مع موسى عليه السلام
بقلم: د. بدر محمد ملك
من هم الأقباط
الذي نعرفه
اليوم أن الأقباط هم النصارى من المصريين ولكن قبل ميلاد المسيح عيسى عليه السلام
كانت كلمة الأقباط –وهي كلمة يونانية الأصل –تعني سكان مصر في
الأصل.
فرعون .. جبار
من الجبابرة الذين تسلطوا على مصر في قراراتها ومقدراتها وأذاقوا أهلها سوء
العذاب. وذات ليلة رأى في المنام شيئاً يخيفه وكان تفسير السحرة للرؤيا أنه سيولد
غلام في بني إسرائيل وستكون نهاية ملكه على يديه.
الغلام من
بني إسرائيل وفرعون من الأقباط.
كان بنو إسرائيل لا يمثلون خطراً ظاهراً لأنهم كانوا عبيداً
للأقباط ورغم ذلك قرر فرعون أن يقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل.
سرعان ما تفاقمت
مشكلة انتبه إليها رؤساء القبط إذ أن قتل أبناء بني إسرائيل فيه ضرر لمصالحهم لأن
الأقباط اتخذوا منهم خدماً ولن يبقى الخدم إذا استمر فرعون في قتل
الذكور من بني إسرائيل.
لم يجد
فرعون بدا من ترك الأطفال الجدد سنة وقتلهم في السنة
التي تليها حتى لا يهلك بني إسرائيل كلهم وبهذه الحيلة يضمن أنهم لن يكونوا كثرة
تهدد ملكه وفي
نفس اللحظة تبقى البقية الباقية من أبناء بني إسرائيل تخدم الأقباط ولن يشكلوا
بذلك خطراً مستقبلياً.
عام الذبح
حملت أم
موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة على نفسها
وولدها فلما كان العام الذي بعده حملت بموسى عليه السلام ولكنها لم تكن سعيدة بذلك
المولود القادم خوفاً من الذباحين الذين لا يتركون
غلاماً إلا قتلوه في ذلك العام كما أمرهم فرعون.
أوحى الله
إلي أم موسى أن لا تخافي ولا تحزني على المولود القادم فإنه سبحانه هو الحافظ
وسيجعل منه رسولاً كريماً.
لن يضيع
الضعيف إذا كان في جناب الله. هذا هو الدرس الأول الذي تعلمته أم موسى. إن الله سيجعل من بعد عسر يسراً وهكذا يكون التمكين والاستخلاف
من بعد البلاء والاستضعاف.
أمرها الله
عز وجل إذا ولدت بأن تضع موسى المولود في التابوت ولا تخشى عليه من الغرق أو
الحيوانات البحرية، والحيتان المفترسة، والأمواج المهلكة.
بطولة أم
موسى
كانت أم موسى
شديدة الخوف على مصير ابنها لولا أنها تذكرت أن الرضيع الضعيف لن يضيع لأن الله عز
وجل وعدها بأن يحفظه. بعد التوكل الصادق على الله سبحانه ألقت الأم ولدها الرضيع
موسى في اليم ولم تتماسك نفسها إذ تفجرت دموع الرحمة والشفقة…
في أي موطن
سيستقر..
وعلى أي نهر
سيمر..
عشرات
التساؤلات والاستفسارات..قفزت أمام الأم..وفي عينيها أمواج من الهواجس..
كان
التابوت صغيراً من الخشب.
قذفت أم موسى
التابوت إلى البحر بعد أن قذف الله في قلبها يقين الإيمان فشعرت بالأمان.
أبحر
التابوت على صفحات الماء والأم تقول: الله يرعاك..الله يرعاك..عين الله تحرسك..عين
الله تحرسك..حتى غاب التابوت عن بصرها ولكن لم يغادر بصيرتها...
وهنا تبدأ
رحلة طويلة وسلسلة متصلة من الأحداث المذهلة.
القصر الحزين
كان البحر
يتقاذف الرضيع وتابوته تارة، ويدفع موكبه الصغير ومركبه البسيط بيسر تارة أخرى حتى
ألقى بالرضيع عند قصر منيف يحسبه الناس قصر الأحلام والأنغام ولكن آسيا زوجة فرعون
كانت تجلس مع آلام الأيام ومن حولها وصيفاتها.
كان الجمال
قد نشر أسراره في الروابي المحيطة بالقصر، وبسط سحر الصفاء في كل الأرجاء ..خرير المياه الجارية في جداولها ..وسقسقة الطيور [أصواتها] على الأغصان.. ..والأزهار الندية ..والخمائل الخلابة..جعلت من
فناء القصر رائعة من الروائع ...إلا
أن السعادة نبع ينبع من داخل النفس ولا يمكن أن تصنعه الطبيعة المتألقة لوحدها
أبداً..
كانت آسيا
حزينة لفراغ واسع يلف حياتها إذ أن زوجها الطاغية غارق
في البطش بالناس...
كانت حزينة
لضياع القيم في مملكة زوجها..القيم الإنسانية والسماوية..
كانت حزينة
لأنها لا تعرف من هو الإله الحق ..ولا كيف تعبده..
كانت رغم
جلوسها عند الشاطئ غارقة ببحر الحزن ..كانت في كل ليلة
جيوش من الحرس تحرسها وحشد من الحشم يخدمها ولكنها كانت تنام غير سعيدة في سربها
وسريرها.
من غير ميعاد
أبصرت آسيا تابوتاً طافياً على سطح الماء ولشدة حبها للاستطلاع ذهبت تلاحقه حثيثاً
حتى توقف التابوت بقربها. كانت مفاجئة هائلة حينما وجدت
رضيعاً جميلاً بحاجة إلى صدر آمن دافئ يكون المرفأ الأمين والأخير بعد الأهوال
المخيفة والأحوال المضطربة.
كانت لحظات
ذات إيقاع سريع ولكنها مفعمة بالنظرات والنبضات... كانت لحظة غيرت مجرى التاريخ...
تابوت
النجاة
شاءت
الأقدار وحدها أن يكون تابوت موسى بقرب قصر فرعون الذي طغى وسعى جاهداً في البحث
عن كل مولود ليذبحه في ذلك العام.
إنه القدر
الإلهي قطعاً الذي ساق موسى هناك وألقى في فؤاد زوجة فرعون حب هذا الغلام.
إنه القدر
الإلهي يقيناً الذي جعل من التابوت سفينة وفاء وبقاء لا
سفينة بلاء وفناء.
قالت إحدى
الوصيفات وهي تخاطب آسيا بتردد: لا بد أنك سوف تُسَلِّمين يا سيدتي هذا الرضيع للذباحين كي يذبحوه مثل كل أبناء بني إسرائيل ممن وُلدوا
هذا العام…؟
قالت وصيفة
أخري: لا بد أن المولود من بني إسرائيل ولخوف والدته من قتل ابنها ألقته في اليم! يحق للأقباط أن يكرهوا ذلك الشعب فلهم دينهم ولنا دين.
آسيا لم
تكن تنصت إلى الحوار أو تسمعه..بل كانت شاردة
بدهشة مع الرضيع الذي ظل ينظر إليها بإمعان.
