كل
تغيير حقيقي يبدأ من الداخل لأن الله عز وجل لا يأذن لنفس بالتغير حتى تبادر هي
أولاً. عندما كنتُ في مرحلة الثانوية كسرت رجلي وأنا ألعب كرة
القدم وكان الكسر في الكاحل. مضت الأيام فإذا بي أحصل على شهادة درجاتي المدرسية
وكان ما كنت قد توقعته حيث رسبت في مادتين. بين إقدام وإحجام جمعت ما تبقى لدي من
عزم وسلمت شهادتي إلى أخي أحمد رحمه الله تعالى. كنت خائفاً من العقاب البدني ولكن
لم يحدث ذلك مُطلقا فلقد كان كعادته هو الرحيم بالأيتام. قال لي أخي أحمد: يا أخي
"بدر" إن رسوبك خسارة لك وليست لي. شهادتك وعلمك لك أنت. رفع قلماً كان معه ثم قال: القلم فيه خير كبير. هذه الكلمات
كانت كقاصف من الريح الذي حرك كل أحاسيسي ومازلت أذكر القلم مرفوعا فهو طريق العلم دائما. جددت العزم على الجد والمثابرة وبين
وثبات النجاح وسقطات الرسوب أحياناً سارت الأيام ومعها كثير من الآلام فهل تحققت الأحلام؟
وشاءت الأقدار أن أتغرب وأترك الأهل وفي تاريخ 29 – 10 –
1992 م كتبتُ إلى زوجتي أصبرها فقلت إن هذه الأيام ستصبح يوماً "مجرد ذكريات
نتسامر بها، ونسردها لأبنائنا .. يا رفيقة الدرب ... حسبنا من هذه الدنيا أننا
نصنع مجدنا فإن وصلنا فهذا مبتغانا وإن كان غير ذلك فقد بذلنا...الدرب طويل،
والثمن غال، والهدف نبيل. الثبات الثبات يارفيقة الدرب ولا تلتفتي إلى التضحيات
ولكن انظري إلى الغايات، والآن عودي إلى أولادنا وعلميهم الثبات وقولي لهم إن
السعادة في العبادة..".
شققت
طريقي وأتممت دراسة الدكتوراه وفي نفس تاريخ ميلادي شاء قدر الله سبحانه أن أحصل على شهادة الدكتوراه
وازددت يقيناً أن البذل أساس التوفيق وأنه يبدأ من داخل النفس وأن التوفيق رزق في
السماء وليس بيد البشر.
عُدت
إلى الكويت وفي جمع من الأصدقاء أنشد الأخ الشاعر سلمان مندني هذه الأبيات:
|
لكنْ لَها بِكَ يحصَلُ الفخـــــــرُ |
أقبلتَ تفخر بالشهادة عالِمــــــاً |
|
أمران يحصَل فيهما النّصْـــــــرُ |
أعطيتَ جَهْدكَ مخلِصاً متصبِّــــــراً |
|
ما طالَ ليلٌ بعدهُ الفجْــــــــرُ |
لكنّ بَعد الجُهْدِ تلقى راحـــــــةً |
|
لِسماءِ ربعِكَ عدتَ يا بــــــدْرُ |
ولقد رجعتَ فمرحباً يا عــــــائداً |
في
يوم التخرج فشلتُ في أن أمنع دمعتي عندما تذكرت أخي أحمد الذي أيقظني من غفلتي ثم
فشلت مرة أخرى أن أمنع دمعتي وأنا أكتب هذه الحكاية لأنني كنت أود أن أقول لأخي:
إن الكريم هو كافل اليتيم ..إن العظيم هو الذي يغير الناس من الداخل..إن العظيم هو
الذي يربي
بالرفق..ولكن هكذا شأن بعض الكرماء في هذه الدنيا يرحلون فجأة ولا يسمحون لأحد أن
يشكرهم في لحظة وداع ولو بكلمة ثناء أو دمعة وفاء.
لم تمض مدة يسيرة على رجوعي للبلد حتى بدأت برحلة ثانية
لتكمل زوجتي لطيفة دراستهاالعليا ورغم أنني ادخرت من المال ما ظننت أنني قد بذلت الأسباب ومعنا خمسة من الأبناء إلاأن الأيام أثبتت
أن الحذر لا يدفع القدر!
وحانت ساعة الفراق فتركت الأهل ولأن الغربة قد تطول لم
أجد بُداً من الاستغناء عن مكتبتي التي كانت جنتي في الأرض وكأني أنظر للشاعر يرثي
حاله وحال أمثاله بعد فراق مكتبته:
|
وقد طال وَجدي بعدَها وحنيني! |
|
أَنستُ بها عشرين عاماً وبعتها |
طلبت والدتي الغالية أن أضع مكتبتي في بيتها كما فعلتُ
في الرحلة الأولي لمدة ست سنوات ولكني لم استحسن الفكرة فعتب علي الجميع فجزاهم
الله خيرا. ومازلت أحن لذكريات تلك المكتبة.
وفي بلاد الغربة وبعد سعة الحال ضاقت الأمور وساءت
وحينها طلبت من صاحب لي أن يرد لي عشرة آلاف دينار كان يستثمرها لي وبعد معاناة
وتهرب يطول شرحه علمت أننا قد خسرنا! كانت خسارة كبيرة أن تخسر صديقا تحسبه من
المحسنين ثم يستغفلك في ساعة الحاجة! ومن شدّة الغضب بعثت إليه برسالة قصيرة وفيها
أنني لا أنسى أو أسامح!
أسأل الله
أن يصلحنا جميعاً.
لم تزل التحديات تلاحقنا فالحوادث المرورية خطفت الأحباب
... هممنا بالعودة ولكن الله قذف الصبر في قلوبنا ولم نقطع رحلة طلب العلم ...
وفي بلاد الغربة تشرفت بالعمل كرئيس لمركز اسلامي في
مدينة ستيت كولج كما عملتُ في المؤسسات الإصلاحية كمرشد ديني واجتماعي لمدة 800
ساعة وفي نفس اللحظة شاركت في العديد من المؤتمرات العلمية في جامعة بن ستيت
فتحدثت عن أثر الحضارة الإسلامية في التربية الغربية ونشرت العديد من المقالات
القصيرة للتعريف بالإسلام ونشرت في جريدة السنتر ديلي تايم. كنتُ في طفولتي أتمنى
أن يشرفني الله بالدعوة للسنة النبوية باللغة الإنجليزية فتحقق ذلك بفضل الله وحده
فكتبت رسالة الماجستير والدكتوراه في هذا الباب الجليل من منظور تربوي.
ومضت الأيام وتحققت الأحلام ولولا قوله سبحانه وأما
بنعمة ربك فحدث لما أوردت هذه الحكاية.
