تعليقة أصول التربية

في آفاق التعليقة  3

مُقَدِّمَة  4

الفصل الأول: مفاهيم أساسية  7

التَّعْلِيْقَة التَّعْلِيْمِيَّة  7

من أهداف دراسة أصول التربية  11

الأصول لغة واصطلاحاً 13

قواعد تربوية عالمية  16

أهمية دراسة الأصول التربوية  20

أهم موضوعات الأصول  25

التربية لغة  26

التأديب   29

التربية اصطلاحاً 30

تحليل ومناقشة تعريفات التربية  34

التربية بلا حدود  37

أهداف التَّربية  41

مصادر اشتقاق الأهداف   44

تطبيقات معاصرة للأصول التربوية  45

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقة أصول التربية

 

 

د. لطيفة حسين الكندري                           د. بدر محمد ملك

مستشارة مركز الطفولة والأمومة                    كلية التربية الأساسية

 

1425 هـ = 2005 م


© جَمِيعُ الحُقوق مَحْفُوظَة لِلمُؤلِفَين

الطَّبعة الثانية

1425 هـ = 2005 م

 

ردمك: ISBN: 99906 - 76 -36-4

    رقم الإيداع: Depository Number: 2004/00384

 

موقع د. لطيفة الكندري على شبكة الانترنت

http://www.geocities.com/alkanderi1

موقع د. بدر ملك على شبكة الانترنت

http://www.geocities.com/ta3leqa1

ـــــــــــــ مكتبة الفلاح ـــــــــــــ

للنشر والتوزيع

دولة الكويت- حولي - شارع بيروت- عمارة الأطباء. تليفون: 2641985 فاكس: 2647784 ص. ب 4848 الصفاة الرمز البريدي 13049 الكويت- برقيا: لغاتكو.

دولة الإمارات العربية المتحدة - العين - تليفون:7662189 فاكس: 7657901 ص.ب16431

 

في آفاق التعليقة

 

وقال تعالى:"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25}" (سورة إبراهيم).

 

قال الرسول e :"إنما العِلْمُ بالتّعلُّمِ، وإِنَّما الحِلْم بالتَّحلُّم، ومَنْ يتحرَّ الخيْرَ يُعْطَهُ، وَمنْ يَتَّقِ الشَّر يُوَقَّهُ"[1]. وقال "كلُّ امرىءٍ مُهيأ لمِا خُلِقَ لهُ"[2].

 

قال الشَّافِعِيّ رحمه الله: "مَن أرادَ الدُّنيا فعلِيهِ بالعِلم وَمَن أَرادَ الآخرة فعليه بالعِلم".

 

قال أرسطو "جذور التربية مرَّة، ولكن ثمارها لذيذة".

 

قال عبدالحليم أبو شقة (1999 م) "والدعوة إلى الرجوع للأصول من كتاب وسنة لمراجعة أوضاعنا ولتقويم مفاهيمنا وتصوراتنا التي ورثناها عن الأجداد سواء في مجال المرأة أو في غيرها من المجالات، دعوة إلى هدى" (ج1, ص 52).

                                                                                                                                                                  

مُقَدِّمَة

 

يسعى هذا الكتاب إلى التعريف بمبادئ التربية ومكوناتها مع مراعاة الأصالة والمعاصرة في العرض والتحليل والتعليق والترجمة. تعليقتنا هذه رحلة جديدة، وتجربة جادة لتأصيل العلوم الاجتماعية وهي لا تخلو من اجتهادات عديدة، ومناقشات متفرقة، وتلخيصات مفيدة، وأفكار مبتكرة، وتعليقات متنوعة، وتحقيقات هامة، ومراجع قيمة. لا يمكن الانتماء إلى سلك التربية والتعليم والتمكن من ناصية بعض فنون التربية بمجرد الإطلاع الموسَّع على الأدبيات التخصصية، ولكن لا بد من إدراك مفاهيم التربية الصحيحة ثم المجاهدة في تجسيدها على أرض الواقع.

يعيش العالم كله في ظل ظروف متقلبة لا تكاد تستقر أو تسفر عن وضعية ثابتة تتيح للمفكرين بناء سياق موحد للتنشئة الصالحة بل إن خطاب الصراع الثقافي في العالم يتجلى في العولمة ذلك المد المتدفق الذي يغرق فيه من لا يُحسن العوم في شلالاته الهادرة. من هنا تنبع أهمية الخوض في شأن التنشئة بغرض التعرف على قسماتها العامة والتعرض لمسائلها الهامة بدون التعمق كثيراً في إشكالاتها الفكرية المتجددة أحياناً، والجدلية دائماً.

إن الأصول تعني القواعد التي تستند إليها السياسات والأنشطة التربوية، ولا شك في أنها كثيرة وليس هناك من إجماع حول معظم التفاصيل المتصلة بتوصيفها كما أن الأصول متداخلة بعضها مع البعض الآخر ولكن بغرض التبسيط والدراسة يتم عرض كل أصل على حِدة.

إن ظاهرة ترابط العلوم وتداخلها Interdisciplinary تفرض على المربي أن يحيط علماً بأساسيات بعض العلوم الضرورية التي تخدم المجال التربوي فهو لا يستغني عن الإطلاع على مبادئ علم التاريخ لمعرفة أنماط التعليم وآراء المربين سابقاً ولا يستغني عن معرفة أساسيات الدين الإسلامي لأنه لا يمكن أن يقوم بعمله المنشود دون ذلك الإطلاع. وهكذا فإن ثقافة المربي وبرنامج إعداده بشكل علمي يجب أن يُدعّم بمعرفة طائفة من أصول العلوم الأخرى المتعلقة بالتربية.

إن الانفتاح الفكري على الثقافات العالمية يتطلب الالتزام بالاتزان والمرونة في التعامل مع الثقافات وفق التصور الإسلامي الذي يُرحِّب بالجديد النافع ولكن لا يذوب فيه وإنما يصوغه في منظومته المتميزة الخالدة. نحن نعيش في عصر العولمة Globalization أو ما يُسمى "بالقرية الكونية" وبحاجة إلى الانفتاح الواعي المتزن على ثمار العلوم أينما وُجدت ولكن دون أن ننسلخ من إسلامنا الذي فيه عزنا ورفعتنا. بدأت الكثير من الدعوات المخلصة في العمل على فهم العلوم الاجتماعية من منظور إسلامي في محاولة منهجية لتأصيل النافع منها وربطها بالمنابع المعرفية الإسلامية.

لقد كتبنا هذه التعليقة في ضوء الاعتبارات السابقة فتطرق الفصل الأول إلى بعض المفاهيم الأساسية في أصول التربية والتعليم ثم قدمنا في الفصل الثاني بياناً مجملاً لأهم الأصول التربوية وهي: الأصول التاريخية، والدينية، والسياسية، والإدارية، والفلسفية، والاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، وفي الفصل الثالث استعرضنا أفكار نخبة من رواد التربية وجاء الفصل الرابع لذكر الخلاصة والنتائج وفتحنا المجال للقارئ الكريم كي يدلي بدلوه.

ويهدف هذا الكتاب إلى التعريف بمفهوم التربية وأهدافها، وضرورتها، وصلتها بالعلوم الأخرى مع إبراز دور التربية في التغير الاجتماعي والتطور الحضاري. كما يهدف الكتاب إلى تنمية الاتجاهات السليمة نحو مهنة التدريس مع تقديم فكرة عامة عن الاتجاهات التربوية المعاصرة في موضوع إعداد وتدريب المعلم والمعلمة، واستعرضنا قسمات التعليم في العالم العربي من أجل تقديم تصورات لمواجهة التحديات.

ولا شك أن التربية ليست مؤلفات نكتبها ولكنها حياة نعيشها من وحي استلهام واع للموروثات الثقافية وهذه بمجموعها تتطلب التدريب الدائم والمراجعة المستنيرة للمنهاج والضوابط والآليات والمخرجات. المربي المسلم في مسيس الحاجة إلى جملة أصول تدور كلها حول ثلاث فضائل تشكل معادلة عملية أساسية لتفعيل العمل التربوي وهذه الفضائل هي: فضيلة العلم، وفضيلة العبادة، وفضيلة العدل. تلك الدعائم الحضارية لا يمكن الاستغناء عنها أبداً في كدحنا وكفاحنا وسعينا المستمر في هذه الحياة لإقامة مجتمع العدل البشري المنشود. قال الحق سبحانه: "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)" (سورة البقرة).

نأمل أن يحقق هذا الكتاب أهدافه في تنمية الوعي التربوي لجيلنا الجديد ثقافة وقناعة، في محيط الفرد والمدرسة والمجتمع، علماً وعملاً وتعليماً من أجل خدمة الأمة الإسلامية كي تشرق بشمس حضارتها وتتسع شأواً وشأناً بآفاق إسهاماتها.

الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي هَدى الُعقُولَ لِوَضْعِ الأُصُولِ لِلعارِفِين، وَبَعَثَ نَبِيَّهُ e مِثالاً عَمَلِياً للمُعَلِّمِين والمتَعَلِّمِين، فَأَرْسَىَ فُنُونَ التََّفْكِيرِ، وَهَدَىَ إلى قَواَعِدِ التَعلْيمِ، وَرَسَمَ مَعاَلِمَ التَّرْبِيَةِ الرَّشِيدَةِ لِتَكُوْنَ رَحْمَة لِلعَاَلَمِيْنَ، وَحُجْة إلَى يَومِ الدِّيْنِ.

 

د. لطيفة الكندري              د. بدر ملك

 

الفصل الأول: مفاهيم أساسية

 

        التَّعْلِيْقَة التَّعْلِيْمِيَّة

 

لقد سمينا كتابنا هذا تعليقة أصول التربية لأننا نعمل على فكرة إحياء وتطوير التعليقة في المؤسسات التربوية. في كتابنا "تراثنا التربوي" وفي مواقعنا على شبكة الانترنت بيان تفصيلي لهذا المشروع ولمحة تاريخية عن نشوء التعليقة. التعليقة - جمعها تعليقات وتعاليق ونقصد بها مذكرة الطالب أو المعلم يُسجل فيها ما يتصل بموضوع العلم الذي يدرسه. عرف المسلمون التعليقة منذ أكثر من ألف سنة واستخدموها في تدوين العلوم العقلية والنقلية وفي مدارس النظامية والأزهر والمستنصرية ومع مرور الزمن ولأسباب كثيرة غابت كلمة التعليقة وآدابها من الساحة العملية والعلمية حتى غدت كلمة غريبة.

قال الخبير التربوي د. يوسف عبدالمعطي"اطلعتُ على كتاب: تراثنا التربوي, ننطلق منه ولا ننغلق فيه للأخ الفاضل الدكتور بدر محمد ملك, والأخت الفاضلة الدكتورة لطيفة حسين الكندري, فأحسست بسعادَةِ مَنْ بَحَثَ عَنْ أَمْرٍ عُمراً, ثم فُوجئ به أمامه! ... وتوقفت طويلاً أمام: التعليقة التعليمية كوسيلة لإحياء وتطوير تراثنا التربوي وأشهد أن كتابكما قَدَّم بهذا الأمر "فتحاً" جديداً. فاستخرج من التراث هذه الممارسة فشرحها، وأوضحها، وأثراها بإضافات، وأصَّلها بمعايير، وقدَّم إضاءة تعين المتعلم، وتوجهه لكيفية كتابتها".

يمكن اختصار أهم معايير التَّعْلِيْقَة التَّعْلِيْمِيَّة الجيِّدة بالنقاط التالية:

1-التَّنوع في جمع المصادر على قدر الإمكان.

2-التَّوثيق الدَّقيق للمراجع.

3-حُسن التَّنظيم والعرض.

4-التَّعليق والمناقشة لبعض الموضوعات.

5-أن تكون المادَّة العِلْمِيَّة المجموعة وثيقة الصِّلة بالمحتوى العلمي للمقرَّر الدِّراسي.

6-الأصالة بمعنى ظهور بصمات إسلامية في صميم محتويات التَّعْلِيْقَة.

