السعي وراء
أسباب السعادة
"مناقشة
قصة السعادة"
المحتويات
مفتاح السعادة عندك لا عند غيرك
كتبت هذه المقالة استجابة لطلب الأخت
الفاضلة حصة المبليش طالبة في كلية الشريعة بجامعة الكويت وآمل أن تكون مقالة
نافعة تشجع على .
عندما تكتب طالبة قصة رمزية (انظر
مجلة آفاق الجامعية، 7- 3 – 2004 م، ص 21، العدد 665 السنة 25) عن ينابيع
السعادة التي تبتغيها جموع البشر جميعا منذ الأزل فهي تعبر عن قلم متعدد المواهب،
وتكتب بفكر فتاة ناهضة نشطة تسعى بحكمة إلى فهم أساسيات النفس البشرية وتدعو إلى
تحرير طاقاتها الدفينة وتنادي بالترحيب بها في عالم العطاء كي تدرك الشأو البعيد في
خدمة الخير وفتح نوافذ السعادة. تحتوي الحياة على منغصات كثيرة وصعوبات متصلة ولكن
مهما تلبد حولنا غيم المنغصات المدلهمة فإن مباسم السعادة ومواسم الهمة تدفعنا
بنفحاتها نحو اكتشاف الخير المدخر فينا كي نقارع سموم الإحباط والمرارة والفتور
بنسائم السعادة والتفاؤل والسرور.
تتكلم حكاية السعادة عن حقائق قد
ندركها وقلما نعمل وفق مقتضياتها؛ فالحياة رغم المحن مازالت مكانا يسع الجهود
الحثيثة لنشر السعادة بالكلمة المضيئة، والبسمة المستديمة، والحكمة البسيطة السعيدة
التي تحتوي على الاستبشار في تغيير الأمور نحو الأفضل. لا يتحقق ذلك كله قبل أن
يبصر المرء نفسه فيكتشف ذاته فينتشلها من غوائل النسيان والإهمال وهو المقصد
الأسنى الذي آمل أن يرسخ في أعماق نفوس
القارئين والقارئات. ليس هذا فحسب، فإن القصة الرمزية بكافة صورها المترامية
الأطراف ومقاصدها المتسعة الأرجاء وسيلة مهذبة لتيسير المعاني المصيرية والتحذير
من الآفات الكلية ولهذا فإنها من أقدر الطرق التعليمية على إتحافنا فكريا ببيان
حقيقة مقومات السعادة وكشف دعائم التعاسة لنستمد منها العزيمة التي نحتاجها للمضاء
والعطاء في معترك الحياة. يقول إحسان عبدالقدوس في مقدمة كتابه السعادة ليس لها
تاريخ "عندما أريد أن أستريح، أهرب إلى القصص ... أكتبها أو
أقرأها".
التربية الحسنة هي التي تراعي
سلامة الفطرة وتهتم كثيرا في فن إسعاد النفس والناس وتعمير الحياة وتجديد مباهجها
المادية ومناهجها العلمية والسعيد من جعل الله مرشدا للخير، مغلاقا للشر. قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم " إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس
مفاتيح
للشر
مغاليق
للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله
مفاتيح
الشر على
يديه
" (رواه ابن ماجه وقال الألباني عن درجة الحديث: حسن).
يلعب الاستعداد النفسي الإيجابي
دوراً حاسماً في ترقية الذوق الرفيع، وتطبيق القيم الحميدة، وخلق الهمم العالية
التي توسع من إمكانيات ومساهمات الأفراد، وقصة السعادة الممتعة المقنعة حلقة من
حلقات النجاح والمجد والتحرك الذاتي وهي جديرة بأن نكررها بين الفينة والفينة
لتجلية الفكر برموز الحكمة وأنوار التدبر.
السعد والسعادة الإنسانية: سلوك جليل
نمارسه وأساسه السعي والرغبة ، وشعور نبيل نعيش به وقوامه الوعي والسكينة.
