د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك
الحضارات القديمة وإسهاماتها التربوية
أهم ثلاث قفزات مادية أثرت في أنماط التعليم تاريخياً
للتربية أصولها التاريخية Historical Foundations of Education لأنها تستمد من التاريخ مبادئ ارشاد الناس لسبل الخير، وتستقي منه نماذج الفكر التربوي مما يمكن أن يخدم الواقع ثقافةً وتعليماً وتطبيقاً فالعمل الناجح يبدأ عادة من حيث انتهى المتخصصون في الميدان. من المؤكد أن رصد الحقائق وتوثيق الوقائع من اللبنات البارزة في جدار التاريخ الإنساني الذي يعلو بحسن الاستفادة من الماضي. إننا ندرس الماضي لا لننغلق فيه ولكن لننطلق منه وبذلك لا يعيدنا التاريخ إلى الوراء ولكن يقودنا إلى العطاء. ليس بغريب أن نجد توجهات معاصرة في تربية الطفل أو إعداد القائد ذات أصول قديمة إذ أن الماضي يضم في أعماقه الكثير من الكنوز الفكرية التي من شأنها أن تُعيد صياغة الفلسفة التربوية الحديثة.
يحدثنا القرآن الكريم عن أهمية الاتعاظ من التجارب السابقة فيقول سبحانه في سورة يوسف "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ (111)". ففي قصة فرعون وصفٌ لفعله وكفره والعبرة كانت في نهاية القصة وهي أن الله عز وجل بالمرصاد، فعاقبة الكفر لا بد أن تكون الخسران المبين والعاقبة الحسنة ستكون للصالحين. قال جل ثناؤه: "وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاد (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)" (سورة الفجر).
إن التاريخ من أهم روافد التربية الناجحة إذا قمنا بالاستفادة منه لا نقله من غير نقده. يستطيع التاريخ أن يمنحنا الآتي:
1-تزويد الناس في كل جيل بالحقائق المتوارثة، والحِكمة السائرة، ومن ثَمّ الحفاظ على العلوم والفنون والمعارف النافعة.
2-إثراء الفكر الإنساني الذي ينمو بتراكم الخبرات الجيدة. التاريخ إرث لمكارم الأخلاق، وديوان لطبائع الناس وفيه تجارب تم تطبيقها على أرض الواقع قد تصلح للإقتداء بها.
3-التجارب السابقة للأفراد والأمم في مواجهة متطلبات الحياة في الماضي قد تساعدنا اليوم على الاستفادة منها أو من بعضها كي نواجه مشكلات الحياة الصحية والنفسية والأسرية وغيرها.
4-دراسة الفكر التربوي بصورة تاريخية وسيلة من وسائل إعداد المعلمين والمعلمات ليستفيدوا من تجارب الآخرين ويضيفوا إليها.
5-قراءة التاريخ قراءة نقدية تكشف لنا السنن الإلهية مثل أن الابتلاء فيه تمحيص للإيمان، وأن الصبر طريق النصر، وأن الدولة العادلة منصورة وإن كانت كافرة وأن الدولة الظالمة مهزومة وإن كانت مؤمنة "فُكُلُّ ملك لاَ يَكُوْن قصدهُ إِقَامَة الحَقّ فَهُوَ وَشيك الزّوَال"[1]، وأن الأنبياء رحمة من السماء، وأن الكذب حبله قصير يقيناً ونفعه حقير قطعاً، وأن العاقبة للمتقين المصلحين، وأن الظلم سبيل المجرمين وسياسة المنحرفين، وبضاعة الفاسدين، وأن الثبات على المبدأ هو الربح الحقيقي والنصر الفعلي لأصحاب العقول الراجحة والمواقف الناجحة، وأن الحرية الإنسانية أكبر نعمة.
6- التاريخ يمنح الشعوب خصوصياتها الحضارية ويحفظ إسهاماتها التنموية وكل إنجاز مصدر للاعتزاز ودافع للمزيد.
7- يعتني المسلمون بالتاريخ لأنه مصدر هام للتأكد من سلامة أصولهم الدينية. قال ابن العماد في مقدمة كتابه شذرات الذهب "فإن حفظ التاريخ أمر مهم، ونفعه من الدين بالضرورة علم، لاسيما وفيات المحدثين والمتحملين لأحاديث سيد المرسلين، فإن معرفة السند لا تتم إلا بمعرفة الرواة، وأجل ما فيها تحفظ السيرة والوفاة". لقد أعجب روزنثال، ونابيا أبات، وموتزكي وغيرهم من المستشرقين بدقة منهج الأسانيد.
10- حرص المفكرون منذ القدم على جعل القصص من أهم مناهج التربية. أبو حنيفة النعمان - عملاق الفقه والقانون- أدرك أهمية الماضي وأحداثه في تهذيب السجايا فقال "الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه لأنها آداب القوم".
ومن الأمثال الغربية المشهورة في الأدب الإنجليزي قولهم: صفحة من التاريخ توازي مجلداً من الدروس العقلية المُقنعة: "A page of history is worth a volume of logic".
يقول الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1978 م) في كتابه المدرسة والمجتمع "ودراسة التاريخ لا تعني كتلة من المعلومات ولكنها تعني استعمال المعلومات في خلق صورة حية وبناءه لما قام به الناس، وكيف قاموا به، ولماذا قاموا به على هذه الصورة، وكيف نالوا نجاحهم أو منوا بالخيبة في عملهم" (ص 151).
أهم أصل تاريخي
إن الأمم والشعوب والحضارات ما هي إلا نتاج للتربية المستمرة والتعلم الدائم وتبدأ قصة التعليم مع سيدنا آدم عليه السلام إذ أخذ الدرس الأول في ميدان التعليم من خلال معرفة الأسماء. قال تعالى "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31} " (سورة البقرة). إن العلم هو الأساس الذي يبني الناسُ عليه سياساتهم الحياتية والدينية بل إن العلمَ النافع هو أساس سعادة الإنسان إذ يرشده إلى السلوك السوي ليحقق رسالته. من هنا ندرك أن شأن التعليم شأن عظيم إذ هو مفتاح العدل والتقدم والرقي المادي والروحي ولا يمكن تصور عملية تجديد وإصلاح تربوي دون الاعتناء التام به.
إن عدم الاستفادة من ميراث الأنبياء عليهم السلام في تربية الأبناء وتهذيب الأمم من أهم عوامل الانحراف التربوي فكريا ويمكن أن نضيف لهذا العامل أننا أخذنا من معطيات نظريات العلوم الإنسانية شرقاً وغرباً دون نقدها والتدقيق فيها، والتعليق عليها. إن الدراسات التربوية الحديثة تنظر إلي تاريخ الرسل والرسالات برؤية مليئة بالريبة لأنها في زعمهم تتصادم مع العلم والعقل والحضارة مع أن السنة النبوية تُخبرنا أن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
وإذا كان الغرب رغم سبقه العلمي المادي لا يمتلك الوثائق الأمينة التي تدل على مناهج الأنبياء في الإصلاح بسبب تحريف أو ضياع الكتب السماوية المقدسة فإن الشرق من خلال الوحيين - القرآن المجيد وصحيح السنة - يمتلك الشيء الكثير في إثراء الفكر الإنساني إذا فقه المسلمون طبيعة العصر الذي يعيشونه وطبقوا الإسلام بوسطيته ويسره وسماحته. قال جل ثناؤه "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)" (سورة البقرة).
يحاول بعض الباحثين أن يتحدثوا عن تاريخ البشرية من خلال نظرية التطور الداروينية وآخرون يؤمنون بأن الحياة كانت بدائية وبعض المسلمين يخجلون من طرح المسألة كما ذُكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية فتراهم يتحدثون عن الإنسان في المجتمعات البدائية ثم الحضارة البابلية والمصرية والفارسية واليونانية دون الإشارة إلى أروع موقف تعليمي تربوي في تاريخ البشرية حينما علّم اللهُ عز وجل آدم علية السلام الأسماء ثم عرضها على الملائكة. في هذه الموقف الفريد تتجلى معاني العبودية والاستسلام للخالق سبحانه وتتجلى مكانة العلم الذي يرفع الإنسان ويكرمه بين سائر المخلوقات.
فصل الدين عن العلم فيه انحراف فكري خطير لأنه يتنكر فيه الإنسان لتاريخه، وميلاده، وأساسه وأعظم من ذلك كله أن يجهل الإنسان ربه الذي أعطاه الفكر وهداه بالذكر عبر سلسلة الرسل الكرام والكتب السماوية. وهكذا اعتاد الكثير من الباحثين على الإشارة إلى أن التربية البدائية كانت تتسم بالبساطة والسذاجة والهمجية حيث عاش الإنسان الأول في جهل نتيجة خبراته المحدودة وكثرة الوحوش الغريبة التي كانت تهدد حياته ثم كانت القفزة التعليمية باكتشاف الأصوات وبذلك استطاع الإنسان أن يتعامل باللغة كرمز فبدأت الحياة تتطور إلى الأحسن.
هؤلاء الكُتاب بكل جرأة يذكرون سذاجة الإنسان الأول وسطحية تفكيره إذ كان يعبد عدة آلهة وسبب الشرك يرجع إلى عامل الخوف من الطبيعة القاسية التي تحيط بالإنسان البدائي والجهل بكيفية تفسير الظواهر الكونية من ناحية علمية. لا ريب أن تلك المزاعم عن سذاجة ووحشية الإنسان الأول تتصادم مع صميم القرآن الكريم، وصحيح هدي النبي الكريم، وصريح التفكير السليم. إن جميع الأدلة التاريخية والأنثروبولوجية التي تستند إليها مثل تلك النظريات الباطلة هي أدلة ظنية واهية لا ترقى إلى مرتبة الحقائق القطعية. لو كان قصد هؤلاء الباحثين أن التفكير الخرافي ظهر في تاريخ البشرية دون تخصيص البداية الأولى لهان الأمر فإن التاريخ يشهد بذلك بَلْهَ القرآن الكريم الذي هو أصدق شاهد على الإطلاق. لقد راجت تعبيرات غير دقيقة في الأدبيات العصرية مثل نشوء الدين عندما ظهر الصراع بين الإنسان والطبيعة نتيجة خوف الإنسان من الظواهر الطبيعية الجبارة الرهيبة (ياسين، 1996 م، ص 17). هذا الفهم أوجد انحرافات ساهمت في انحطاط التعليم إذ بدأت مؤسسات التعليم تُروج لأفكار فلسفية كُلِّية مُجافية للحقائق والثوابت القرآنية.
والأسوأ من ذلك هو أن بعض المسلمين شككوا بالحقائق القطعية باسم البحث الحر في العلوم الإنسانية وقال بعضهم أن الحوادث التاريخية في القرآن الكريم مجرد عمل فني غير ملتزم بالصدق والواقع. وهكذا وببساطة يريدون بمطاعنهم الشاذة ومنطقهم الأعوج أن يتحول تاريخ الأنبياء والصالحين إلى أساطير الأولين، نُقلت من حضارات السابقين، بأسلوب أدبي رصين. عندما يستقي العقل الحقائق من نبع القرآن يصل لأغراضه ويحصل على معارف تنير قلبه ودربه فيعرف كيف ومتى وأين ولماذا خُلِق ومَن خَلَقَه.
في الغرب قد تكون عندهم قناعة تامة بأن نصوص التوراة والإنجيل محرفة وتتصادم في كثير من الأحيان مع الاكتشافات الحديثة فقد لا يجد بعض الباحثين هناك إشارة صادقة إلى الحياة الأولى للبشرية فدخلوا عالم التيه فقالوا بما لم يعلموا ولكن أن يقوم كاتب مسلم بتبني تلك الآراء الواهية وتدريسها في المعاهد العلمية فتلك كارثة تدل على عمق اختراق الفكر اللاديني للفكر الإسلامي الحديث.
وقع الكثير من الباحثين التربويين في تلك الأخطاء بسبب الترجمة الحرفية لكُتب الغرب وبسبب الاتباع الأعمى النابع من الانبهار بهالة الغرب وهو أمر ناتج عن الهزيمة النفسية وقلة البضاعة الدينية. ومن الثمار النكدة "للعلمانية" اللادينية الحديثة في عالمنا العربي الإسلامي فصل النصوص القرآنية والنبوية عن ميدان العلوم العقلية ونتيجة هذا الخطأ الشنيع سيطر جيل من المثقفين على منابر الفكر ومنابع الثقافة فتزايد واتسع سوق الجهل المركب. العلم الصحيح لا يعارض الدين بل يدل عليه واليوم حينما ابتعد العلم عن الدين في بلاد الغرب صار العقل إلهاً يُعبد من دون الله لأنه هو الذي يُحل ويُحرم مع أنه لا يغني ولا يُسمن من جوع إلا بأمر الله ولكن أكثر الناس في غفلة من ذلك النبأ العظيم.
لقد خُلق آدم في أحسن تقويم ولحكمة أرادها الله عز وجل لبني آدم اختبرهم بأن أُهبط سيدنا آدم وزوجه إلى الأرض وكان يمكن أن يكون عقاب المعصية أي عقاب آخر غير النزول إلى الأرض ولكنها إرادة الله سبحانه وحكمته.
لقد كان سبب الخروج من الجنة بسبب إغواء الشيطان لأبينا آدم وأمنا حواء ولم يوسوس الشيطان لأحد منهما من دون الآخر. وبدأت الحياة ليقوم الإنسان بعمارة الأرض والعيش على ظهرها لعبادة الله من خلال إتباع أوامره واجتناب نواهيه. البشر لا يحملون وزر الخطيئة الأولى فلا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وما يقوله النصارى من أن المرأة سبب شقاء البشرية وأن الله عاقبها وعاقب جميع بنات حواء بالآلام عند الولادة لأن حواء استدرجت زوجها آدم إلى المعصية فهذا منطق لا وزن له في ميزان الدين الصحيح.
لقد خلقت الحياة مهيأة لاستقبال آدم وزوجه وذريتهما فيما بعد ولقد تعلم آدم أسماء الكائنات والأشياء التي سخرها الله عز وجل لعباده تسخيرا. فبدأت الحياة الإنسانية بوعي كامل، وعقل تام، وإيمان صادق. بدأت الحياة مع نور العلم، وحب التعلم، والبحث عن الخير إذ عرف الإنسان الأسماء وتعلم كيف يوارى عورته وكيف يُسلم على الآخرين (انظر صحيح البخاري كتاب الاستئذان باب بدء السلام).
معاشر الأنبياء دينهم واحد وهو الإسلام فإن التاريخ الحقيقي للإسلام على هذه الأرض لم يبدأ في مكة المكرمة ولكنه بدأ مع آدم عليه السلام وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا نبيٌ جاء بما جاءت به الرسل من قبل إذ جاء بالتوحيد الخالص والشريعة الخاتمة. لقد تحرفت الأديان كلها اليوم إلا دين الحق. قال تعالى "قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {84} وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ {85}" (سورة آل عمران). المسلم يحترم الأديان السماوية بل ويتعايش سلمياً مع أتباع تلك الأديان إذا سلكوا مسلك التسامح. يجزم المسلم بأن التحريف قد أصاب الأديان باستثناء الإسلام وهو الدين الصحيح عند الله سبحانه. هذه مبادئ سامية لا يمكن المساومة عليها أو التنازل عنها.
قاد الوحي العقل دون تصادم وقام الأنبياء بالبيان المبين، وقاموا بالدعوة إلى التوحيد وتربية الناس لفهم دورهم في الحياة، وتزكية نفوسهم وتقويم الانحرافات بجميع صورها الفكرية والعملية، الفردية والجماعية. كان الهدف الأول للأنبياء والعلماء هو محاربة الأمية الدينية المتمثلة بالشرك واتباع الشهوات. نظر الناس إلى الأنبياء على أنهم علماء الإصلاح يعلمون الناس الخير ويحفزونهم بأحسن الطرق لتعمير الأرض بخبرات الناس الخيرة. قال الصحابي معاوية بن الحكم السُلمي وهو يصف النبي صلى الله عليه وسلم المعلم: ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه. وما قاله الصحابي الكريم هو الذي يشهد به غير المسلمين من المنصفين.
كل نبي كان معلما يركز على مَواطن الضعف في قومه ويعالج جذور الانحراف الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي فهاهو لوط عليه السلام يؤكد على ضرورة الالتزام بالأخلاق الحميدة ويحارب اللواط أما شعيب عليه السلام فيعالج الخلل في قضية الظلم الاقتصادي وجاء موسى عليه السلام ليحطم الاستبداد السياسي وليعيد للإنسان كرامته … وهلم جراً. لقد تمم وختم النبي صلى الله عليه وسلم دور الأنبياء من قبله ولم يأت بدين جديد. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: "مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَىَ بُنْيَاناً فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ. فَجَعَلَ النّاسُ يُطيِفُونَ بِهِ. يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا بُنْيَاناً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. إِلاّ هَذِهِ اللّبِنَةَ. فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللّبِنَةَ" رواه مسلم. وعليه فإن غايتهم التربوية هي أن يتخلق الإنسان بالأخلاق الكريمة التي لا تقوم من غير عنصر التسليم بوحدانية الله جل جلاله ثم الامتثال لأوامره، ولا طريق للسعادة الإنسانية من دون إتباع هذا الطريق المستقيم. هذا هو مهْيَعُ[2] جميع الأنبياء بلا استثناء.