7-المعاصرة وذلك بالاستفادة الحكيمة من مصادر المعرفة العصرية وربط الموضوعات بحاجة المجتمع اليوم.

8-التَّعْلِيْقَة الجيدة هي التي تنفع صاحبها بطريقة أو بأخرى فيمكن أن يراجعها المتعلم قبل الامتحان أو إلقاء الدروس العلمية وذلك لوجود الخُلاصات فيها.

9- يُحاول الطَّالب أن يقوم بإعداد مُلخصات ورسوم توضيحية للموضوعات المُهمَّة في المقرر كما يمكنه الاستفادة من مهارات الخريطة الذِّهنية لإعداد بعض فقرات تَعليقته.

10- يختار الطَّالب برغبة وقناعة فكرة إعداد التَّعْلِيْقَة.

بعض التوجيهات لإعداد التعليقة التعليمية:

- غلاف البحث أو التَّعْلِيْقَة التَّعْلِيْمِيَّة يجب أن يتضمن عنوان العمل، والاسم الكامل لُمقدِّم أو مقدِّمة التَّعْلِيْقَة، ثم اسم المقرَّر ورقم المجموعة، ثم اسم أستاذ المقرر والتَّارِيخ الهجري والميلادي.

- تحتوي التَّعْلِيْقَة التَّعْلِيْمِيَّة – غالباً - على مقدِّمة ثم تتوالى الموضوعات التي هي مادَّة التَّعْلِيْقَة وأخيراً الخاتمة وقائمة المراجع.

- مقدِّمة التَّعْلِيْقَة فيها سبب اختيار موضوعات التَّعْلِيْقَة وأهميتها ومكوناتها ومنهجها.

- مراجعة الأدبيات تُعطي الكاتب قوة وسيولة في طرح الأفكار، والتَّعرف على مصطلحات الفن.

- الُمفترض أنَّ الفهرس أو صفحة محتويات التَّعْلِيْقَة تُوضِّح بشكل مُتسلسل ودقيق أهم موضوعات التَّعْلِيْقَة.

- الخاتمة عادة هي خلاصة التَّعْلِيْقَة وفيها يوجز الطَّالب أهم الفوائد التي ظفر بها في تعليقته.

- أي كلام يتم اقتباسه مُباشرة (حرفياً) من كلام الآخرين يجب وضعه بين قوسين "…" مع تحديد اسم المؤلف والصَّفحة ثم في النِّهاية يقوم الباحث (الطَّالب أو الطَّالبة) بتوثيق المصدر كاملاً. مثال للتَّوثيق في قائمة المراجع:

    الكندري، لطيفة حسين (1425هـ - 2004م). تشجيع القراءة. ط1. الكويت: مركز الطفولة والأمومة.

- يجب أن يوضِّح الباحث (الطَّالب أو الطَّالبة) رأيه في بعض موضوعات البحث ولا يكتفي بالنَّسخ والتَّلخيص من المصادر. يذكر الكاتب في خاتمة البحث والتَّعليقة مناقشاته وأفكاره ومقترحاته.

- هناك مصادر أصلية ومراجع ثانوية والجرائد والمجلات عادة تُعتبر مصادر ثانوية فيجب أن لا ننسب الأقوال التَّربوية والحقائق العِلْمِية إلى مجلة غير تَخَصُّصِية مثل الجريدة اليومية لأنَّ الأصل أن نَرجع إلى مصدر كلام الباحث كلَّما أمكن ذلك فالرُّجوع إلى المصادر الأصيلة يجعل البحث أصيلاً وموثقاً.

- التَّعْلِيْقَة مثل البحث من حيث أنَّه يعتمد على توثيق المراجع وتنظيم الموضوعات ويتطلب عمق في الطَّرح مع تنويع في الأفكار ومناقشة تدل على مهارة الكاتب في فهم الآراء المتنوعة وعرضها بأمانة مع التَّعليق عليها قدر الإمكان ومن دون تكلف.

- يُفضَّل أن يتَّفق كل من المعلم والطَّالب على تقدير الصَّفحات المطلوبة لإنجاز التَّعليقة كأن يقترح المعلم أو الطَّالب أن لا تتجاوز التَّعليقة عن 13 صفحة مثلاً وكذلك ينبغي تحديد الفترة الزَّمنية الكافية لتحقيق الهدف المطلوب كأن يتم التسليم مع بداية أول اختبار.

الفرق الأساسي بين طريقتي البحث والتَّعليقة أنَّ الأولى تدور حول موضوع واحد كأن يكتب الباحث عن الآراء التَّربوية عند ابن سينا أما في التَّعليقة فإنَّها ينبغي أن تلمس الكثير من موضوعات المُقرر الدراسي مع تدوين بعض ما يدور في قاعة الفصل من أفكار رئيسة.

وفيما يلي أهم فوائد التعليقة:

1.              تدريب العقل على التَّفكير العلمي المنظم واقتناص مذهب العلماء الأوائل وتقييد بعض مسائلهم التَّربوية في حيز معين.

2.              يمكن استخدام التَّعليقة في متابعة جهود الأطفال داخل وخارج الفصل فتكون التَّعليقة حافظة لنماذج من عمل الطَّالب أو الطَّالبة مع كتابة تاريخ عمل النَّشاط.

3.              يتعلم الطَّالب أن يُقيِّم نفسه وفق مادة مُتنوعة ويمكن أن يتتبع من خلالها نموه في التَّحصيل الأكاديمي. هذا التَّّقييم يختلف عن الاختبارات التَّقليدية لأنَّ الامتحانات في الغالب تقيس مستوى واحد وهو المستوى العقلي وبالأخص مهارة الحفظ .

4.              تظهر المحصِّلة النَّهائية مع نهاية المقرر حيث يبدأ الطَّالب بتنمية تَعليقته كي ينتفع هو بفائدتها في عمله كمعلم داخل المدرسة أو في ميادين أخرى.

5.              يتمرن الطالب عملياً على استخدام مقاصد التَّأليف أو بعضها في أبحاثه وكِتاباته مثل فن التَّلخيص، والشرح، والاستنباط، والنقد.

6.              تفعيل الحصص والاستفادة الكبرى من تواجد المعلم والمتعلم في قاعة الدرس فالمعلم سيتحرى الدقة أكثر عندما يعطي المعلومة لأنه يعلم أن الطالب قد يعلق قوله في مذكرته كما أن المتعلم لن يكون مستمعاً سلبياً.

كل تعليقة مُتميِّزة عن الأخرى في مضمونها وشكلها لأنَّ الفكرة التي نطرحها فكرة قائمة على أنَّ كل متعلم له إبداعاته المتميزة وإمكاناته الخاصة ويجب أن ينطلق من منطلق النُّمو الفردي دون الإخلال بالمتطلبات العامَّة المطلوبة للمجموعة ككل.

من أهداف دراسة أصول التربية

1-تنمية الاتجاهات الإيجابية نحو الأصول التربوية والاعتزاز بشرف مهنة المعلم وأهميتها في دفع عجلة المجتمع نحو الرقي والسعادة.

2- التعريف بالتربية لغة واصطلاحاً وفلسفة والتعريف بجوانب العملية التعليمية مع التركيز على أهم الأصول التي تشتق منها التربية مساراتها (الأصول الفلسفية - التاريخية - النفسية - الاقتصادية - والدينية - والسياسية - والإدارية- والاجتماعية).

3- تشجيع الطلاب والطالبات على الاستفادة العلمية والعملية من مبادئ ومنابع  التربية كل حسب تخصصه.

4- تكوين فكرة عامة حول كيفية إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع والنهوض بالأمة المسلمة لتكون مشعل هداية ورحمة للعالمين.

5- التعرف على بعض آراء علماء التربية في مفهوم التربية وأصولها.

6- تأصيل فكرة المعاصرة والأصالة وأن الدين الإسلامي أساس العملية التربوية وأن النظريات التربوية الحديثة النافعة تنسجم تماماً مع مبادئ ديننا الحنيف ومن جهة أخرى فإن الأصول التربوية تستمد من الدين الإسلامي الرُؤى والحقائق.

7- تدعيم بعض المهارات الأساسية لإجراء البحوث والتقارير والتعاليق التربوية في ميادين الأصول التربوية وتوسيع نطاق معرفة أدبياتها الأصيلة.

8- ربط المتعلم بنصوص تراثية متنوعة تعكس أصول التربية في كتابات المفكرين الأوائل عند العرب وغيرهم في بلاد المشرق أو المغرب.

9- دراسة بعض المؤسسات الاجتماعية التربوية كالأسرة والمدرسة .. والتركيز على طبيعتها والأدوار التي تقوم بها ومدى حيويتها وأهميتها.

10-دراسة الواقع التربوي والتعليمي بصورة نقدية مثل دراسة الأمية وانعكاساتها وكيفية مواجهتها.

11- يقوم التعليم على مفهوم الفروق الفردية للمتعلمين والمعلمين وهذا لا يمنع من وجود أصول ثابتة ينبغي أن يدركها العاملون في الحقل التربوي.

12- دراسة الأصول من أهم الأسباب لتسهيل هذا العلم ومن أقوى الطرق العالمية المعاصرة في إعداد المعلم لأنها تجمع المتفرقات من المسائل الهامة في كتاب واحد.

 

الأصول لغة واصطلاحاً

أصل الشيء في اللغة يعني أسفل كل شيء وأساسه وقاعِدَته، وجمعه أصول وهو ما ينبني عليه غيره. يقال ما فعلته أصلاً أي لم أفعله أبداً. والرَّجل الأَصيل هو الذي له أصل معلوم ينتسب إليه والأصيل أيضاً وقت غروب الشمس من العصر إلى المغرب جمعه أصُل وآصَال وأصائل. وتأصل صار ذا أصل وأصّله أظهر أصالته وأرجع الأمر إلى قواعده والشيء الذي لا يُعرف أصله وفصله أي ليس له أساس قوي أو حتى ضعيف يمكن الرجوع إليه والاستناد عليه. وقولهم استأصله أي انتزعه وقطعه من جذوره والأصالة الثبات والجودة في الرأي.

قال جل ثناؤه:" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)" (سورة إبراهيم) أي أن أسفل الشجرة ضارب بعروقه في باطن الأرض. وكلمة الأصول تستخدم مع البناء الحسي كالبنيان ومع البناء العقلي والروحي أيضاً.

أصول التربية Foundations of Education هي القواعد والروافد والأسس الكلِّية التي منها تستمد العملية التربوية أساسياتها النظرية، ونظمها الإدارية، وتطبيقاتها العملية مثل الأصول الاجتماعية والفلسفية والنفسية والدينية والتاريخية والإدارية. يتم التركيز في الجامعات الغربية وغيرها على البعد الاجتماعي والتاريخي والقانوني والفلسفي في دراسة الأصول التربوية.

بعبارة أخرى فإن أصول التربية تعني:"ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الأصول أو الأسس التي يبنى عليها تطبيق تربوي سليم، ثم إنها الدراسة التي تهدف [إلى] تزويد الطالب أو الدارس بمجموعة النظريات والحقائق والقوانين التي توجه العمل التربوي التطبيقي، ومصادر هذه النظريات والقوانين، قد تكون الفلسفات المختلفة أو الأديان أو القيم الاجتماعية، أو نتائج التجريب في علم النفس والاجتماع وغيرها من فروع المعرفة المختلفة" (مطاوع، 1995، ص 18).

من القواعد الأصولية في التربية أن الفرد يتأثر بجماعة الأقران وأصل هذه القاعدة بالنسبة للمسلم أن الدين الإسلامي حث على صحبة الصالحين فالمرء على دين صاحبه كما ورد في مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ e: "قَالَ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ". يعني أن الإنسان على دين خليله أي على عادة صاحبه وطريقته وأخلاقه ولذلك فليحذر في اختيار أصحابه ولينظر أي يتأمل ويتدبر من يُصاحب من أهل الفضل. وعند أبي داود في سننه باب الأدب عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ: "لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ".