والسعادة – على تفاوت درجاتها - رسالة سامية وقيمة حضارية دافعة تحاول أن تعطي
حياتنا معاني العطاء بلا حدود والأمل بلا قيود.
السعادة مجاهدة دائمة لترقية النفس
والمواظبة على الإحسان والأوبة إلى الحق حال الزلل والاعتصام بالأمل وترك القنوط
مهما تكالبت المحن على القلوب.
المواهب هبة ربانية متنوعة وقد
تسمى الذكاءات المتعددة (MI) من مثل الذكاء اللغوي والطبيعي والاجتماعي والعاطفي والمنطقي
والحسابي والموسيقي والروحي. يتمثل إسعاد الإنسان في إشباع رغباته المشروعة باعتدال
وتنمية مواهبه المتنوعة برغبة حرة وقناعة ذاتية.
إن السعادة الصادقة عزيزة المنال
لمن يغتر بظواهر الأمور المادية الجوفاء ولكنها قريبة من الذي له سعي حثيث في تطبيق
الأخلاق القويمة والامتثال للقيم الكريمة لنيل الخير، ولا تتحقق السعادة المتجددة
المتدفقة إلا بتهذيب النفس ورفع مستوى مهاراتها كي تواجه صروف الحياة بالتي هي
أقوم بهدف تعمير الحياة بالنشاط الطارد للشقاء. أسرار وعناصر الحياة السعيدة كثيرة
جداً ولكنها لا تتمحور أبداً حول الشهادات العلمية الراقية أو الثروة المادية
الطائلة، أو التكنولوجيا العصرية الهائلة لأنها وسائل قد تؤدي للخير المشرق أو
الشر المحرق بحسب فلسفة وأخلاقيات استثمارها أو إهدارها.
وقال ابن عربي في الفتوحات
المكية "السعادة كلها في العلم بالله تعالى" ص 3058. وقال مصطفى
السباعي في كتابه هكذا علمتني الحياة عن فن اكتساب السعادة " إذا كنت تحبّ السعادة في الحياة
فاعتنِ بخلقك" وقال "بين الشقاء والسعادة، تذكر عواقب الأمور". قال برتراند رسل في كتابه كيف تكسب السعادة "إن
الحياة السعيدة هي إلى حد بعيد صنو الحياة الخيرة" (ص 175). وقالت عائشة
التيمورية عن الأخلاق كأصل
السعادة:
ما الحظُّ إِلا امتلاكُ المرءِ
عِفتَه * وما السعادةُ إِلا حُسْنُ أخلاقِ
أي أن الإحسان المبني على حسن
الخلق هو سبب الفوز ونيل السعادة.
وقال علي الجارم:
ليسَ للبنتِ في السعادةِ حظٌ * إن تناءى الحَياءُ عنها ووَلَّى
وقال ابن الأبار
وَاحْرِصْ عَلى نَيْلِ
السَّعَادَةِ جَاهِداً بِالبِرِّ
والتَّقْوَى فَنِعْمَ النَّائِلُ
وقال أبو العتاهية:
وَمِنَ السَعادَةِ أَن تَعِفَّ
عَنِ الخَنا وَتُنيلَ خَيرَكَ أَو
تَكُفَّ أَذاكا
وقال أبو الفتح البستي:
إن السعيدَ هو الغنيُّ عن العلائِقِ والعوائق
وقال الشاعر المصري أحمد نسيم:
دع العلم يفشو في البلاد لعله يكون لإدراك السعادة سلما
وقال الغشري وهو من شعراء القرن
الثاني عشر
أرى العلمَ عنوانَ السعادةِ
للفَتَى ولا تغبطِ السلطانَ إنْ
فاتَهُ العِلْمُ
وقال الإمام الغزالي في إحياء
علوم الدين "وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة في أن
تملكه نفسه". وقال أيضا "لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة
فالناس كلهم هلكى إلا العالمون؛ والعالمون كلهم هلكى العاملون، والعاملون كلهم
هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم". وقال "وأما الرشد فنعني به
العناية الإلهية التي تعين الإنسان عند توجهه إلى مقاصده فتقويه على ما فيه صلاحه
وتفتره عما فيه فساده، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى: " ولقد آتينا
إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين " فالرشد عبارة عن هداية باعثة إلى جهة
السعادة محركة إليها، فالصبي إذا بلغ خبيراً بحفظ المال وطرق التجارة والاستنماء
ولكنه مع ذلك يبذر ولا يريد الاستنماء لا يسمى رشيداً لا لعدم هدايته بل لقصور
هدايته عن تحريك داعيته".
"فمفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع
الشقاوة الغرور والغفلة فلا نعمة لله على عباده أعظم من الإيمان والمعرفة، ولا
وسيلة سوى انشراح الصدر بنور البصيرة" وقال "السعادة لا تنال إلا بالسعي
والطلب والجد والتشمر، والقانط لا يسعى ولا يطلب، والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد
ظفر بمراده فلا يسعى".
"السعادة لا تنال إلا بثلاث
وسائل في الدنيا وهي الفضائل النفسية، كالعلم وحسن الخلق، والفضائل البدنية:
كالصحة والسلامة، والفضائل الخارجة عن البدن: كالمال وسائر الأسباب. وأعلاها
النفسية، ثم البدنية، ثم الخارجة".
"السعادة في قطع الشهوة
والغضب".
وقال الغزالي عن نيل السعادات
الكاذبة "وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا الأمر وهو أنه ليس المقصود أن يشقى
الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا؛ بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا
وهي شهوة البطن والفرج، فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى إتباع النسوان وجمع
لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الأنعام ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غاية
السعادة فشغلهم ذلك عن الله تعالى وعن اليوم الآخر.
وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة
المال والاستغناء بكثرة الكنوز، فأسهروا ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع، فهم
يتعبون في الأسفار طوال الليل والنهار ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون،
ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحاً وبخلاً عليها أن تنقص، وهذه لذتهم وفي
ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت؛ فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في
الشهوات واللذات؛ فيكون الجامع تعبه ووباله وللآكل لذته. ثم الذين يجمعون ينظرون
إلى أملا ذلك ولا يعتبرون.
وطائفة ظنوا أن السعادة في حسن
الاسم وانطلاق الألسنة بالثناء والمدح بالتجمل والمروءة؛ فهؤلاء يتعبون في كسب
المعاش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس
الحسنة والدواب النفيسة، ويزخرفون أبواب الدور وما يقع عليها أبصار الناس حتى يقال
إنه غني وإنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة، فهمتهم في نهارهم وليلهم في تعهد
موقع نظر الناس.
وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في
الجاه والكرامة بين الناس وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير، فصرفوا همهم إلى
استجرار الناس إلى الطاعة لطلب الولايات وتقلد الأعمال السلطانية لينفذ أمرهم بها
على طائفة من الناس، ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا
سعادة عظيمة، وأن ذلك غاية المطلب. وهذا أغلب الشهوات على قلوب الغافلين من الناس،
فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته وعن التفكر في آخرتهم
ومعادهم".
" فأصل السعادة في الدنيا
والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال".
التربية الحسنة التي تراعي سلامة الفطرة
تهتم كثيرا في فن إسعاد النفس والناس وتعمير الحياة وتجديد مباهجها المادية
ومناهجها العلمية.
يلعب الاستعداد النفسي الإيجابي
دوراً حاسماً في ترقية الذوق الرفيع، وتطبيق القيم الحميدة، وخلق الهمم العالية
التي توسع من إمكانيات ومساهمات الأفراد، وقصة السعادة الممتعة المقنعة حلقة من
حلقات النجاح والمجد والتحرك الذاتي وهي جديرة بأن نكررها بين الفينة والفينة
لتجلية الفكر برموز الحكمة وأنوار التدبر.