قالت آسيا:
انظروا إلى براءته…إلى جماله..إنه يستجير بي..يحتاج إلي.. أنا أحب هذا الرضيع الوديع …أحب لباسه
المتواضع… ونور وجهه الساطع
كالقمر الطالع…
داخل القصر
فلما سمع الذباحون
بقصة موسى أقبلوا بشفارهم الحادة وهمجيتهم المتوحشة إلى
"آسيا" امرأة فرعون ليذبحوا الرضيع أسوة بجميع المواليد الذكور من بني
إسرائيل لأنه عام الذبح.
قالت لهم
آسيا: اتركوه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل..
ولكنهم أصروا على
تطبيق أوامر فرعون فلا طاقة لهم بعصيان أمر واحد مها صغر..
رفضت آسيا
تسليم الرضيع حتى أتي فرعون… فقالت له بلغة حانية: لماذا لا تهب لي هذا الغلام كي يصبح لنا
ابناً؟
قال فرعون
وفي عينيه غضب وعتب: ليست لي حاجة فيه .. اتركيه يقتل شأنه شأن غيره من أبناء بني
إسرائيل..
قالت آسيا:
ولكني بحاجة إليه ولن أتركه يمس بسوء أبداً.. اسمع يا فرعون ولو مرة في حياتك، إنني أعيش معك في قصر ظاهره
الرحمة والهناء ولكن باطنه وحقيقته العذاب والشقاء..
الحياة بأسرها
أيها الملك لا تستحق أن نريق من أجلها قطرة دم إنسان مُسالم..دم
الإنسان وروحه وحريته وكرامته خير من كنوز الأرض كلها وأعظم مما طلعت عليه الشمس
أيها الملك. إنها نفس إنسان..كيف يطاوعك
قلبك أن تقتل طفلاً..
بعد أن ضحك
ضحكة أرعبت من في القصر قال فرعون: ما هذا الكلام..إذا كنت مصرة على الاحتفاظ بهذا
الوليد بهذه الصورة فلا بأس بذلك..مع أني أكرهه ولست بحاجة إلى الولد إلى الأبد ..
لأول مرة يسمع فرعون كلاماً عظيماً يختلف معه
ولا يخاف منه..
وأمر فرعون الذباحين
بترك الرضيع إكراماً لزوجته.
قال فرعون وهو
يحدث نفسه: الكل يجب أن يسمع قولي طوعاً أو كرهاً وهذه المرة الأولى وستكون
الأخيرة يا آسيا لأنني سأسحق الجميع إذا خالفوا أمري.
أمسكت آسيا بالرضيع
وهي مسرورة وتقول له: نم في نعيم القصر وعش يا بني عزيزاً وسأفديك بمهجتي وأجود
بكل موجود في سبيل الحفاظ على سلامتك والسهر على راحتك.
الرضيع
كريم ولكن
أرسلت آسيا امرأة من
وصيفاتها كي تختار ظئرا ترضع موسى الذي مَلك حياتها حتى زهدت بمُلك زوجها. ولكن
المشكلة الكبرى كانت في رفض الرضيع من أن يرضع من المراضع اللاتي جئن إلى القصر
وكلما أخذته امرأة منهن لترضعه وتنال شرف البقاء في القصر لم يقبل موسى الرضيع على
ثديها حتى أشفقت آسيا عليه من الموت جوعاً وعطشاً. فأحزنها ذلك وهي التي بذلت ما
بذلت للحفاظ عليه.
أمرت آسيا
بأن يُؤخذ "موسى" الرضيع إلى
السوق ومجمع الناس وكل مكان فيه مرضعة لعلها تظفر بمرضعة ترضعه وتعطيها أعظم
العطاء ولكن الفكرة لم تنجح لأن موسى رفض أن يرضع منهن جميعاً. وساءت حالة الرضيع
وبدأ اليأس يتسلل إلى نفس آسيا التي لم تعلم أن قصرها هو قصر القصص العجيبة وأن قصتها سترويها الأجيال تلو الأجيال.
البيت الصغير
في تلك
الأثناء وفي حي سكنى قديم ببنائه وصغير في مساحته كانت أم موسى تعاني من فراق
ولدها ولكن البيت على صغره كان ضخماً مهيباً يباهي بمعدن أهله النفيس سائر بيوت
الناس. في بيوتات الأنبياء يعيش خاصة الأصفياء.
هذا لا
يعني أن الشيطان بوساوسه لم يكن ليصوّر لأم موسى بعض الوساوس مثل احتمال عثور الذباحين على ولدها الذي ألقته في اليم وكيف سيفتكون به…وأحياناً
يصور لها ضياع التابوت فيموت الرضيع من العطش والسغب [الجوع]… ولكنها كعادتها سرعان ما تتذكر اسم الله سبحانه فتتبدد كل الأوهام
ثم تتذكر وعد الله لها حيث سيصبح ابنها رسولاً كريماً عظيماً.
كانت أخت
موسى "مريم" تنظر بإعجاب وشفقة إلى صبر أمها
وجَلدها أمام أمواج الفتن العاتية.
قالت أم
موسى لابنتها: قومي يا ابنتي "مريم" وابحثي
عن الأخبار لعلنا نعرف أين وصل التابوت وما حصل لولدي موسى فإن الوساوس بدأت تحيط
بي من كل جانب.
تعوذت أم
موسى من شر الوسواس الخناس..
الباحثة الأمينة
ذهبت
"مريم" بنشاط وهمة تتسمع الأخبار في البلد
وكانت تحدث نفسها فتقول:
أَحي هو أخي فننتظره أم قد أكلته دواب البحر,…بينما هي على
تلك الحالة الحزينة إذ رأت جمعاً من النسوة حول أخيها الذي يبكى من الجوع والعطش
لأنه لا يريد أن يرضع من غير ثدي أمه.
"مريم" أخذت تتسمع إلى حديث الناس فكل واحدة من المرضعات
تتمنى أن يرضع موسى منها كي تدخل قصر فرعون وتنال الأجر السخي السني من آسيا.
اقتربت
"مريم" من النسوة وبرباطة جأش قالت: أنا
أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ويرعونه رعاية كريمة!
نظر النسوة
إلى "مريم" وقلن: أين المرضعة فإن الوليد
يتضور جوعاً ولا نعتقد أنه سيرضع من أي امرأة..سنعطيها من خزائن الملك ما تريد إن هي أرضعته؟
قالت
"مريم": حاولوا فقد تنجح المحاولة وسأذهب
لإحضار المرضعة.
انطلقت
"مريم" على جناح السرعة إلى أمها فأخبرتها
الخبر السعيد فجاءت أمها على الفور فلما رأته كادت أن تأخذه إلى صدرها وتقبله من
أعلى رأسه إلى أخمص قدميه ولكنها كبحت دموع الفرح والشوق والحب وتشجعت وكأن الرضيع
ليس بولدها.
عندما
اقتربت منه وهي واثقة وضعته في حجرها الآمن ثم نزا الوليد إلى ثديها فمصه بنهم حتى
امتلأ جنباه رياً والناس في سرور من حولهما.
انطلق
البشير إلى امرأة فرعون "آسيا" ليزف إليها
البشرى ويحظى بالعطاء والكرم الملكي.