وكذلك التجارب الاجتماعية والدراسات النفسية والمصادر الأدبية تثبت صدق تلك القاعدة إلى حد كبير. ولقد أصّل أبو حامد الغزالي هذه القاعدة التربوية الاجتماعية العظيمة بقوله "وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء". ويرى أن الطباع مجبولة على التشبه والإقتداء بالآخرين وأن الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يشعر صاحبه. وهي ليست قاعدة حتمية ولكن في العادة الغالبة يتأثر الفرد بأصحابه سلباً وإيجاباً.

ونجد من القواعد النفسية قول ابن خلدون أن الشدة وضرب المتعلم مضرة به وأن الإفراط في الضرب يُسبب ضيق النفس ويعلم الطفل الكذب وفي ذلك إفساد لمعاني الإنسانية والعِزَّة في نفسه. إنَّ الممارسات التربوية والنظريات التعليمية دائماً تتأثر بنتائج العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع والفلسفة.

وفي سلك التدريس نجد أهل الاختصاص يتفقون على قاعدة قوامها أن الإنسان يتذكر المادة والأفكار الواضحة ويتعذر عليه تذكر المعلومات الصعبة الغامضة. ومن الأصول الإدارية التي تحث على الاعتناء بالتخطيط قولهم "إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل".

ومن أهم القواعد التربوية والقوانين الاجتماعية تلك القاعدة القرآنية التي تمثل السنة الإلهية:"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (سورة الرعد، آية 11). وقوله سبحانه في سورة الشمس: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)". تبدأ سورة الشمس مع قَسَمٍ عظيم بسبعة مخلوقات وهي (الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس) وجواب القسم " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا.." وذلك للتأكيد على عظمة وأهمية تربية النفس البشرية والتحذير من عاقبة الإهمال.

ونرى القدوة الحسنة من القواعد الهامة في التربية فهي من أقوى الوسائل في التأثير لذلك حذر سبحانه وتعالى من التناقض بين القول والعمل كما في سورة الصف فقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)".

ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن التربية ميدان تطبيقي لكثير من العلوم الإنسانية بمعنى أن التربوي يجد نفسه مضطراً إلى الاستفادة والاعتماد على ميادين العلم والمعرفة في تخصصات مختلفة. إن الأصول التي نحن بصددها هي بُنية تحتية تتشكل ملامحها من ثمار معطيات علوم كثيرة تتفاعل بعضها مع البعض الآخر.

توجد داخل كل علم مجالات تنمو بشكل مُتسارع كما أن هناك علوماً جديدة بدأت تظهر لتمد التربية بنتائجها مثل علم البرمجة العصبية اللغوية Neuro-Linguistic Programming الذي يُعرف بـ (NLP). لقد بدأ علم البرمجة في السبعينات من القرن الماضي وأخذ في النمو حتى أصبح تخصصاً مُستقلاً له أثره الواضح على بعض المفكرين في ميدان التربية والإدارة والصحة النفسية والجسدية. البرمجة العصبية اللغوية وسيلة عملية تساعد الفرد على تحقيق النجاح من خلال تغيير القناعة السلبية إلى قناعة إيجابية وتنمية المهارات التي تعين على تغيير النفس والتعامل مع الناس وهذه المقاصد بلا شك مُتداخلة مع التربية لأنها تشترك معاً بمفهوم تعديل السلوك.

الأصول التربوية وما ينبثق منها من قواعد وفوائد هي منارات عامة من المُفترض أن لا يحيد عنها الإنسان في تطبيقاته وهذه الأصول قد تكون أحيانا مثالية ولأننا بشر قد ننحرف عن جادة الصواب فنحن بحاجة إلى الرجوع إلى الأصول العامة لتجديد المسار. إننا بشر قد نخاف أو نضعف يوماً..بشر قد نتبع الشبهات أو الشهوات أحياناً.. بشر نستعجل الأمور غالباً..بشر لنا أخطاء قد تبلغ عنان السماء.. لنا ذنوب ولكنها بالتوبة تذوب... لهذا كله لا يمكن أن نستغني عن الأصول كي نهتدي.

وخلاصة القول أن المُراد بالأصول التربوية مجموعة المقومات العامة التي تفرزها فروع المعرفة المُختلفة والتي يمكن من خلالها تنظيم وتوجيه الإطار النظري والعملي لمجالات تفصيلية كثيرة في ساحة التربية والتعليم والتدريب.

 

قواعد تربوية عالمية

القواعد التربوية المُنبثقة من الأصول التربوية هي جملة استنتاجات عامة وقوانين كلية ناتجة من دراسة وملاحظة الجزئيات. هذه القواعد لا تشبه القوانين الطبيعية والرياضية لأن العلوم الإنسانية تتصف بالتعقيد والخصوصية وباب التحيز والوهم والغفلة من الأبواب الواسعة التي تعيق مناهج البحث أما في ميدان العلوم الطبيعية فالأصل أننا نتعامل مع مواد جامدة تضبطها قوانين مُحددة ثابتة. رغم ذلك فهناك قواعد عامة غالباً ما تؤثر في السلوك الإنساني. الكثير من القواعد التربوية لها قبول واضح في ثقافات العالم.

نجد في الأدبيات الغربية قواعد تربوية اجتماعية ونفسية تتسم بالحكمة وهي موجودة عموماً في أدبيات وأمثال كثير من الثقافات الشرقية مثل قولهم "ابحث داخل قلبك بكل جد فمنه تتدفق مصادر الحياة".

"Search your own heart with all diligence for out of it flow the issues of life."

وكما جاء في رواية بول وفرجيني للكاتب الفرنسي برناردين دي سن بيير "إن السعادة ينبوع يتفجر من القلب، لا غيث يهطل من السماء" (المنفلوطي، ص 63). فالسعادة كفضيلة ليست في الشهادة العلمية أو المال أو الجمال ولكنها نبع يفيض من الداخل فالنفس راضية حيثما حلت.

يقول حسن البنا "السعادة التي ينشدها الناس جميعاً إنما تفيض عليهم من نفوسهم وقلوبهم".

نجد في ميدان التربية السياسية الكثير من الحكم العميقة من مثل قول غاندي (Gandhi) أن حريتنا وكرامتنا لا يمكن أن يسلبها منا أحد إذا لم نتنازل عنها للآخرين طواعية.

"They cannot take away our self respect if we do not give it to them".

تقوم قاعدة غاندي السياسية على أن الإنسان الذي يُفرط في حقوقه يطمع به الأعداء، ومالك بن نبي – المفكر الجزائري- يسمى ذلك "القابلية للاستعمار" فمن عنده قابلية للهزيمة يُهزم، ومن يتنازل عن حق من حقوقه يُسلب ويُسحق سياسياً واجتماعياً...

قد يحاول شخص أن يقتل الآخر فيزهق روحه ولكنه لا يستطيع أبداً أن ينتزع حريته وكرامته إلا إذا تنازل عنها طواعية. والأمر واحد على مستوى الفرد والأمة. قد يحتل طاغية ما دولة ما فيغير كل الأمور حتى أسماء بعض المساجد والشوارع والمناطق السكنية فضلاً عن المناهج الدراسية والتشريعات القانونية ويطمس معالم التاريخ الوطني لذلك البلد ولكن القلوب والألسنة قد تلعنه ولن ينجح في الخداع شبراً، ولن يغير بقوته وبطشه شيئاً.

ونجد من قواعد التربية في علم الإدارة قاعدة ذكرها ستيفن كوفي (Covey, 1999) وهي أن نبدأ ونحاول في أن نفهم الآخرين أولاً كي يفهمنا الآخرون.

Seek first to understand, then to be understood.

ومن ضمن القواعد: لا تقل لي كم ساعة عملت ولكن قل لي ماذا أنجزت:

"Don't tell me how long you work-tell me what you get done".

تقول الحكمة الصينية الخالدة "أعطِ الإنسان سمكة، وتكون قد أطعمته لمدة يوم؛ علمه الصيد، وستكون أطعمته إلى الأبد".

Give a man a fish and you feed him for a day .Teach a man to fish and you feed him for a lifetime.

تندرج الحكمة السابقة ضمن القواعد الاقتصادية والتي منها أيضا ما قاله كوان تسو (551-479 ق م): "إذا كنت تخطط لسنة فاغرس بذرة، وإن كنت تخطط لعشر سنوات فازرع شجرة، وإن كنت تخطط لمائة سنة فعلم الناس".

If you plan for a year plant a seed. If for ten years, plant a tree. If for a hundred years, teach the people.

ومن الحكم العالمية التي تتضمن الأصول الصحية قولهم الوقاية خير من العلاج:

Prevention is better than cure.

و يُنسب إلى أفلاطون أنه قال: العقل السليم في الجسم السليم:

  Sound mind in a sound body

ومن الأصول الفكرية أنه ليس للتعلم سن محدد لأنه يبدأ من المهد إلى اللحد:

Never too old to learn

وفي الأصول الثقافية قال الأحنف "وكل عز لا يوطد بعلمٍ فإلى ذل مصيره" لأن المعرفة قوة كما قال المفكر الشهير فرانسيس بيكون: Knowledge is power

في الأدب العربي نقرأ (خير صديق في الأنام كتاب) والمثل الإنجليزي يقول إن الكتب تمنحنا أجنحة نحلق بها:     Books give us wings

وفي الأصول الاجتماعية نجد أن صُحبة السوء مفسدة للسلوك الحسن:

Evil communications corrupt good manners

وقولهم يُعرف المرء بأقرانه:  A man is known by the company he keeps    

ويقول المثل الفرنسي: قُل لي مَن تُصاحب أقل لك من أنت.

ومن الحكم الصينية الجميلة قولهم: يوم مع معلم عظيم أفضل من ألف يوم من الدراسة الجادة:

Better than a thousand days of diligent study is one day with a great teacher.

القدوة الحسنة خير من الوعظ:  Examples is better than precept

إذا علمنا امرأة فقد علمنا أسرة:

  If you educate a woman you educate a family

ومن الأمثلة الأفريقية الدالة عن العلاقة بين البيت والمدرسة والمجتمع قولهم أن تربية طفل تحتاج إلى جهود قرية بأكملها:

  It takes an entire village to raise a child

ومن القواعد النفسية المرتبطة فالفروق الفردية قولهم أن الكثير من الناس يستطيعون أن يقوموا بعملية التعليم ولكن قلة منهم يوصلون الرسالة:  Many can teach; only a special few can reach

قدم أرسطو أصلاً نفسياً هاماً في قوله: التحكم بالنفس هو أصعب نصر:

 Self-control is the hardest victory

يذكر أنثوني روبنسون في كتابه أيقظ المارد قاعدة نفسية هامة تنص على أن مصيرنا الذي نُسأل عنه يتحدد بشكل كبير من قراراتنا لا ظروفنا:

Our decisions-not the conditions of our lives-determine our destiny.

وينبني على هذه القاعدة أن يلوم الفرد أولا نفسه فيحاسبها قبل أن يلوم مَن وما حوله وهذا الأمر من أهم خطوات النجاح.وفي القرآن أن الجد طريق المجد لقوله سبحانه "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ {92} (سورة آل عمران). أي من وقت وجهد ومال وتضحية وأن حياة الإنسان كدح في كدح وقال العلماء من لم يكدح لا يفلح (ابن العماد، ج 7، ص 233) ويقول الغربيون:  No gains without pains

وهكذا كل تلك النماذج من القواعد التربوية وغيرها أكثر تُكَوِّن الأصول التربوية وترسم فلسفتها وطرائق التعليم وتدل على أن الثقافة الإنسانية تشترك في الكثير من الأصول الحياتية المتشابه.

 

أهمية دراسة الأصول التربوية

"من حُرم الأصول حُرم الوصول".. "وتبقى الأمم ما بقيت الأصول التي قامت عليها" "إن الأصولَ عليها ينبتُ الشجرُ" وقال ابن تيمية "فَإِنَّ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الأَشْيَاءِ وَمَبَادِئِهَا وَمَعْرِفَةَ الدِّينِ وَأَصْلِهِ وَأَصْلِ مَا تَوَلَّدَ فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُلُومِ نَفْعًا" (مجموع الفتاوى، 10، ص 367). ومن هنا أصبح الاعتناء بالأصول التربوية وسيلة بالغة الأهمية في بناء الفرد والمجتمع والأمة بصفة عامة. وأصل الأصول كلها عند المسلمين أننا أمة أحكمت روابطنا أصول صحيحة وأننا لم نهبط عن عرش عزنا التليد وعظمته إلا عندما تركنا أصول ديننا وفرطنا في العمل بتعاليمه الخالدة.