من أسباب تيسير السعادة وحسن توفيق
النفوس أن يعتاد المرء دائما على تهذيب نفسه بالرياضات التالية:
1.
التدبر في سيرة من حباه
الله في الدخول إلى عالم السعادة من لدن الأنبياء ومن سار في مضمار استباق الخيرات.
ومن المعلوم قطعاً - لمن طمع في السعادة ونظر نظراً شافياً - أن القرآن محبوب فهو ربيع
القلوب، ومنير الدروب. لا ريب أن العقل والإيمان ركيزتان من ركائز السعادة الحقة.
2.
الشورى ومشاطرة الآراء مع
الآخرين.
3.
انتبه ابن سينا إلى أهمية تجنب
الأفعال المضادة لأسباب السعادة الجالبة للتعاسة والشقاوة كما أكد ابن مسكويه على
أن "الراحة البدنية ليست من أسباب السعادة ذلك أن اللعب يشبه الراحة والراحة
ليست من تمام السعادة ولا من أسبابها. يطلب العاقل الفاضل بهمته أعلى المراتب وكما
يقول أرسطو: لا ينبغي أن تكون همم الإنسان إنسية وإن كان إنسانا ولا يرضى بهم
الحيوان الميت وإن كان هو أيضا ميتا بل يقصد بجميع قواه أن يحيا حياة إلهية فإن
الإنسان وإن كان صغير الجثة فهو عظيم بالحكمة شريف بالعقل (تهذيب الأخلاق،
ص 64 ، بتصرف). إن القضاء على منشأ البلاء يكون بإقصاء المنغصات النفسية المهلكة
المؤدية إلى التعاسة من مثل القلق والضجر وضيق الصدر والجشع والتشاؤم واليأس وسوء
الظن والحسد والكبر والفتور والرغبة في التباهي والرهبة من المعالي. وهذه السياسة
الوقائية الدفاعية من أهم مداخل تحصين النفس وتحصيل الراحة الأبدية التي تتضاءل
معها النزعات النفسية السلبية وبذلك تصل المواهب إلى أقصى درجات الجودة ولا تتبعثر
أو تضعف الطاقات بالسماح للأخلاقيات المذمومة بالسيطرة على النفس والعقل ساعة
العمل أو الراحة.
4.
الاستمتاع بالكدح والكسب الشريف
وإتقان الصنائع التي تنفع الناس بل أعظم لذة وأرفع درجة في عالم السعادات يجدها
المرء في كل المناسبات والأوقات إنما تكون في نفع الناس وإدخال السرور على نفوسهم.
حب العمل والتفاني في الوظيفة أو المهنة التي نقوم بها سيكولوجية نافعة
واستراتيجية ناجحة للاستمتاع في الحياة بروح التجديد .
5.
التعلم الدائم؛ فالاجتهاد
الفكري والنهم العلمي يبعثان السعادة والسرور والبهجة في النفوس السليمة.
6.
محبة الفنون كالرسم
والتصوير والشعر والقصص والموسيقى. تقول د. عائشة المناعي – عميدة كلية الشريعة في
قطر- عن الأثر الإيجابي للألحان الشجية "ترقى بالروح والمشاعر وتثير في النفس
الهدوء." قال السيوطي عن المطرب صاحب الذوق
السليم" صاحب الذوق السليم من المطربين أستاذ أمين، يعرف طرائق التلحين وجس
العود، فيحصل للنفوس بذلك طمأنينة، تراجيه ترجع إلى الإيقاع، ونقوشه على الأوضاع،
فهو قوت الأرواح، ومعدن البسط والانشراح، بعوده الملذذ، مطرب يطرب الأسماع، وينعش
الأذن بالطرب، محاضرته عجب، فهو للطف النفس سبب، في علم الموسيقى أستاذ، عارف له
بذلك نغمة، وذلك من الله أكبر نعمة، يدخل على القلب السرور، يداوي كل قلب مجروح " (صفة صاحب الذوق السليم
ومسلوب الذوق اللئيم، باختصار، ص 10).
7.
