د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك
نظرية أريكسون في النمو السيكولوجي
علم النفس Psychology من العلوم الهامة في عصرنا ولا يمكن للمربي بحال من الأحوال الاستغناء عن نتائج هذا العلم لأنه يبين خصائص النمو لكل مرحلة عمرية من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشيخوخة ويشرح هذا العلم حاجات الإنسان الجسمية والعقلية والاجتماعية والنفسية بغرض التعامل معها بالشكل الأمثل. وبما أن التربية هي عملية لتغيير السلوك الإنساني فإن علم النفس من المفاتيح الهامة لفهم أغوار النفس من أجل التنمية وتحقيق الصحة النفسية. في كل يوم تكتشف الدراسات المزيد من الأسرار النفسية في ميدان علم النفس العلاجي والأسري والاجتماعي. الأصول النفسية للتربية تدرس طبيعة المتعلم وكيفية تغيير سلوكه وبذلك فإن دراسة المتعلم ودوافعه وحاجاته والفروق الفردية ودور كل من الوراثة والبيئة في تشكيل شخصية الإنسان وطرائق التعلم كلها من الموضوعات التي تدخل في دائرة الأسس النفسية. وعلى ذلك فإن الأصول النفسية للتربية تبصر المربي وتقدم له الأسس الخاصة بكيفية التعامل مع المتعلم وفق طبيعته الإنسانية في جميع مراحل حياته وكيفية التفاعل بين السلوك الإنساني والبيئة المحيطة.
الإنسان بحاجة إلى إشباع الحاجات المادية والمعنوية. ما زال المربون في ميدان التربية يعتبرون نظرية العالم النفساني الأمريكي إبراهام ماسلو (Abraham Harold Maslow) (1908-1970م) من النظريات النفسية الهامة الجديرة بالدراسة لكل المعلمين والمعلمات (Parkay & Stanford, 2001, p. 298 ). للإنسان حاجاته النفسية مثل حاجة الشعور بالأمن كما يقول ماسلو في هرمه المشهور "هرم الحاجات" "Hierarchy of Needs" ولذلك فإن التربية يجب أن تراعي تلك الحاجات النفسية والاجتماعية والبيولوجية كي يشبعها الإنسان.
أشار ماسلو إلى الحاجات التالية:
1-الحاجات الفسيولوجية Physiological Needs مثل الحاجة للطعام والشراب والكساء والسكن والزواج وهي الحاجات الضرورية لاستمرار بقاء الإنسان على قيد الحياة. فإذا أمّن الإنسان ضرورات حياته المعيشية فسيبدأ بالبحث عن تحقيق غاية أو حاجة أخرى أعلى في الهرم.
2-حاجات الأمن Safety Needs (security) في النفس والمسكن والوظيفة. إن تهديد الإنسان في معاشه هو تهديد لحاجة أساسية في حياته وكلما ضمن الإنسان من خلال اللوائح والقوانين كفالة حقه في توفير حاجاته الضرورية كلما ازداد شعوره بالارتياح النفسي. حتى في مرحلة البداوة فإن هذه الحاجات تشبعها القبيلة بنظامها المبني على التكافل لأبناء القبيلة.
3-حاجات الانتماء Social Needs (affilation) للجماعة والمجتمع وتحقيق التوافق مع الآخرين من خلال الحب والمودة والبر. وفي هذه المرحلة يمكن استنباط قاعدة اجتماعية تُعد من أهم الأصول التربوية وهي أن الإنسان اجتماعي بالطبع يميل إلى التجمع والتفاعل مع الآخرين.
4-حاجات التقدير Esteem Needs (Recognition) من كلمات ثناء وألقاب التكريم والتشريف. هذه الحاجة،كغيرها من الحاجات، يجب أن يتم إشباعها في محيط العائلة والمدرسة والمؤسسات التي يتعامل معها الفرد وفي بعض الأحيان شهادة التقدير قد تكون لها قوة في التأثير كحافز أكبر وأكثر في النفس من استلام الجوائز المادية.