قال البشير
وهو يلتقط الأنفاس: أيتها الملكة العظيمة الكريمة لقد وجدنا لابنك ظئرا وهو الآن
في أحسن حال.
عادت الحياة
إلى نفس آسيا ونظرت من قصرها إلى البساتين الساحرة والخمائل الناضرة وقالت مسرورة:
هذه الحدائق الغناء ربيع بصري فقط أما موسى الرضيع فهو ربيع روحي وسمعي وبصري
وصدري..إنه ريحانة الروح.
فأرسلت
آسيا في طلب المرضعة لتأتي إلى القصر على الفور ..
أتت أم موسى
وفي مشيتها الوقار ولأول مرة ترى آسيا امرأة تدخل إلى القصر دون أن تقلِّب النظر
في روعة بنائه، ودقة صنعته، وعظمة هيبته..
لأول مرة تدخل
امرأة إلى القصر ولا تقلب النظر في الفرش الوثيرة، والأسرة المرفوعة، والجواهر
المنثورة.
لأول مرة تشعر
أن القصر نفسه يتشرف بقدوم امرأة عزيزة النفس وهي تلبس ملابس بسيطة.
لما رأت آسيا
تعلق موسى بالمرضعة زاد إعجابها واستغرابها وقالت لها: امكثي هنا وارضعي الولد
فإنني لم أحب أحداً حبه قط.
قالت أم موسى لنفسها:
حُبّاً وكَرامةً..هذا من فضل ربي..إنه ولدي لو تعلمين علم اليقين.
قالت أم موسى:
يا سيدتي لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي هارون الرضيع فبيتي في حاجة ماسة لي.
صدمت آسيا بهذه
الإجابة إذ أنها كانت تظن أنه ليس على وجه الأرض امرأة يشغلها أي شاغل عن الدخول
في قصر الملك إذا سنحت لها الفرصة. إنه حلم أن يعيش
الإنسان في هذا المكان الرحيب الخصيب.
أدركت أم
موسى شدة الصدمة وبادرت قائلة: إن طابت نفسك أن تعطيني الوليد فأذهب به إلى بيتي
فيكون معي وأبذل الغالي والرخيص في السهر على خدمته فسيكون خيراً لي فإني لن أترك
بيتي مهجوراً وولدي هارون وحيداً كل يوم من أجل أن أرضع وليدكم في هذا القصر مهما
كان الأجر والعطاء الذي سأناله.
لأول مرة ترى
آسيا أن المبدأ والقيم الإنسانية أهم من المال والملذات الفانية.
قبلت آسيا بهذا
الحل بشرط أن ترى الغلام هي بنفسها في القصر كل يوم إذا كبر الوليد قليلاً وأن
تتعهد أم موسى بالاعتناء بالرضيع على أكمل وجه.
خرجت أم موسى ومعها ولدها وهي راضية النفس قريرة العين..وتذكرت ما كان
الله جل ثناؤه وعدها في شأن عودة موسى إلى دارها.
كانت آسيا
واثقة تماماً بأن الرضيع سيكون في يد آمنة فلأول مرة تشاهد امرأة ذات شخصية متميزة،وقناعة قوية، وسماحة صادقة.
الأسرة مهد
الطفولة ومجد البطولة
منذ ذلك
اليوم الأغر فإن الله سبحانه هيئ لموسى عليه السلام أفضل الأسباب لينبت نباتاً
حسناً كريماً. كان بنو إسرائيل يتربون على الذل ولكن
موسى تربى على العز في كنف أمه ورعاية آسيا بنت مزاحم التي فتحت قصرها وقلبها لهذا
الغلام الذي أصبح بمثابة الابن الحقيقي لها.
فلما ترعرع
موسى في كنف أمه قالت امرأة فرعون لأم موسى: دعيني أرى
موسى في القريب العاجل فلقد اشتقت إليه. فدعتها يوماً
لزيارة القصر كي ترى موسى فيه وقالت امرأة فرعون لخزانها وكل العاملين في المملكة
لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك.. أريد أن أرى جحافلكم
تحتفل بقدوم ابني من دار المرضعة إلى قصري فإنه يوم يستحق إبراز مظاهر السرور في
أرجاء المملكة وأنا باعثة أميناً يحصي ما يصنع كل إنسان منكم ..
فلم تزل
الهدايا والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون وكانت
الورود في الدروب والنساء ينشدن الأغاني الجميلة وكان يوماً متألقاً من أيام مصر. فلما دخل عليها موسى بجلته وأكرمته وفرحت به وأعطت العطايا
الثمينة لمرضعته لحسن أثرها عليه إذ بدا الرضيع في أحسن حال.
ومع مرور
الأيام بدأ الغلام يشب على العدالة والشهامة وكان يرفض أن يرى أبناء بني إسرائيل
يعانون الضيم والظلم والاضطهاد وكلما كبر موسى زاد في حماية بني إسرائيل وكان يعينهم
على أن يكونوا أعزة.
موسى الفتى
القوي في المدينة
فلما بلغ موسى
أشدّه عرفه الناس أنه لا يحب الظلم وأن الاحترام المتبادل يجب أن يسود بين الناس
وأن آل فرعون خاصة، والأقباط عامة عليهم أن لا يظلموا بني إسرائيل. وهكذا منذ
ريعان شبابه وغضاضة إهابه كان موسى محبوباً عند الجميع
مولعاً بالعدل والسلام ولكن الأيام كالبحر لا يصفو الماء فيه دوماً إذ أن الأمواج
تثور من غير معاد.
وبينما موسى عليه السلام
يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما
فرعوني قبطي والآخر إسرائيلي فناداه الإسرائيلي وطلب منه العون في رد عدوان
الفرعوني.
غضب موسى من
الفرعوني غضباً شديداً لأنه هاجم الإسرائيلي وهو يعلم منزلة بني إسرائيل وحفظه
لهم.
قال موسى
للفرعوني:اترك الإسرائيلي المسكين ..دعه
قبل أن أضربك.
قال
الفرعوني: لماذا تريدني أن أتركه.. أتدافع عنه لأن
مرضعتك كانت من بني إسرائيل؟ لن أتركه حتى يموت بيدي!!
بسرعة وقوة
ضرب موسى الفرعوني وعلى الفور قتله.. في ساعة غضب.
هكذا جرت
الأحداث وكانت الضربة الأولى هي الأخيرة القاضية. ندِم موسى ندماً شديداً حين قتل
الرجل وقال: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر
لي إنك غفور
رحيم.
السر الذي
انتشر خبره
أصبح موسى في اليوم التالي وكان خائفا يترقب
الأخبار بحذر.
جاء بعضهم إلى
فرعون وقال له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص
لهم..نحن نريد الحزم لحفظ الأمن.
فقال فرعون: أين القاتل ومن
يشهد عليه؟
انتشر رجال فرعون في
أنحاء البلاد كالجراد يتتبعون الأخبار في الليل والنهار ولكنهم لم يجدوا شاهداً
شهد الحادثة الغامضة. إلى تلك اللحظة كانت حادثة قتل الفرعوني حادثة تشغل الأذهان
وبينما موسى يسير في طريق ضيق من طرقات المدينة فإذا بالإسرائيلي الذي يعرف السر
في ورطة جديدة يقاتل رجلاً من آل فرعون . وكاد الفرعوني أن يقتل الإسرائيلي الذي استنجد بموسى الذي صادف
أنه مر بقربهما وقال له: أرجوك أنقذني من بطش الفرعوني
يا موسى!!
