الأسرى وصفحات الإنترنت

الأسرى وصفحات الإنترنت

د.  بدر محمد ملك

كلية التربية الأساسية الكويت

[email protected]

قبل فترة بعثتُ برسالة قصيرة إلى موقع ثقافي على شبكة الانترنت يرتاده عدد كبير من القراء كما يكتب فيه مجموعة من الباحثين والمرموقين ولأن للموقع مراسلين في الكويت فهم أقرب إلى نبضات المجتمع الكويتي الذي لا يزال جسده كله يعاني بشدة من نزف الأسرى والشهداء. لقد كتبت لهم رسالة خاصة وجاء فيها "الرجاء التكرم بمتابعة أخبار أسرى وشهداء الكويت وحبذا تخصيص ملف خاص لهذه القضية الإنسانية الإسلامية مع تمنياتي لكم بالتوفيق في حمل الأمانة الإعلامية، وتحقيق المقاصد العامة".

        بعث الموقع بالرد التالي "نشكر لكم اهتمامكم بمتابعة صفحة شؤون سياسية، واقتراحكم القيم الذي نعد بأخذه بعين الاعتبار في أولويات الصفحة. مع وافر الاحترام والتقدير". وهذا الرد الكريم لا ريب أنه وعد نأمل أن يجد صداه على أرض الواقع عن قريب، وهو الأمر الذي نتمناه ونتوقعه بعون الله تعالى ونأمل أن تقوم سائر المؤسسات الإعلامية بخطوات ملموسة لدعم رسالتها النبيلة، وترسيخ مصداقيتها.

        واليوم وبعد أكثر من عشرين يوما من رسالتي السابقة نقرأ عنوانا يتصدر الأخبار في ذلك الموقع وغيره من المواقع وهو تحت عنوان " صور كاظم الساهر تثير غضب الكويتيين "والجهد المبذول في جمع المادة كان يمكن استثماره أيضا في خدمة قضية الأسرى بإسهاب. لقد قام الموقع بعمل تحقيقات عديدة متفرقة عن الكويت وساهم مراسلوهم بتغطية ذلك فقدموا الموضوعات التالية:

§                     نصف الكويتيين لا يزالون يخافون العراق

§                     بعد صدام.. الكويتيون يتفرغون لـ "الإصلاح

§                     إسلاميو الكويت: لا للحرب وصدام معا!

الحاجة ماسة لتتبع مأساة الأسرى على الساحة الإعلامية إقليميا وعالميا على حد سواء. هناك تقصير واضح وفاضح في متابعة شئون الأسرى على مستوى العالم العربي وقضية الكويت تكشف عن مزاجية العقل العربي المسلم في تناول الأحداث فما زال الغموض يلف الشارع العربي ومازالت وسائل الإعلام تتعامل مع آهات الأسرى ببرود وشرود. ولكن السؤال الوطني الهام هو: هل مازلنا نبذل الجهود المنظمة في مخاطبة العالم عن قضايانا الكبرى بأساليب موضوعية وطرائق إعلامية متنوعة؟  القلم من مستلزمات البقاء والقوة أو كما يقول أحمد مطر في شعره السياسي الساخر عن القلم إذ وصفه بأنه "يد وفم" فهل جعلنا القلم مرآة الألم ليحكي بمداده للعالم قصة متصلة من المحن؟ هل أقلامنا تجردت لخدمة قضايانا محليا وعالميا أم إنها تجري خلف مناصب زائلة، ومواقف زائفة؟ هل راجعنا مواقفنا الوطنية قبل أن نعاتب أو نغتاب غيرنا؟ لا أملك الإجابة الدقيقة لكن المراجعة الواعية الدقيقة تظل هامة فقطار التاريخ يسير بسرعة فائقة. ومن الصفاقة أن يصفي الإنسان الحسابات الشخصية ويصغي للتيارات التائهة ثم يترك قضاياه الوطنية المصيرية معلقة.