يتمحور المنهج الإلهي حول الانطلاق من قلاع التوحيد في عملية محاربة الفساد وتسديد سهام الإصلاح لمواطن الانحراف وهذا المنهج رغم تنوع صوره يعمل على التأكيد على الخضوع والاستسلام لله عز وجل وحده. هذا المنهج التربوي هو الذي كان يجمع كوكبة الأنبياء عليهم السلام في معركتهم الإصلاحية. عرف الأنبياء فنون التربية فاستخدموا الترغيب والترهيب والثواب والعقاب والموعظة وعلى رأس الوسائل كلها استخدم الأنبياء قوة القدوة الحسنة في التأثير في أتباعهم وحشد الأنصار.
دعوتهم كانت للمجتمع بأكمله رجالا ونساء دون تفريق بين غني وفقير وأهم سمة من سمات التربية في عالم الأنبياء أنهم قرنوا العلم بالعمل واستخدموا الحياة للاستمتاع بها كما أراد الخالق سبحانه دون إهمال العمل المخلص للدار الآخرة فحازوا على فخار الدنيا والدين.
للأسف الشديد فإن الكثير من تعاليم أولئك الأنبياء تعرضت إلى التحريف والتشويه فلم تسلم رسالتهم من عوادي الزمن إلا ما كان من شأن القرآن الكريم والسنة النبوية إذ تكفل الله عز وجل بحفظ دينه الخاتم أما صُحف إبراهيم وموسى وتعاليم عيسى عليهم السلام فإن يد التحريف شوهت حقائقه والحمد لله وحده أن حفظ لنا كتابه الكريم وسنة نبيه الأمين .صلى الله عليه وسلم أروع معالم التربية مبثوثة في قصص الأنبياء وهي أنصع صفحات تاريخ التربية لأنها تحكي مسيرة الصبر في الإصلاح.
انتبه بعض الباحثين الغربيين - بعد قرون من الضلال - إلى أن عيسى عليه السلام ليس ابن الله وعرفوا أنه مجرد نبي إلا أن الناس بعده بعقود عظموه وغالوا فيه حيث تحول المعنى الرمزي والمجازي لابن الله إلى المعنى الحالي حتى أوصلوه إلى درجة الألوهية. هذا الاتجاه العصري عند بعض علماء الدين في الغرب له أدلة تاريخية كثيرة لحركتهم التصحيحية (انظر Hofmann, 1996. P.11). ومن أبرز أعلام هذه الحركة حديثا البروفسور هيك (Hick 1977, 1989) صاحب كتاب أسطورة الإله المتجسد الذي كتبه مع مجموعة من علماء اللاهوت.
إنها نعمة عظيمة من الله أن الإسلام قدم لنا رؤية وثائقية صادقة لحياة أول نشاط بشري في عالم التربية مروراً بسلسلة الرسل والأنبياء ممن أنعم الله عليهم بأن اصطفاهم لمهنة التوحيد والإرشاد وإعانة الناس سرا وعلانية إلى الخير والهداية. إنها أعظم نعمة لأنها تخبرنا نبأ ميلاد الحياة البشرية وترشدنا إلى الطريق المستقيم ، طريق الأنبياء. إنها نعمة لأنها تخلصنا من براثن الوثنية التي تدمر الفطرة الإنسانية السوية. قال جل جلاله "بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ {29} فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّين حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ {30} (سورة الروم). إن خبر ميلاد الإنسان على الأرض وهدف التربية العام لا يمكن إدراكه من غير مطالعة تلك النصوص أبداً.
يتضح مما سبق بيانه أن واقع البحث الأكاديمي فيما يتصل بتاريخ التربية انحرف انحرافاً فكرياً جذرياً في فهم الموضوع حينما أهمل التركيز على تاريخ الأنبياء وتم تصوير التربية الأولى في حياة الإنسانية بأنها تربية بدائية تفتقر إلى التخطيط والعلم واللغة والأهداف والوسائل.
يقول د. سند الحربي (1996م) في كتابه التوجيه الإسلامي لتاريخ التربية إن الميدان يحتاج إلى إبراز دور الأنبياء عليهم السلام وأثرهم في تاريخ البشرية، فقد بعثهم الله عز وجل لتربية الناس وتعليمهم وإبلاغهم رسالات الله وهم يمثلون خط الاستقامة ومنهج الحق في هذا الوجود" (ص287). إن الجهل بهذه الأصل من أهم أسباب الانحراف الفكري وله نتائج خطيرة على تاريخ ومصادر التربية المعاصرة (مسعود وجمعة، 1985م).
إن المشتغلين في ميدان الفكر التربوي ممن ينادون بتأصيل العلوم ويطالبون بضرورة كتابة التاريخ على ضوء مبادئ الإسلام ومعاييره في قبول الروايات التاريخية يطالبون بمزيد من الدراسة المستنيرة وينادون بالتحقيق في هذا المضمار ويؤكدون على ضرورة التحرر الفكري من الخضوع للنظريات الغربية المنحرفة.
الحضارات القديمة وإسهاماتها التربوية
استعانت كل الأمم بالتربية في عملية البقاء والبناء والنماء وساهمت في إثراء الثقافة الإنسانية بدرجات متفاوتة. ساهمت القصص الفارسية، والعبقرية الصينية، والروائع المصرية، والحساب الهندي، والمحاورات اليونانية، والخطب الرومانية، والمنجزات الإسلامية لجميع الشعوب وبشتى اللغات في نهضة العلوم وشاركت في توسيع آفاقها الحضارية. الكثير من الممارسات التربوية والتعليمية في زماننا هذا ترجع جذورها إلى مجتمعات قديمة عاشت قبل آلاف السنين فالأسرة مازالت المحضن الأساسي للتنشئة الاجتماعية ومازالت الجماعة تمارس ضغوطها في وضع المعايير والقيم إلى جانب الجذور الدينية كما أن نظام الامتحانات والمحاضرة والمناظرة والموعظة والقصة كانت من الوسائل المألوفة في النظم التعليمية القديمة. قبل حوالي عام 3500 ق.م عاش السومريون في العراق عند وادي دجلة والفرات وعندما اكتشفوا نظاماً للكتابة أصبح التعليم يلعب دوراً أكبر في إعداد الأطفال لحياتهم العملية في إطار تعليمي واسع.
لعل التربية المهنية والوطنية والدينية من أهم ملامح المجتمعات القديمة إذ كان التعليم يرمي إلى اكتساب المتعلم مهارات مهنية من خلالها يقوم الفرد بمساعدة أسرته اقتصاديا في حقل الرعي أو الزراعة. وتوفير الأمن كمتطلب أساسي للحياة وكان التعليم يدفع بالمجتمعات إلى تدريب طبقة من المحاربين يذودون عن حياض المجتمع وحياة وكرامة أفراده.
يُقصد بالحضارة "مجموع المعارف العلمية والتشريعات والنظم والعادات والآداب والفنون التي تمثل الحالة الفكرية والاقتصادية والخلقية والسياسية والفنية وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية في مرحلة من مراحل التاريخ وفي بقعة من بقاع الأرض لشعب أو أكثر" (المبارك، 1970 م، ص 27).
يُعَرِّف ول ديورانت: الحضارة في بداية كتابه الضَّخم قصة الحضارة فيقول بأنَّها "نظام اجتماعي يُعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثَّقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنُّظم السِّياسية، والتَّقاليد الخلقــيَّة، ومتـابعة العـلـوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنَّه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التَّطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطَّبيعية تستنهضه، للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها" (ص1).
من خلال مطالعة المكتشفات الأثرية يمكن أن نستنتج أن الحضارات على اختلاف لغاتها وتنوع أديانها إنما هي ثمرة لحركة جادة متواصلة تحكي قصة كفاح الشعوب النشطة من أجل البقاء وتعزيز الامكانات وتكشف لنا طرائق الأمم في مواجهة العوائق التي تُفتِّق قرائح القياديين، وتشعل مواهب العاملين. تتكون الحضارة من عناصر كثيرة ولكنها تدور حول ثلاثة محاور وهي:
فلسفة عامة تعطي تصورات واضحة حول معنى الحياة وأهدافها الموصلة للسعادة وسبل السير في مناكب الأرض.
تطبيق عملي للفلسفة من خلال وسائل التنشئة الاجتماعية، وسن القوانين والتشريعات لتنظيم المجتمع.
إنتاج مادي ومعنوي ينتج كثمرة لتمازج العنصرين السابقين.
فيما يلي سيكون التركيز على بعض معالم الحركة التربوية في أشهر المجتمعات الإنسانية وليس الهدف من عرض ذلك هو تتبع الفترات التاريخية بشكل متسلسل مُتصل موسع. المنهج المُتبع هنا هو الإشارة السريعة لوسائل التربية مع تحديد لبعض أهدافها ومناهجها في بلاد الصين واليونان والرومان ومصر والهند ثم نقدم لمحة عن روائع الحضارة الإسلامية وأخيراً لمحة تاريخية عن معالم تاريخ التربية الغربية.
ما قصة الحضارة المصرية القديمة وما أسرارها؟ الأهرامات ثمرة من ثمار شجرة تعليمية لها جذورها العميقة فلا ينبغي الوقوف عند الثمرة ونسيان الشجرة ولا بد من دراسة الجانب التعليمي لمعرفة أسرار عظمة تلك الحضارة الخالدة، وهو الأمر الذي نهدف إليه في دراسة كل الحضارات الهامة القديمة والحديثة لأن المنجزات المادية وغيرها هي نتاج سياسة تعليمية عملية لا ينبغي أن يغفل عنها المربي إن كان من أولي الألباب. فإن كانت مبانيهم رائعة فإن حبهم للكتاب والمكتبات أروع فحصيلة العلم والفكر والتفاني في العمل، عز وتفوق ومجد.
قبل حوالي 300 سنة قبل الميلاد عرف المصريون القدماء نظام الكتابة ومازالت آثارهم الباقية تبهر الألباب وتنتزع الإعجاب خلال تاريخهم الطويل الذي امتد آلاف السنين على صفحات التاريخ. لقد برع المصريون في علوم كثيرة منها علم الهندسة والطب والزراعة والفنون الجميلة كالرسم والنحت والموسيقى. كان المصريون أصحاب حضارة عملية إلى أبعد الحدود والأدلة على صدق ما سبق مستفيضة وأعظمها آثارهم الخالدة ورسوماتهم الساحرة.
من الناحية الدينية فحظهم كحظ الحضارة الغربية حديثاً حيث الفارق بين تطورهم المادي ونظامهم الروحي يمكن ملاحظته بوضوح فلقد عبد الفراعنة الشمس وقدسوا الحيوانات ولقد قام أخناتون (1369- 1353 ق.م) باختيار إله واحد وهو الشمس فعبدوه. ومن الناحية الاجتماعية لعبت المرأة دوراً مذكوراً على ساحة الأحداث العامة وكانت للمرأة الفرعونية منزلة عظيمة في المجتمع.
يذهب بعض الباحثين المحدثين مثل البروفسور جورج جيمس في كتابه: التراث المسروق Stolen Legacy إلى أن المصريين الأوائل - وليس اليونان - هم مصدر الإشعاع التربوي في التاريخ الإنساني وأن سقراط وأفلاطون وأرسطو نقلوا إنتاج المصريين ووضعوه في كتبهم (انظر James, 1992). أفلاطون على سبيل المثال ذهب إلى مصر ليتعلم ثم نسب المؤرخون إليه مدرسة فلسفية ضخمة ولم يتحدثوا عن مدى تأثر فلاسفة اليونان بعلوم الفراعنة التي بلغت حدا عظيما من الدقة والإتقان. ومن الأدلة التي ذكرها جيمس أن العلوم المصرية انتشرت في أنحاء متفرقة من العالم قبل أن تصل لأثينا وأنه من الصعب إثبات صحة نسبة المبادئ إلى أشخاص معينين لأن التواريخ اليونانية متضاربة، إضافة إلى ذلك فإن ما ينسب من علوم فلسفية إلى اليونان من الواضح أنها لا صلة لها بطبيعة وحوادث المجتمع اليوناني. في ذلك الكتاب يحشد جيمس عددا كبيرا من الأدلة لبناء نظريته ولبها أن الحضارة المصرية هي التي صنعت الحضارة الإغريقية ولكن الغرب لأسباب تسلطية وعرقية يرفض أن يقر بأن القارة الأفريقية "السوداء" قدمت إسهاماً عظيما للبشرية.
رغم أن الباحثين السود في كل من بريطانيا وأمريكا يحاولون ترويج هذه النظرية في ميدان التربية من خلال الجامعات إلا أن أكثرهم لا يشيرون من قريب أو بعيد لتلك النظرية. ومهما يكن من شأن تلك النظرية الجادة فإن الآثار المصرية لا تدع مجالا للشك في عظمة النظام التعليمي والتربوي في حياة المصريين القدماء وغيرهم.
"ومع أن مراجع كثيرة يصعب حصرها تؤكد كلها بأن تأسيس العلوم كان إنجازاً إغريقياً وبأن الإغريق هم الذين أوجدوا الروح العلمية في الثقافة الأوروبية إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن بعض المؤلفين يزعمون بأن الفكر الإغريقي الباهر لم يتحقق كطفرة غير مسبوقة وإنما يدَّعون بأن هذا الفكر الخلاق استمد عناصره من الحضارات المصرية وغيرها من الحضارات الأقدم إلا أن هذا الزعم ينقصه البرهان ومحاولة إنكار الامتياز الثقافي الأوروبي بسبب الكره للاستعمار وبدافع الرغبة في الانتصار للذات" (البليهي، 2002 م، باختصار).
كان النظام التعليمي يركز على حفظ المعلومات وتنمية المهارات مثلها مثل الحضارة السومرية وكان على المتعلم أن يبدأ من البسيط إلى المعقد وكان التعليم مرتبطا بأهمية الإنتاج والعمل (Armsrtong, Henson and Savage, 1993, p.77). ذكر د. عبد المحسن حماده (1995 م) أن التعليم العالي كان مقره غالبا المعابد ومن أشهر المعابد جامعة (أون) أي عين شمس ومعبد الكرنك وادفو وأن الأطفال من سن 5 إلى 11 كانوا يتعلمون "قراءة وكتابة اللغة الهيروغليفية... وكانوا يدونون نصوصهم الدينية على خشب الأبنوس والعاج وصفحات ورق البردي" (ص 47، بتصرف). كان التعليم في مراحله الأولى يحصل عليه عامة الناس أما التعليم العالي فكان من جملة الحقوق التي لا ينالها ويتمتع بنورها إلا أبناء الفراعنة النبلاء.
من الحِكَم المصرية المأثورة في ميدان التعليم قولهم في تمجيد شأن الكتابة "كن كاتباً تبلغ المجد والثروة" (العمايرة، 2000 م، ص 55) وقولهم تذكر "يا بني أن أي مهنة من المهن محكومة بسواها إلا الرجل المثقف فإنه يحكم نفسه بنفسه". تقول د. أميرة طه بخش "مثل هذا القول يكشف لنا مدى اهتمام المصريين القدماء في التربية بل يوضح أن المصريين القدماء ربما يكونوا أول البشر إرساء لمفهوم التربية في إطاره العلمي المعاصر" (ص 13). ومن العبارات المنحوتة على جدار مصري فرعوني:"سأجعلك يا بني تحب الكتاب ...كما تحب أمك...أو أكثر" (يوسف، 2002 م). لأن الكتاب لا مثيل له فلقد اهتم القدماء في مصر بتعليم القراءة للطفل كما يعلمونه المشي والأكل. لا ريب أن حب العلم والقراءة وتعظيم مرتبة العلماء وتشجيع الابتكار من ضمن المفاهيم الحضارية التي استوعبها المصريون القدماء حتى أن كلمة مدرسة أو دور العلم تُعرف بـ "بيت الحياة"[3] فسخَّروا كل إمكاناتهم ليتسابقوا في ميدان الرقي العلمي والتفوق المهني فكان تاريخهم يزخر بموجات عارمة من الجد والاجتهاد والتجديد وبيوت الحياة ودور المعرفة.
"هنا علاج الروح" "هنا بيت علاج النفس" كلمات كانت تُكتب على جدران المكتبات المصرية القديمة، مثل: مكتبة معبد رمسيس، ومكتبة معبد إدفو، مكتبة معبد دندرة، ثم ينتقل هذا الشعار إلى الحضارات الأخرى وفي ذلك دلالة واضحة على أن الكتاب يمكن أن يُستخدم في علاج الروح إذا سقمت، والنفس إذا اعتلت. وهذه العبقرية المصرية تسمى في العلوم المعاصرة بالعلاج بالقراءة Bibliotheraby وهذا العلم من العلوم التي تندرج تحت علم النفس وتعني استخدام الكتب في علاج المرض (انظر عبيد، 2002 م).