احتار موسى وحاول إبعاد الفرعوني ولكنه لم
يُفلح.. هنا غضب موسى وقال للفرعوني: إنك لغوي مبين أيها الظالم.
فنظر
الإسرائيلي إلى موسى خائفاً من شدة غضب موسى مع أن موسى هب لنجدته إلا أنه توهم أن
موسى سيقتله كما قتل الفرعوني في الأمس. فخاف الإسرائيلي
أن يكون بعدما قال موسى إنك لغوي مبين أن يكون هو المقصود بالخطاب. من شدة خوف الإسرائيلي قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت
نفساً بالأمس؟
قال الفرعوني
الذي كان يستمع إلى كل حرف: الآن عرفنا قاتل الفرعوني في حادثة الأمس..إنه موسى.
انطلق الفرعوني فأخبر
قومه على الفور بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين قال: يا موسى أتريد أن تقتلني
كما قتلت نفساً بالأمس!!
نظر موسى إلى
الإسرائيلي وقال له: إن خوفك سيدخلني في المزيد من المتاعب فالله المستعان.
أرسل فرعون مجموعة من الذباحين
ليقتلوا موسى فانطلقوا يبحثون عن موسى وهم واثقون من أنه لن يفلت من
جبروتهم..وقالوا: أين سيذهب والمدينة بأسرها في قبضتنا.
هل يصل
الناصح؟
وضع الذباحون من أعوان فرعون خطة محكمة لقتل موسى وكان أن اطلع
أحد المحبين لموسى على الخطة وبسرعة سلك طريقاً مختصراً ليصل إلى موسى وينصحه
بالهرب قبل أن يصلوا إليه ويقع في قبضتهم..
كان الناصح
يريد أن يحذره من البطش القادم.
سبقهم الناصح
المحب إلى موسى فأخبره وأشار عليه بالخروج من المدينة فوراً قبل أن يلاقي حتفه على
يد شرطة فرعون. فخرج موسى متوجها نحو مدينة مدين وهو
ينظر في حسرة إلى أحياء مصر ترك مصر ولم يحمل معه
المتاع ولكنه حمل معه المتاعب وحمل معه ذكريات الصبا. وفي
نظرة أخيرة حيث كادت أن تختفي معالم مصر من عينيه قال موسى: وداعاً يا أغلى وأحلى
الديار..وداعاً يا أرض الأحبة..
غريب في أرض
مدين
بعد طول
المسير والهواجس المستمرة جلس موسى منهكاً تحت ظل شجرة وهو الذي عاش في أجمل قصور
الأرض قبل أيام ..واليوم لا
يجد موطناً آمناً ولكن حسن ظنه بربه عز وجل جعله يدعو قائلاً: عسى ربي أن يهديني
سواء السبيل.
ولما ورد موسى ماء
مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون فهذا يريد الماء لبيته وآخر لبهائمه ولكنه لمح
من بعيد امرأتين لا يستطيعان أن يصلا للماء من شدة الزحمة والحياء من مخالطة
الرجال. كانتا تريدان أن تسقيا غنمهما… ابتسم موسى وقال لنفسه: مساعدة الناس أجلّ عمل وسأهب نفسي لنجدة المحتاجين أينما كنت.. فذهب من فوره
نحو الفتاتين فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟
قالتا بصوت
مؤدب: ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما نسقي من فضول حياضهم؟
قال موسى:
إنكما سوف تنتظران وقتاً طويلاً حتى تنتهي هذه الجموع؟
قالتا بحياء:
وهل من خيار غير ذلك؟
شمر موسى بشجاعة عن ساعده وسقى لهما بنشاط وقام
يغترف في الدلو ماء كثيرا ..وفي
لحظات معدودة أنجز المهمة ولأول مرة في حياتهما ينجزان هذه المهمة الشاقة بسرعة
ودون تعب. فانصرفتا بغنمهما
إلى أبيهما بعد أن تقدمتا بالشكر والدعاء لموسى.
انصرف موسى
فاستظل بظل شجرة وهو يدعو دعاء المكروب قائلاً: ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير
فكن لي سنداً.
مع الشيخ
الحكيم
استنكر أبو الفتاتين سرعة صدورهما بغنمهما وعلى الفور سأل ابنتيه: لماذا عدتم قبل سقاية
الأغنام؟ إن لكما اليوم لشأناً عجيباً!!
فأخبرتاه
بما صنع موسى وقصة شهامة الغريب الذي قام بالمهمة الشاقة دون
مقابل مادي!!
فأمر الأب احداهما
أن تدعوه ليأتي إلى البيت.
أتت الفتاة إلى موسى
الذي كاد أن يستسلم إلى النعاس بعد أن ذهب الناس فدعته لزيارة منزلهم.
قال موسى:
لماذا؟
قالت:
الفتاه لتأخذ أجر عملك إذ قمت بمساعدتنا اليوم.
ذهب موسى
والتعب قد بلغ مبلغه وما أن تعرّف على الشيخ حتى شعر بالأمان ونفحات الإيمان. فلما كلمه موسى عن قصة القصر في مصر وما كان فيه من عسر ويسر
قال له الشيخ الحكيم: لا تخف لقد نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا لقومه
علينا سلطان ولسنا في مملكته فلن يطاردك هنا أحد أبداً.
قالت إحدى بنات الشيخ: يا أبت
استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين.
قال لها أبوها: كيف
عرفت أنه قوي أمين وهو غريب عنا لم نعهد من سيرته شيئاً أم أنك حكمتِ عليه بالظن.
قالت الفتاة في ثقة: أما قوته فلقد رأيت منه
بأساً شديداً في الدلو حين سقى لنا والحق أنني لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي
منه، وأما الأمانة فإنه قال لي: "امشي خلفي وانعتي لي الطريق" فلم يفعل
هذا الفعل الكريم إلا وهو أمين.
فرح الأب بهذه
الإجابة الحصيفة وصدّقها وظن بموسى خيراً وكان الأب يعرف أن موسى فيه شهامة وشجاعة
لأنه عرف أنه شديد الإيمان بالله تعالى والإيمان أهم علم في الحياة.
تعجب موسى
من أدب البنت والأب على حد سواء..وأُعجب بالحوار الناضج المبني على الاحترام في
هذا البيت الكريم.
قال الرجل
الحكيم: إنني أود أن أعرض عليك العمل في مزرعتي ويمكنك أن تتزوج إحدى ابنتي هاتين
ولكن بشرط أن تعمل عندي ثماني سنوات فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق
عليك.
قال موسى:
لقد أسعدتني بهذا العرض وستجدني إن شاء الله من الصالحين الصابرين.
عمل موسى
بموجب الاتفاق فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة وكانت سنتان زيادة منه
فقضى الله عنه عدته فأتمها عشراً. كان موسى في تلك السنوات مثالاً للعامل القوي
الأمين المُجِد المجتهد.