النزهات الرحلات السياحية
على هدي بصيرة نافذة وإرادة متوثبة.
8.
الاعتدال في الغذاء واللبس
والحركة وكل الأمور الدنيوية والدينية فخير الأمور أوسطها لأنها تشبع الرغبات
بحكمة وتحقق حسن التوازن عاطفيا وفكريا وجسديا.
9.
القناعة بعد بذل كافة
الأسباب فالإنسان يعيش رخي البال عندما يقبل قدره المكتوب بنفس راضية فالسخط آفة
مهلكة للفرد والأسرة والمدرسة والمجتمع.
كثيرة هي النعم التي نسعد بها وقلما ننتبه لها فنغفل عن شكرها والسعيد من
تفكر بها وقدرها حق قدرها. روى ابن ماجه والترمذي مرفوعا "مَنْ أَصْبَح
مِنْكُمْ مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، آمِنَاً فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (حسنه الألباني).
10. تنوير الأسرة عبر التواصى على طريق الصلاح والتلذذ في طلب العلم
والتنعم بدفء الحب والتعاون بين أفراد الأسرة.
11. حشد المواهب وتحسينها لتكوين العادات السليمة بهمة وقادة طريق
السعادة لأنها تضيف إلى فضاء الحياة إضاءة إنسانية جديدة تجعلنا ننظر إلى مباهج
الحياة بأعين مليئة بالبشرى وبقلوب تخفق بالأمل فتظهر المواهب المحمودة ، وتنكمش
المحبطات المذمومة.
ينتظر
الإنسان أن يكبر ليستمع بموسم السعادة وربيع الفرح ويتحسر الكبير على مضيي فترة
الشباب فيعلق الجميع سعادته في مغانم قد يكسبها مستقبلا أو قد خسرها سلفا، فيتطلع
لأمنيات يريد أن يحققها عاجلا فيحرم نفسه من محراب الحياة الطيبة وبذلك تتوقف
مسيرة الخير لا لعدم وجود السعادة في أعماق النفوس ولكن لأننا نعتقد أن السعادة
مقرونة بأمر خارجي ننتظر قومه ونتلهف للحصول عليه أو نندم لفواته وننسى أن نغتنم
كل ساعة من ساعات العمر عندما نفرط فيها رغم أن الدقائق إن مرت لا تعود. العذاب
كله أن يعيش الفرد منا مرحلة الأسى على ما فات فتذهب حياتنا حسرات وزفرات وآهات ولكن
السعادة كلها هي أن نغتنم الأوقات بجليل الأعمال ونحسن فيها بكريم الأفعال فلا
نكتفي بعمل الواجبات بل نقرنها على قدر المستطاع بالإحسان وعمل المندوبات كي ننعم
بالحياة ونباشر المعيشة الطيبة فعلا وشعورا، فكرا وحركة.
ذكر وليم
جلاسر وهو يفسر السلوك الإنساني "إن السعادة، وكذلك التعاسة، لا تحدث من تلقاء
نفسها، لقد تعلم الناس على مدار السنين أنهم (لا يختارون) الحزن، لقد اعتقدوا أنه
يفرض عليهم رغما عنهم .. هذا التعلم، أو هذا الاعتقاد لا أساس له من الصحة، فالفرد
يختار سعادته، أو كآبته، الزوج قد يختار الإحباط ليسيطر على زوجته، والزوجة قد
تختار المرض لتسيطر على زوجها، وهذا قد يختار المخدرات ليسيطر على نفسه بعد الفشل
أو الخسارة، والأم قد تختار الحزن والدموع لتسيطر على ابنها الدمن" (انظر د.
بشير الرشيدي، نظرية الاختيار وتطبيقاتها في علم النفس، 2002 م، ص 182).
