرة العقلية التي يتلقاها المتعلم (ديوي: 1946). كم استخدمها بود Boud وآخرون بمعنى الأفعال العقلية والوجدانية التي ينشغل بها الأفراد في اكتشاف خبراتهم من أجل التوصل إلى فهم جديد (1985: Boud et.al).

ويرجع إلى سكون Schon الفضل في دراسة مفهوم التدبر من منظور نقدي وتأسيسه من جديد ليلائم طبيعة المعرفة في إطار عالم ما بعد الحداثة، حيث يرى أن التدبر أو الممارسة التدبرية في التعليم Reflective Practice من شأنها أن تعين المتعلم على وضع أو تحديد الإطار العام للمشكلات التي يواجهها، وكيفية تقييم المعرفة التي تولدت من ممارسة التعلم واستخدامها بالاشتراك مع آخرين  (Ghaye & Ghaye, 1998) .

ويوجه سكون سهام نقده إلى الاتجاهات العقلانية الفنية Technical rationality في التربية التي تفصل بين النظرية والتطبيق، وتنظر إلى المعلم على أنه عامل فني Technician فالجامعات ومعاهد التعليم العالي تنتج المعرفة والمدارس تطبقها، والمعلمون فنيون لأنهم لا يتساءلون عن قيمة ما يقومون به من عمل ولا يفكرون في السياق الذي يعملون فيه، ومن هنا فإن فيلار (Villar: 1995) يرى أن التعليم التدبري (Reflective Teaching) يشير إلى عملية التحليل النقدي التي يطور بها المعلم مهارات التفكير المنطقي واتجاهات إصدار الأحكام المبنية على الفكر والتأمل. ومن ثم فإن التعليم التدبري يقوم على جانبين أحدهما معرفي (Cognitive)  والآخر وجداني (Affective). ومن هنا فإن التعليم التدبري عبارة عن مفهوم فرضي (Construct) يؤكد على الحاجة إلى فهم التناقضات وحلها من أجل الوصول إلى النمو المعرفي والوجداني. وتتعدد الاستراتيجيات التي يستخدمها كل من الطالب في ممارسة التدبر والتي من أهمها:

-الكتابة: من أجل اقتناص أفكار المعلم وأساليب تفكيره من أجل التوصل إلى منتج فكري جديد يمكن تقويمه وتعديله.

-الرجوع إلى مجلات إلى المجلات والدوريات والصحف: للوقوف على الجديد من المعلومات في موضوع التخصص أو الدراسة وكذلك الأحداث اليومية المرتبطة به.

-سجلات الحالة (Case Record)  وهو نشاط منظم يتضمن جمع معلومات عن قضية معين معينة أو حالة يتم دراستها والتركيز عليها.

-المواقف التعليمية الجماعية: مثل المحاكاة ولعب الأدوار والتعلم التعاوني والتدريس المصغر.

-التعلم الإلكتروني أي التعامل مع النصوص الالكترونية من خلال شبكة الانترنت وغيرها.

-استخدام القصة والحكاية والمجاز (Metaphors) لشرح الفكرة أو توضيح المعنى أو إثارة الفكر.

التغذية الراجعة.

والآن عزيزي القارئ -بعد هذه المقدمة التي طالت- آن لنا نمارس "التدبر" لذلك أرجو منك إعادة قراءة "التعليقة" التي كتبها كل من الدكتور بدر ملك والدكتورة لطيفة الكندري، والتفكير في القضايا التالية:

-جوانب الاتفاق بين التعليقة والتعليم التدبري من حيث المفهوم والممارسة.

-كيفية الاستفادة من التعليقة والتعلم التدبري في دراستك.

-كيفية اعداد ملف شخصي (Portfolio) لك.

-كيفية اعداد حقيبة أو رزمة تعليمية بشكل مادة أو مقرر تدرسه.

مع تمنياتي بالتوفيق.

 

د. سامي نصار[2].

 



1 أستاذ أصول التربية المساعد- كلية التربية الأساسية.

 

2 استلمنا هذه الورقة في يوم الأحد الموافق 20-5- 2002م.

Hosted by www.Geocities.ws

1