عدة اعتبارات تجعل المبادرة إلى دراسة علم أصول التربية من الأهمية بمكان للمشتغلين في الحقل التربوي والنسيج الإصلاحي منها:

1-أن لكل مجتمع تاريخه ومعتقده وتركيبته الاجتماعية والسكانية والسياسية والاقتصادية...التي تعكس وتجسد المجتمع كنسيج له خصوصياته وتعكس مساراته المستقبلية، وتوجهاته المتنوعة، وأهدافه العامة والمرحلية؛ عمقاً، واتساعاً، وامتداداً.

2-لكل علم وفن مصطلحاته وقضاياه وتاريخه الخاص به إضافة إلى الأسس المجمع عليها من قِبل أهل الاختصاص وتلك الأصول تُسهِّل على المُبتدئ فهم كل علم على حِدة. يقول الماوردي (ت 450 هـ ) في كتابه أدب الدنيا والدين "واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها، لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر، ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أس لا يُبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى" ص 36. يرى ابن خلدون أن صنعة التعليم من الصنائع التي يجب الإحاطة بأصولها كي يتمكن المعلم من أداء عمله بإتقان ويقول "أن الحذق في العلم والتفنين فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلاً" (المقدمة، ص396).

3- منطقياً لا بد لأي طالب علم أن يدرس الأصول العامة للعلم الذي يريد أن يتخصص فيه وبعد أن يعرف المتعلم تلك الأصول يبدأ في التخصص فلا يمكن دراسة الفكر التربوي مثلاً قبل معرفة الأصول التربوية لأن الفكر التربوي بحاجة إلى توطئة ولأنه جزء من الأصول التاريخية فينبغي دراسة الأصول عموماً ثم التوسع في كل أصل فيما بعد. إن دراسة المبادئ هي البداية الصحيحة والمنطقية لدراسة أي علم وقبل الخوض في تفاصيله فدراسة القواعد الواضحة تسبق دراسة الدقائق الغامضة.

الأصول في مُجملها محل اتفاق بين أهل الاختصاص وهي منار السبيل، ومعالم في الطريق وبذلك هي أنسب القضايا كي تكون محل الدراسة للمبتدئ الذي يجب أن ينطلق من مواطن الائتلاف لا مواضع الاختلاف. إن الذي يبدأ تحصيله في طلب العلم في المسائل الخلافية يضيع في أوديتها المُتشعبة وتتبعثر أفكاره ولا تستقر نفسه أما الذي يبدأ مع القضايا المُتَّفق عليها فستصبح عنده معالم العلم فتتضح في ذهنه الفروع في النهاية لأنه عرف الأصول في البداية.

4- الإسلام هو قدر وشرف وعز الأمة المسلمة ولا يمكن بحال من الأحوال لهذه الأمة أن تبني منهجها في التربية والتعليم في ميدان الأسرة أو المدرسة أو المجتمع من دون تحديد ملامح واضحة يتم استلهامها من قطعيات الشرع الحنيف. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العز بغير الإسلام، أذلنا الله"،  ورحم الله مالكاً إذ يقول: "لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

بعد كل التجارب الفاشلة والشعارات المُستوردة في إيقاظ الأمة من رقدتها في العصر الحديث فلقد آن الأوان للحركات القومية وغيرها في البلاد العربية والإسلامية أن تعلم وتُعلن أنه لا سبيل لنهضة الأمة من دون هويتنا المسلمة الأصيلة وأن أي حركة إصلاحية تتنكر للشرع فستضل الطريق لأنها دعوة ميتة في نفسها مُميتة لغيرها. البناء التربوي المنشود يجب أن يجمع بين النافع من تراث الماضي، والمفيد من نتاج الحاضر في ظل معتقداتنا الدينية، واحتياجاتنا الحالية، وطموحاتنا المُستقبلية. إن  طريق المجد لهذه  الأمة  المسلمة  كان  وسيكون  مثل ضوء  النهار لا  يضل فيه المُبصر أبداً  لأنه  أسفر بالقرآن  الكريم،  واستنار بالسنة  المُطهرة. 

الأمة المسلمة اليوم في وضع بائس ولكن غير يائس ولا سبيل للنجاة والخلاص والإصلاح إلا في العودة إلى الأصول وفهم الواقع وتحديد الهوية المسلمة ذات الرسالة الخالدة.

5- التطبيقات العملية في الميدان التربوي مبنية على أسس نظرية وهي الأصول التي تُرشد المربي والمتعلم إلى إتباع الطرائق المُناسبة لعملية التوجيه والإرشاد والتعلم والتعليم والتصفية والتربية. التطبيقات الإجرائية في حقل التعليم مبنية على أسس فكرية وهي نتيجة تراكمية جاءت من عصور مختلفة ومن جملة من المفكرين الذين أسهموا في إثراء الفكر التربوي ومن إنتاجهم الفكري تحددت الكثير من الأصول الفلسفية. ومعروف أن هناك علاقة وثيقة في كثير من الأحيان بين الفلسفة والدين وهو ما نجده في أطروحات الكثير من المفكرين.

من المُلاحظ في كتب علمائنا خاصة في ميدان الحديث النبوي الشريف أنهم يضعون باباً للعلم قبل أن يدخلوا في جوهر الموضوع فها هو البخاري والدارمي وغيرهما كثير من العلماء يقدِّمون في كتبهم المواضيع المُتعلقة بالعلم وفضله على أبواب الصلاة والصيام والزكاة..لأن جميع الأعمال لا يمكن القيام بها بإحسان إلا من خلال العلم النظري بأركانها وشروطها ونوافلها. علاوة على ذلك المغزى التربوي فإن العلماء يبدؤون بعقد أول فصل في كتبهم باسم "فضل العلم" بغرض التشويق للعلم وتعريف طبيعة الموضوع الذي هو مدار الكتاب. 

6- لا يمكن بناء المناهج التعليمية وصياغتها وتحديد كيفية توصيلها إلا بعد استيعاب الأصول العامة للتربية في المجتمع. كل المناهج الدراسية الجيدة تنبثق من فلسفة التعليم للمجتمع فالفلسفة من الأصول العامة التي تأتي خلف كل منهج لأنها تحدِّد الرؤية.

7- من ثمار دراسة الأصول الحصول على القواعد العامة التي من خلالها يصبح العمل التربوي مُنظَّماً مُتميزاً. القاعدة تأتي نتيجة استقراء عدة جزئيات مُتشابهة في موضوع واحد ثم الخروج بخلاصة تشبه التعميم الذي يشرح كيف تسير هذه الجزئيات. كقولنا أن الثواب والحوافز والمُكافآت تُعزِّز السلوك الإيجابي خاصة عند الأطفال وهي من ثوابت العمل التعليمي. فهذا التعميم مُستمد من الأصول النفسية وهكذا فإن الأصول التربوية تُزودنا بقواعد وفوائد في تربية الأفراد وكذلك المُجتمعات لا غنى للمعلم والمتعلم عنها كثقافة تربوية. الثقافة التربوية بدورها ترسم الميثاق التربوي الذي يضمن للمربي الأرضية الصالحة للبناء.

8- أصول التربية لها وظيفة نقدية تتمثل في دراسة الواقع وانعكاساته التربوية وفق نظرة تحليلية لجوانب القوة والضعف. هذا الميدان يكفل أن دراسة الأصول لا تتوقف عند "ما ينبغي أن يكون" بل "ما يمكن أن يكون" في ميدان العمل التربوي والتعليمي من خلال التقويم والقياس. من الموضوعات المُندرجة تحت هذا الباب دراسة علاقة المُخرجات التعليمية ومدى حاجة السوق إليها ودور التعليم العالي في خدمة قضايا المجتمع وقضية محو الأمية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية على مستوى الفرد والمجتمع.

9- التلميذ هو جوهر الحركة التعليمية والمعلم إذا لم يأخذ الأصول النفسية في عين الاعتبار في تعامله مع المُتعلم فإنه لن يقوم بعمله في اتجاه بنّاء. لابد من معرفة خصائص المراحل العمرية والفروق الفردية والحاجات النفسية .. وغيرها من الموضوعات الجديرة بالدراسة من أجل التعامل مع التلميذ بشكل إيجابي وهو الأمر المطلوب لفهم الأصول النفسية.

10 – لا يتحقق الإصلاح الجوهري والتغيير الجذري إلا بنظرات فاحصة للأصول. يقول أحمد أمين "كان التعليم القديم يتجه إلى النتائج فيعالجها، ويترك المقدمات فعولج الفقر بالصدقات فقط وعولج الإجرام بحبس المجرم فقط فتنتج النتائج نفسها ... وإذا لم تعجبك ثمرة شجرة، فمن الأمل الخائب أن تنتظر في المستقبل جودتها، ما دمت تحافظ على أصلها وتربتها" وعلى الجملة فالنمط الإصلاحي القديم ينظر إلى ثمرة الشجرة، والنمط الحديث ينظر إلى جذور الشجرة" (ناصيف، 1996 م، بتصرف). معالجة المرض لا العرض ومعالجة الأسباب لا النتائج من أحكم طرائق الإصلاح على مستوى الفرد والمجتمع ولكنها تحتاج إلى الوقت وصفاء البصيرة.

 

أهم موضوعات الأصول

تقوم التربية على أربع ركائز وهي المتعلم والمعلم والمنهج والوسيلة. ولا شك أن المتعلم هو محور العملية التربوية فمن أجله يعمل المعلم وتُوضع المناهج وتُرسم الأهداف أما المُعلم فمهما تقدمت التكنولوجيا الحديثة وتغير دوره فإنه يظل من أهم أركان العملية التربوية.

وميادين التربية وأصولها متنوعة كما أنها على درجة عالية من الأهمية. في كل كتاب في الأصول التربوية نجد أن المؤلف يتحدث عن بعض الأصول والمسائل المُتصلة لأنه لا يمكن حصر الأصول التربوية ومواضيعها المُتعلقة بها والمُتفرعة منها في كتاب واحد. النقاط التالية تبين المواضيع الرئيسة التي عادة تُطرق في ميدان أصول التربية:

1.  ميادين التربية: الفكرية والروحية والنفسية والجسمية والاجتماعية.

2.  المتعلم والمعلم: حقوقهما وواجباتهما.

3.  أهداف التربية: على مُستوى الفرد والمجتمع والعالم.                     

4.  وسائل التربية: القدوة مثل الرحلات العلمية والقصة والنصيحة والترغيب والترهيب                  

5.  وسائط التربية: الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والنوادي والأحزاب السياسية والنقابات المهنية...

6.  مصادر التربية: الدينية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والنفسية والاقتصادية والإدارية والفلسفية..

7.  أعلام التربية: مثل الغزالي وابن خلدون وأفلاطون وجون ديوي وماريا منتسوري.

8. المشكلات الاجتماعية وانعكاساتها على العملية التربوية: مثل الأمية، انحرافات الأحداث، المخدرات، نقص الأيدي العاملة، البطالة.

 

التربية لغة

نجد في لسان العرب لابن منظور أن ربا الشيء، يربو رُبواً ورباء: زاد ونما. وأربيته: نميته. وفي الكتاب العزيز قال تعالى: "ويُربِي الصَّدقات" (سورة البقرة، آية 276)؛ ومنه أُخذ الرِّبا الحرام. وعند الفيروز آبادي في القاموس المحيط "ربّ: جمع وزاد ولزم".

إن المصادر اللغوية -بعد مراجعتها- تشير إلى أن التربية تدور حول المعاني التالية:

1-زيادة.

2-نمو.

3-إصلاح.

هذه المعاني لكلمة التربية تكاد أن تكون متلازمة. ويدخل ضمن هذا المعنى الرعاية المادية إذ أن التغذية نوع من أنواع الرعاية والتربية ويظل المعنى المجازي هو الدارج اليوم بمعنى أن التربية تعني تنشئة الفكر والروح والنفس والجسد. ربُّ الشيء أي صاحبه. كلمة "الرب" تعني في اللغة السّيد والمالك والمصلح والمنعم والمدبر والقيِّم والمربِّي.