العتبة
الأولى للسعادة تبدأ من النفس ثم التفكر بعواقب الأمور، والعزم عند اتخاذ القرار ،
والرفق في التطبيق ثم العمل على تنمية عادات صحيحة لتنمية قدراتنا ومواردنا بصورة
حكيمة لننعم بحياة طيبة رشيدة تفيض بالعطاء والنماء. فالسعادة الخالصة مسلك يختاره
الإنسان فيسير معه على ظهر الحياة ولا يلتفت نحو المحبطات. السعادة الصافية مسلك
يستطيع أن يرتقي بالإنسان ليقبل القدر بقناعة بعد بذلك كافة الأسباب المتاحة ،
وهنا يصبح الفرح صاحبا لنا في كل ممارساتنا اليومية وعاداتنا السليمة فنأنس به
كلما أدينا الفرائض والنوافل، ونستمع معه كلما ساعدنا الناس وسرنا معهم، ونأنس فيه
كلما اطلعنا على كتاب ودخلنا المكتبة، وحتى إذا نزلت النوازل نستزيد من رحيق
حكمتها الحسنة دائما ، ولا نستسلم لقبيح رسائلها السلبية أبدا.
السعادة في
الإسلام: سعي جاد متواصل لتيسير الحياة ومساعدة الناس وترويح الفؤاد وإدراك
الحقائق والتفاعل السليم معها لكي يحمل المسلم رسالة الله سبحانه بسماحة واقتدار ويتنعم
بمتع الحياة فيحترم الاختلافات بين البشر ويتعايش معهم بالحسنى.
عندما
نستعرض الحديث النبوي الشريف نجد مفاهيم السعادة واسعة جدا فالرسول صلى الله عليه
وسلم يقول كما في صحيح مسلم "والسعيد من وعظ بغيره". ويقول "إن السعيد لمن جنب الفتن، و لمن ابتلي
فصبر" ويقول " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء .
وأربع من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن السوء"
(انظر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: موقع الدرر السنية).
قال المناوي في فيض
القدير "السعيد من تصفح أفعال غيره فاقتدى
بأحسنها وانتهى عن سيئها قال:
إن السعيد له من غيره عظة
* وفي التجارب تحكيم معتبر
وقال حجة الإسلام:
المراد أن الإنسان يشاهد من خبائث من اضطر إلى مرافقته وأحواله وصفاته ما يستقبحه
فيجتنبه وقيل لعيسى عليه الصلاة والسلام من أدبك فقال ما أدبني أحد رأيت جهل
الجاهل فجانبته. قال الحجة: ولقد صدق فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم لكملت
آدابهم واستغنوا عن مؤدب فاطلع في القبور واعتبر بالنشور وانظر إلى مصارع آبائك
وفناء إخوانك، ومن أمثالهم كم قذف الموت في هوة من جمجمة من هوة وكفى بالموت
واعظاً ونظر الحسن رضي اللّه عنه إلى ميت يقبر فقال: واللّه إن أمراً هذا أوله
لحريّ أن يخاف آخره وإن أمراً هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله. وقال مطرف: أفسد
الموت على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيماً لا موت فيه. وقال الحكماء: للباقين
بالماضين معتبراً وللآخرين بالأولين مزدجر والسعيد من لا يركن إلى الخدع ولا يغتر
بالطمع".
المؤمن في الرخاء شاكر
يستطعم بملذاتها فحياته كالنحلة وفي البلاء صابر ذاكر فهو كالذهب يزيدا صفاءً. قال
المعلم الأمثل صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمن مثل
النحلة،
إن أكلت
طيبا، و إن وضعت وضعت طيبا، و إن وقعت على عود نخر لم تكسره، و مثل المؤمن
مثل
سبيكة الذهب، إن نفخت عليها احمرت، و أن وزنت لم تنقص" (حسنه الألباني في
صحيح الجامع). هذا التصوير الرائع يجسد رؤية متفائلة تنظر للحياة نظرة راقية تضعها
في القمة ولا تنقصها الواقعية فالمرء معرض للرخاء والبلاء واليسر والعسر والضيق
الفرج وفي كل الأحوال فمعه ربه سيهديه للمسلك السعيد إن حرص على اقتفاء طريق الحق
ووثق بالأمل المشرق. السعيد يقتبس من النحلة دقتها وحركتها وتنظيمها وسعيها
وتسبيحها وتنقلاتها ومن الذهب قوته وصفائه وصموده وأهميته وجماله نفعه وثباته.