5-حاجات تحقيق الذات Self-actualization Needs الرضا عن النفس والشعور بقدر كبير من السعادة الذاتية بعد تحقيق الأهداف. وهكذا فإن ثناء الآخرين والحصول على المادة لا يمكن أن توفر السعادة في النفس ما لم يشعر الإنسان بأن تقديره لنفسه من مصادر سعادته.
برز ماسلو في الستينات من القرن العشرين كرائد من رواد علم النفس الإنساني Humanistic Psychologyويعتبر علم النفس الإنساني مقدمة هامة تربوياً لفهم طبيعة الإنسان وفهم حاجاته. يؤكد ماسلو في نظريته على أن الإنسان كلما حقق حاجاته الأولية فإنه يتطلع لإشباع حاجة أعلى فيتنقل من مرحلة إلى أخرى على التوالي إلى أن يشبع حاجاته من خلال تحقيق ذاته والكثير من أهدافه.
تؤكد نظرية ماسلو على أن الحاجة إلى الأصحاب والحاجة إلى التقدير والاحترام في محيط الأسرة والمدرسة ومركز العمل من الحاجات الأساسية للإنسان وأن الانتماء إلى الأندية والجمعيات والنقابات ليس بالأمر الكمالي في حياة الإنسان فهذه الحاجات تغذي نفسه من ناحية الانتماء إلى الآخرين. وجد ماسلو من خلال ملاحظته لبعض الشخصيات التاريخية البارزة أن قلة من الناس هم الذين يصلون إلى مرحلة تحقيق الذات The level of self-actualization. وهذه المرحلة بحاجة إلى عمل دائم لأنها عملية مستمرة تتصف بالنمو والديمومة وتستدعي الحفاظ على مستوى الصحة النفسية والإنجازات التي سبق أن حققها الفرد. أكد ماسلو على الحاجات الفسيولوجية، وحاجات الأمن، وحاجات الانتماء وحاجات التقدير وحاجات تحقيق الذات.
يحتاج المعلم إلى فهم هذا الهرم النفسي لأنه سيتعامل مع مجموعة من الطلاب ممن قد يكون منهم من يفتقد الأمن في البيت أو المدرسة أو يدفعه الفقر والحاجة إلى إهمال الدروس فلا ينتبه في الفصل. سيلاحظ المعلم أن بعض طلابه في مراحل متفاوتة في هرم ماسلو فقلة الموارد أو فقدان الأمن من الأسباب المؤدية إلى انخفاض التحصيل الدراسي للطالب وضعف مشاركته في الفصل (298 Parkay & Stanford, 2001, p. 298).
وهناك نظريات كثيرة تشبه نظرية ماسلو استخدمها علماء الإدارة. يؤكد بعض الباحثين (p.45 1994, ، Merrill Covey, Merrill &) وعلى رأسهم ستيفن كوفي على أن الإنسان بحاجة إلى إشباع الحاجات التالية:
الحاجة المعيشية الخاصة باستمرارية الحياة والبقاء (To Live).
للحب (To Love).
للتعلم (To learn).
للإنتاج والعطاء (To Leave a Legacy).
عندما يولد الطفل يحتاج إلى الحاجات الضرورية البيولوجية العضوية مثل الغذاء والماء والهواء والمناخ الآمن ثم بعدها يحتاج إلى الشفقة والرحمة فإذا كان محروماً من الشفقة والرحمة فإنه لا يصبح شخصاً سوياً بل يصير قاسياً مثل زياد بن أبيه والحجاج في تاريخنا أو نيرون في تاريخ روما. في المرحة الثالثة يكون الطفل بحاجة إلى التعلم ليعرف أهله وما حوله بعد هذه المرحلة فإنه يحتاج إلى العطاء بعد الأخذ وهي مرحلة التعليم بعد التعلم فيترك الإنسان بصمته على أبنائه ومن حوله. مرحلة العطاء هي ثمرة الحاجات الأولى وغاية الفرد في أن يساهم في استمرارية العطاء الإنساني.
لا ريب أن المسلم يشبع حاجاته العضوية والنفسية والاجتماعية والعقلية دون الإخلال بجانب على حساب جانب وتكون عملية إشباع الحاجات والغرائز في ظلال الإسلام الذي ينظم كيفية إشباع الحاجات باعتدال دون إفراط ولا تفريط.