الوعد الحق
ترك موسى
الشيخ الحكيم وكان وفيّاً له وأراد أن يفتح بيتاً له ويستقل مع أهله في عش جديد.
ودّع موسى صهره الشيخ الوقور وسار باحثاً عن رزقه عابراً الصحراء.
إن الإسراء في ثبج الصحراء يتطلب الحذر من وِجار الذئب والضبع، وكناس الوحش،
وجحور الحيات. بين الفينة بعد الفينة كان موسى يسمع عواء الذئاب تبحث عن فريسة سهلة..لم يخف موسى من ذلك بل كان حذراً
متوكِّلاً على الله سبحانه.
ضل موسى الطريق فأبصر
ناراً. عندما ذهب إلى النار أكرمه الله عز وجل بنور النبوة ففرح موسى فرحاً عظيماً
أن اصطفاه الله عز وجل لرسالته ولكن المفاجأة كانت في أن الأمر الذي أسنده الله
إليه هو دعوة فرعون وترهيبه وترغيبه كي يؤمن بالله ويحكم بالعدل وهو الأمر الذي
كان صعباً.
شكا موسى إلى الله
تعالى ما يحذر من آل فرعون في شأن القتيل وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له
معيناً ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأعطاه الله ما أراد وحل عقدة من
لسانه وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه في الطريق.
قال له الله
تعالى: اذهب إلى فرعون وادعوه بحكمة ولين كي يقوم بعبادة الواحد الأحد وسأعطيك من
المعجزات التي تدل على صدق رسالتك.
مواجهة فرعون
اندفع موسى
بعصاه وأهله نحو مصر والحنين يملك فؤاده حتى لقي أخاه هارون وكانت من أجمل لحظات
الحياة بعد فراق دام لسنوات طوال. انطلقا معاً إلى فرعون فأقاما على بابه حيناً لا
يؤذن لهما بالدخول إلى القصر ثم أذن لهما بعد انتظار طويل.
دخل
الأخوان المؤمنان إلى باحة القصر وقفزت الذكريات إلى
ذهن موسى حيث عاش في القصر واليوم يعود إليه من جديد. بعد أن تبادل الجميع نظرات
الترقّب بادر موسى بالحديث قائلاً: أنا وأخي هارون رسولا ربك، أكرمنا بالنبوة
وأمرنا أن نأتي إليك لنبلغك رسالة الرب سبحانه.
قال فرعون وهو يتمزق من الغرور: فمن ربكما؟
قال موسى:
إنه خالق الكون ومجري السحاب وخالق كل شيء.
قال فرعون:
فما تريدان ؟
قال موسى:
نريد منك أن تؤمن بالله وترسل معنا بنى إسرائيل فلا مقام لهم هنا.
رفض فرعون
السماح لبني إسرائيل بالهجرة وأعرض عن الإيمان والفطرة وقال: ائت بآية تبين وتثبت
ما زعمت إن كنت من الصادقين.
فألقى موسى عصاه فإذا بها تتحول بقدرة الله
سبحانه إلى حية تسعى. حية رقطاء، عظيمة العنق، عريضة
الرأس، مفتوحة الفم منفوخة الجسم.
ذُهل فرعون حين
رأى تلك الحية العظيمة فاغرة فاها مسرعة نحوه ففر نحو عرشه واستغاث بموسى أن يكفها
عنه ففعل.
ثم أخرج بعدها موسى
يده من جيبه فرآها فرعون بيضاء تشع نوراً ثم ردّها فعادت إلى لونها الأول.
سكت فرعون هنيهة ثم استشار الملأ حوله فيما رأى.
قالت
حاشيته: لا تستسلم لهما فهذان ساحران يريدان السيطرة
علينا بسحرهما ليدمرا مملكتنا العريقة. إن الذي رأيناه
هو السحر فدعنا نواجه موسى بأكبر السحرة ليكشفوا لنا كيده..ويحطموه تحطيماً.
يا أيها الفرعون نحن حاشيتك أخص
الناس وننصحك بإخلاص..نخاف عليك فإذا أردت أن تحافظ على
ملكك فاجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما.
قال فرعون
لموسى لن أتركك تسيطر على البلاد ولسوف نلتقي عن قريب وأمام الناس سننظر من يفلح
في سحره، وينجح في كيده.
قال موسى عليه
السلام: لا نخاف من مواجهة من تريد ومتى أردت وأينما قررت..
كيد السحرة
أرسل فرعون إلى المدائن الكبرى فجمع أشهر السحرة
وأحضرت حاشيته كل ساحر متعالم.. فلما أتوا فرعون سألوه
عن موسى فقالوا: بم يعمل هذا الساحر؟
قالت حاشية
فرعون: يعمل موسى بالحيات ويتقن استخدام العصا!!
قال السحرة: والله ما
أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي مثل الذي نعمل.. فما أجرنا إن نحن غلبنا موسى وكشفنا حيله حيلة حيلة؟
قال لهم فرعون:
إذا انتصرتم عليه فستكونون من أقرب الناس وسأفيض عليكم المال والجواهر.
يوم المبارزة
تم تحديد يوم
المواجهة الحاسمة وبعد أن أرسلت الشمس خيوطها الذهبية تجمهر الناس كلهم لرؤية
فرعون وهو يتحدى موسى.
بادر السحرة
فقالوا: يا موسى إما أن تُلقي وإما أن نكون نحن الملقين؟
قال: بل
ألقوا.
فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا
بعزة فرعون إننا لنحن الغالبون..تعجب الناس من سحرهم ونالوا استحسان فرعون الذي
بدأ يضحك وتعلو هامته غروراً ..
رأى موسى
من سحرهم ما رأى ..سمع فحيح الحيات..وكاد أن ينسى المعجزات والآيات..
ولكن الله أوحى إليه أن ألق عصاك ولا تخف من كيدهم فهو وهم في وهم فلا تغتم ..
فلما ألقاها
صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت في فم الثعبان
حتى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلا ابتلعته فلما عرف السحرة السر في ذلك قالوا: لو كان
هذا كيد ساحر لغلبناه.. لا يستطع ساحرٌ واحد أن يقهر
مجموعة من السحرة.. قالوا: ولكن هذا يقيناً ليس بسحر إن
هذا أمر من الله عز وجل.. آمنا بالله وبما جاء به موسى
من عند الله ونتوب إلى الله مما كنا عليه.
ابتسم موسى
وغضب فرعون.. فلقد كسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن
ومزق كيد أشياعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين..
بدأت
الحشود تتفرق والكل يتحدث عن التوحيد والإيمان الذي وحده وليس غيره يستطيع توحيد صفوفهم وتعمير حياتهم وتحطيم طغيان فرعون ومن سار على دربه ..الدرب الذي كان يتصوره الناس
بأنه لا يقهر أبداً.
آسيا المخلصة
لم تكن آسيا
لتدع المواجهة تمضي دون أن تقف مع الحق. منذ اللحظة
الأولى من المواجهة وهي تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه. بعض من رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون
وأشياعه وإنما كان حزنها العميق وهمها الدائم في الحقيقة لموسى. لقد وقر يقين
الإيمان في قلبها فأحال ضيقها إلى سرور وحبور..