كما أنه سبحانه المربي للصالحين إذ يربيهم بشرائعه ورسله وأخص من ذلك أن يشرح القلوب للهداية ويعينهم عليها كقوله سبحانه في سورة الكهف: "مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)" وذكر بعض أهل اللغة أن العلماء يُقال لهم ربانيون لأنهم يربون العلم أي يقومون به ولا يُقال للعالم رباني حتى يكون معلماً عالماً عاملاً. والمربي عموماً هو القائم على سياسة من يقوم بتربيتهم ويُقال له المعلم أو المدرس أو المُؤدِّب والمرشد والأستاذ.

وبما أن لغة العرب لغة حية خصبة واسعة لم يُحط بها كتاب من الكتب الحديثة أو القديمة فإن لكلمة التربية الكثير من المرادفات القرآنية، والكلمات الفصيحة، والتعبيرات الأصيلة التي تشترك معها في كثير من الجوانب ككلمة التهذيب، والتصفية، والتزكية، والتسديد، والارتياض، والمجاهدة، والتنمية، والرياضة، والإصلاح، والتنشئة، والسياسة، والكفالة، والتقويم، والتطهير، والاستصلاح، والترقية، والتأديب، والتطبيع الاجتماعي، والتثقيف، والهداية، والتدريب، والإرشاد.

ونجد في الحديث الشريف المبني على البلوغ والقصد والاستيفاء أن كلمة كفالة تعني تربية في بعض المواطن ففي الحديث الذي رواه أبو داود في سننه "أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ" (كتاب الأدب). فقوله e "كافل اليتيم" يعني القيِّم بأمر اليتيم وشئونه ومصالحه وأيضاً مربيه. تطلق كلمة "الحضانة" عند الفقهاء على تربية الطفل.

ومن صور المجاز في اللغة العربية نبت فلان في منبت صدق وفي أكرم المنابت، وإنه لحسن النبتة، وأنبته الله نباتاً حسناً وفي المثل السائر "مَن ثبت نبت" ونبت الصبي بمعنى نشأ. قال تعالى عن مريم عليها السلام "وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً" (آل عمران: 33-37). "ونبتت فيهم نابتة أي: نشأ فهم نشء صغار".

كل تلك الكلمات السابقة - وغيرها بطبيعة الحال - قد تنوب بعضها البعض الآخر أحياناً في مؤلفات التربويين قديماً وحديثاً فنستخدم كلمة التأديب أو التعليم أو التهذيب ونريد بذلك التربية فهل المعنى واحد؟ الصواب أنها ليست كلمات متطابقة تماماً ولكنها متقاربة كثيراً.

ويقول البيضاوي في تفسيره: التربية "تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً" (ج1، ص8) وهو الذي كتبه العلامة الراغب الأصفهاني في معجم مفردات القرآن حيث يقول: "الرّب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام" (ص 208). ولا شك أن النمو هنا يعتمد على طبيعة كل فرد بحسب استعداده الشخصي وظروفه المحيطة لأن الفروق الفردية سمة إنسانية يجب أن تكون دائماً في حسبان المربي كي يؤدي عمله على أحسن حال ولكي لا يبخس حقوق الطلاب من الرعاية والعناية كل حسب احتياجه.

والقرآن يربط التربية بالرعاية والعناية بالصغير كقوله سبحانه: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) (سورة الإسراء). وفي سورة الشعراء "قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)".

 وبتتبع الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالتربية والأصول اللغوية لكلمة ربا يربو يقودنا التحليل إلى أن النماء والزيادة والإصلاح من أهم معاني التربية. قال تعالى في سورة الحج: "وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)" قال الإمام القرطبي في شرحه لكلمة ربت: أي ارتفعت وزادت.

وكلمة التربية ترادف التزكية لقوله تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)" (سورة الشمس).  وكقوله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضلالٍ مُبِينٍ (2) " (سورة الجمعة). قال ابن تيمية في الفتاوى "وَأَصْلُ "الزَّكَاةِ " الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ. وَمِنْهُ يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ وَزَكَا الْمَالُ إذَا نَمَا. وَلَنْ يَنْمُوَ الْخَيْرُ إلاّ بِتَرْكِ الشَّرِّ وَالزَّرْعُ لا يَزْكُو حَتَّى يُزَالَ عَنْهُ الدَّغَلُ فَكَذَلِكَ النَّفْسُ وَالأعْمَالُ لا تَزْكُوَا حَتَّى يُزَالَ عَنْهَا مَا يُنَاقِضُهَا وَلا يَكُونُ الرَّجُلُ مُتَزَكِّيًا إلا مَعَ تَرْكِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ يُدَنِّسُ النَّفْسَ وَيُدَسِّيهَا".

وكُتب علم الاجتماع عموماً وعلم الاجتماع التربوي العائلي على وجه الخصوص قد تطلق على التربية - في كثير من الأحيان - كلمة تنشئة وشاهدهم من القرآن قوله تعالى: "أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)" (سورة الزخرف). ومن الأدب العربي شاهدهم في مثل هذا البيت:

وينشأ ناشئ الفتيان فينا

 

على ما كان علمه أبوه

  

التأديب

كانت كلمة المؤدب أشهر في كتابات العلماء القدماء وكان يطلق على المعلم المؤدب.  يقول طه حسين (1889 1973 م) "وإذا طلبت إلى المعلم أن يكون مؤدباً بالمعنى القديم فلا يقتصر جهده على صب العلم في رأس التلميذ، وإنما يربيه ويثقف عقله ويقوّم نفسه، ويهيئه تهيئة صالحة للحياة العملية من جهة، وللرقي العقلي من جهة أخرى" (ص133). ويبدو أن التعليم في العالم العربي مازال يعاني من النظرة الضيقة لمفهوم المُعلم إذ يقف دوره عند حد نقل المعلومات دون التطلع إلى أهمية غرس الأخلاق وترسيخ المهارات النفسية والحركية النافعة عند الطُلاب.

كان المؤدب في عصر الخلافة الأموية والعباسية يأتي لقصور الأمراء ويقوم بتدريس أولادهم وله مكانة مرموقة تفوق مكانة المعلم. كان المؤدب عادة يتصف بالآتي:

1)                     الكفاية العلمية.

2)                     الثقافة الواسعة.

3)                     الخبرة الطويلة.

4)                     الشهرة.

5)                     علاقة جيدة مع صناع القرار السياسي.

6)                     يحصل على راتب كبير.

كان بعض العلماء مثل ابن سينا يفضل أن يذهب الطفل إلى الكتاتيب ولا يحبذ فكرة المؤدب فالجلوس مع الصبيان الآخرين يدفع عن الصبي السأم ويدفعه للتنافس والاستفادة من زملائه كما أنه يعدّه للتعايش مع أفراد المجتمع والاختلاط بهم. ولقد كان اهتمام الخلفاء كبيراً جداً بالمؤدبين وأعطوهم مكانة رفيعة تسمح لهم الدخول إلى قصور الأمراء وعقد المناظرات العلمية.

في العموم كلمة التأديب قد تقترن بالتربية الخلقية وتهذيب النفس كما نجد أن التعلم مثلاً يرتبط بادراك المعاني وتصورها والتعليم محاولة تسهيل عملية الإدراك وتصور المعاني من خلال التكرار والشرح وتبقى كلمة التربية من أشمل الكلمات المعبرة عن الجهد المبذول لتنمية الإنسان من جميع جوانبه النفسية والاجتماعية والجسدية والفكرية والفنية والروحية…في الأدبيات التربوية كلمة التعليم أو التأديب أو التنشئة أو التربية قد تنوب بعضها البعض وقد تُستخدم بمعنى واحد رغم أن كل كلمة قد تختص أحياناً ببعض الفوارق اليسيرة.

كي نُدرك الصلة الوثيقة بين التربية بمعناها العام وبين تهذيب الأخلاق وهو جوهر التأديب نقرأ هذا الحديث الشريف: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأخْلاقِ".

الكِسَائِيُّ من أشهر المؤدبين في القرن الثاني الهجري قال عنه الذهبي"كَانَ الكِسَائِيُّ ذَا مَنْزِلَةٍ رَفِيْعَةٍ عِنْدِ الرَّشِيْدِ، وَأَدَّبَ وَلَدَهُ الأَمِيْنَ، وَنَالَ جَاهاً وَأَمْوَالاً" (سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ). وكان يجمع طلابه وَيَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَيَتْلُو وهم يكتبون عنه. قَالَ الكِسَائِيُّ: صَلَّيْتُ بِالرَّشِيْدِ، فَأَخْطَأْتُ فِي آيَةٍ، مَا أَخْطَأَ فِيْهَا صَبِيٌّ، قُلْتُ: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعِيْنَ، فَوَاللهِ مَا اجْتَرَأَ الرَّشِيْدُ أَنْ يَقُوْلُ: أَخْطَأْتَ، لَكِنْ قَالَ: أَيُّ لُغَةٍ هَذِهِ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ! قَدْ يَعْثُرُ الجَوَادُ. قَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ.

 

 التربية اصطلاحاً

التربية بمعناها الواسع نجدها في قصة سيدنا آدم عليه السلام إذ وردت بمعنى تهيئة وإعداد الإنسان حينما زوده الله تعالى بالعلم الهادي إلى الصراط المستقيم والكفيل بتعمير الأرض. كان الهدف من المعرفة وتعلم الأسماء أن يقوم آدم عليه السلام ومن معه وكذلك مَن سيعيش بعده بالمشاركة في عمارة الأرض وفق القانون الإلهي المُقتضي الاستسلام التام للخالق سبحانه.

التربية السماوية هي تربية إنسانية إلى أبعد الحدود لأنها تنمية مستمرة للضمائر، والمشاعر، والمظاهر كي يتكيف الفرد مع بيئته.. فهي للأخلاق تأديب، وللنفس تهذيب، وللعقل والحواس تدريب. 

يلحظ المتأمل في تاريخ البشرية أن التربية تم استخدامها لأهداف عدة منها نقل تراث الأسلاف وإعداد المجتمع القوي الذي يستطيع أن يصد كيد الطامعين على أن التربية بمعنى تلقين المعلومات كنمط تعليمي ظل يهيمن على تاريخ التربية في كثير من المجتمعات الإنسانية والحقيقة أن التلقين جزء من التعليم ولكن التربية أشمل وأعم من التعليم إذ أنها إلى جانب التحصيل المعرفي تهدف إلى تنمية الوجدان وتهذيب النفس وغرس الأخلاق الفاضلة مع العناية بالجسد. وهذا الكلام يقود إلى التطرق لمعنى التربية الشاملة والتي تعتني بالإنسان في باطنه ومظهره، مع نفسه وربه ومجتمعه والكون الذي يعيش فيه.

وتدور التربية في الاصطلاح حول نفس المعاني الأساسية لكلمة التربية في اللغة (النمو- الزيادة- الإصلاح) يقول ابن قيم "وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى، فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح" (إغاثة اللهفان ج1، ص 46) فعلى المرء أن يتعاهد نفسه ومجتمعه دائماً لتحقيق النمو والزيادة والإصلاح. 

 يُراد بالتربية تنمية مستمرة تبدأ من الميلاد وتلعب الخبرات المتراكمة فيها دوراً هاماً في تشكيل الإنسان وتهذيبه في تصوراته وتصرفاته، تفكيره وتدبيره، كما تكسبه قدرات جسمية، ومهارات عقلية، وقيم روحية ونفسية. من خلال التربية المقصودة وغير المقصودة نستفيد من الخبرات المحيطة، ونتعامل مع الواقع الاجتماعي الذي نعيش فيه ونتكيف معه، وكذلك نرسم للمستقبل ونخطط له.