من الزاوية التربوية نجد أن الرسومات المصرية القديمة المنقوشة على واجهة الجدران في المعابد وغيرها من الفنون الرفيعة التي تدل دلالة قاطعة على عمق وعظمة بعض وسائل التربية والتعليم في تلك الحضارة الساحرة فإن تدوين المعلومات ورسم المناظر الطبيعية ووضع لمسات الخيال والإبداع كلها مؤشرات ومؤثرات تشهد وتنطق بالتفوق الفكري والفني. ولا شك أن القصص مازالت من أعظم المواد المنهجية في إعداد الفرد ومازالت قصصهم وأساطيرهم محل دراسة واعتناء من قِبل الباحثين.
ركزت التربية المصرية على قضية البعث والنشور واعتناء الفراعنة ببناء الأهرامات وعلم التحنيط يدل على صحة ذلك الاستنتاج. يدل تعدد الآلهة عند المصريين القدماء على تربية دينية قلقة تتخللها صراعات سياسية لفرض عقائد وثنية على المجتمع ومهما يكن الأمر فإن مصر القديمة شأنها شأن الدول التي سادت ثم بادت وعرفت عددا كبيرا من الفراعنة الطغاة ولا شك أن هذا كان له انعكاسه المباشر في صياغة الفرد المطيع للأوامر السياسية فكان من ضمن الآداب الاجتماعية قول بتاح حتب (أحن ظهرك لمن هو أعلى منك) (الجندي 1983م ص 329).
من المعلوم أن مناهج التعليم تتأثر بمن يستأثر بقوة السيطرة والحكم في البلاد وأن كل الأنظمة لا بد أن تُسخر مؤسسات التعليم لحماية مصالحها ولدوام حُكمها. دخلت مصر تحت حكم الهكسوس (1786-1570 ق. م) قبل الميلاد والهكسوس كلمة أطلقها المصريون على الملوك والجبابرة الذين حكموا مصر لعشرات السنين وكلمة الهكسوس تعني الخنازير لأنهم كانوا ظلمة ومن شدة كُره المصريين للملوك الظلمة سموهم بتلك التسمية وقيل أن الهكسوس أجانب أصلهم أسيوي (الموسوعة العربية الميسرة، 2001، ج4، ص 2543) فالهكسوس غير مصريين عند بعض الباحثين والصحيح أنهم من مصر أساساً، استناداً للكشوفات الأثرية الحديثة في فلسطين ومصر (عثمان، 2002،ص 27). ومن أشهر القصص النبوية الثابتة عن الجبابرة في مصر هي قصة السيدة سارة مع الملك كما في صحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد. أثناء ذلك العصر كانت الدولة الكلدانية في العراق والكنعانية في بلاد الشام وكانت مصر مركزاً اقتصادياً هاماً يفد إليها الجميع ليجلبوا منها الطعام والذخيرة والمتاع.
بعض قسمات التربية عند المصريين القدماء:
1-كوّن المصريون نظاماً للكتابة ونجح الخط الهيروغليفي في تعليم المصريين ونقل التراث إلى العصور الأخرى وما زالت هذه الكتابة تمد الباحثين والمؤرخين في علم المصريات Egyptology بالكثير من المعلومات التاريخية.
2-استخدم المصريون الأشكال الهندسية والرسومات على أوراق البردي وعلى الجدران كوسيلة من الوسائل الحسية لتوصيل المعلومات.
3-عرف المصريون القدامى المكتبات العامة وكان تخزين الكتب يتم بإشراف متخصصين يحرصون على حسن تنظيمها، والمبالغة في الحفاظ عليها.
4-بلغ التعليم إلى مرحلة التخصص الدقيق في علوم متنوعة إذ ظهر التعليم العالي لتغطية حاجة المجتمع ولم تكن التربية الأساسية والمتوسطة هي نهاية الطريق.
5- امتازت الحضارة المصرية بالتميز والإبداع والتفوق فالبناء الهندسي للأهرامات والمعابد والمقابر مثلاً من الشواهد الدالة على درجة عالية من الإتقان في الإنتاج ولا شك أن النظام التربوي كان خلف هذا النجاح.
6-لعب الدين دوراً عظيماً في جميع الحضارات وعلى الأخص الحضارة المصرية. التربية الدينية التي شكلت ثقافة الناس لم تكن سليمة المحتوى حيث تعرضت المفاهيم الكلية للدين السماوي إلى التشويه والتحريف وخاصة في ميدان التوحيد. توجهت أنظار المصريين إلى الفضاء فعبدوا الشمس كما عبدوا الحيوانات وظنوا أن أرواح الآلهة تحل في التماثيل. آمنوا بالبعث بعد الموت كما آمنوا بالجنة والنار وخلود الأرواح. لذلك كانت وظيفة المؤسسات التعليمية أن تقوم بتعليم الناس الطقوس الدينية التي كانت حافلة بالأساطير والخرافات والطلاسم.
7-رسَّخ النظام التربوي في مصر قديماً الطبقية في المجتمع حيث كان التعليم يُعزز دور الكهنة الذين كانوا يقودون الحركة التعليمية ويوفرون التربية الراقية لأبناء النبلاء ورجال البلاط في حين أن الطبقة الفقيرة الكادحة إما أن تتحول إلى طبقة المحاربين حيث بعض الامتيازات أو يظلون في وظائف مهنية تعتمد على المهارة اليدوية.
8- عرف المصريون مؤسسات خاصة بالدراسات العليا وبنوا المعابد التي ترعى العلم مثل معبد الكرنك.
9- التربية بالعقوبة البدنية كانت وسيلة قاسية من وسائل التربية في ذلك العصر.
الفلسفة واليونان اسمان لعملة واحدة أعطت لليونانيين تأشيرة دخول إلى بوابات التراث الإنساني إذ أن لغات العالم تلقفت إنتاج اليونانيين ومازال إنتاجهم الفكري مادة ثقافية ثرية للنقد والنقاش تستقطب الدارسين وعشاق المعرفة ومعظم لغات العالم تحتوي على كلمات أصولها يونانية. تدل آثار اليونانيين الحضارية على أنهم عملوا على تخصيص مباحث فلسفية مستفيضة لدراسة أساس السلوك الإنساني وسبل السيطرة عليه لأنهم آمنوا بأن محاولة فهم السلوك وتوجيهه هو أرقى طرائق تنمية العلوم.
يتميزون المفكرون اليونانيون بالتنوع والثراء والإعلاء من شأن التخصص، والفلسفة، والسياسة، والتأمل ويميل بعضهم مثل أفلاطون إلى التشكيك بقدرة الحواس الخمس وتقليل دورها في عملية الكشف عن الحقيقة الكاملة. يتميز الفكر التربوي عند الإغريق بالتنوع الشديد فسقراط وأفلاطون ينزعون إلى المثالية في حديثهم عن العدل والخير والجمال بينما يميل الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى الواقعية في حين يذهب السوفسطائيون إلى الجدل والتشكيك في كل المسائل.
ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن الحضارة اليونانية والرومانية استطاعتا التغلغل في الثقافة الغربية الحديثة لتصبح أصلاً من أصولها الفكرية وحتى بذور فكرة الديمقراطية يعتقد بعض الباحثين أنها كانت من أدبيات وبنات أفكار اليونانيين. من الثابت تاريخياً أن الغرب عرف علوم اليونان عبر التراث الإسلامي العربي الذي ساد بلاد الأندلس ومن خلال الحروب الصليبية اكتشف الغرب علوم اليونان التي ضاعت معظم أصولها وسلم ما تبقى منها على يد المسلمين الذين ترجموها ودرسوها ومن هذه التراجم نهل الفكر الغربي في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا من علم اليونانيين.
درس الإغريق علوماً كثيرة وأهمها علم الإلهيات ولهم فيها شطحات كثيرة لعدم استرشادهم التام في بحوثهم بأي كتاب سماوي فتركوا الفكر يصول في ميادين فيها مزلة أقدام. لقد تكلموا عن الجوهر، والطبع، والفعل، والحيز، والمكان، والأجناس، والأبدان، والروح والبعث والنشور والعدل وهي من القضايا الدينية الفلسفية الشائعة والشائكة والتي شغلت مساحات واسعة من كتبهم.
أثينا وأسبرطه هما المدينتان الهامتان في تاريخ اليونان ورغم اختلاف نظمهما السياسية وطبيعة الحياة الاقتصادية فيهما إلا أنهما اتفقتا في جعل التربية وسيلة لإعداد المواطن الذي يخدم بلده فيحفظ الأمن داخلياً كما يدفع هجمات الطامعين فلا يهاب الحروب ولا يقبل الهزائم والاستسلام.
في أسبرطة كانت الاستراتيجية التعليمية تركز على التدريبات العسكرية المستمرة لنخبة معينة من أبناء المجتمع ليكونوا مواطنين صالحين. لعبت الدولة دوراً بارزاً في صياغة النظام التعليمي الذي كان يسوده الجمود والقسوة والتسلط. الشجاعة النابعة من التمرينات الرياضية الشاقة كانت من أهم القيم التربوية في حياة الفتيان والفتيات وكانت كل المواعظ المتوارثة والتدريبات القاسية تعمل على ترسيخ هذه الفضيلة في نفس المواطن الإسبرطي لدرء المخاطر الخارجية وتأمين حياة قوية وحضارة متفوقة. مجموعة قيم أسبرطية انبثقت من قيمة الشجاعة مثل شيم الصبر، والتعاون، وتحمل المشاق، وضبط النفس، والثبات، والخشونة في العيش، والطاعة العمياء للقادة والولاء المطلق لهم، واحترام النظام.
تمتع التعليم في أثينا بحرية سياسية ومال إلى إعلاء شأن الفكر فركز على المهارات العقلية والآداب الاجتماعية وتم استخدام التهديد والضرب حين الحاجة بغرض التقويم كما يقوّم الغصن المعوج. وكانت المهارات العقلية متصلة بالفنون كما كان يُستخدم الشعر للغناء ولاقت المناقشات الفكرية القائمة على مهارة الخطابة تشجيعاً كبيراً. كانت التربية الرياضية للطفل تهدف إلى إعداد المواطن القوي جسديا والقادر على الصمود والانتصار في ساحة الوغى. من الواضح جدا أن تلك التربية الراقية كانت قاصرة على طبقة الفضلاء من أبناء الأغنياء فقط.
انتصر المجتمع الأسبرطي على جيش أثينا في حرب البلوبونيز بعد حروب متتالية (431-404 ق.م). التربية العسكرية في أسبرطة مبنية على الشدة والعنف في تربية الأحداث وكانت الرقابة الدائمة تلاحق الأطفال حتى في حال غياب المعلم إذ أن العرف ينص على أن أول من يدخل الفصل فهو الآمر الناهي المسئول عن عقاب المشاغبين حتى يحضر المعلم.
حتى إذا ما ناهز الغلام الحلم فإن التربية تزداد شدة من خلال المزيد من التمارين الشاقة إذ أن المراهق في فلسفتهم السائدة هو شخصية جامحة يجب أن تُضبط من خلال اشتغالها بالأنشطة وبذلك المنهج التعليمي نجح التعليم في أسبرطة في جعل الطفل جنديا مطيعا طاعة عمياء للأوامر العسكرية، ولخدمة البلد، ولتحقيق مصالح الطبقة الأرستقراطية.
حركة السوفسطائيين من أبرز الحركات الفكرية التي ظهرت في اليونان. السوفسطائيون ينكرون وجود حقائق ثابتة في الحياة ويجادلون في أن ما يراه أحدنا باللون الأبيض قد يكون عند الآخر بلون مختلف تماما مما جعل الجدل في البدهيات يستفحل في المدينة إذ أن من شأن تلك الفكرة الهلامية أن تقوض أركان الدولة إذا اقتنع بها الشباب وناصروها. لعل حركة السوفسطائيين التي ركزت على الفرد هي ردة فعل للمناخ السياسي الحر الذي تم استغلاله بصورة سلبية. على كلٍ فإن السوفسطايين اعتادوا الترحال ولم يكونوا أساسا من أهل أثينا ولكنهم استغلوا الحريات فيها فأشاعوا أفكارهم النفعية التشكيكية. وهذا يدل على أن ظهور فرق تستغل الأجواء الديمقراطية لتلويث الأخلاق والعقول ظاهرة قديمة أشاعت الشغب الفكري.
عندما نقوم بمراجعة التاريخ اليوناني فإننا نجد أن التربية الموسيقية لاقت عناية فائقة وبلغت شأواً عظيماً إذ انتبه اليونانيون - وعلى رأسهم الفلاسفة منهم - إلى أثر النغمات والألحان في ملامسة أحاسيس الإنسان. لا عجب بعد ذلك أن نجد أن النظام التعليمي عندهم يحرص على توجيه الفن لغرس الصفات الخُلقية النبيلة الجميلة إذا تم اختيار الألحان المناسبة، وتم توظيفها بالصورة اللائقة.
لم تكن الموسيقى عند القدماء "مجرد وسيلة لقضاء أوقات الفراغ في الترويح عن النفس، بل كانت للموسيقى وظائف اجتماعية أخرى قلما نجد لها مثيلاً في المجتمعات المعاصرة حتى التي تعتبر متحضرة، فقدماء المصريين كانوا يستعملون الموسيقى والغناء في تعليم القوانين ونشر المعارف، وكانت شعوب أفريقيا تستخدم الطبول في إرسال الإشارات ونقل المعلومات عبر المسافات الشاسعة خاصة في المناطق التي يصعب الانتقال فيها، كما كانت الموسيقى وسيلة لحفظ التراث والقصص الشعبي. قال أفلاطون: إن موسيقى المصريين عذبة الألحان ونشيطة الإيقاع، وفضلها على الموسيقى اليونانية واضح"، كما أوصى بأن لا يستمع شعب جمهوريته إلا للموسيقى المصرية؛ لأنها "التعبير الصادق عن الحقيقية" (الصياد، 2002 م، بتصرف). وعلى ضوء ما ألمحنا إليه نجد أن الموسيقى مظهر من مظاهر الالتقاء الحضاري عند شعوب الممالك القديمة التي تعارفت من خلال جسور عديدة من ضمنها جسر الفن.
يتمتع أهل اليونان بثقافة واسعة نتيجة للحرية الفكرية المتاحة في بعض المدن كما أن الرحلات ساهمت في خلود روائع انتاجاتهم الدالة على سعة حضارتهم. كتابات هيرودوت (2001 م) تكشف عن وعي عميق بأهمية تدوين التاريخ وتدل على سبقه إلى منهج تحليل الحكايات ومعالجة التاريخ كحقل علمي مستقل. كما تدل على توظيف سلسلة الأسفار والتنقلات للأغراض العلمية إذ اعتمد هيرودوت عليها في ثوثيق البيانات. لقد زار هيرودوت العديد من الدول الكبرى منها مصر وفلسطين وبلاد الرافدين كما عاصر بداية الحروب البلوبونيزية. أبو التاريخ –هيرودوت- كتب ملاحظاته السريعة وانطباعاته العابرة عن التربية في حياة الشعوب فلقد سطَّر ملاحظاته عن الفُرس ومنهجهم في تعليم الصبيان (ص 96)، وعن الحساب والكتابة والعناية بالصحة عند المصريين (ص 149). ولقد نهج في بعض كتاباته منهج المقارنة بين الثقافات والتعرف على الخطوط العريضة المتفق عليها مع الإشارة إلى أوجه الاختلاف (ص 169). ومِن أهم ملاحظاته عن العرب في العصور القديمة مقولته الرائعة "ما مِن أُمَّة تحترم العهود وتقدِّسها مثل العرب" (ص 220). ولأن هيرودوت يكاد أن يكون أقدم من دوَّن في حقل التاريخ فإن منهجه الذي سار عليه واستند إليه في توثيق المعلومات وتحليلها لم يسلم من نقد علمي وهذا شأن كل محاولة جديدة جادة في أي ميدان إذ أن الأعمال البشرية لا تصل مرحلة عالية من الإتقان إلا بعد محاولات مكثفة للتطوير والإضافة والنقد والتنقيح.
أبو قراط هو أبو الطب لأنه نهض بهذا العلم الجليل وأفاض في تعزيزه بالتجربة والدليل. لقد ناقش أبقراط المسائل الطبية نظرياً ونشر آدابها عملياً وما زال العلماء في كل دول العالم يقرون له بالفضل بل أصبح قَسم أبقراط (Hippocratic Oath) من أهم معالِم تاريخ الحركة الطبية في العالم أجمع وهذا القَسم من أقدم الوثائق التاريخية النادرة التي تبين أخلاقيات مُمارس مهنة الطب كعمل إنساني نبيل له أسسه التنظيمية وأعرافه العريقة التي تمزج بين العلم والأخلاق. ورغم ذلك فإن التأمل والقياس هو الغالب على العلوم الطبية اليونانية في حين أن الطب الهندي والعربي يعتمد على التجارب "قال الخطابي: والطب نوعان، طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي" (العسقلاني، فتح الباري، شرح صحيح البخاري، المجلد العاشر ، كِتَاب الطِّبِّ ، باب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ).