فاقد
الشيء لا يعطيه؛ لذا وجب علينا أن نمارس السعادة ونأنس بسحرها كي يستلهما الأبناء
والبنات كلما قاموا بأداء الفرائض الدينية، والواجبات الوطنية، والمهام الحضارية.
1.
بيان حقيقة السعادة بأنها
تنبع من الفؤاد فهي ذاتية المصدر وتزداد بمواصلة الخيرات.
2.
طرد كافة المعتقدات المثبطة
لأن الأوهام تحول بين المرء والتوفيق فالحاجة ماسة لتنقية العقل وترقية الروح من
مفاسد الوهم. ومن الأوهام التعيسة التي قد تتسلل إلى النفوس البريئة المهمومة أن
المرض والإعاقة الجسدية واليتم والطلاق تجعل حياتنا بائسة يائسة.
3.
التحدث بنعم الله والتفكر
الدائم بها.
4.
أخذ العبرة والعظة من
الأحداث الجارية، والقصص الماضية، الأمثلة الحكيمة.
5.
بث مشاعره لمن يحرص على
مصلحته كي يرشده فإن الكبت الدائم آفة تقود نحو العزلة والتشاؤم.
6.
المحافظة على الفرائض
الدينية وعلى رأسها الصلاة.
7.
تعلم الأدعية القرآنية
الكريمة والأذكار النبوية الصحيحة فهي خير معين للفوز بالقوة والمنعة والهداية.
8.
تنويع المشارب الثقافية
والاستفادة من تجارب الشعوب المجاورة والبعيدة والبائدة ولعل الأفلام السينمائية
الهادفة، والمجلات المتنوعة، والأسفار المدروسة، والخيال العلمي، والكتب المسلية، تفتح
عين الطفل على عوالم رحبة توسع مسلكه إذا ساعدنا الطفل في اغتنام الحكمة بوعي.
9.
توجيه الطفل نحو الألعاب
التي تزيد من ثقته بنفسه.
10.
تزويد الطفل بمهارات حل
المشكلات وفق خطوات معلومة وموضوعية.
11.
تستلزم الحياة الطيبة رفقة
طيبة تستمع بالحياة دون إسراف.
12.
تعويد الطفل على أن لا
يحتقر من المعروف شيئا فالابتسامة صدقة، وكف الأذى صدقة، والعطف على الفقراء صدقة
والسلام صدقة وضياء وسعادة وصلاح.
13.
تعميق مفهوم التوكل على
الله سبحانه فهو الناصر والمعين.
هلين كيلر Helen Adams Keller (1880-1968) وصفتها الموسوعة البريطانية (2004 م) بالمؤلفة المربية الأمريكية العمياء الصماء. تؤمن
بالتفاؤل لا سيما في مواجهة النكبات حياة كريمة أساسها مغامرة شجاعة ومثابرة
متواصلة ومواقف جريئة هذه هي الحياة الحقيقية فهي إما عيشة فيها جسارة المغامرة أو
لا شيء (Life
is either a daring adventure or nothing). خدمت هيلين البشرية من خلال كتبها وعزيمتها وسيرتها ورحلاتها في
تذليل العقبات التي تواجه العاملين في الفكر الإنساني وتربية الفئات الخاصة.
ومازلت كيلر مصدر قوة لبعث الهمم فحياتها الحافلة بالتحديات ولدت فيضا من النجاحات
وها هي المؤسسات العالمية الخيرية تحمل اسمها وتكمل مسيرتها فتمد يد المساعدة
للمحتاجين روحيا وفكريا وماديا وتقنيا. قصة هيلين تجسد معاني الإرادة وقوة العقل
البشري في تحمل الصعاب ومواجهة التحديات بنفس متفائلة.