اكتشف
فرعون إيمان آسيا وعرف أنها تقف في صف موسى فأوتد أربعة
أوتاد في يدي ورجلي آسيا كي يردها عن دين التوحيد.
"قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ".
ولقد أرسل الله
ملائكته إلى آسيا كي تثبُت وكشف لها عن بيتها في الجنة.
شجاعة الماشطة
جلست ابنة
فرعون وخلفها ماشطتها تمشط شعرها وفجأة سقط المشط من
يديها فقال الماشطة: بسم الله.
قالت لها
ابنة فرعون: تقصدين أبي.
قالت الماشطة: لا ولكن ربي ورب أبيك هو الله الذي لا رب سواه.
قالت ابنة فرعون: ما هذا الذي تقولينه ..وهل هناك إله غير أبي أيتها الماشطة؟
سأخبر أبي بذلك.
قالت الماشطة: لا
أخاف إلا من الله ولا أعبد سواه. لا التهديد ولا الوعيد
يخيفني يا ابنة فرعون.
وبلمح البصر
أخبرت ابنة فرعون والدها الذي دعاها فقال لها: أيتها الماشطة
هل لك ربا غيري؟
قالت الماشطة: نعم..
ربي وربك هو الله الذي لا إله سواه.
غضب
الفرعون غضبةً يفر منها الشجعان ومن عينيه طار شرر النيران ولكن الماشطة واقفة دون وجل.
أوقد فرعون ناراً حامية ثم أمر أن تُلقى الماشطة وأولادها فيها.
قالت الماشطة: أيها
الفرعون إن لي إليك حاجة.
قال فرعون: وما حاجتك ؟
قالت: أحب أن
تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا.
قال فرعون وهو يضحك: وصيتك مقبولة.
جاء الأمر
بإحراق الأولاد فألقوا في لهيب النار واحدا واحدا إلى أن
انتهى ذلك إلى صبيها الرضيع وفاضت دموع الأم وكادت أن تتقاعس من أجله.
في هذه اللحظة الحاسمة
أنطق الله عز وجل الرضيع فقال وهو رابط الجأش: يا أمه اقتحمي النار فإن عذاب
الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
عرفت الماشطة أن وليدها قد أنطقه الله آية لها فاقتحمت النار دون
خوف أو وجل.
ساعات الانتظار
لما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة. كلما جاء موسى بآية وعده فرعون عندها أن يرسل معه بني إسرائيل
ليخرجوا من جور سلطانه إلى أي موضع يريدونه خارج مصر.فإذا
مضت الآية أخلف فرعون موعده وقال بأسلوب السخرية: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا
يا موسى؟
أرسل الله
على فرعون وقومه الطوفان وابتلاهم بالجدب والقحط ونقص في الأموال والخيرات كما
أرسل الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات علّه يعود وقومه إلى الرشد ويسمح
لموسى بإخراج بني إسرائيل من مصر.
في كل مرة
كان فرعون بخبثه يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكف عنه البلاء ولن يُخلف وعده
بالسماح لهم بالخروج.. ويواثقه ويعاهده على أن يرسل معه
بني إسرائيل ويسمح لهم بالرحيل إلى الشام فإذا رفع الله البلاء أخلف فرعون من جديد موعده ونكث عهده ..
الابتلاء
بالقمل والضفادع وصيرورة الماء دماً ..كانت آيات لفرعون
ومن معه ولكنه لم يؤمن ولا أصحابه.
الحل الأخير
لم يكن موسى يود الخروج مع قومه دون إذن فرعون
مخافة المصادمة معه..ولكنه
عناد فرعون وإصراره عن الإعراض عن الحق حال دون ذلك حتى أمر الله موسى بالخروج
بقومه من مصر.
خرج موسى
بقومه ليلاً وكان القمر قد احتجب فجأة..فضلوا الطريق وبدأت الحيرة تأخذ موسى ومن معه على حد سواء..
الكل يسأل
أين الطريق إلى البحر..قبل أن يصل فرعون فيبيدنا بجيشه..
هل نسي موسى ..لقد وعده ربه أنه سيشق له
البحر فأين المعجزة؟ هذا ما قاله ضعاف الإيمان..
المرأة العجوز تفوز فوزاً عظيماً
قال موسى لبني
إسرائيل: ما هذا الظلام الدامس الذي يلف بظلمته كل شيء؟ لقد أفل القمر..وتوقفت
نسمات الليل..وتلبدت السماء بالغيوم.
قال له
علماؤهم والظلام قد أرخى سدوله: عندنا النبأ العظيم.. إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على بني إسرائيل
موثقاً من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل جثمانه معنا..وقبل بنو
إسرائيل الوصية وعاهدوه. طلب يوسف من أخيه بنيامين ومن بني إسرائيل أن لا ينكثوا العهد فإذا أرادوا ترك مصر إلى بلاد الشام فإنهم يجب
يأخذوا جثمانه معهم.
قال موسى: فمن
يعلم موضع قبره كي نأخذه فإن الظلام عقاب لنا لأننا تركنا وصيته؟
قالوا: لا
ندري أين قبر يوسف ولا يعرفه أحد إلا امرأة عجوز من بني إسرائيل.
فبعث إليها
موسى ،فأتت.
وقعت على
العجوز أنظار الناس.
كانت امرأة
قد جاوزت السبعين من العمر، وضاحة الوجه،عيناها في صفاء
السماء يطل منهما الأمل.
قال لها موسى: دليني على مكان قبر يوسف إذا كنت
تعرفينه.
قلت
:
لا والله لا أفعل!! لا أفعل..حتى تعطيني حكمي.
قال لها موسى: وما حكمك؟
قالت المرأة العجوز: أن أكون معك في
الجنة.
كره موسى أن
يعطيها ذلك لأن أمر دخول الجنة بيد الله وحده.
قال بنو إسرائيل للعجوز: سيلحق بنا فرعون وأعوانه عن قريب وأنتِ
تضعين الشروط..أين قبر يوسف كي نحمل نعشه معنا..لقد
انكمشت فرص النجاح وانصرم نصف الليل فلا تشترطي على
موسى شيئاً.
قالت
العجوز: لن أدلكم أبداً على القبر حتى يبشرني موسى
بالجنة..
بدا السخط
على وجوه الناس وقلوبهم وجلة من بطش فرعون..
في تلك
اللحظة حسم الوحي المسألة فأوحى الله إلي موسى أن أعطها حكمها ووافق على
شرطها..فستكون أنت مع المرأة التي بلغت من الكبر عتياً
في الجنة معاً.
قبل موسى شرط
العجوز فانطلقت بهم إلى بحيرة ولما وصلوا قالت جففوا هذا المستنقع وأنضبوا الماء.
ثم قالت:
احفروا واستخرجوا جثمان يوسف عليه السلام ..
فحفروا واستخرجوا
الجسد.
فلما أن رفعوا
جثمان يوسف إلى الأرض، إذا الطريق مثل ضوء النهار وانقشعت الظُلمة تماماً.
تعجب الناس من
أن جسد يوسف عليه السلام سليماً لم تأكله الأرض.
قال لهم موسى
عليه السلام: إن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم
السلام.
قال
العجوز: الحمد الله الذي وعدني بمصاحبة الأنبياء في
الجنة.