ومن التعريفات القديمة للتربية ما ذكره أفلاطون (428 ـ347 ق.م ) حيث يقول أن التربية هي التدريب الموجهة لاستثمار القدرات من خلال الترغيب بالسرور والترهيب من الألم. ومن ضمن تعريفات أفلاطون للتربية أيضاً قوله "التربية هي إعطاء الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن".

وإذا كان أفلاطون يعتبر التربية عملية ترويض عقلي وتذكر فإن فروبل Froble (1782 - 1852 م) مؤسس مدارس رياض الأطفال يرى أن التربية عملية تفتح القابليات الكامنة عند المتعلم كما تتفتح الأزهار.

ونجد في النصف الثاني من القرن الميلادي الثامن عشر جان جاك روسو يصف تربية الأم للطفل برعاية الفسيلة الصغيرة ويؤكد على أوجه الشبه بين التربية والزراعة في كتابه إميل.

ورسخ جون ديوي المربي الأمريكي الشهير مفهوم التربية فهي الحياة وأنها ليست مجرد إعداد للحياة وقرر أنه طالما أن المجتمع الديمقراطي يرفض مبدأ هيمنة قوة خارجية على أنشطة الإنسان فيجب البحث عن بديل لسلطة تطوعية نافعة وهذا لن يكون إلا عبر التربية. بالنسبة له فإن "التربية هي عبارة عن خبرة ناشئة عن خبرة وتؤدي إلى زيادة الخبرة".

إن التربية عملية تكيف ما بين المتعلم وبيئته كما أنها عملية إعداد هادف من أجل تربية الإنسان لمواجهة متطلبات الحياة وتحقيق طموحاته.

"التربية نشاط إنساني فردي واجتماعي متواصل، يهدف إلى نمو الفرد متكيفاً مع بيئته الطبيعية والاجتماعية لتمكنه من أن يكون نفسه، وأن ينمي ويطور قدراته الذاتية إلى أقصى حد تسمح به طاقاته وإمكاناته الكامنة، وتسمح به كذلك بيئته الاجتماعية والثقافية" (عكيلة وآخرون، 1984م، ص6).

ويقول قاسم أمين "وإنما التربية هي العمل المستمر الذي تتوسل به النفس إلى طلب الكمال من كل وجوهه، وهذا العمل لا بد منه في جميع أدوار الحياة حيث يبتدئ من يوم الولادة ولا ينتهي إلا بالموت" (ص77). 

قال سكنر (1904 – 1990) عالم النفس الأمريكي: "التربية هي القَدر الذي يبقى، والأثر الذي يكون معنا بعد أن ننسى ما تعلمناه".

ومن منظور اجتماعي فالتربية هي القدرة على مواجهة المواقف الحياتية والتكيف معها. ينظر علماء الاجتماع إلى التربية كأداة للتنشئة الاجتماعية إذ يتكيف الفرد مع مجتمعه وبيئته. ويؤكد علماء النفس على أن التربية وسيلة لتغيير السلوك والتكيف مع النفس. من جانب اقتصادي فإن التربية قد تكون عملية إعداد للإنسان لحياة عملية على أن تتم عملية الإعداد بالوقت المناسب وبأقل تكلفة مالية وبأوفر جهد مبذول. ويؤكد الاقتصاديون على قدرة التربية على استثمار البيئة الطبيعية والقدرات الإنسانية بالشكل الأمثل. والحق أنه لا يمكن تحقيق تربية متوازنة شاملة من غير الاعتناء بالإنسان ككائن له احتياجاته ومتطلباته المتنوعة.

وتعريف التربية عند الإمام الغزالي (450-505 هـ) نستشفه من هذه العبارة من كتابه التربوي الموجز أيها الولد إذ يقول:"والآن أبيّن لك ما يجب على سالك سبيل الحق: فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مرب، ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته ويجعل مكانها خلقا حسنا، ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته، ويكمل ريعه، ولا بد للسالك من شيخ يؤدبه ويرشده إلى سبيل الله تعالى، لأن الله أرسل للعباد رسولا للإرشاد إلى سبيله فإذا ارتحل e قد خلف الخلفاء في مكانه، حتى يرشدوا إلى الله تعالى" (ص82).                                 

 

تحليل ومناقشة تعريفات التربية

مراجعة التعريفات السابقة وغيرها من أدبيات التربية تُرشد إلى أن التربية عموماً ترتكز على عدة حقائق ومفاهيم تمثل الأصول الثابتة مثل:

 1- أن التربية عملية إنسانية ديناميكية تتغير من وقت لآخر ولها وسائل غير محدودة كما أن المعلم والمتعلم والمنهج والوسيلة من ركائز العملية التربوية.

 2- أن التربية عملية اجتماعية يلعب المجتمع المحيط دوراً كبيراً في تحديد أنماطها ووسائلها وغاياتها. وبذلك فإن التربية عملية تكيف الفرد مع المجتمع وتطبيعه وفق المنظومة الاجتماعية قدر الإمكان. في العموم لا يمكن تهذيب الفرد بالشكل الأمثل من دون إحداث تبديل أو تعديل في الوسط الاجتماعي المحيط به. 

 3- أن العملية التربوية عملية تراكمية تحتاج إلى الوقت وتداخل وتفاعل عدة خبرات لأنها قائمة على فكرة النمو وتراكم المواقف التعليمية فالطفل مثلاً يسمع الأصوات ثم يميزها ثم يحاول تقليدها إلى أن يقوم بإتقانها بتدرج زمني. ورغم وضوح هذه الركيزة إلا أننا في حياتنا العملية قد نغفل عن هذا الأصل عندما نريد أن نتعلم شيئاً جديداً بسرعة ودون تدرج أو عندما نطلب من المتعلم أن يُتقن تعلم كل المسائل والمهارات الجديدة في درس واحد.

 4- التربية عملية تشمل النفس والروح والجسد والعقل. الاعتدال والتوسط وعدم المبالغة في الأمور من القواعد الهامة في التربية ففي الحديث الشريف قال النبي e : إن "لأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِضَيْفِكَ علَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا " (مسند الإمام أحمد).

ومن فوائد هذه القاعدة الكلية أن يعتني الإنسان بالتربية الشاملة التي تعتني بالجانب العقلي والعاطفي والبدني والاجتماعي كي تصبح تربيته تربية شاملة فلا يهتم بجانب على حساب جانب آخر. هذه القوائم لا يمكن للتربية الشاملة المتوازنة أن تقف من غير الاستناد عليها.

ومن هنا يجب أن لا تخلط الأم مثلاً بين دورها في الاعتناء بالأبناء ودورها كزوجة بحاجة للتعلم والراحة والاهتمام بنفسها وصحتها فالموازنة مطلوبة. وكذا المعلم لا يركز على تعليم الطالب المعلومات العقلية دون غرس الأهداف الوجدانية.

5- التربية عملية دائمة لا تتوقف عند مرحلة سنِّية أو مكانية لأن الحياة دائمة التبدل، وكثيرة التعقيد، كما أن احتياجات الإنسان تتنوع من مرحلة عمرية إلى أخرى. إن مجالات التربية المعاصرة تركز على التربية من الميلاد حتى الموت من خلال التنشئة الاجتماعية والتعليم الرسمي والفني وتعليم الكبار والتعليم المستمر داخل مؤسسة الأسرة أو العمل.

 6- من خلال التربية تتواصل الأجيال الإنسانية ثقافياً وتنقل تراثها من جيل لآخر كما أن الأجيال تضيف إلي ميراثها الحضاري.

 7- التربية عملية يتعلم منها الفرد كيف يتعامل مع الحياة ويتفاعل مع التغيرات التي تمر به كما أن التربية الأساسية تعد الإنسان كي يواجه الثالوث الخطر (المرض والفقر والجهل).

8- لا يمكن أن نتصور التربية من غير إدراك أهمية الفروق الفردية فالناس طبقات في الفهم ويتفاوتون في مهاراتهم وهذا الاختلاف يُحتِّم على المربي أن يتلطف في درسه ولا يُعنِّف في نُصحِه فأحد الطلاب أحياناً قد يحتاج إلى إعادة الشرح أو أمثلة إضافية..في حين أن الآخر قد لا يحتاج إلى مثل ذلك. وعليه فإن المنهج الدراسي والبيئة المدرسية ووسائل التعلم ينبغي أن تَبني برامجها وتصمم مناهجها وفق فهم واضح لمفهوم الفروق الفردية.

والمربي العادل هو الذي يعطي كل ذي حاجة حاجته. يتحمل الطالب صاحب الهمة المزيد من التكاليف إذ يريد أن ينمو بشكل أكبر من حدود المنهج المقرر فمثل هذه النوعيات بحاجة إلى توجيهات مختلفة عن تلك التي تُعطى للطلاب الذين يعانون من كثافة المادة العلمية ويجدون صعوبة في فهمها.

9- تقوم التنشئة الاجتماعية Socialization بتلقين القيم والتوجهات وتغرس في الفرد الولاء لقيم الجماعة ومعاييرها.

التنشئة الاجتماعية في حقيقتها عملية تشكيل وتعديل للفرد وفق أسس الجماعة التي تعدّه وعليه فالتنشئة عملية تربوية ولكن التربية أشمل من مجرد تنشئة. التربية قد تكون فردية شخصية وقد تكون جماعية لغرس قيم الجماعة. التنشئة الاجتماعية عادة تنحصر في دورها وتقتصر في رسالتها على نقل العادات والقيم في المجتمع للفرد أما التربية فإنها إلى جانب ذلك قد تعزز الفروق الفردية وتركز على الحرية الشخصية.

والتربية قد تكون لحماية الطفل وإعداده لتحمل المسئوليات وتجنب الوقوع في الزلات فهذه تربية وقائية، ومن أشكالها أيضاً أنشطة تهدف إلى صرف الطفل عن قضاء وقت فراغه فيما فيه ضرر فهذه تربية تحويلية تشغل الفرد بالخير قبل أن تنصرف طاقته نحو الشر وفيه تحويل لطاقة الفرد وهناك التربية العلاجية وهي محاولة مساعدة الفرد في التغلب على بعض العادات السالبة والتخلص من رواسب الأخطاء التي يقع بها الإنسان. أما الشكل الثالث فيتمثل في التربية الإنمائية الهادفة لتنمية المهارات وتعزيز التوجهات الإيجابية. 

10- من سمات التربية الحديثة نمو البُعد العالمي وتوسع دور المنظمات الدولية التربوية. بدأت فكرة "العولمة" تفرض الاحتكاك الثقافي وكذلك أهمية وجود تنسيق دولي في مواجهة الأزمات التعليمية وعليه أصبحت التشريعات القانونية، والمساعدات الاقتصادية، وتبادل الخبرات العلمية في ميدان التعليم وتنسيق جهود الدول من سمات ومُستلزمات سير العملية التربوية اليوم.

يعتمد عالمنا اليوم إلى حد كبير على المنظمات الدولية مثل "اليونسكو" كآلية من آليات التعاون الجماعي عالمياً كما تعمل على توحيد جهود التربويين في بعض الميادين. من ثمار نمو البعد العالمي في ميدان التربية اعتماد بعض المواثيق والقوانين الدولية، وتشجيع التحركات الحكومية لمواجهة الفقر والجهل والمرض، والتمويل المادي للكثير من المشاريع التعليمية في الدول النامية، وتبادل الخبرات العلمية عبر المؤتمرات والدورات المستمرة، وتنمية الوعي التربوي من خلال الإصدارات الإعلامية المتنوعة. الهيئات التربوية اليوم تعمل على إيجاد ميكانيكيات واستراتيجيات للتصدي لتحدي التغيرات المستمرة للمجتمعات.

 

التربية بلا حدود

أصبحت التربية بلا حدود Education without Frontiers جزءً من التربية المعاصرة إذ بدأت المنظمات التخصصية تتسابق بإنشاء الأقسام التي تعتني بهذا المضمار. عقدت منظمة اليونسكو ندوة بعنوان "التعلم بلا حدود: رؤية جديدة في التعلم، تحديات وحلول" في دولة قطر وذلك في عام 1998 م وأكدت الندوة على أن ذلك الشعار يتماشى مع الأسلوب العصري في التعلم وهو يقوم على التعلم المستمر والتعليم للجميع، والتعليم باستخدام التكنولوجيا والتعلم داخل المنزل.