إن الأمانة تستدعي الكتابة الموضوعية وعندما تقوم مؤسسات الإعلام العربي بتتبع أخبار شعب يعادي حزب البعث الظالم وينادي بالتخلص من كل أفكاره وأظفاره التوسعية فإن ذلك ينبع من وقائع مرعبة، وحقائق فظيعة، تمت معاينتها قسراً وعدواناً. من الغريب جداً أن تحجب الكثير من وسائل الإعلام تفاصيل مأساة مئات الأسر المفجوعة في الكويت ثم تلهث خلف خبر يمس شخص واحد من مثل الفنان كاظم الساهر والخبر في حقيقته هو إفراز لظلم كبير وقع على أبرياء والفن مهما كان عذبا فلن يحفل به الجسد المعذب طالما كانت ألحانه تستهتر بآلامه. إن الأمانة العلمية الصحفية تقتضي نشر تفاصيل الفظائع التي ارتكبها النظام العراقي البائد ومارسها في ظل صمت عربي غريب فالشهيد الكويتي، والأسير الكويتي، والجرح الكويتي، لا يقل شأنا عن جراح نازفة في عالمنا العربي بأراضيه المقدسة أو المدنسة.

تمارس كثير من الأبواق الإعلامية اليوم وبجميع قطاعاتها المتناحرة (الإسلامية – القومية – الليبرالية) الظلم بطرائق متنوعة عندما تتغاضى عن آلام مجتمع بأكمله وتقوم بتضخيم وتعتيم ما تهواه ويخدم مصالحها فقط لا ما يقتضيه القسط. لا نشك أن أهالي الأسرى والشهداء سيكرمهم الله في الدنيا والآخرة ولكن حقهم في تحسس أخبارهم، والسؤال عن أحوالهم، والدعاء لهم، وتخليد ذكراهم، والسعي في دعم ومساندة أهلهم وقضاء حوائجهم من الحقوق العظيمة التي نأمل أن تقوم وسائل الإعلام العربية بحمل طرف يسير من أمانتها قبل فوات الأوان. غدا ستصبح قضية الأسرى والشهداء قضية تاريخية من الماضي الغابر ولكن ستظل المواقف المشرفة في الدنيا والشافعة في الآخرة لكل حر كريم آلمه حال مجتمع يتحمل جراحه بكبرياء المؤمن ويصبر بحكمة على ظلم ذوي القربى وليكتب التاريخ صفحاته وليختر كل شريف موقعه المنشود، فكل نفس بما كسبت - من عدل وظلم - رهينة ومحاسبة.

نأمل من السادة الأفاضل الذين يحملون أمانة الكلمة لجميع الشبكات الإعلامية في الكويت وخارجها أن يعطوا الموضوع حقه كحقائق ومشاعر وأهوال، فتحقيقاتهم التي نشروها عن الكويت ناقصة، وغير مفصلة، وستظل خداج لأن قضية الكويت الكبرى هي قضية الشهداء والأسرى ولا بد من نقلها للعالم ولسجلات التاريخ بأمانة، ودقة، وبطريقة موسعة ومنظمة لا تعرف الملل مهما طالت العلل. من جهة أخرى فإن الإعلام الكويتي عليه أن يصنع خارطة المستقبل ما استطاع إلى ذلك سبيلا فيغتنم الفرص على بصيرة تامة لتشكيل الرأي العربي ولا يترقب المخاض السياسي فالعاقبة لمن يبذل ويعطي، والخسران نصيب من يراقب ويكتفي، والإعلام خير ميدان للسعي السياسي والتأثير الجماهيري لتحقيق المزيد من العدالة والأمانة في مجتمعاتنا العربية المتعطشة للحقيقة الغائبة.

تقع المسئولية الكبرى على كاهل وسائلنا الإعلامية التي تضم طاقات ضخمة لتصور للعالم أولاً، وللتاريخ ثانياً قضية الشهداء والأسرى كقضية وطنية كبرى لها أبعادها القريبة والبعيدة وتمس المشاعر الإنسانية ولها آثارها النفسية والاجتماعية والتربوية البالغة الخطورة. هل نجح إعلامنا الشعبي والرسمي في التصدي لقضية الكويت الكبرى فصور للآخرين أنين الجسد الكويتي الجريح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه؟

 

Hosted by www.Geocities.ws

1