كان علماؤهم يُسمون بالفلاسفة الإلهيين، أعظمهم: فيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، وأرساطاطاليس. "ولهم تصانيف في أنواع الفنون، وهم من أرفع الناس طبقة، وأجل أهل العلم منزلة، لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة، من العلوم الرياضية، والمنطقية، والمعارف الطبيعية، والإلهية، والسياسات المنزلية، والمدنية، وجميع العلوم العقلية، مأخذوة عنهم، ولغة قدمائهم تسمى الإغريقية، وهي من أوسع اللغات" (القنوجي).
اليونانيون القدماء هم أول الناس الذين شرعوا في دراسة الذاكرة كما تشير الكتابات في مضمار علم نفس التعلم (بارون، 1998 م، ص 226). لقد ناقشوا أشكال التذكر، وتحدثوا عن عوامل النسيان، وحاولوا تحديد مكان الذاكرة في الجسم الإنساني كما حددوا وظائف كل من الدماغ والقلب.
انصرف الفيلسوف زينون إلى "التدريس في أحد أروقة ميادين أثينا الكبرى، وكان هذا الرواق[4] لما يحتويه من صور شهيرة يسمى (الرواق المزدان بالصور) وكان (زينون) يسير في التعليم على طريقة الفيلسوف أرسطو الذي علم تلاميذه وهو يتمشى ذاهباً عائداً بينما كانوا يتحلقون حوله ماشين بجواره مستمعين إليه محاورين له... ولذلك نسب زينون إلى الرواق، ونسب إليه تلاميذه الذين حافظوا على طريقته في التعليم في أروقة المعابد والهياكل الدينية القائمة آنذاك فقيل لهم (الرواقيون) ... وهذا يدل على أن المسلمين ربما أخذوا فكرة بناء الرواق في المساجد عن غيرهم من الأمم السابقة" (سالم، 2002 م، باختصار).
الحكيم "إيسوب" من أبرز الأدباء الذين تركوا حكايات خالدة دخلت ذاكرة الثقافة العالمية ورغم الخرافات التي أوردها إلا أنه أعطى القصص قوة هائلة كقناة من قنوات العظة الأخلاقية إذ أن إيسوب جعل الحكمة وفنونها تنساب من فم الطيور والحيوانات وسخر الخيال للأغراض التعليمية فغرس الحكمة في النفوس من دون استخدام الكلمات الجافة والأفكار المجردة. بعض الحِكم الواردة عن لقمان الحكيم المتداولة عند عرب الجاهلية تشبه مواعظ إيسوب (الطاهر، 2002 م، ص 279). مكتبة الطفل على مستوى العالم مازالت تستوحي من قصص إيسوب (Aesop) حكايات بلا حصر كما نُسِبت إليه أساطير غير محدودة مما يدل على مدى تأثر التراث الإنساني كله بشخصية عاشت قبل الميلاد بعدة قرون ومازالت ذات نفع عملي في تربية الناشئة. بعد مضي أكثر من 2500 سنة مازالت الشعوب تروي قصة السلحفاة التي سبقت الأرنب بسبب الغرور، وقصة الأب والابن عندما ركب أحدهما الحمار فتحدث عنهما الناس بالسوء فإرضاء الناس غاية لا تدرك. ما زال الناس يذكرون بإعجاب قصة الغراب والجرة، وقصة الفأر الذي أنقذ الأسد من الشباك، وقصة الأسد والثيران الثلاثة إذ فرق الأسد بينهم ثم افترسهم. كثيرة هي القصص التي نعرفها من الصغر ولكن نجهل جذورها هي أساطير منسوبة إلى إيسوب من عهد بعيد. رغم كل المحاسن التي تتسم بها قصص إيسوب إلا أن طائفة غير قليلة منها تحتوى على مفاهيم لا تتفق مع الدين الإسلامي وخاصة الحكايات التي تتمحور حول الآلهة مثل جوبتر وعطارد.
وبهذا العرض السريع يمكننا أن نربط بعض الأفكار التربوية المعاصرة بما كان سائداً في اليونان فما زالت الدول والشعوب تتخذ من التربية الوطنية أساساً للتعليم ومن التربية البدنية والعقلية والعسكرية أساسيات إعداد المواطن الصالح وفوق ذلك كله أنجبت اليونان أبرز رواد الفلسفة والتربية والطب والتاريخ ومازالت دراسات سقراط وأفلاطون وأرسطو تُدرَّس في الجامعات والمعاهد والكليات في مشارق ومغارب الأرض كنفائس يستلهم منها المفكرون الكثير من الآراء. إن كليات المعلمين والمعلمات مازالت تنهل من عصارة فكر السابقين ومنهم علماء اليونان. ومهما اختلف الباحث التربوي مع فلسفة علماء اليونان فإنه لا يمكن أبداً إنكار دورهم الكبير في التأثير على الفكر الإسلامي والعالمي بشكل مباشر وغير مباشر. مازال ميراث علماء اليونان وقود الفلسفة ومسائلها السائدة.
ومن الحضارات التي عاشت لمدة مئات السنين ولعبت دورا في تاريخ الفكر البشري الحضارة الرومانية وريثة الحضارة اليونانية حيث حولت الآراء الفلسفية السابقة إلى نظريات وابتكارات مادية ملموسة وعلى ذلك كان سقوط اليونان 146 ق.م في أيدي الرومانيين هزيمة سياسية عسكرية ولكنها لم تكن نهاية الفكر الإغريقي الذي أثر تأثيراً قوياً في ثقافة الغزاة. لقد تحولت النظريات المنطقية والعلوم الأكاديمية إلى إنجازات عملية نفعت الرومانيين. كانت التربية عند الرومان تقوم على التقليد والقسوة في دفع المتعلم إلى الدراسة (Armstrong, Henson, & Savage, 1993, p.63).
وعندما تقدمت التربية عند الرومان أصبح التعليم يركز على مهارة القراءة والكتابة والمحادثة وكان التركيز واضحاً على تبني فكرة أهمية الخطابة في إعداد المواطن كما فعل شيشرون الذي ولد سنة 106ق.م . وقتل سنة 43 ق.م وهو أحد أعلام التربية الرومانية. آمن شيشرون بضرورة الاعتناء التربوي بالشبيبة وترك وصايا عديدة هي من أقدم الوصايا التربوية الرومانية.
وعلى خطاه جاء كونتليان (35-95 م) إلا أنه أسهم إسهاماً بارزاً في حقل التعليم عندما أكد على أهمية تعليم الصغار في المدارس إذ كان السائد من قبل في كثير من المجتمعات أن الطفل يدرس أكثر وقته في محيط الأسرة وشن كونتليان هجومه على استخدام العقاب البدني فلم يقر به واعتبره صورة مُتخلفة. جمع هذا المفكر في عمله – كمعلم- بين التعليم الخاص والتعليم العام حيث عمل في تدريس أبناء الملوك. السمة العامة لنمط التربية الرومانية هي التمحور حول التربية الأخلاقية وإعداد الخطيب المُفوه والرجل النبيل ولهذا كانت تعاليم الفلاسفة تصب في هذا المصب.
لقد ترك كونتليان المربي الروماني مقطوعات نثرية لها قيمة تربوية كبيرة وكأنه استلهمها من دراسة عميقة لمبادئ علم النفس الحديث فمثلا رأيه في استخدام اللعب كوسيلة من وسائل التربية وحديثه عن أهمية الترويح والتسلية في تجديد نشاط الطفل من المباحث العصرية التي تعرض لها في مواعظه التعليمية القيمة وتنسجم تماما مع روح التربية الحالية. لا شك في أن تجربته في سلك التعليم كانت ثرية وأتاحت له فرصة التعرف على مفاهيم تربوية هامة فطالب بتوظيفها في الحقل التربوي.
يقول كونتليان "مع هذا فإن جميع تلامذتنا بحاجة إلى الاستجمام، ليس لأنه لا يوجد في هذا العالم من يستطيع أن يتحمل الجهد المستمر- حتى الأشياء غير المفكرة والجامدة ما لم يعط فترات من الراحة- ولكن لأن الدرس يعتمد على ممارسة التلميذ أيضا وهي صفة لا يمكن تحقيقها بالقوة. وكنتيجة لذلك فإنهم إذا ما انتعشوا وعاد إليهم نشاطهم بعطلة (يتمتعون بها) فإنهم سيعودون بطاقة أعظم في تعلمهم ويواجهون عملهم بروح عظيمة من نوع لا يمكن أن يتراجع. إنني أوافق على اللعب عند الأطفال، لأنه دليل الحيوية… وينبغي أن لا يكون هذا الاستجمام بغير حدود، وإلا فإن رفض منح عطلة للصبيان سيجعلهم يكرهون عملهم بينما الزيادة في الاستجمام ستعودهم الكسل. وتوجد بالإضافة إلى ذلك ألعاب لها قيمة تربوية للصبيان، وكمثل على ذلك عندما يتسابقون في تصدي بعضهم للبعض الآخر بجميع أنواع الأسئلة التي يسألونها بالتناوب" (ناصر، 1977م، ص 220 باختصار). قامت شهرة كونتليان على تأليفه كتاب أصول الخطابة ومن أفكاره الثاقبة قوله "من الخطأ الاعتقاد بأن المعلم الضعيف الثقافة يناسب التلاميذ الصغار" (شربل، 1991، ص 204) وطالب بضرورة الاعتناء بطريقة التدريس وقال أنها أهم شيء في التعليم .
مما لا شك فيه أن النظام الوثني الذي عاش في ظله الرومانيون جعلهم مادة مستعدة للتفاعل مع أي بديل يحل محل الفراغ الروحي في تلك الحضارة. بعد الحياة الوثنية لليونانيين ظهرت الديانة النصرانية على مسرح التاريخ الإنساني فاعتنق الرومان الدين النصراني وكان السواد الأعظم من المؤمنين به هم طبقة الفقراء الذين ذاقوا نير القياصرة وعانوا مظالمهم وبعد عشرات السنين فرض الدين النصراني نفسه على الساحة السياسية وأصبح دين الأغلبية وأصبحت الكنيسة القوة الفعلية في المجتمع كله.
عرفت الحضارة الرومانية المدارس الابتدائية التي كانت معروفة باسم اللودوس والمعلم يسمى المؤدب أما الآباء الأغنياء فكانوا يجلبون لصغارهم معلمين أكفاء يلازمونهم في البيت والمدرسة فيقدم لهم التوجيه اللازم أخلاقيا ودراسياً. "وكان الآباء الأغنياء من الرومان يضعون أبناءهم في رعاية عبد يطلق عليه اسم "بيداجوج" منذ دخولهم مدارس اللودوس حتى سن السادسة عشر" (العمايرة، 2000 م، أصول التربية، ص 148).
إن الأفكار التربوية التي برزت في روما مازالت بارزة للعيان كتوجهات تربوية نجدها تؤكد على النمط التقليدي في التعلم ذلك النمط الذي يؤكد على الشدة بالمتعلمين وضرورة حفظ المعلومات عن ظهر قلب وأما توجه كونتليان – الذي لم ينتشر كثيراً- فإنه توجه يتماشى مع التوجه الحديث في علم النفس التربوي لأنه يؤكد على فهم طبيعة المتعلم ويركز على ضرورة احترام حريته.
لعل الحضارة الصينية من أبعد الحضارات عهداً بالتربية وأشهرها ذكراً في التاريخ. كان الصينيون يميلون إلى التأمل الميتافيزيقي والبحث عن الحكمة الدينية فلذلك نجد المذاهب الفلسفية - مثل الطاوية والكونفوشيوسية- لعبت دورا كبيرا في تشكيل الرؤى المعرفية والآداب الاجتماعية في حياة الصينيين منذ القرن السادس قبل الميلاد إلى العصر الحديث وهو الأمر الذي يثير الاستغراب ويعطي هذا الشعب العريق في أقصى الشرق خصوصيات ثقافية وتاريخية لا يمكن تجاهلها إذا أراد الباحث سبر غور جذور تطور الفكر هناك. ولا يمنع هذا من الاعتراف بسبق الحضارة الصينية في علوم كثيرة منها الطب فما زالت الإبر الصينية Acupuncture وسيلة من وسائل العلاج في أقطار العالم إلى جانب العلاج بالعقاقير والجراحة.
الصينيون منذ القدم اشتهروا بالجد والمثابرة والعمل الدؤوب دون كلل وملل. إجمالا يمكن القول أن للصين تاريخاً موغلاً في القدم ولها تربية شرقية عريقة تتسم بالصرامة في حفظ العادات والتمسك بالتقاليد وتقدير الماضي وتقديس أرواح الأجداد. العمل الجماعي صبغة كنفوشيوسية قد تقلل من الإبداع الفردي ولكنها أثبت جدواها فإن اليابان تنهج منهجاً تعليمياً يُعلي من شأن الجماعة لا الفرد وبلغت مرتبة تكنولوجية لا تقل عن الغرب القائم على النزعة الفردية المادية.
ركزت التربية الصينية على ضرورة عقد الاختبارات للطلاب، وعلى أهمية حفظ المعلومات، ولم تنس فلسفة التربية الصينية أن تؤكد على الروحانيات، وفي الجانب الأخلاقي فإنها اهتمت بإلزام المتعلم بالقوانين والتشريعات. كان هناك اعتناء بالتربية المهنية للعمل في المجتمع ونظام التعليم يشترط اجتياز اختبارات تثبت تمكن المتعلم من فهم وحفظ المناهج ولقد اعتنى الصينيون بشكل خاص بعلم الكيمياء. هناك صلة مباشرة بين حبهم لعلم الكيمياء وارتباطهم بالقيم الروحية إذ كان هدفهم من دراسة الكيمياء اكتشاف سر البقاء فكرسوا جهودهم في البحث عن مادة تهب حياتهم الخلود على أن هذا الاهتمام المتواصل قادهم إلى دراسة النباتات فكتبوا عن فوائد الثوم والأعشاب.
لا يمكن فهم الخلفية النظرية للصين من غير التعرف على رواد الحركة الدينية. ولد لوتس Lao Tzu مؤسس الطاوية في القرن السادس قبل الميلاد تقريبا (507 ق.م) وله ثمة إصلاحات جمة بالنسبة للصينيين منها أن فكره الإصلاحي ظل قرابة ألفي سنة من ركائز الفكر الفلسفي والاجتماعي في الصين. لوتس - أي المعلم الكبير - اهتم بالروحانيات وبالصحة البدنية من أجل طول العمر فأكد على أهمية اختيار الطعام المفيد. رفض لوتس تدوين أقواله لأنها لن تحقق الكثير من النفع ولكن أنصاره جمعوا عبارته في كتاب اسمه (Tao-Te Ching) وهو بالنسبة لهم مجموعة أقوال ترسم المنهج الكامل للحياة القويمة حيث يعيش الإنسان مع غيره بالحب لا بالعنف. يرى لوتس أن من لا يعمل عقله لا يشعر بالمشكلات. كتاب لوتس من أكثر الكتب انتشارا في العالم.
الملاحظ في دراسة التراث الصيني أن آدابهم الفلسفية تقوم على الالتزام بسلسلة من التعاليم التي صيغت على نمط حِكم إنسانية تجعل طقوسهم الدينية ذات غاية تهذيبية للروح فيكون الاتصال بالخالق مرحلة من مراحل الاتحاد والخلود كما يؤمنون. هذا يعني أن الحركات الدينية لعبت دوراً كبيراً في تحديد قسمات الثقافة الصينية. لقد قامت الحركة الطاوية مثلاً باستخدام وسائل متنوعة في تربية الناس منها تأليف الكتب لنشر تعاليمهم وتدوين الآراء الدينية والفلسفة السياسية خاصة في القرن الثالث قبل الميلاد. لم تركز التعاليم على العمل الصالح بقدر ما كانت تركز على حالة التفاعل والانسجام مع البيئة وهو الأمر الكفيل بإعداد الإنسان للأخلاق الفاضلة. كان التعليم اليومي للأطفال في المدارس يبدأ باكرا وقد يستمر إلى العصر أو حتى الغروب وتعتبر اللغة الصينية ذات تفصيلات كثيرة في رموزها وحروفها تستلزم وقتا طويلا لمعرفتها، الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهد ففي الصين واليابان إلى الآن يركزون على دراسة اللغة الصينية ويتعلم الطالب مئات الرموز ليستطيع أن يقرأ الجريدة.
الكونفوشيوسية ديانة فلسفية كانت ومازالت مصدر إلهام وإشعاع فكري وروحي واجتماعي وتعليمي في الصين وبدأ أبناء الغرب - نظراً للخواء الروحي الذي يعانون منه- يعتنقون هذه الديانة وغيرها من المذاهب.
الفيلسوف الحكيم كونفوشيوس (479ق.م _551ق.م) هو المعلم التربوي الذي استمر فكره واستقر سحره في أعماق الفكر التربوي الصيني حتى أطلق علية لقب "أعظم معلم صيني". لعب هذا الفيلسوف دورا هاما في رعاية الفقراء وحاول أن يقوم بالإصلاحات الحكومية والإدارية التي من شأنها أن تسعد المحتاجين والمساكين ولقد قام طلابه بتدوين تعاليمه بعد وفاته. ولعل طفولته المحرومة كولد يتيم في المجتمع جعله يشفق على المساكين فيكوِّن فلسفته الإصلاحية في رعايتهم. بدأ رحلته الفكرية مع أستاذه الفيلسوف لوتس الذي أنشأ الطاوية لكنه سرعان ما اختلف معه وانفصل عنه.