يقول المؤرخ الغربي الشهير ول ديورانت الذي كتب مع زوجته تاريخ العالم في 42 جزء "قبل ستين سنة كنت أعرف كل شيء أما الآن فأنا لا أعرف شيئا، التربية عملية تحررية مستمرة ضد الجهل الذي يلازمنا" ولن يفارقنا. وفي هذه العبارة صدق ودقة في فهم طبيعة التربية وأن آفاقها لا حدود لها ولا قيود إذ أنها عملية مستمرة من المهد إلى اللحد. وبهذه الكلمات انتهى كتابهما قصة الحضارة: "لقد انقضت الآن أربعون عاماً من المشاركة السعيدة في ملاحقة التاريخ. وكنا نحلم باليوم الذي نكتب فيه آخر كلمة في آخر مجلد. والآن وقد أقبل هذا اليوم فإننا سنفتقد الهدف الممتع الذي أضفى على حياتنا معنى واتجاهاً ... والآن نستأذنه في الرحيل ونقرئه تحية الوداع" (ديورانت، ص 9810). وفي الأدب الروماني نجد أنه "على المرء أن يواصل طلب العلم ما دام فيه عِرق ينبض". وقال سقراط "كل الذي أعرفه: أني لا أعرف شيئاً".

ليس للتعلم سن أو سقف نقف عنده فإن التربية عملية مستديمة لا تنقطع مهما بلغ الإنسان من مرتبة عالية في علمه وخلقه ومهاراته ومهما بلغ عمره. إن أهم أخلاق السلف الصالح التزود الدائم بالعلم لأن المسلم يجب أن يكون عالماً، أو متعلماً، أو ذاكراً، أو متعبداً، ولا خير فيمن لا يحرص على هذه الخصال فهي خصال الصلاح والنجاح والنجاة. قال أحد السلف الصالح واصفاً أحوال المسلم في الأزمنة السالفة "كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علَّمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم، ذاكره ودارسه". العلم المستقر هو الجهل المستمر (النفَّري، ص 77).

كان الإنسان في السابق ينظر إلى الفضاء ويعتقد أنه لو وصل إلى القمر فسيرى الكون كله ولكنه عندما وصل وجاوز الأرض إلى الفضاء اكتشف أن هناك عوالم أخرى نجهلها وكلما مضينا قُدماً نحو التقدم العلمي ازددنا بصيرة بمدى جهلنا. إن الأرض جزء من النظام الشمسي الذي يتكون من تسعة كواكب والنظام الشمسي العملاق جزء من درب التَّبَّانة "طريق اللبانة" الذي يتكون من قرابة 500,000 مليون نجم ودرب التَّبَّانة جزء من بحر العوالم التي نجهلها.

وفي تراثنا الخالد أمثلة رائعة لعلماء بلغوا القمة في العلم وكانوا قد شرعوا في التعلم بعد سن الثلاثين والأربعين. كان مصلح الدين مصطفى المشهور بحاكي الحنفي حائكا ولما بلغ سن الأربعين رغب في العلم وبرع فيه وصار مدرساً ثم انقطع عن التدريس وتقاعد بثلاثين عثمانيا كما ذكر ذلك ابن العماد في شذراته. وذكر الذهبي في سِيَره نبذة عن القَفَّالُ وقال عنه: أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِاللهِ، العَلاَّمَةُ الكَبِيْرُ. حَذَقَ فِي صنعَة الأَقْفَال حَتَّى عَمل قُفْلاً بآلاَته وَمِفتَاحه، فَلَمَّا صَارَ ابْنَ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً، آنَس مِنْ نَفْسه ذكَاءً مُفرطاً، وَأَحَبَّ الفِقْهَ، فَأَقبل عَلَى قرَاءته حَتَّى بَرَع فِيْهِ، وَصَارَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ. ومن وصايا الذهبي (ت 748 هـ) لطالب العلم.. "وَأَنَّ لاَ يَفْتُر مِنْ طَلَب العِلْم إِلَى المَمَات، بنيَّةٍ خَالصَةٍ وَتواضُعٍ، وَإِلاَّ فَلاَ يَتَعَنّ".

وقال سعيد بن جبير: "لا يزال الرجل عالماً ما تعلَّم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون". وها هو الإمام أحمد بن حنبل يسأله الناس إلى متى تطلب العلم يا إمام ولقد بلغت في العلم منزلة عظيمة؟ فأجاب إجابة رجل اشتغل بالتربية وفقِه عمقها. قال الإمام أحمد: "مع المحبرة إلى المقبرة".  وقيل لسهل التستري (ت 283هـ) إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ فقال: حتى يموت ويصبّ باقي حبره في قبره وقال ابن المبارك: "لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل".

ويركز التعليم مدى الحياة على أربع دعائم:

1-التعلّم للمعرفة.

2- التعلم للعمل.

3- التعلم للعيش مع الآخرين.

4- تعلم المرء ليكون.

يراد بالتعلم للمعرفة: "الجمع بين ثقافة عامة واسعة بدرجة كافية وبين إمكانية البحث المعمق في عدد محدود من المواد. وهو ما يعني أيضا تعلم كيفية التعلم، للإفادة من الفرص التي تتيحها التربية مدى الحياة. التعلم للعمل، لا للحصول على تأهيل مهني فحسب، وإنما أيضا لاكتساب كفاءة تؤهل بشكل أعم لمواجهة مواقف عديدة وللعمل الجماعي. التعلم للعيش مع الآخرين يكون بتنمية فهم الآخرين وإدراك أوجه التكافل. تعلم المرء ليكون، لكي تتفتح شخصيته على نحو أفضل وليكون بوسعه أن يتصرف بطاقة متجددة دوما من الاستقلالية والحكم على الأمور والمسئولية الشخصية. وينبغي لهذه الغاية ألا تغفل التربية أي طاقة من طاقات كل فرد: الذاكرة والاستدلال والحس الجمالي والقدرات البدنية والقدرة على الاتصال (ديلور، وآخرون، 1996، ص 37 بتصرف).

تعلم المرء ليكون كمرحلة قد تسبق مرحلة التعلم للعمل أو العيش مع الآخرين فالإنسان يُشكل شخصيته ثم يحدد مساراته العلمية والعملية وعلى ضوء شخصيته يتعامل مع الآخرين. لا شك أن المراحل السابقة متداخلة بعضها مع البعض الآخر، وتعلم المرء ليكون من أهم مقاصد التربية لأنها تتسم بالواقعية والشمولية.

 إن الحاجة إلى التربية المستمرة تظهر لعدة أمور منها:

1.                                                                                       اعتبر الدين الإسلامي التفكير فريضة دينية.

2.                                                                                       التعليم المستمر فيه مراجعة دائمة لمدى صحة الذي نعرفه.

3.                                                                                       بما أن الإنسان قاصر في علمه، غير كامل في عمله، يحتاج إلى المجاهدة المستمرة لتزكية النفس وتنمية العقل فإن التربية بلا حدود ضرورة إنسانية يستوي فيها كل من الذكر والأنثى.

4.                                                                                       حاجة الإنسان إلى تطوير حياته، والتغلب على المشكلات التي تواجهه، وحبه لمعرفة الجديد، وطبيعته النقدية، وحاجته للإنتاج وترك بصمة جديدة في التراث الإنساني من الأسباب الرئيسة التي تدعو إلى تعلم الجديد.

5.                                                                                       طبيعة العصر تتطلب اللحاق بالثورة المعلوماتية حيث أن المعرفة بدأت تتضاعف بشكل كبير في معظم الميادين العلمية كماً وكيفاً كما أن التنافس الحضاري يدعم مفهوم الإنجاز ويولد دافعية النجاح العلمي بين الأفراد والشعوب.

6.                                                                                       نشوء فروع علمية جديدة كنتيجة ايجابية للثورة التكنولوجية الحديثة المتجددة.

7.                                                                                       الطبيعة البشرية لا تشبع من طلب العلم، واكتشاف المجهول، والسعي نحو توسيع دائرة معارفه.

8.                                                                                       تُساعد التقنية الحديثة على إجراء البحوث، وعمل التجارب وقضاء الأوقات بالمفيد الجديد.

9.                                                                                       من الاتجاهات التربوية المعاصرة تعديل السلوك الإنساني من خلال التعلم الذاتي.  لهذا اقترن مفهوم التفوق العقلي بالمهارات وأساليب التعلم الذاتي المستمر. كما تسير قوانين المجتمعات الحديثة نحو جعل حق التعلم من أهم حقوق المواطن.

 

أهداف التَّربية

إن الذين خاضوا العمل التربوي - على اختلاف ثقافتهم - عبَّروا عن جوهر التربية وغايتها من خلال تجربتهم الشخصية وروح العصر الذي عاشوا فيه. ذكر أبو حامد الغزالي أنه بالتربية يخرج الناس من حد الهمجية إلى حد الإنسانية. وتهدف التربية الإسلامية إلى إعداد الفرد المسلم عقيدةً وعلماً وعملاً كي يُسعد نفسه ويحسن مَسلكه فيستمتع بالحياة ويمارس تعاليم دينه في إطار ينفع مجتمعه وأمته والناس أجمعين. حدد ابن جماعة (ت 733 هـ) للمعلم مقاصد التعليم وغاياته فقال في أدب المعلم "أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى ونشر العلم وإحياء الشرع ودوام ظهور الحق وخمول الباطل ودوام خير الأمة بكثرة علمائها واغتنام ثوابهم وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه" (ص 47). إن العلم النافع يقود إلى العمل الصالح ويزكي ذلك العلم نفس المتعلم ويهذب روحه وهو الأمر الذي من أجله يسعى المربون ويُجهدون أنفسهم. ونحن نعلم أن الهدف الحقيقي للإسلام هو غرس مكارم الأخلاق باطناً وظاهراً.

ويرى الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر (1820 - 1903 م) أن غرض التربية الحقيقي وهدفه الأسمى هو إعداد الفرد للحياة السعيدة من خلال تهذيب الأخلاق وتنمية العقل وأن الغاية من العلم أن يعمل الإنسان الخير فلا يُخل بحقوق غيره. ودعا إلى أهمية دراسة العلوم الطبيعية وطالب بربط المدرسة بالحياة العملية والمهنية.

أما بشأن الأهداف العالمية العامة للتربية اليوم فإن معظم دول العالم _ نظرياً على الأقل _ تتفق على المبدأ التربوي الذي ورد في القانون الدولي والذي ينص على الآتي: "يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة لحفظ السلام".

فيما يلي أهم أهداف التربية عموماً:

1- تنمية الفرد من كل الوجوه (النفسية والانفعالية والذوقية والجسمية والاجتماعية والعقلية والاقتصادية..) كي يتكيف مع بيئته. التنمية الشاملة للفرد هي صياغة أو إيجاد الشخصية السوية. المجتمع المسلم لا يمكن أن يكتمل إلا ببناء الشخصية المسلمة التي تعمل الخير حيثما كانت ومع المسلمين وغيرهم وكما ورد في الحديث الشريف عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ e اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (سنن الترمذي).

إن التربية في المجتمع الغربي اللاديني "العلماني" تعمل على إيجاد الفرد أو المواطن البراجماتي الذي يؤدي دوره الإنتاجي المادي في المجتمع ويحقق حريته الشخصية. البراجماتية مدرسة فلسفية تقوم على أن الحقائق تُعرف من خلال المواقف العملية وأن التغير المستمر سمة الحياة فالقيم متغيرة والأخلاق لا بقاء لها. أما المجتمع الشيوعي الملحد فإنه يهدف إلى إلغاء الحريات الفردية ويعمل على إشاعة الروح الاشتراكية من أجل رفاهية الجماعة. وهكذا فلكل مجتمع غايات محددة للتربية وتشترك في أنها تعتني بتنمية الفرد وفق إيديولوجية محددة أو منهج مرسوم.