قال موسى: العلم والأمانة والمبادرة إلى الخيرات بوابات الجنة.
المطاردة العجيبة
لما أصبح
فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتتبع موسى بجنود عظيمة كثيرة لا
طاقة لموسى بمواجهتها ولا الهجوم عليها أو حتى الهروب منها.
نجح فرعون
وجنده في اللحاق بفرعون عند ساحل البحر وكان أن قد أوحى الله إلى البحر أنه إذا
ضربك عبدي موسى بعصاه فعليك أن تنشقي إلى اثني عشرة فرقة حتى يمر موسى ومن معه.
ولشدة هول الموقف نسي
موسى أن يضرب البحر بالعصا عندما وصل إلى ساحل البحر فضل حائراً واقترب جيش فرعون
منهم. فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إننا يا موسى لا شك
لمدركون..ألا ترى جيشهم قادم للبطش بنا كالسيل العارم..
افعل ما أمرك به ربك..يا موسى اضرب بعصاك البحر فإنه لم
يكذب عليك ربك ولم تكذب أنت علينا.
قال بعض
المنافقين: لقد كذب موسى علينا..
قالت عجوز
بني إسرائيل: إن الله لا يضيع رسله..نحن معك يا موسى ..سر على بركة الله.
انتبه موسى فضرب
البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانقسم البحر كما أمره
ربه.. وكما وُعد موسى فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم
البحر ودخل فرعون وأصحابه كلهم للحاق بهم التقى عليهم البحر كما أُمِر وغرق فرعون
وجنوده في عباب البحر ليكونوا عبرة لمن بعدهم.
كانت الشمس قد
مالت إلى الغروب حينما خرج موسى وأتباعه من البحر والعجوز تقول وهي تضحك: يا موسى
أنت صاحبي في الدنيا والآخرة.
قال لها
موسى: على يديَّ أنقذ الله بني إسرائيل من الظلم..
وعلى يديكِ
أنقذني الله من الظلام.
قالت
العجوز: إن النساء الصادقات يصنعن تاريخ العظماء والأنبياء فإن أمك أكرمها الله
بالوحي وأجابت ربها فكان قذفها التابوت في اليم نجاة لك من الذباحين
وسكاكينهم..وجاءت آسيا فأنقذتك بفضل الله من الغرق ثم من فرعون.. وأختك شاركت في
البحث عنك ثم أحضرت المُرضعة..وزوجتك ابنة الشيخ الحكيم
أعانتك في أرض مدين ثم أكرمني الله فقمت بمساعدتك.
قال موسى
والابتسامة تعلو وجهه: صدقت أيتها العجوز فإن النساء مدد للأنبياء والعظماء وهن
شقائق الرجال.
في أرض التيه
فلما نجح
موسى في عملية الخروج من البحر قال أصحابه إننا نخاف أن فرعون لم يغرق فينبغي أن
لا نؤمن بهلاكه ..إننا نخاف أن
يتربص بنا في الغد ويهجم علينا ولو بعد حين..
قال موسى:
لقد هلك فرعون وأشياعه فلا تخافوا..الحق
أن الغرق كان مصير فرعون..
قالوا:نريد
دليلاً واضحاً لإثبات ذلك!
دعا موسى
ربه فأخرج سبحانه لهم جثة فرعون الذي مات غرقاً في اليم حتى استيقنوا بهلاكه.
في طريقهم
مروا على قوم في قرية من القرى يعكفون على أصنام يعبدونها من دون الله. للأسف
أُعجب اليهود بمثل تلك العبادة ..
قالوا: يا موسى
اجعل لنا إلهاً من الأصنام نعبده كما أن لهم آلهة يعبدونها ويلتفون حولها..نريد أن
نكون مثلهم..!!
قال موسى: أستغفر الله مما تقولون
إنكم قوم تجهلون..لقد أكرمكم الله سبحانه بالمعرفة الصحيحة فلماذا تريد لأنفسكم
الضلال والهلاك والشرك؟
قد رأيتم من
العبر وسمعتم ما يكفيكم في مصر فمتى تتعظون؟
لماذا
تتركون نور التوحيد وتلهثون خلف سراب الشرك؟
ليس
التوحيدُ إلا إظهارَ السمع والطاعة والاستسلام لله قلباً
وقالباً.
هارون النائب
مضى موسى في
الصحراء ثم أنزلهم منزلا وقال لهم أطيعوا أخي هارون فإني قد استخلفته عليكم لأنني
سأذهب إلى ربي وبعد ثلاثين يوما سأعود إليكم..سأذهب إلى الله كي أناجيه وأحمده على
نعمه التي تترى وآلائه السابغة التي لا تعد وتحصى..
لما أتى إلى
لقاء ربه وأراد أن يكلمه وقد كان صائماً وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم
تناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه ليطهر فمه.
فقال له ربه
وهو العليم الخبير حين أتاه: لم أفطرت يا موسى؟
قال: يا رب
إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح..
قال سبحانه: ألا تعلم يا موسى أن خلوف
فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى عليه السلام
ما أُمر به. فلما رأى قوم موسى أن نبيهم موسى لم يرجع
إليهم في الموعد الذي ذكره لهم..بدأت التكهنات والاجتهادات الخاطئة تنمو شيئاً
فشيئاً وتنحرف يميناً وتنجرف يساراً.
فتنة جديدة
بات بنو إسرائيل في حيرة من غياب نبيهم ولم يطمئنوا إلى ذلك
التأخير وكان هارون قد خطب فيهم ليجتث الشائعات حيث أعلن بعضهم عن موت موسى ..وبدأ هارون عليه السلام
يذكرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه..
وفي يوم من
الأيام قال هارون: يا بني إسرائيل إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم ودائع
وأمانات ولكم فيهم مثل ذلك فإني أرى أنكم تحتسبون مالكم عندهم ولا أحل لكم وديعة
استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر
حفرة وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في تلك الحفرة.
معظم الناس
فعلوا ما أمرهم هارون وألقوا الممتلكات التي كانت للأقباط في الحفرة. قام هارون
وأوقد عليه النار فأحرقت كل ما وضعه الناس في الحفرة من ودائع وأمانات ثم قال: لا
يكون لنا ولا لهم. لا نستطيع أن نعود لمصر فنرد الأمانة
ولا أن نأخذها فهي ليست لنا.
كان ذلك
اختباراً لبني إسرائيل.
السامري والعجل
الأجوف
كان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من
بني إسرائيل ولكنه خرج مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل حين خرجوا.
عندما أحرق
هارون الذي حرقه من الحلي رأى السامري أثرا على الأرض
فقبض منه قبضة في يده واحتفظ بحفنة التراب. وفي طريقه مر
بهارون فقال له هارون: يا سامري ألا تلقي ما في يدك من التراب؟
فقال السامري: هذه قبضة من أثر الرسول والملك الكريم الذي جاوز بكم
البحر..إنه من آثار حافر فرس جبريل!!
مضت الأيام
فإذا بالسامري يجلس عند عجل مصنوع والناس من حوله..
قال هارون: يا
سامري ما هذا العجل المصنوع؟
قال السامري: هذا
ربكم ولكن موسى ضل الطريق ونسي أن يقول لكم..هذا من أثر
حافر فرس جبريل ألقيته على الحلي فصارا عجلاً.