قامت الحركة الكونفوشسية باستخدام عدة وسائل للتنشئة الاجتماعية منها تسخير المناصب السياسية لأغراضهم، والاعتناء بمهارة مطالعة الكتب، ودراسة اللغة والأدب والموسيقى، وغرس فكرة تقديس الأرواح لتهذيب النفس. الآداب الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للحاكم والمحكوم من الوسائل التربوية المؤثرة في عمليتهم الإصلاحية "الأخلاق: هي الأمر الأساسي الذي تدعو إليه الكونفوشسية وهي محور الفلسفة وأساس الدين وهي تسعى إلية بتربية الوازع الداخلي لدى الفرد ليشعر بالانسجام الذي يسيطر على حياته النفسية مما يخضعها للقوانين الاجتماعية والقانونية بشكل تلقائي" (الندوة العالمية للشباب الإسلامي ص424).
"لم يدع كونفوشيوس أنه نبي يوحى إليه، فقد كان مصلحا أكثر منه رجل دين. احترم الآلهة، وحرص على إقامة الشعائر والطقوس، وكانت عنايته متجهة إلى إصلاح النفس الإنسانية، وتكوين مجتمع سليم، قوامه المحبة والإخاء والعدل. ويرتكز القانون الأخلاقي عنده على أربع فضائل رئيسية هي:
1- وجوب طاعة الوالد والخضوع له.
2- وجوب طاعة الحاكم والانقياد له.
3- على الأخ الأصغر أن يطيع أخاه الأكبر.
4- على الأصدقاء أن يخلصوا في معاملة بعضهم بعضا.
وهذه الفضائل في نظر "الكونفوشيوسيين" خالدة، ويجب على كل فرد في المجتمع أن يتحلى بها باستمرار لأن الاستمرار في التحلي بالفضيلة هو نفسه جزء لا يتجزأ من الفضيلة. التعليم عندهم من أهم العوامل التي تجعل الأفراد يفهمون القانون الأخلاقي: ويسيرون عليه. ولذلك يجب أن يتعلم الأفراد آراء القدماء وحكمهم، وما ورد عنهم من قصص، وعليهم كذلك أن يطلعوا على مؤلفات الكونفوشيوسيين، حتى يلموا إلماما جيدا بآرائهم العامة" (شامة، 2001م، باختصار). ، كان الأرستقراطيون يحتكرون التعليم، فلا يتعلم إلا أبناؤهم حتى جاء كونفوشيوس وطبق فكرة التعليم الخاص، "فكان أول معلم يفتح مدرسة خاصة في تاريخ الصين. لم يهمه الأصل العائلي لتلاميذه، وأعد أكثر من ثلاثة آلاف تلميذ، وزاد عدد المتفوقين منهم على السبعين"[5].
يرى ريغن (Reagan, 1996)- الباحث الغربي المتخصص في التربية المقارنة - أن الفلسفة التربوية عند كونفوشيوس تقوم على دعامتين هما:
حب العلم.
التمسك بفضائل الأخلاق.
من عبارات كنفوشيوس المليئة بالحكمة قوله: "لتكن العدالة جزاء الإساءة، وليكن الإحسان جزاء الإحسان". وقبل كتابة الإنجيل وقبل ميلاد المسيح عيسى عليه السلام بخمسة قرون ظهرت القاعدة الذهبية في الصين لتنص على أن "الفضيلة الكاملة أن لا تفعل بغيرك ما لا تحب أن يُفعل بك". تتميز توجيهات كنفوشيوس بالإيجاز والتركيز على البُعد الأخلاقي فيقول في موعظته: "يضع الرجل الأعلى نصب عينيه تسعة أمور لا ينفك يقلِّبها في فكره. فأما من حيث عيناه فهو يحرص على أن يرى بوضوح..؛ وأما من حيث وجهه فهو يحرص على أن يكون بشوشاً ظريفاً؛ وأما من حيث سلوكه فهو يحرص على أن يكون وقوراً؛ وفي حديثه يحرص على أن يكون مخلصاً؛ وفي تصريف شئون عمله يحرص على أن يبذل فيه عنايته، وأن يبعث الاحترام فيمن معه؛ وفي الأمور التي يشك فيها يحرص على أن يسأل غيره من الناس؛ وإذا غضب فكر فيما قد يجره عليه غضبه من الصعاب؛ وإذا لاحت له المكاسب فكر في العدالة والاستقامة" (ديورانت، ج4، ص 59). ومن روائعه"إذا اختبرت نفسي فوجدتني على خطأ، وجدتني عاجزاً حتى عن مواجهة الضعيف، وذا اختيرت نفسي فوجدتني على حق، وجدتني قادراً على مواجهة الألوف" (عبود، 2001 م، ص 149).
عرف الصينيون القدماء علوما كثيرة منها علم الهندسة واخترعوا العربات والسهام والنقود كما أن النساء اكتشفن تربية دود القز واهتموا بالكتب حتى قيل أن أقدم كتاب في العالم اليوم صيني وفي السياسة تفنن أحد حكامهم في تطبيق العدل فوضع على باب قصره لوحة معروضة لكل من شاء أن يكتب عليها حاجته ثم يدق جرساً بجانبها فيأتي الملك بنفسه ليرى ما كتب ويقضي فيه.
ومن الحكم الصينية في تربية النفس والجسم قول (شنغ شانغ): «إذا أردت أن تكون دائماً أحسن من ذي قبل فطهر نفسك كل يوم طهر نفسك كل يوم. طهر نفسك كل يوم».
من العبارات السابقة وغيرها يمكن استنباط سمات التربية الصينية في النقاط التالية:
1-اهتم الفكر الصيني بربط الذات بالمجتمع. العمل الجماعي القائم على الولاء والطاعة من دعائم الفلسفة التربوية الصينية.
2-التربية الأخلاقية (Moral education) لاقت اهتماماً بالغاً في العصور القديمة.
3-وضوح الرؤية، والابتسامة، والوقار، والإخلاص، الإحسان في العمل، احترام الآخرين، الاستفادة من علم الآخرين، كظم الغيظ، العدل والاستقامة في التصرف من أهم سمات الشخصية الناجحة في رأي كنفوشيوس.
4-الإيمان بالتربية المستمرة. قول كنفوشيوس "يضع الرجل الأعلى نصب عينيه تسعة أمور لا ينفك يقلِّبها في فكره.." يدل على أن التربية عملية مستمرة لا تنتهي.
5- ساهمت العبارة الموجزة كوسيلة تعليمية في خلود الآراء التربوية في الفكر الصيني. حظيت الحكمة باهتمام كبير كوسيلة لتربية المجتمع وهي ثمرة التأمل الفردي والولاء للجماعة.
6-التربية عبر غرس المبادئ جوهر التربية العقلية والنفسية والاجتماعية والبدنية.
7- إن التربية الصينية ركزت على تراث السابقين مما جعل الهدف الرئيسي للتربية هو نقل التراث والحفاظ عليه ولم تكن فكرة تجديد التراث أو تمحيص بعض نصوصه والإضافة عليه التوجه الظاهر في تاريخ التربية الصينية فهي تربية ذات مقاصد تقليدية محافظة لها اعتناء فائق بالروحانيات وترهق المتعلم بحفظ المعلومات وتصقله بالاختبارات وتربية على تقديس الماضي ورموزه وأن الانسجام مع الطبيعة غاية الارتقاء الروحي.
اعتنت الحضارة الهندية بتربية الطفل تربية حسنة لأجل مستقبل زاهر وكما يقول المثل الهندي "عندما يكون الأولاد صغاراً، زودهم بجذورٍ عميقة، فإذا كبروا امنحهم أجنحة طليقة" (عبود، 2001 م، ص 502). درس الهنود العديد من العلوم مثل الحساب والطب ونجحوا في تمرير ميراثهم العلمي للأمم الأخرى. ظل التعليم الرفيع بيد الكهنة (البراهمانيين) كي يفسروا النصوص الدينية المقدسة وهذا شأن معظم الأمم الغابرة.
ظهرت البوذية في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في الهنـد، وانتشـرت في أماكن كثيرة وأتباع هذا الدين من أشد الناس تمسكاً وتحمساً لفكر بوذا. تأسسـت البوذيـة فـي الهنـد عـلى يـد الأمـير سيدهارتا جواتاما (حوالي 563-483 ق.م)، والذي عُرف في اللغة السنسكريتية باسم بوذا أي الرجل الحكيم أو المستنير والمتنور وهو مصلح اجتماعي مرموق، وفيلسوف قديم، وزعيم ديني بارز. كان بوذا من أسرة ثرية فعاش في النعيم ثم بدا له أن يترك الحياة المترفة ليطوي حياته مع التقشف والتأمل والروحانيات النبيلة. لقد طالب بوذا بتهذيب الأخلاق من خلال معالجة عيوب النفس ومع مرور الوقت تشكلت مجموعة تعاليم دينية لتصبح مادة التعليم في الهند والصين ومناطق كثيرة لعدد هائل من الناس.
تؤمن البوذية الوثنية أن السعادة تكمن في كبح جماح النفس وقمع الشهوات والتفرغ للعبادة وتصفية النفس. لذلك فإن البوذية تحث على الرهبنة والعزلة والتفكير التأملي من أجل تهذيب النفس عبر تمارين روحية وجسدية معينة. تقوم البوذية على فكرة الألم الذي لا ينفك عن الإنسان إلا بالعبادة (النيرفانا) حيث يحصل العابد على اللذة الروحية ويتمتع بالتأمل العميق. لقد أحرزت تعاليم بوذا شهرة واسعة على مستوى العالم وعلى مر القرون واستقطبت الفقراء لساحتها. لقد ترك بوذا بذور التصوف الذي يقضي بحرمان الذات من الملذات.
ول ديورانت وصف بعض قسمات التعليم عند بوذا فقال لقد "كانت وسيلة بوذا في نشر تعاليمه - شأنه في ذلك شأن سائر المعلمين في عصره - هي المحاورة والمحاضرة وضرب المثل ولما لم يدر في خلده قط - كما لم يدر في خلد سقراط أو المسيح - أن يدون مذهبه فقد لخصه في "عبارات مركزة" أريد بها أن يسهل وعيها على الذاكرة وهذه المحادثات - على الصورة التي احتفظ لنا بها الرواة من أتباعه - تصور تصويراً لا شعورياً أول شخصية واضحة الحدود والمعالم في التاريخ الهندي: رجل قوى الإرادة صادق الرواية مزهو بنفسه وديع المعاملة رقيق الكلام محسن إحسانا لا ينتهي عند حد معلوم ولم يدّع الوحي فما زعم قط للناس أن إلها كان يتكلم بلسانه وهو في جدله مع خصومه أكثر صبراً ومجاملة من أي معلم آخر ممن شهدت الإنسانية من المعلمين. كان يعيش رابطاً لما انحلت عراه مشجعاً لدوام الصداقة بين الأصدقاء مصلحاً ذات البين عند الخصوم محباً للسلام متحمساً للسلام متحدثاً بكلمات تهيئ للسلام "لقد كان مثل "المسيح" يود أن يرد السيئة بالحسنة والكراهية بالحب وإذا أُسيئ إليه في النقاش آثر الصمت" (بتصرف، ص 360- 363).
الأركان الأربعة لتعاليم بوذا هي:
كل الأشياء والخبرات تحوطها الصعوبات والاحباطات.
الشهوات من أسباب المعاناة.
الحل هو التخلص من الشهوات.
الخلاص لا يتحقق إلا بالالتزام بثمانية آداب وهي (العلم الصحيح- التطبيق-الكلام الحسن-التصرف السليم-الحياة الصحيحة-بذل الجهد-التفكير السليم-التركيز السليم) (Chew, 2002). ومن وصايا بوذا: لا تقتل ولا تزن ولا تسرق ولا تتناول مسكر.
لا شك أن الهند لها مآثر علمية كثيرة نقل ونهل منها المسلمون وغيرهم لمدة قرون. لقد نقل البيروني (ت 1048 م) اثنين وعشرين كتابًا من تراث الهند العلمي إلى اللغة العربية وكان يحيط بعلوم الهند، ولغتها، وعرف ما عندهم من العلم والمعرفة، واطلع على كتبهم في العلوم والرياضيات، ودرس جغرافية الهند وصف البيروني في كتابة تحقيق ما للهند من قولة مقبولة في العقل أو مرذولة ثقافة الهند فأشار إلى أن كتبهم في العلوم منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم وقد قصدوا بذلك المحافظة عليها ليسهل حفظها فإن تعويلهم على المحفوظ دون المكتوب، ومعلوم أن النظم لا يخلو من شوب التكلف لتسوية الأوزان وتصحيح الانكسار وجبر النقصان، ويحوج إلى تكثير العبارات" (انظر ص 7، ص 58). وذكر البيروني أنَّ أكثر كتب الهند "شلوكات" أي تسير على وزن منظوم (شوقي، 1990 م، ص 33) وعاب البيروني التكلف الذي اعترى المنظومات الهندية لأنها عسَّرت عملية الفهم والترجمة. البيروني مؤرخ وجغرافي وفلكي ورياضي وفيزيائي قال عنه المستشرق سخاو: "إن البيروني أكبر عقلية في التاريخ"، وبلغ من تقدير الهيئات العلمية لجهوده أن أصدرت أكاديمية العلوم السوفيتية في سنة (1370هـ= 1950م) مجلدًا تذكاريًا عنه بمناسبة مرور ألف سنة على مولده، وكذلك فعلت الهند (تمام، 2002 م).
من المعروف أن كتاب كَليلَةَ ودِمْنَة أصله هندي وهو كتاب يهتم بإصلاح النُّفوس وضعه الفيلسوف الهندي "بيدبا" للحاكم في زمنه وهو كتاب حافل بالحِكم المروية على لسان الحيوانات والطِّيور مما يدل على تنويع فنون التعليم في بلاد الهند كما يدل على معرفتهم التربية السياسية وضرورة التوعية الجماهيرية.
إذا أردنا أن نذكر بعض ملامح التربية في الحضارة الهندية فإننا نجدها:
أعطت اهتماماً كبيراً للتربية الروحية والأخلاقية والاجتماعية.
اعتنت في مناهجها التعليمية بالفلسفة والرياضيات والطب ودراسة النجوم.
أعطت المعلم مكانة رفيعة.
خضعت المرأة لسلطان الرجل تماماً ولم تنل حق التعلم.
أولت التربية بالترغيب عناية كبيرة مما عزز مفهوم تقدير السلام والتسامح.
استخدمت الحضارة الهندية الشِّعر في التعليم (جلال، 1990م، ص 33 ) لأنه أسهل في الحفظ مما يدل على أن تاريخ المنظومات التعليمية ضارب في القِدم.
نشرت أفكار الزهد وإنكار الذات وهجر الملذات مما أضعف النظرة الإيجابية نحو تعمير الحياة. كما انتشرت الخرافات في جميع طبقات المجتمع فشاعت فكرة تناسخ الأرواح، وحرق الأموات، والتسليم للسحر، والإيمان بعدد كبير من الأرباب. لا ريب أنَّ مثل هذه المعتقدات من أهم المعوقات للعقل البشري، والمنهج العلمي، والتوحيد الديني.
المجتمع الهندي القديم مجتمع محافظ شديد الاعتزاز بتقاليده وطقوسه الدينية مما يدل على تربية دينية مكثفة وصارمة.
أُهملت طبقة العبيد وعاشوا في منزلة وضيعة لأداء المهن الشاقة وعلى نقيض ذلك كان وضع الكهان والأثرياء.
إن الحضارة الإسلامية من أقل الحضارات عمراً، وأعمقها أثراً، وأكثرها تميزاً.
كانت العلوم في الجاهلية بسيطة معدودة في موضوعاتها، محدودة في محتواها فلقد عرف العرب في الجاهلية ثلاثة أنواع من العلوم:
أحدها: علم الأنساب، والتواريخ، والأديان، ويعدونه نوعا شريفا،
وأما النوع الثاني من العلوم: فهو علم الرؤيا، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ممن يعبر الرؤيا في الجاهلية ويصيب، فيرجعون إليه.
وأما النوع الثالث: فهو علم الأنواء، وذلك مما يتولاه الكهنة، والقافة منهم[6]. والقيافة تعني قدرة فائقة على الاستنتاج وتتبع الآثار.
عاش العرب قبل الإسلام في جاهلية وتفرق سياسي وضياع ديني ورغم ذلك فإنهم عرفوا بعض الأخلاق الكريمة مثل الشجاعة والكرم والنخوة وجاء الإسلام فغير حياتهم تماماً وصاغ منهم أمة ذات سيادة ورسالة.