 2- توفير احتياجات وطموحات المجتمع مثل إيجاد الأمن الداخلي والخارجي وتنمية الثروات البشرية والطبيعية وإيجاد الكوادر المهنية التي تلبي احتياجات المجتمع. والعملية التعليمية في مخرجاتها تعمل على توفير الكوادر الفنية والعلمية القادرة على ضمان ديمومة الحياة في المجتمع. العملية التعليمية في العصور القديمة كانت تعد للمجتمع احتياجاته من المزارعين أو المهنيين وذلك من خلال التنشئة الأسرية في حين أن المدارس التخصصية اليوم هي التي عادة تعمل على إعداد الأطباء والمعلمين والفنيين.

 3- نقل التراث الإنساني والإضافة إليه من خلال تدوين التاريخ والحفاظ على المعالم الحضارية والإضافة في الإبداع والإنتاج.

4- تبسيط التراث للجيل الناشئ وتنقيته والإضافة عليه.

5- تهدف التربية إلى توعية الأفراد بقضاياهم الآنية والمُستقبلية، وتوعيتهم بمشاكلهم المحلية والعالمية لمواجهة التحديات والعمل على بقاء قوة الكيان السياسي والتماسك الاجتماعي.

6- بناء الاتجاهات الإيجابية نحو المجتمع وتعزيزها عند الأفراد مثل احترام العمل اليدوي، وتنمية الميول وتشجيع الناس على القراءة والبحث والإنتاج والنظام.

7- إيجاد الأجواء المناسبة للتدريب والتطوير وحل المشكلات وإقامة المشاريع وبناء الشخصية.

وبما أن الأهداف تنقسم إلى أهداف عامة وأهداف مرحلية فإن الأهداف العامة والأهداف المرحلية يجب أن يتم فحصها وتجديدها بحسب المتطلبات العصرية، والظروف المتغيرة. فمثلاً قد يحتاج المجتمع المحلي إلى خريجين في التخصصات العلمية بدل التخصصات الاجتماعية ولكي لا تساعد المؤسسات التعليمية في الهدر الاقتصادي فإنها تحتاج إلى تشجيع التخصصات العلمية والمهنية وفتح ميدان الدراسة فيها ووضع هدف واضح ينص على توفير الكفاءات المطلوبة لسوق العمل محلياً.

 

مصادر اشتقاق الأهداف

المصدر في المعنى العام هو المنبع والمراد بمصادر اشتقاق الأهداف: المنابع التي تنبثق منها الحقائق المتعلقة بالأهداف. يتم اشتقاق الأهداف من عدة مصادر وأهم مصادر صياغة الأهداف التربوية العامة:

1-المجتمع وفلسفته التي هي نتاج عدة معطيات مثل التاريخ والتراث والدين.

2-الفرد واحتياجاته المادية والنفسية والعقلية.

3- طبيعة العصر فمتطلبات العصر اليوم مختلفة في كثير من الأوجه عن القرون الماضية حيث بدأ الاحتكاك الثقافي يزداد حِدة سلباً وإيجاباً بين الشعوب.

4- الاستفادة من ثمار العلوم الإنسانية المتنوعة.

وبما أن الحاسب الآلي لغة العصر اليوم فإن الاستفادة منه أصبح من الأهمية بمكان لأن التربية ترجمة لمعطيات الحياة. العصر الذي نعيش فيه يتسم بتطور تكنولوجي عملاق فبمجرد الضغط على زر واحد وخلال ثوان معدودة فإن الرسائل الطويلة تصل بدقة إلى أي مكان في القارات الخمس عبر البريد الإلكتروني.

كان ذلك من الجانب المادي ولكن من القسمات السلبية لهذا العصر في الجانب الاجتماعي والنفسي هو ما نلمسه من طغيان النزعة المادية، وضياع القيم، وتفكك الأسرة، وانتشار الأمراض النفسية مثل القلق والكآبة، وزيادة السرقات، وتزايد معدلات العنف، والإدمان على المخدرات، وانحراف الأحداث، وهو الأمر الذي يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار أثناء وضع الأهداف وإعداد المناهج.

 


تطبيقات معاصرة للأصول التربوية

هناك جملة من المحاور الجوهرية التي تعكس أهم معالم سياساتنا المستقبلية فيما يتعلق بالآفاق التربوية واستراتيجياتنا وفيما يلي لمحة عن بعض تلك المحاور التي نستمدها من أصول التربية عموماً. الفكرة الرئيسية هنا -كما سبق أن قلنا- أن الأصول التربوية متداخلة بعضها يتأثر بالبعض الآخر كما أنها تتغير مع تطور الدراسات والأبحاث وطبيعة العصر وظروفه السياسية وأوضاعه الاقتصادية والخلفيات التاريخية والدينية للمجتمعات. 

إن من الأخطار المحدقة بثقافتنا العربية والإسلامية تجميد كل أصول التربية والنظر إليها كثوابت لا تتأثر بالمتغيرات في كل أصولها وتفصيلاتها فلا تتحرك بمرونة مع التطورات الحديثة. والحق أن التربية عموما والتربية الإسلامية خصوصاً لها غايات واضحة لا تتغير ولكن الاجتهاد في الوسائل وتجديدها وفق القواعد العامة للإسلام أمر مرغوب وفعل مطلوب إذ أن الحكمة ضالة المؤمن. 

إن المتتبع للتوجهات الحديثة في ميدان التربية سيجد أن أصول التربية كالشجرة اليانعة لها في كل يوم ثمرة دانية وهذا يدل على أن جذورها نامية والمطلع على دراسات علم النفس والإدارة… يلاحظ النمو السريع لكثير من العلوم ويرى تنوع وسائلها في البحث والتجربة، ويجد التوسع في دراستها وأنها مثل كثير من الأنهار التي في النهاية ستصب مياهها في محيط التربية. وإذا كانت بعض العلوم لأي سبب من الأسباب لم تتغير فإن طريقة تعليمها بلا شك تغيرت لأن وسائل التعليم دائما مرنة تتأثر بخبرات الناس وظروف المجتمع ونتائج العلوم المختلفة.

وفيما يلي عرض لثلاثة موضوعات تبيّن التطبيقات العملية العصرية للأصول التربوية. هذه الموضوعات هي:

1.                                                                                       طريقة التعليم قديما وحديثا.

2.                                                                                       أنماط التعليم اليوم.

3.                                                                                       بعض المعايير العامة للوسيلة التعليمية المتميزة.

 

أولاً: طريقة التعليم قديماً وحديثاً:

لقد تغيرت فلسفة وطرائق التعليم عبر القرون في ميادين عديدة. في السابق قد يكون من العسير الإحاطة بجميع أساسيات العلوم أما اليوم فإنه من المستحيل الإحاطة بذلك وعليه فإن نمط التعليم اليوم يختلف اختلافاً جذرياً عما كان عليه في السابق فليس من المهم أن يحفظ المتعلم كماً هائلاً من العلوم والمعارف التي قد لا ينتفع بها في حياته بل المهم في عالم اليوم هو كيف يصل المتعلم إلى المعلومة التي يريدها ويحصل عليها بأقصر الطرق وأسرع وقت. 

إن المطبوعات المتنوعة التي تُطبع في سنة واحدة أصبحت تعادل ما كانت تنتجه البشرية ككتابة في قرون عديدة وهذه الظاهرة هي ظاهرة الانفجار المعرفي والتقني الرهيب. إن النظر في المناهج التعليمية يجب أن يعاد لأن القضية هي قضية الكيف لا الكم. تزويد الطالب بالمهارات التي تتيح له مواكبة طبيعة العصر الذي يعيش فيه يجب أن يكون القلب النابض للمناهج الدراسية كما أن المجتمع بجميع مؤسساته يُعتبر من المصادر الحيوية للمعلومات وتنمية الخبرات. 

وإذا كانت التربية الحديثة توجه المتعلم إلى المهارات التي من خلالها يظفر بالمعلومة أو الحقيقة فهذا الاتجاه لا يهدف إلى إلغاء فكرة الاعتناء بالحفظ تماماً لأن حفظ بعض المتون واستظهارها في كثير من الحالات كطريقة تعليمية لها أهمية لا تنكر ولكن المهم أن التعلم إجمالا يجب أن ألا يرتكز على حفظ المناهج الدراسية دون فهم فهذا أسلوب تعليمي تقليدي عقيم يقتل الإبداع والذاتية في نفس المتعلم.

إن التربية اليوم ترفض التجربة التربوية التقليدية القديمة في بعض قسماتها. تعتمد التربية اليوم على فن غرس المهارات المتجددة من خلال الخبرة ولا تعتمد على حفظ المعلومات. وتطمح التربية اليوم في تنمية الفرد والمجتمع فكرياً واجتماعياً وعملياً ونفسياً في حين أن التربية قديماً وخاصة عند اليونان أعلت من شأن التربية العقلية على حساب مهارات أخرى.

 

ثانياً: تركز أنماط التعليم اليوم على البدائل التالية:

1. التركيز على المنهجية والتفكير العلمي في حل المشكلات وفق مراحل متسلسلة وهي باختصار كالآتي: (الشعور بالمشكلة- تحديد المشكلة - مناقشة احتمالات الحل - استنباط النتائج - اختبار الفروض عملياً).

2. العمل الجماعي من خلال الاشتراك مع الآخرين في مشاريع علمية سواء كانت مكتبية أو ميدانية والتعلم من الأقران.

3. أن تكون عملية التعليم ممتعة تجذب المتعلمين إذ يؤكد خبراء التربية على أن التعليم يكون سريعاً وراسخاً كلما كان ممتعاً. لم تعد الألعاب مجرد وسيلة للترفيه والتسلية بل أصبحت مادة هامة للتعليم الإبتكاري الهادف للصغار والكبار.

4.   ربط العلوم بواقع واحتياجات المجتمع والتركيز على الجوانب العملية.

5.   تعليم الطالب القدرة على الحوار وتقدير الحرية الشخصية.

6. ضرورة التجديد في أساليب الامتحانات والقياس لأن الوسائل الحالية تقيس الجانب المعرفي القائم على قدرة المتعلم على الحفظ والتذكر فقط وفي المقابل تهمل الاختبارات التقليدية قياس المهارات النفسية والحركية. حتى المهارات المعرفية يجب أن تتنوع فتشمل مهارة التحليل والتركيب والنقد والمقارنة والتعميم..

7.   إقامة ورش العمل Workshops والدورات التنشيطية والتخصصية التي تقام لأيام أو ساعات معينة.

8.   الاهتمام بالجانب العاطفي مثل غرس الثقة بالنفس والتفاؤل.

9.   إدارة الوقت وتنظيمه والتخطيط من أجل تحقيق إنجاز متميز.

10.        إيجاد مؤسسات ذات برامج خاصة لرعاية الفائقين، وكبار السن، والصغار، وأصحاب الإعاقات.

11.   تنويع التعليم ليشمل أربعة مجالات (التعلم الذاتي-التعلم من معلم-التعلم الجماعي-التعلم من المنظمات).

12.        تعلم كيفية التعلم.

ثالثاً: مواصفات الوسيلة التعليمية الجيدة:

الأصول التربوية تساعد المعلم على اختيار وسائله التعليمية وفق أسس نفسية واقتصادية واجتماعية. من سمات الوسيلة التعليمية الجيدة ما يلي:

1- أن تكون الوسيلة التعليمية جذابة ومشوقة.

2- قليلة التكلفة.

3- بسيطة في الإعداد وبعيدة عن طابع التعقيد.

5- مناسبة للمرحلة العُمرية للمتعلم.

6-فيها نوع من الإبداع في طريقة العرض والقياس.

7- تخدم الأهداف المختلفة (المعرفية- الوجدانية- النفسحركية) أو تخدم أحد هذه الأهداف.

8- الاستفادة من البيئة المحلية قدر المستطاع.

9- يمكن الاستفادة منها أكثر من مرة ولأكثر من غرض.

 

 



1 (رواه الدار قطني في الإفراد انظر صحيح الجامع الصغير للألباني، ج1 ص 461).

2 وفي رِواية "كلٌ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (انظر الألباني، صحيح الجامع الصغير، ج1، رقم الحديث: 4511، ص 830، والحديث رقم: 4561، ص 837).

 

Hosted by www.Geocities.ws

1