احتار بنو إسرائيل في مزاعم السامري ما
بين مصدق ومكذب وغير مكترث..وتفرقت كلمتهم في مواجهة فتنة السامري..
فقالت فرقة من
بني إسرائيل: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان العجل هو ربنا لم نكن
ضيعناه.. وإن لم يكن ربنا فإننا نتبع قول موسى ونرجع عن
عبادة العجل. في النهاية فهؤلاء مع خرافات السامري.
وقالت فرقة
فيها خير وصلاح: هذا العمل من عمل الشيطان قطعاً وليس بربنا ولا نؤمن به ولا
نصدقه.. نحن نتبع ما يقوله هارون وكلامه حق وكلام السامري
ضلال ومُحال.
وبقيت
طائفة ثالثة آمنت على الفور بأوهام السامري وأعلنوا
مناصرتهم للفكرة دون تردد.
قال لهم هارون
وعلامات الغضب والحسرة بادية على وجهه: يا قوم إنه والله فتنة عظيمة وجريمة كبيرة
أن تعبدوا غير الله..اسمعوا كلامي إذا أردتم النجاة.
قالوا: فما بال
موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا.. هذه أربعون يوما قد
مضت.
عودة موسى بعد لقاء ربه
فلما كلم
الله موسى وقال له ما قال من الوصايا أخبره بما لقي قومه من بعده وأن رجلاً يُقال
له السامري فتن بني إسرائيل وحوّل طائفة منهم من نور
التوحيد وآفاقه المشرقة
إلى ظلام الشرك وأوهامه المُضلة.
فرجع موسى
إلى قومه غضبان أسفا وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه..وعندما نظر إلى قومه يعبدون العجل ألقى الألواح من شدة الغضب..
كان الرب
سبحانه قد أخبر موسى عن فتنة السامري فغضب موسى في تلك
الفترة ولكنه ظلّ ممسكاً بالألواح التي فيها الوصايا ولكن حينما رأى موسى قومه
يعبدون العجل سقطت الألواح فليس الخبر كالمعاينة..
الألواح
كانت وصايا بالالتزام بالتوحيد والبر بالوالدين وبتحريم الزنا..
بعد أن هدأ
الغضب عن موسى عرف أن الذنب ليس ذنب أخيه هارون وعلم أنها فتنة عاتية ليس لأخيه
ذنب فيها ولا طاقة له بردِّها.. واستغفر لنفسه ولأخيه ودعا لقومه بالهداية.
بين موسى والسامري
ذهب موسى
إلى السامري ليحاسبه فقال له: لماذا أفسدت عقيدة الناس
وخدعتهم بالعجل؟
قال السامري: قبضت قبضة من أثر الملك الذي أرسله الله لنصرتنا
وفطنت لها وعميت عليكم ولم تعرفوا عنها شيئاً ثم قالت لي نفسي لماذا لا أجعل من
الأثر المبارك عجلاً يعبده الناس ويتقربون إليه!!
قال له موسى:
اذهب فإن لك أن تتمتع الآن في الحياة ولكن لك موعداً لن تخلفه أبداً وستنال العقاب
الشديد جزاء ما فعلت..
والآن أنظر يا سامري إلى إلهك العجل الذي عبدته
وانظر كيف أُدمره ثم أنسفه في اليم نسفا ..
بعد أن دمر
موسى العجل قال للسامري: لو كان إلها كما زعمت لدافع عن
نفسه.
توبة بني إسرائيل
استيقن بنو إسرائيل بالفتنة وندم الفريق الذي اتبع قول السامري وفي المقابل فرح الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون
الناصح الأمين.
ولكي يكفر بنو إسرائيل عن ذلك هذه الكبائر العظيمة سارعوا إلى موسى
وقالوا له: يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا!!
فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك
في العجل فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله من قومه
ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل
السفهاء منا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه بما
فعل السامري.
كان من نفاق
بعضهم أن رجفت بهم الأرض..
فقال
سبحانه: رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا
يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة
والإنجيل.
تربية الأمم
أخذ الموسى الألواح
التي دون فيها الوصايا الربانية بعدما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمرهم به أن
يبلغهم من الوظائف وعليهم اجتناب المحرمات وعبادة الله والإحسان إلى الوالدين..
استمع بنو إسرائيل للتعاليم فلم تعجبهم ووجدوا أنها قليلة!!!
ولحكمة
أرادها الله سبحانه فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة
ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى
الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا عند
مشارف الأرض المقدسة.
اختبار واختيار
وجدوا في الأرض المقدسة مدينة فيها قوم جبارون
خلقهم خلق منكر ..فيهم بأس شديد..وذكروا
من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها فلقد كانت أرضهم طيبة وكريمة المنبت، تفيض عسلاً
ولبناً.
ذكر موسى
قومه بوعد الله لهم بالنصر إن الله معهم ولكن قومه قالوا: يا موسى إن في المدينة
قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإننا
سندخلها..يا موسى لن نقاتل هؤلاء الأقوياء فنحن ضعفاء.
قال رجلان
من الذين يخافون الله ويؤمنون بوعده ووعيده: آمنا بموسى وخرجا معه لأنه نبي الله. إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب
واعية لهم ولا منعة وافية عندهم ولا عدة كافية معهم فهيا ادخلوا عليهم الباب فإذا
دخلتموه فإنكم غالبون. النصر حليفنا..
تملكهم
الخوف ورفضوا مقاتلة الجبابرة .. وقالوا هم
الأقوياء ونحن الضعفاء.
قال موسى عليه
السلام: ولكن معكم مدد من السماء ووعد مؤكد من الله فلا
تكونوا جبناء.
الضياع
عاقبة تعصيان أوامر الله
هنا غضب موسى
وضاق بهم ذرعاً فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك الوقت، فكانت
المرة الأولى التي يدعو فيها على قومه لأن الحلم الذي يراوده والأمل الذي جاهد
لتحقيقه كاد أن يتحقق بمجرد قبول قتال الجبارة.. كانوا قاب
قوسين من النصر أو أدنى.
لقد دعا عليهم
لما رأى من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله لدعائه وسماهم كما سماهم
موسى فاسقين.
حرم الله سبحانه عليهم دخول الأرض المباركة لمدة
أربعين سنة يتيهون في الأرض عقاباً لهم.
رغم ذلك كانت
رحمة الله تسايرهم صباح مساء حيث يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار وظلل عليهم
الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ.
في تلك
الفترة الأثناء لقي سيدنا موسى الخضر العبد الصالح وتعلم من حِكمته..
كانت
الصحراء أرض الضياع والابتلاء لبني إسرائيل ولأن رحمة الله واسعة فإنه وفّر لهم
موضع الماء إذ جعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه
اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا
يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس فيشربون
منه بلا جهد يبذلونه أو أجر يدفعونه..بل كانت كرامة محضة
من الله جل ثناؤه.
في تلك
الفترة مات هارون ثم
مات موسى عليهما السلام في أرض التيه
ودخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة كما وعدهم الله بعد أن
نالوا العقاب وتوفي موسى كليم الرحمن.