لم تهدف الرسالة الإسلامية إلى تكوين المواطن الصالح الذي يحمي بلده ويتحلى بمحاسن الأخلاق في تعامله مع قومه فقط ولكنها سعت إلى إعداد الإنسان المصلح الذي ينفع أمته ويفيد الإنسانية ويُخالق الناس بخلق حسن أينما كان. قَالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار). وفي رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد أيضاً "عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ أَوْ أَيْنَمَا كُنْتَ قَالَ زِدْنِي قَالَ أَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا قَالَ زِدْنِي قَالَ خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ". المسلم يحمل عقيدته في خافقه ويطبق تعاليم دينه في واقعه.
من هنا تنفرد الحضارة الإسلامية في كونها رسالة عالمية ليست إقليمية، وأنها رسالة خالدة ليست خاصة بزمن معين وإن المبادئ السامية التي نادى بها الرسول صلى الله عليه وسلم تم تطبيقها فعلا ولم تكن نظريات حالمة خياليه خاوية. وهو الأمر التي جعل الباحث الأمريكي مايكل هارت (Hart, 1992) يقرر بعد دراسة مستفيضة لتاريخ الأنبياء والعظماء في العالم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعظم شخصية على الإطلاق في التاريخ البشري لأنه نجح عملياً في تطبيق أهدافه على المستويين الديني والدنيوي. الإسلام دين الوسطية "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {201} أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {202}" (سورة البقرة).
قراءة التاريخ من خلال الكتب الموثوقة تدل على أن قواعد التربية الإسلامية إنما ترسخت في العهد النبوي وعهد الراشدين من بعده ثم عهد التابعين وأتباع التابعين. في تلك القرون الفاضلة تم ترجمة أخلاق القرآن الكريم إلى واقع إجرائي صبغ الحياة الأسرية والمجتمعية. مارس الناس معاني الأخوة والمساواة والعدالة ومع ذلك كله لم يكن مجتمعاً ملائكياً خيالياً خالياً من الممارسات الخاطئة. لقد نجح المجتمع المؤمن في أن يحقق في واقعه معاني الأخلاق الفاضلة عقيدة وشريعة.
بدأ التاريخ الإسلامي الرسمي "بالهجرة النبوية المباركة لقوله تعالى: "لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ" (سورة التوبة: 108) "وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبد النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه آمناً، وابتدأ بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم (العسقلاني في الفتح، كتاب المناقب).
كان المعلمون لمدة قرون يستلهمون مبادئ الإسلام في عملهم التربوي سواء في المساجد أو المدارس أو الجامعات. كان التعليم يعتمد على تحرير العقل من الخرافات والبدع والأوهام فلم تعد الأساطير والكهانة والتنجيم إلا محرمات تهين العقل المسلم الذي كان يحاربها لصيانة العقل والدين من الانحطاط. علوم القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية من أهم العلوم التي يستهل الطفل بالتعرف عليها وكلما زاد حظه وحفظه من تلك العلوم كلما زادت مكانته في المجتمع.
التاريخ الإسلامي فيه فيض من الشواهد التي تدل على أن التعليم كان مفتوحاً للجميع حتى للموالي ويصل إليه من حرص عليه بل التسامح الديني جعل غير المسلمين يتوجهون إلى المدن الإسلامية ليتعلموا فيها من غير خوف. الحرية في اختيار التخصص والمعلم كان من سمات التعليم العالي في كثير من الحواضر الإسلامية وعُرف المسلمون بحبهم للعلوم مثل الكيمياء والحساب والجبر والجغرافيا والطب ومارسوا حرية الاجتهاد وشجعوا العلماء مما دفع العلماء إلى مزيد من الاكتشافات العلمية.
إن التربية الإسلامية أسهمت إسهاما عظيما في جعل التعليم للجميع ودون مقابل لأن المسلمين شجعوا الصبيان والبنات على التعلم وقبلوا المعلم دون النظر إلى لون بشرته وفتحوا المكتبات لأكبر عدد من أفراد المجتمع. ولقد ذهل ول ديورانت - المؤرخ الأمريكي المشهور - عندما وجد أن الكثير من العبيد والفقراء نالواً قسطاً كبيراً من التعليم.
كان العصر النبوي -وهو خير العصور قاطبة- مرحلة تحرير شامل بكل المعاني حيث كانت الغاية العلمية تتمثل في حفظ ما يتيسر من سور القرآن وتطبيق أوامره ثم جاء عصر الراشدين وكان التعليم يركز على العلم والعمل كما كان في العصر النبوي وكانت الكتاتيب قد أخذت في الانتشار وبدأ طلاب العلم ينهلون من علم الصحابة رضي الله عنهم وقام الوعاظ والقصاص بدور التثقيف الجماهيري. كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يُدرِّس في داره مجموعة من العلوم الشرعية ويتقاطر الناس عليه من كل صوب وحدب وما أن ينتهي من درس في القرآن حتى يقوم الطلاب ويدخل عليه من يريد طلب علم الحديث ثم يبدأ بعلم آخر وهكذا مرة بعد أخرى.
كان بعض طلاب الصحابة يعتنون بتدوين العلم الذي يأخذونه من الصحابة فهذا همام بن منبه يدون ما يسمعه من أبي هريرة رضي الله عنه. ثم في عصر الخلافة الأموية بدأت كتب الحديث الواسعة تأخذ طريقها وبدأ التدوين الرسمي للأحاديث النبوية وجمع ما تفرق في كتب موسوعية. في الخلافة العباسية وبعد أن اتسعت الخلافة الإسلامية اتساعاً كبيراً بدأت تتسع حركة الترجمة في علوم شتى وبدأت المكتبات الصغيرة في السابق تأخذ طابع المؤسسات التعليمية الكبيرة فكثرت وتنوعت أنشطتها الثقافية من نسخ للكتب وترجمة للعلوم. اتسعت مجالس العلم وبدأت الحياة المدنية تستلزم وجود المدارس والمعاهد العالية للتعليم.
كانت الحياة التربوية والتعليمية تعتمد أساساً على الأسرة والمسجد والكُتاب ومجالس العلم في الجوامع كوسائط تعليمية. التعليم بالمشافهة ونسخ الكتب أساس التدريس في تلك الفترة. وفي هذه الفترة توسعت الدولة الإسلامية وبدأ الاحتكاك الثقافي والانفتاح الفكري بحسناته وسيئاته يلعب دوراً في صياغة التراث الإسلامي مع ظهور سيل من المعلومات التي كانت بحاجة إلى نقد وتنظيم وتطوير. المناظرات العلمية الساخنة سمة من السمات الهامة في تلك الأزمنة. وبلغت الحركة الأدبية عصرها الذهبي بسبب اهتمام الأمراء بإبداعات الشعراء وسائر الأدباء.
في أفياء الحضارة الإسلامية صار التعليم للجميع بعد أن كان حلما للفقراء وحكرا على الأغنياء. لقد كانت القراءة والكتابة عند معظم شعوب الأرض مقصورة على الكهنة ورجال الدين وطبقة الأشراف. تميز التعليم في ظل حضارتنا بأنه استغل المسجد استغلالا واضحا في تهذيب العامة كما ساهم الوعاظ والقصاص بدور هام في تثقيف الناس. ساد الأمن العام في العالم الإسلامي فقام العلماء والمحدثون والأدباء والشعراء بالرحلة العلمية كوسيلة من وسائل التعلم والتعليم وكان الحج موسما ثقافيا ونافذة إعلامية ترشد العباد والطلاب إلى المشايخ والعلماء.
حفظ التاريخ لنا أدلة وافرة تدل على أن الديار الإسلامية عرفت مراكز علمية عريقة سبقت الجامعات الغربية بقرون في ميدان البحث الأكاديمي مثل الجامع الأزهر والمدرسة النظامية وجامع القيروان. كان الخريج يحوز على الإجازة وهي تعني سماح العالم لتلميذه بممارسة العمل كمتخصص والإجازة كانت لها قيمة اجتماعية ومهنية كبيرة جدا في المجتمع المسلم الذي يقدر التخصص. كان الطالب الذي يرغب في الجلوس للتدريس في الأزهر يمتحن أمام لجنة من ستة من كبار العلماء، ويكون الامتحان في أحد عشر علمًا وهي: التفسير، والحديث، والتوحيد، والفقه، وأصوله، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق. يجب أن يشهد للطالب ثمانية من مشايخه على أقل تقدير بأنه جدير بالالتحاق بهيئة التدريس، ويحدد له درس في كل فن من الفنون يتولى إعداده، ثم يقوم بعرضه أمام اللجنة المشكلة لاختباره، وعليه أن يقنع الحاضرين بأنه متمكن، فإذا أجاب في كل فن منح تقديرًا من الدرجة الأولى، وإذا أجاب في أكثر الفنون نال تقديرًا من الدرجة الثانية، وإذا أجاب في أقل من ذلك منح تقديرًا من الدرجة الثالثة وكان أغلبية الناجحين من أصحاب الدرجة الثالثة (تمام، 2002 م).
كان نظام التعليم يراعي الفروق الفردية ويشجع على المناقشة العلمية والمناظرة الفكرية ولعل أهم ما يلفت نظر الباحثين مدى عناية العلماء المسلمين في كل القرون على التركيز على موضوعات أساسية مثل إخلاص النية في التعلم وضرورة العمل بالعلم وأهمية احترام العالم وأخلاقيات العلماء كما نجده مبسوطا في كتب الغزالي وكتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر القرطبي المتوفى سنة 733 هـ والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ.
إن فلسفة التعليم في الإسلام تقوم على قاعدة ذهبية قوامها أن العلم عبادة عظيمة تستلزم العمل الصالح وأن علوم الدنيا والدين إذا وقع فيهما تقصير يضر المسلمين فإن المجتمع المسلم كله يقع عليه اللوم حتى تقوم طائفة مسلمة بسد الثغرات وتصوب العثرات من خلال التخصص بذلك العلم.
إن تقسيم العلماء للعلوم إلى فروض كفائية وعينية يدل على أن هدف التربية من الناحية الاجتماعية هو سد حاجات المجتمع المسلم أما الاجتهاد فمن دلالاته التربوية أنه يهتم بنقل تراث السابقين دون تقديس فيقوم الباحث بفحص النصوص وتجديد التراث في ظل الضوابط الاجتهادية. فالاجتهاد نقل ونقد للأفكار وفق مبادئ عقلية تستند للقرآن والسنة. تلك هي بعض معالم تاريخ التربية الإسلامية وأهدافها.
وفي إطار الحديث عن الحضارة الإسلامية فإننا لا بد أن نشير إلى التحرير الحقيقي للمرأة حيث نالت المرأة حقوقها الإنسانية فبرزت في ميادين علمية وعملية كثيرة. تتمثل أهم إسهامات المرأة المسلمة لحقل التَّعليم في النقاط التالية:
كانت الوظيفة الكبرى للمرأة المسلمة تربية ورعاية أطفالها على منهاج الإسلام فخرَّجت جيل من الأفذاذ.
تشرَّفت بالمشاركة في نقل القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المطهرة.
عملت في مهنة التَّدريس وإصدار الشَّهادات "الإجازة".
قامت أيضاً ببناء الْمَدَاَرِس من مالها الخاص قبل - نساء العالم بقرون طويلة - وذلك أنَّها من قبل أكثر من ألف سنة إلى الآن لا سلطان لأحد على مالها.
قامت المرأة المُسلمة ببناء الخوانق والرِبط لمساندة الأرامل والمطلقات.
كانت المرأة المسلمة العالمة تمارس حق الاحتساب في مجتمعها.
من جانب آخر كانت هناك فترات تاريخية مظلمة ساد فيها الجهل والقهر والاستبداد والتقليد والتعصب المذهبي والعرقي حتى أغلق باب الاجتهاد وأصبح الحكام يطاردون بعض العلماء ويرغموهم على تغيير أفكارهم تارة بالتهديد وأخرى بالسجن وأحيانا بالتنكيل والتعذيب كما حدث للإمام أحمد والبويطي وغيرهما. وجد الفكر الخرافي مرتعاً خصباً في بعض المدارس والمساجد وعند الأضرحة وفي الزوايا والربط والخوانق والتكايا والمكتبات وفي قصور السلاطين ومجالس الصالحين وأصبح هم العقل المسلم رواية قصص خيالية تقود إلى إقرار المظالم وقبول التواكل وكانت أسماء أهل الصلاح تتصدر أسانيد القصص وتحكي عن بطولات زائفة وكرامات مُخدرة لا تدفع إلى العمل بل تمجد التواكل والتطرف الديني ومازلنا نعاني من آثار هذه الثقافة السلبية. تأخر وتخلف الأمم يعود لعدة أسباب وعلى رأسها غياب الفهم الحقيقي لرسالتها.
يخبرنا التاريخ أن الأمة المسلمة كلما تمسكت بدينها تقدمت، وكلما فرطت سقطت.
عاش الغرب من القرن الخامس الميلادي تقريباً إلى القرن الرابع عشر في ظلام دامس وغاب العقل عن واقع الحياة إلا في أحوال نادرة ومحاولات متفرقة. سيطر رجال الدين النصارى على حياة الناس فصادروا حرية التفكير والتعبير وأثقلوا المجتمع بدفع المبالغ الباهظة للكنيسة حتى يشتروا الجنة وأعطوا العامة صكوك الغفران.
من قسمات التربية الغربية:
1-التركيز على أخلاق المعلم وعلى مفهوم العدل- الحكمة – العفة- والشجاعة- ضبط النفس- الاعتدال .(Lewis, 1998) المعلم يجب أن يكون مالكا لزمام هذه الصفات متحليا بها في عمله.
2-سيطر رجال الدين على مقاليد الأمور كلها وعلى رأسها الشئون السياسية.
3-احتكار حق مطالعة الكتب على طائفة رجال الدين وعدم تشجيع العلماء والبحث العلمي مما سبب الضمور العلمي. من أقوال القديس أوغسطين في مدح الجهل وتسويغه للعامة "إن الجهلاء هم الذين يحظون بملكوت السماء" (عبدالدايم، 1997 م، ص111). قال مصطفي سيريتش رئيس علماء البوسنة: "في القرن السادس عشر كان "نستراداموس" في باريس يحاول إقناع الكنيسة بمعالجة المرضى عن طريق الطب الطبيعي بدل الخرافات والأساطير[7]". في هذه الفترة قام خسرو بك المجاهد المسلم ببناء جامع ومدرسة ومكتبة الغازي خسرو بك وغيرها من المعالم والأوقاف سنة 1537 م في البلقان وقال "ليدرس في هذه المدرسة ما يتطلبه الزمان والمكان". وهذه كلمات قليلة ولكنها تجسد حكمة إسلامية عميقة جداً.
4-الإيمان بالخرافات والتبرك والتمسح بالصور والصليب والتماثيل وتفسير الأمراض المزمنة على أنها مس شيطاني فقاموا بتعذيب المريض أو تقييده وحبسه.
5-فكرة الخطيئة الأولى وعقدة الذنب ولدت عند البعض الشعور بأن الإنسان شرير وأوجدت فكرة المُخلص الذي يضحي بنفسه لإنقاذ البشرية أي الإيمان بعيسى كإله منقذ.
6-احتقار المرأة وسلب حقوقها المادية والإنسانية. تومس الأكويني من أبرز علماء اللاهوت في القرن الثالث عشر الميلادي لم يكن خيراً من الفيلسوف اليوناني أرسطو في نظرته للمرأة كما أشار المؤرخ الشهير ول ديورانت حيث يقول "ولم يكن تومس خيراً من أرسطو في نظرته إلى المرأة وفي تحميلها تبعة الخطيئة الأولى بل جمع فيها رذائل الأولين والآخرين واعتقد أن الطبيعة ترغب على الدوام في إنجاب الذكور فإذا غلطت أو وهنت قوة التلقيح عند الأب ولدت الأنثى ولهذا فالرجل أشبه بالله من المرأة وعليها أن تخضع له وتسلم له بالسيادة والقيادة في كل ميادين الحياة ولو لم تكن موضع شهوة الرجل لم تكن الحياة في حاجته إليها". من الحِكم العريقة قولهم "فتش عن المرأة" لأن المرأة شر كلها وهي مصدر الشقاء.
7-تشجيع الاهتمام بالأدب والقانون وقام بعض العلماء وخاصة في القرن الثاني عشر والثالث عشر بترجمة تراث اليونان وبعض الكتابات العربية مثل كتب الرازي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد الفلسفية والطبية.
8- تشجيع الحملات العسكرية الصليبية المتكررة للسيطرة على خيرات الشرق المادية والجغرافية مما جعل الكنيسة تحاول تربية الغرب النصراني على ضرورة غزو البلاد الإسلامية من أجل تحرير المقدسات.
9- تشويه التاريخ الإسلامي وإلى الآن لم يستطع الغرب أن يتحرر من سذاجة أحقاده التاريخية على المستوى الأكاديمي العام والإعلامي الواسع. معظم الكتب الغربية الكلاسيكية إذا تعرضت للإسلام فإنها تلحق به أسوأ الأكاذيب. من يقرأ لفولتير أو لدانتي فإنه سوف يجد حقا مدى حقد الغرب على كل ما يسمى دين وخاصة الدين الإسلامي وحتى شكسبير كان يؤمن بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خدع العرب البسطاء من خلال تدريب حمامة تنقر في أذنه.
10- يحدثنا ول ديورانت عن حياة الطلاب قديماً فيقول "لم تكن سن طالب العصور الوسطى محددة فقد يكون في أي سن وقد يكون قساً أو راهباً ممتازاً أو رئيس دير أو تاجراً وقد يكون متزوجاً أو غلاماً في الثالثة عشر من عمره يثقله عبء الكرامة المفاجئة التي ألقيت عليه في هذه السن. وكان هذا الطالب يذهب إلى بولونيا أو أورليان أو منبلييه ليصبح محامياً أو طبيباً أو يذهب إلى غير هذه من الجامعات في بعض الأحوال لكي يأهل نفسه لخدمة الحكومة أو يجد لنفسه في العادة مجالاً في الكنيسة. ولم يكن يؤدي امتحاناً للدخول في الجامعة بل كل ما كان يطلب إليه أن يعرف اللغة اللاتينية وأن يكون دفع مبلغ زهيد لكل مدرس يدرس منهجه عليه. فإذا كان فقيراً فإنه قد يستعين على ذلك بمنحة دراسية أو بمعونة تسديها إليه قريته أو كنيسته. وكانت هناك آلاف من هذه الحالات" (ص 3914، باختصار).
11-كانت النخبة المثقفة تتلقف ثمار الفكر الإسلامي في الأندلس. ورد في وثيقة قديمة أن "المسيحيين يعجبون بقصائد العرب وقصصهم وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردوا عليها ويكذبوها بل ليتعلموا الأساليب العربية الصحيحة الأنيقة... واحسرتاه! إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة غير علوم العرب آدابهم ولغتهم فهم يقبلون في نهم على دراسة كتب العرب ويملئون بها مكتباتهم، وينفقون في سبيل جمعها أموالاً طائلة وهم أينما كانوا يتغنون بمديح علوم العرب" (ديورانت، 2002 م، ص 3075).
12- حركة الاكتشاف العلمي في الغرب لها عدة أسباب من أهمها تأسيس المجامع العلمية في أواسط القرن السابع عشر مثل الجمعية الملكية في لندن (1661 م) والأكاديمية الملكية للعلوم (1666 م). شيدت هذه المؤسسات منذ بادئ الأمر لنشر العلم على نطاق واسع ولضمان دعم الدولة مالياً. لعبت الجامعات العريقة مثل جامعة أكسفورد وكيمبرج في انجلترا دوراً فكرياً كبيراً منذ القرن الثاني عشر إلى هذا اليوم.
13- استفادت البشرية كلها من ثمار العلم في الغرب – رغم السلبيات الضخمة - فالتحصين ضد الأمراض جنب ملايين البشر من كوارث طالما حصدت وأعاقت ملايين البشر عبر القرون. يقول النَّدوي[8] (1987 م) وهو يقارن بين التراث الإسلامي وبين تراث الغرب إن كتب المسلمين في الطَّبيعيات والكونيات والتَّجارب العِلْمِيَّة، وإن كانت مما استفادت منها أوربا في نهضتها "وأقرَّت بقيمتها، إلا أنَّها تتضاءل جداً أمام هذه المكتبة الهائلة الزَّاخرة التي أنتجتها أوربا في القرنين السَّابع عشر والثَّامن عشر فقط، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشَّرق، فإنَّها لا تعد شيئاً بجانب الإنتاج الغربي الضَّخم في العلم والحِكمة والتَّجربة والاختبار، لا في الكميَّة ولا في الإبداع ولا في الابتكار، ولا في التَّدقيق العلمي ولا في الإتّقان الفنَّي" (ص 194).
منذ القرن الخامس عشر بدأت أصوات الأحرار من المفكرين والأدباء والفنانين ترتفع وهي تطالب برفض الهيمنة التامة للكنيسة على شئون الحياة. نجح الراهب الألماني مارتن لوثر (1483-1546) في تكوين حركة إصلاحية ثورية ضد روما تبيح الطلاق وتطالب الرهبان بالزواج وعدم أكل أموال الناس بالباطل…
لمدة قرون طويلة جرت معارك دامية بين النصارى في أوربا بسبب التشدد الديني ولا شك أن تلك المعارك ساهمت في تحديد نوعية ومناخ التعليم حينذاك. ومِن أفعال الجور التي قام بها البروتستانت في حق فرقة الكاثولك أنهم قرروا أكثر من مائة قانون كلها خلاف العدل والرحمة، ومن هذه القوانين الجائرة:
[1] لا يرث الكاثولك تركة أبويه.
[2] لا يشتري واحد منهم أرضاً بعد ما يجاوز عمره ثماني عشر سنة إلا أن يصير بروتستانت.
[3] لا يشتغل أحد منهم بالتعليم ومن خالف هذا الحكم يحبس دائماً.
[4] إن أرسل أحد منهم ولده خارج إنكلترا للتعليم، يقتل هو وولده ويسلب أمواله ومواشيه كلها[9].
مما سبق لا نستغرب من أن معظم النصارى في الأندلس كانوا يقدرون تسامح المسلمين أو على حد تعبير ول ديورانت "وكثيراً ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين" (ص 3075).
كان عصر النهضة ثورة تقدمية على معظم النظريات التقليدية التي توارثها الغرب من العصور الوسطى التي أطلق عليها فيما بعد بعصور الظلام إلا أن الشك والتحرر من تراثهم فيما يتصل بالإسلام ظل في عصر النهضة إلى الآن هو المهيمن اللهم ما شذ من دراسات منصفة إلى حد ما في بعض اطروحاتها مثل بعض نظرات توماس كارليل قديما وجون اسبوزيتو حديثا.
أثر تراث الإغريق والرومان تأثيرا عميقا في بناء الحضارة الغربية الحديثة ومازالت أفكار أرسطو ومن قبله أفلاطون وغيرهما محل اهتمام فلاسفة الغرب بعد أن أزاحوا الفكر النصراني الذي كان يركز على إعداد الرجل المسيحي المهذب Christian Gentleman . لأول مرة في الغرب النصراني بدأ الحديث عن المرأة كمواطنة لها مكانتها إذ أن التوراة تصفها بأنها أساس شقاء وسقوط الإنسان فزوجة آدم سبب الغواية وعقاب الله لها أن جعل كل نساء العالم منذ تلك الفترة إلى الأبد يشعرن بألم في المخاض فتنجبن الأولاد مع الآلام. ومن صور العقاب أن المرأة تميل للرجل مع أنه سوف يتسلط عليها لأنها سبب المعصية الأولى والخطيئة الكبرى وأساس الفساد[10]. هذه القصة التي جاءت في كتابهم المقدس (سفر التكوين ، الإصحاح الثالث رقم: 17) ما زال يؤمن بها كثير من اليهود والنصارى في حين أن الإسلام منذ اللحظة الأولى أكد على كرامة المرأة وعلى أنها شقيقة الرجل وأكد على أن آدم مع زوجته قد تاب الله عليهما ولم تكن الزوجة وحدها مسئولة عن المعصية الأولى.
لا شك أن الله كان يستطيع أن يعاقب آدم وزوجه بأي عقاب غير النزول من الجنة ولكنها حكمة الله جعلت البشر على هذه البسيطة وليست هناك خطيئة أولى تستدعي أن يحمل كل البشر كفل خطأ الأب كما يزعم علماء أهل الكتاب وعليه فإن فكرة المسيح المخلص الذي يضحي بنفسه من أجل البشرية لا تجد لها أي أهمية في الفكر الإسلامي لسبب واحد وهو أن ليس للإنسان إلا ما سعى وعمل وأنه "لا تزر وازرة وزر أخرى" فإذا كانت القصة في مجملها متشابه في الأديان السماوية فإن مضمونها وانعكاساتها مختلفة تماما في القرآن الكريم مقارنة بالتوراة Esposito, 1991, p. 29)).
بدأ عصر النهضة الغربية في القرن الرابع عشر إلى السادس عشر أما عهد الإصلاح فبدأ من القرن السادس عشر خاصة في إيطاليا التي قامت بإحياء علوم الإغريق والرومان. في عصر الإصلاح بدأت فكرة التعليم الإلزامي في المرحلة الابتدائية. ركز جون لوك (1632- 1704) على مفهوم أهمية التعليم للطفل وأن عقله كالصفحة البيضاء ينقش التعليم فيه ما يريد وأن الحواس أساس المعرفة ومن جانب آخر أكد على أهمية التربية البدنية أما جان جاك روسو (1712- 1778 م) فآمن أن الإنسان طيب بطبعه خير بفطرته وأن المجتمع يلوث تلك الطبيعة السليمة للفرد. وبما أن الإنسان يولد فاضلا فعلى التعليم الحفاظ على صلاح الإنسان من خلال إتاحة الفرصة له لينسجم مع الطبيعة وعليه فالمربي يجب أن يبذل جهده ليعين المتعلم الصغير لينمي طبائعه الخيرة.
فرانسيس بيكون (1561-1626م)، الفيلسوف الإنجليزي من أشهر من أثر في بناء العقلية التجريبية الجديدة الجادة عملياً في الثقافة الغربية وهو فيلسوف إنجليزي يعتبر من أهم مؤسسي المنهج التجريبي في الغرب حيث ركز على أسس الاستقراء العلمي وهو امتداد فكري لمنهج الفيلسوف الإنجليزي روجر بيكون (حوالي 1214 -1294م) في تركيزه على البحث العلمي وأهمية التجارب. ناقش فرانسيس بيكون مواطن الخلل في الفكر البشري (انظر الموسوعة العربية الميسرة، 2001 م، ج2، ص 644) وذكر أربعة أوهام وهي:
أوهام الجنس المتأثرة بفطرة الإنسان وتكوينه القابل للزلل.
أوهام الكهف الناشئة عن سوء التنشئة الاجتماعية.
أوهام السوق وتنتج عن سوء استعمال اللغة في التفاهم والتعامل.
أوهام المسرح الناتجة عن تمجيد فكر الأقدمين والتسليم المطلق لعلم السابقين.
شدد ول ديورانت في قصة الحضارة على أن روجر بيكون كان يعترف أنه استفاد من المسلمين "الكفرة" (ص 4018) خاصة في مضمار التجربة والمنطق. حدد بيكون هدف التربية بأنه زيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة وساند النزعة الشكية فيما يتعلق بتعلم كل معرفة سابقة وعليه فإن تطهير العقل وتحرير النفس من المفاهيم السابقة هي أول مرحلة جادة في التعلم (شربل، 1991، ص 66). اصطدم بيكون بالكنيسة الكاثوليكية فقلَّت شعبيته لدى المتدينين ولكن أفكاره الجدلية تركت أثراً عميقاً فيهم حتى سارت أوربا نحو تطوير أفكاره لفهم الكون والبحث عن الحقيقة عبر الملاحظة والتجربة ومازالت تقطع في هذا المضمار شوطا كبيراً. وهكذا بدأت المسيرة العلمية في أوربا بتحدي سلطة الكنيسة ورفع وصايتها الدينية ليقوم العقل برحلة حضارية واسعة لمعرفة السنن الكونية ولاستخراج الثروات.
رفض فرانسيس بيكون المنهج الفكري الكلاسيكي للعصور الوسطي واعتبره كومة من الأوهام وطالب بتبني المنهج العلمي الذي يعتمد على الملاحظة وعلى التوصل للنتائج من خلال مقدمات مُسبقة ومُسلّم بها وهو الأسلوب الذي أوصل العلوم الطبيعية إلى الازدهار الحالي. لقد انعكست آثار هذه الدعوة على ذهن المفكرين في ميدان التعليم والبحث فأخذوا يطالبون بضرورة تبني المنهج الاستقرائي في التفكير إضافة إلى الاعتناء بالتجربة.
دخل بيكون كلية كمبردج وعمره 13 سنة وخرج منها وعمره 16 سنة "بدون أن ينال شهادة منها غير مرتاح إلى دروسها ثم ساح في فرنسا ودخل بعدها إلى مدرسة (جريزران) لدراسة الحقوق فأظهر فيها براعة فائقة ودخل المحاماة فلم ينجح فيها لاشتغال فكره بما هو أهم في نظره من ذلك وانصراف قواه إلى تحقيق أمل بعيد وهو تجديد العلوم وتمحيصها بحذف الخرافات والخزعبلات منها. نشر بيكون كتبه يقصد بها أن يؤسس أسلوباً عملياً يخلف الأساليب القولية الكلامية ويقع من العقول موقع منطق أرسطو فكانت كتبه طريقاً لعظمة بيكون العلمية بنهجه للعلم منهجاً جديداً وإقعاده إياه على أساس التجارب والمشاهدات وكان تأثيره على العقول والمدارك كبيراً لدرجة اعتبر معها بيكون واضعاً حداً بين العهد القديم للعلم وعهده الجديد الذي خلص فيه من أوضار الأوهام وأدران الأحلام" (الموسوعة العربية، باختصار وتصرف).
يقول عبدالحليم الجندي "وجاء فرانسيس بيكون ليعلن ما تنسبه إليه أوربا من طريقة التجربة والاستخلاص التي اتبعها المسلمون من سنة 620 م وطبقها جابر بن حيان في العلوم التطبيقية وتبعه الفلكيون والرياضيون والمهندسون والأطباء والصيادلة. وهي كلها نابعة من أصول الفقه الإسلامي" (ص 18).
جاء الفيلسوف الألماني جون فريدريك هربرت في القرن التاسع عشر (1776- 1841 م) (Johann Friedrich Herbart) ليطور عملية إعداد المعلم من خلال التركيز على أهمية إعداد المعلم للدرس وشرح طريقة الإلقاء وضرورة ربط المعلومات القديمة بالجديدة وانتبه إلى أهمية التعميمات والاستنتاجات في فهم الدرس ولا شك أن المعلمين اليوم مازالوا بطريقة أو بأخرى يستخدمون تلك الخطوات. ولا عجب بعد ذلك أن يطلق بعض المربين على هربارت لقب "أبو المعلمين" (The Father of teachers) ولقب بمؤسس علم التدريس الحديث:
The founder of modern scientific pedagogy.
لقد نجح هربرت في ربط التربية بعلم النفس من خلال التركيز على سيكولوجية التعلم إذ أنه يرى أن المعلومة الجديدة لها صلة بالقديمة حينما تصبح عملية التعليم مؤثرة. استحدث هربارت طريقة إعداد الدروس من خطوات معروفة من قبل ولكنه نظمها وطبقها وهذه الخطوات أضاف لها بستالوزي المرحلة الأخيرة (صبح، 1993، ص 68) فصارت تشمل:
المقدمة: نشاط استهلالي.
الشرح: عرض المادة العلمية بصورة منظمة ومنطقية.
الربط والمقارنة: يربط ويقارن المعلومات الجديدة بالقديمة.
الاستنتاج والتعميم: التعرف على المزيد من الأمثلة لاستخلاص الحقائق منها.
التطبيق: تقيم الممارسة والتأكد من فهم المادة العلمية من خلال حل مشكلات مشابهة لموضوع الدرس.
وإذا كان "أبو المعلمين" قد ساهم في ربط التربية بعلم النفس فإن الأب الروحي لمدارس رياض الأطفال فروبل الألماني (1782-1852) (The Father of the Kindergarten) أكد على حرية الطفل في اللعب وأهمية مدارس رياض الأطفال لانطلاقة الطفل نحو الإبداع والتعلم الجماعي. اهتم بإسعاد الطفل كمتعلم وطالب بالاعتناء به جسدياً مع التركيز على أهمية الموسيقى في منهج رياض الأطفال.
العالم كله يتذكر فروبل كلما شاهد الأطفال يذهبون إلى مدارس الرياض فرغم اهتمام رجال التربية بالطفل فإنهم يعترفون بأن فروبل نجح في تطبيق آراء تربوية في حياة الأطفال بشكل متميز ومؤثر إلى العصر الحديث.
في الثلاثينات من القرن التاسع عشر نادى هورس مان في أمريكا بضرورة توفير التعليم الابتدائي المجاني على مستوى الدولة استناداً للدستور وأيضاً طالب بإعداد المعلمين وتدريبهم فلا يصلح المعلم أن يكون خريجاً من الثانوية بل عليه أن يلتحق ببرامج خاصة بإعداد المعلمين. في الميدان النقابي في عام 1875م ظهرت في أمريكا أول محاولات تأسيس نقابة للمعلمين تطالب بزيادة رواتب المعلمين والمزيد من المزايا التي من شأنها دعم المسيرة التعليمية وجذب الكوادر الجيدة لها. ثم في بداية القرن العشرين بدأت المرأة تدخل ميدان التدريس بأعداد كبيرة ورغم النظرة الدونية لها إلا أنها كانت أفضل من وضع النساء العاملات في المصانع.
ومن جانب الفلسفة والفكر فإن العديد من العلماء ساهموا في إرساء قواعد البناء الحضاري في الغرب مثل الألماني ماركر تشلر Shleier Marcher الذي قدم منهجا يساعد في فهم النصوص القديمة وتفسيرها وهو ما يسمى بـ (Hermeneutic Method) (Howard, 1982, p.9) فهو مع مجموعة من الفلاسفة الألمان أخذوا يبحثون بعمق في مصادر المعرفة وكيفية فهم آثار السابقين والاستفادة منها.
من الأخطاء الفادحة للفكر الغربي أنه نظر للعلوم الاجتماعية نظرة مادية مختزلة بالكم ولقد ساهمت كتابات جون ستيوارت مل في تكريس فكرة تطبيق أساليب العلوم الطبيعية في مجال العلوم الاجتماعية (هوفمان، 2002 م، ص 103) رغم وجود الاختلافات الهائلة بين الميدانين. ومن هنا فإن العوامل الروحية قد ألغيت من حس الباحث في هذا المضمار فسادت فيه النزعة المادية التي تحجب العقل من استخراج الخيرات.
وجاء القرن العشرين فطرح ديوي فكرته عن الخبرة وأبرز دور المدارس في المجتمع والدور الديمقراطي للمجتمع فجمع الفلسفة والتربية بانسجام ووئام وأنزل الفلاسفة من برجهم العاجي إلى واقعهم اليومي. أما في ميدان علم النفس فإن العلماء مثل سكنر ومن قبله بافلوف وغيرهما قدموا دراسات هامة تؤكد على أهمية تعزيز السلوك الإيجابي بالثواب. أصبحت معظم جامعات العالم اليوم تنظر إلى الإنتاج الغربي في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية كدراسات أكاديمية جادة ساهمت في إثراء الفكر الإنساني وتفتيق مناهج بحث متنوعة وموضوعات متجددة رغم السلبيات التي صاحبت التطور الحديث الذي مازال يقفز قفزات مادية خيالية.
الكثير من المعلومات السابقة هي أساسيات في فهم جذور التربية الحديثة في الغرب كما يطرحها بعض الباحثين (Armstrong, Henson, & Savage, 1993) ولكن هذا الذي يدرس في الجامعات قد ينكره بعض الباحثين من أصحاب الجذور النصرانية إذ يرى د. دونلد هاورد (Howard , 1990) أن التعليم وفي أمريكا على وجه الخصوص انطلق من الإسهامات الدينية لرجال الدين إذ أن الجامعات تثبت فضل جهود رجال الدين وأن الإنجيل هو المنهج الرئيسي للدراسة حتى لدراسة القانون (P.16) يقرر هاورد أن التعليم في الغرب بدأ دينيا من القرن السادس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر وأن الانتكاسة بدأت عندما تسلط الفكر الراديكالي لكل من تشارلز دارون وكارل ماركس وفرويد .. فهؤلاء وغيرهم غيروا مجرى التعليم في الغرب من أصوله الدينية إلى اتجاهه اللاديني "العلماني" كما يقول هاورد.
وجاء القرن الثامن والتاسع عشر ليشدد المحتل قبضته على أراضي الآخرين فطبق الغرب النصراني نظرياته وأخذ يسخر كل مخترعاته التكنولوجية وطاقاته العلمية للسيطرة على المستضعفين فتحركت الجيوش الجرارة لاكتساح الشرق فتسابقت جيوش أوربا لتمزيق الدول الشرقية ولسحق الشعوب الضعيفة. قامت مدارس التبشير كما يسمونها بتدمير كل قيم الحرية في الأمم التي تم احتلالها مع استمرار سلب الخيرات فتعطلت كل الطاقات التعليمية. لم تهدف سياسة التعليم في تلك المدارس إلى تنصير المسلمين فهذا شرف لا يستحقه المسلم كما قال كبيرهم زويمر. كانوا يريدون تحويل المسلم إلى مخلوق ممسوخ لا صلة له بخالقه ولا يستخدم الدين في محاربة الاحتلال فإن التجارب علمتهم أن المسلم الفدائي لا يكترث بمواجهة الجيوش الجرارة لأنه يتعطش للشهادة. فطالبوا بتعليم البنات على النمط الغربي ولانتزاع القرآن من قلوب وعقول المسلمين حاربوا الكتاتيب كي لا يتربى طفل فدائي بطل كما حاربوا علماء الدين حرباً لا هوادة فيها لأنهم رفضوا قبول الأجانب ولأنهم كونوا حركات جهادية لتحرير أرضهم وحرضوا المجتمع على رفض الخضوع للمحتلين.
نجح العدو في مخططه فتم تحطيم الكتاتيب القرآنية فتربى الطفل بعيداً عن معين القرآن فظهر جيل متغرب وتلاه جيل أشد اغتراباً واختراقاً وإلى اليوم يعاني العالم الإسلامي من عملية تقويض المؤسسات التعليمية الدينية التي عمل المحتلون على تحطيم أركانها وتشويه أفكارها. يظن البعض أن هذه المرحلة قد انتهت والحق أن التاريخ يعيد صراعاته بصور متجددة. لم يتحرر الغرب من تعصبه وإيمانه بأنه أرفع حضارياً فما زال الغربي المغرور بطريقة أو أخرى يعتقد أن التاريخ لم يعرف التقدم إلا مع جهود الرجل الغربي الأبيض الذي يهيمن على العالم ويسخر سلطان العلم للتدمير لا التعمير.
أهم ثلاث قفزات مادية أثرت في أنماط التعليم تاريخياً
ذكر ابن النديم في الفهرست أن آدم "أول من كتب على الطين ثم كتبت الأمم بعد ذلك برهة من الزمان في النحاس والحجارة هذا قبل الطوفان وكتبوا في الخشب وورق الشجر للحاجة في الوقت وكتبوا في التوز[11] ... وكتب أهل مصر في القرطاس المصري ويعمل من قصب البردي، والروم تكتب في الحرير الأبيض وكانت الفرس تكتب في جلود الجواميس والبقر والغنم والعرب تكتب في أكتاف الإبل واللخاف وهي الحجارة الرقاق البيض وفي العسب عسب النخل والصين في الورق الصيني.. والهند في النحاس والحجار وفي الحرير الأبيض.." (ص 19 بتصرف). وورد في سنن الترمذي أن آدم عليه السلام قبل وفاته نَسي أمراً فنسيتْ ذرِّيَّتُهُ فمِنْ يومئذٍ أُمرَ بالكتابِ والشُّهودِ في كتابة العقود[12].
يمكن أن نلاحظ أن هناك ثلاث قفزات مادية هامة أثرت في ملامح ونمط التعليم عالمياً. القفزة الأولى بدأت مع الكتابة بعدة قرون قبل الميلاد حيث استخدم السومريون في العراق والفراعنة والصينيون الكتابة لتعليم الصغار مما يسر طريقاً واسعاً ميسراً لمطالعة الكتب وتدوين المعرفة. يقول جون سارتون (1976 م) في كتابه تاريخ العلم "وأعظم ما قام به المصريون الأولون من جهود حضارية هو اختراع الكتابة، وسواء أكانوا هم أول من اخترعها أم سبقهم في ذلك السومريون أو الصينيون، فهذه مسألة موضع جدل ونظر" (ج1 ص76).
ثم كانت القفزة الثانية باختراع الطباعة عام 1456 م في ألمانيا على يد يوهان جوتنبرغ. يقول بل جيتس "قبل جوتنبرغ، لم يكن هناك سوى 30 ألف كتاب في القارة الأوربية بأسرها، كلها تقريباً عبارة عن نسخ من الإنجيل أو شروح وتفسيرات لنصوصه. بحلول عام 1500م ، أصبح هناك ما يزيد على 9 ملايين كتاب، في مختلف الموضوعات" (1998 م، ص 24). ومن السمات الفكرية لهذه المرحلة أن العلم لم يعد حكراً على المتخصصين في العلوم الدينية أو الطبية ولكن القراءة أصبحت ظاهرة يتمتع بها عامة الناس بسبب سهولة الحصول على الكتاب وهو الأمر الذي لم يكن منتشراً.
وكانت القفزة الثالثة إبان الحرب العالمية الثانية في الأربعينات أو قبلها بقليل إذ ساهمت كل من ألمانيا وإنجلترا وأمريكا في ميلاد الحاسب الآلي لاستخدامه في الأغراض العسكرية وتمرير الرسائل السِّرية وما زالت تطورات هذه المرحلة مستمرة بشكل بياني عمودي صاعد يسير بسرعة مُذهلة مما يدل على وجود ثورة معلوماتية رهيبة أكبر من التي نراها اليوم. يقول عبقري الحاسب الآلي بيل غيتس (1998م) عن ثورة المعلومات أنها ستتصاعد مع الأيام القادمة وستغير الكمبيوترات الشخصية عاداتنا الحياتية والوظيفية وأن الإنترنت سوف يُحدث ثورة معلوماتية كبيرة. لقد حقق بيل غيتس قصب السبق في مضمار الصناعة التكنولوجية الإلكترونية ومن خلال عمله اليومي وصل إلى قناعة بأن الحاسب الآلي "سوف يحول الطريق السريع للمعلومات ثقافتنا بالقدر ذاته من العمق واتساع المدى الذي اتسم به التحول الذي أحدثه مطبعة جوتنبرغ في العصر الوسيط" (ص24). انطلاقاً من الرؤية السابقة فإن من السمات الفكرية لهذه المرحلة التي نعيشها شيوع المعرفة في طبقات المجتمع، وكسر حاجز المسافات الجغرافية، وسهولة ويسر تمرير المعلومات حتى أن الأطفال أخذوا ينافسون الكبار في عملية التعلم والاستفادة من الحاسب الآلي.
الميدان التكنولوجي شهد تطوراً ملموساً إثر الحروب العالمية ونتيجة تنافس الدول العظمى في التسلح وغزو الفضاء والتصنيع ووصولاً إلى القوة العسكرية والسياسية. والحاسب الآلي أصبح أساس أغلب الصناعات والتطور التقني دائماً يؤثر في نمط التعليم. المتخصصون في أصول التربية (McNergney & Herbert, 2001, p. 103) يدركون أن الاتحاد السوفيتي عندما أطلق أول قمر صناعي "إسبوتنك 1" (Sputnik I) اهتز الكيان التعليمي في الغرب الرأسمالي وبدأت معاهد الأبحاث تكثف دراساتها والحكومات تزيد من تمويلها المالي للعلماء بغية اللحاق باستكشاف الآفاق وتحقيق السيطرة والتفوق في العالم. قامت أمريكا بمراجعة ناقدة لمؤسساتها التعليمية ونظرياتها التربوية وفي عام 1969م تحقق الحلم البشري في الوصول للقمر على يد الأمريكان.
ذكر قمبر (2001 م) في كتابه بانوراما: الأصول العامة للتربية: "وبسبب التطور المذهل للتكنولوجيا الرقمية Digital فإن مستقبل التربية أصبح مرهونا بهذا التطور والذي غير وسوف يغير كثيراً من صيغ ومحتويات وأساليب التعليم والتعلم ليس فقط في مجالات التعليم اللانظامي أو الغير المدرسي وإنما كذلك في واقع الممارسات التعليمية المدرسية أو النظامية" (ص 19).
"يقول بعض المشتغلين بالعملية التعليمية "إن استخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية لا يناسب بيئتنا العربية"؛ وذلك بحجة ضعف الإمكانيات أو قلة الخبرات أو عدم تعود الطلاب على هذه الطريقة في التعليم. وفي الحقيقة إن استخدام التكنولوجيا يسهل على الطلاب الحصول على المعلومة، كما أنه يسهل على المعلم؛ حيث إنه يوفر عليه إعادة تحضير الدروس العملية والمواد اللازمة له في كل مرة ... ولا شك أن مثل هذه العقول هي إحدى عقبات استخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية" (الغايش، 2002 م).
رغم أن الإسلام يحث على طلب كل العلوم النافعة ورغم أن تاريخنا العظيم أنجب أفذاذ العلماء إلا أن العقلية المسلمة خاصة في عصور الانحطاط كانت معادية للتقدم العلمي ولا عجب أن لا يحفل العالم الإسلامي بالمطابع والمجلات والصحف فلم يستغل المسلمون ثمار هذه التكنولوجيا إلا بعد أكثر من قرنين من اكتشافها وبعد محاولات كثيرة لتحريم المطابع ومنع استخدامها (هوفمان، 1997 م، ص 48). كانت المؤسسات التعليمية الكبيرة في العالم الإسلامي بعيدة عن الثورة العلمية التكنولوجية بل كانت تعادي اقتباس العلوم الجديدة حتى قال أحد العلماء "والمقرر في شريعة المسلمين أن المطلوب تعلمه من أقسام العلم: العلوم الشرعية وآلاتها وهي العلوم العربية، وما زاد عن ذلك لا يتطلب تعلمه، بل ويُنهى عنه" (قمبر، 2001 م، ص 146). مما جعل عامة الناس في العالم الإسلامي يعادون المخترعات الحديثة مما يدل على إخفاق العقل المسلم في استيعاب مسيرة التقدم والتنمية (حيدر، 2002 م، ص 15، القرضاوي، 2000 م، أمتنا بين قرنين، ص 137). لقد أوغل المسلمون في الفكر الغيبي وأسرفوا في صرف طاقاتهم في مواجهة البدع الدنيوية والابتكارات العصرية وفي بذل الجهود الغير هادفة حتى وقف نفر غير قليل أمام كل اختراع علمي يخدم البشرية والحكايات الأليمة في هذا الباب أكثر من الحصر في كل مصر.
وبذلك قفزت المعارف الإنسانية علي يد المجتمع الغربي المعاصر – رغم عيوبه العديدة- قفزات علمية عظيمة من خلال تسخير التكنولوجيا الحديثة في طباعة الكتب على نطاق واسع، ونشر العلوم، ودعم عملية التدريس، وتطوير الاتصالات عبر الحاسوب، واختراع الآلات، وحفظ المعلومات تقنياً بأقل مجهود ذهني، من دون أن يساهم العقل المسلم ايجابياً في هذه النقلة الحضارية الدقيقة، والوثبات الصناعية الجبارة التي ارتبطت بنهضة تراث كل فن من فنون العلم. من المدهش حقاً أن لا يهتم العقل العربي المسلم عملياً بتخلفه عن صنع هذه المنجزات الكبرى حتى الآن، ولم يتحسر على تفريطه في حمل رسالته الحضارية العظمى. لقد أدى التطور التكنولجي المتسارع إلي تغيير أنماط التربية الحديثة فقامت بتحديد الكثير من تطبيقاتها وبدأت ترسم مستقبلها ومحتوياتها على أساس تدفق التقدم التكنولوجي في النصف الأخير من القرن الميلادي الماضي.
1 سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ، للذَّهبي ج 22 (خُوَارِزْمْشَاه، مُحَمَّدُ بنُ إِيْلَ رِسْلاَنَ بنِ أَتْسِزَ الخُوَارِزْمِيُّ).
1 "رواق البيت: مقدمه. ويطلق الرواق على سقيفة للدراسة في مسجد أو معبد أو غيرهما كما يطلق على ركن للتلاقي والتشاور ... أما الرواق كمصطلح مساجدي فإنه يعني الأجنحة التي تحاذي جنبات صحن المسجد أي أنها بناء يضاف إلى جوانب المسجد مما يلي صحنه. وقد لجأ المسلمون إلى بناء الرواقات عند إرادة توسعة المساجد وإضافة مساحات زائدة إليها، مع رغبتهم في إيجاد الظروف المناسبة لبعض الخدمات والأنشطة التي يقوم بها المسجد أو يحتضنها" (سالم، 2002 م، باختصار).
[5] http://www.chinatoday.com.cn/Arabic/202/kuzi.htm
1 (باختصار من المِلل والنِّحل، الجزء الثاني: الباب الثالث: آراء العرب في الجاهلية: الفصل الثاني: المحاصلة من العرب، علومهم).
1 أبو الحسن الندوي من أعلام الفكر الإسلامي له إسهامات تربوية هامة (انظر الخطيب، 1995 م، ص 452). قال عنه القرضاوي "العلم المفرد، والداعية الرباني، والعلامة المتميز، العربي الأرومة، الحسني النسب، الهندي الجنسية، العالمي العطاء".
2 للأسف الشديد أن شطحات الحكايات الإسرائيلية التي نشجبها قد تسللت للعقلية المسلمة أحياناً فلم تسلم كتبنا قديماً وحديثاً من لوم حواء والتحذير من فساد النساء أكثر من الرجال وبصورة مبالغة حتى اشتهرت عبارة عربية معروفة تقول "المرأة شر كلها". في تفسير القرطبي نقرأ "وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا. زاد الطبري والنقاش: وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة" سورة البقرة الآية 36. وفي الدر المنثور للسيوطي "أما أنت يا حواء كما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال" (تفسير سورة الأعراف: آية 20-25). وفي دراسة لعمر الأشقر (2001 م) في صحيح القصص النبوي "على الرجل أن يحذر من زوجته من أن تحرف مساره, فقد أكل آدم من الشجرة بمشورة حواء" (ص28) (الطبعة السادسة: دار النفائس). ونجد في كتاب قصص رواها الرسول صلى الله عليه وسلم من تأليف محمد عبدالرحيم (1999 م) (الطبعة الأولى: دار الإيمان) قصة بعنوان "إليك عني فمن قبلك أتيت ..دعيني وملائكتي ربي) (ص 24).