والإنسان السوي لا يكبت أو يقمع حاجاته المادية والمعنوية بالرهبنة مثلاً ولكن ينظم ويوجه العملية كما أراد الخالق سبحانه دون إسراف وكما قال الحق جل ثناؤه في سورة الإسراء "وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)". وقال في سورة الأنعام "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ولا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)".
إننا نعتقد أن الحاجات النفسية في المنظور الإسلامي يجب أن تنسجم مع غايات التربية الإسلامية ويجب أن تعين الإنسان على تحقيق غاية الطاعة وهي لا تكون إلا بثلاثة محاور تتمحور حول ثلاث كلمات جوهرية وهي الاقتصاد والاعتقاد والاجتهاد وفيما يلي بيان لها:
1) الاقتصاد في الاستمتاع بالملذات ومصالح أمور الدنيا والسعي في توفير الحلال من المأكل والمشرب والمسكن والمركب وهي الضرورة البيولوجية وما يرتبط بها من متطلبات مادية دنيوية تنتهي بحسن الاستفادة من البيئة بتعميرها لا تدميرها.
2) الاعتقاد بالله وحده والاعتماد على أوامره ونواهيه في الأمور كلها.
3) الاجتهاد في تطبيق مكارم الشريعة والتعامل مع النفس والناس وفق ميزان العدل والإحسان.
تهتم النظرية الإسلامية بالجسد والحاجات المادية فيتم الإشباع بالحلال وتهتم أيضا بالحاجات الروحية السامية وذلك بتهذيب النفس وتحقيق السعادة الروحية كفرد وجماعة. لم يأت الإسلام لكبت وقمع الطاقات الإنسانية إنما جاء لتنظيم حياة الفرد والمجتمع ليعيش كريماً كما أراد الله له أن يعيش "أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {14}" (سورة الملك). وبهذا لن يكون المسلم عبداً لشهواته فهو يتحكم بها ولا تتحكم به وبهذا أيضا تتميز النظرة الإسلامية عن غيرها من النظرات في أنها واضحة تتحد فيها الغايات مع الوسائل في منهج واحد اختاره الله عز وجل وارتضاه لعباده وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام.
التربية من أجل الخبرة ومن خلال الخبرة من المفاهيم التربوية المُعاصرة والتي لها جذورها التاريخية. إن الخبرة والممارسة أثبت وأرسخ في الذهن والنفس من سماع المحاضرات ولقد أصَّل النبي صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة ولقد قال الإمام أحمد حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" وفي رواية أخرى عند أحمد أيضاً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الألْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الألْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ". ولقد تلقى الأنبياء تعليمهم وفق هذه النهج الرباني. قال تعالى "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (سورة البقرة، الآية: 260).
انتهت هذه الآية الكريمة بقوله سبحانه لإبراهيم عليه السلام "واعلم…" مع أنه كنبي يعلم أن الله عزيز حكيم ولكن علمه لم يكن علماً عينياً مشاهداً فكانت التجربة التي رآها بعينيه طريقه إلى ذلك النمط من المعرفة. قال المناوي: "المجربون للأمور المحافظون على تكثير الأجور، جالسوهم لتقتدوا برأيهم وتهتدوا بهديهم".
اعتبر الشافعي في كتابه الأم المعاينة من مراتب العلم لأن هذا العلم يفيد اليقين ويقول: "ولا يسع شاهدا أن يشهد إلا بما علم والعلم من ثلاثة وجوه منها ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة، ومنها ما سمعه فيشهد ما أثبت سمعاً من المشهود عليه، ومنها ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان وتثبت معرفته في القلوب فيشهد عليه بهذا الوجه وما شهد به رجل على رجل أنه فعله أو أقر به لم يجز إلا أن يجمع أمرين أحدهما أن يكون يثبته بمعاينة والآخر أن يكون يثبته سمعاً مع إثبات بصر حين يكون الفعل" (ج7، ص 90). وانتبه ابن خلدون إلى أهمية المعاينة "الخبرة" في التعليم فقال "ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم، فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة عن الخبر" (ص 359). من هنا نعلم أن علم الصحابة بالدين أتم وأكمل وحبهم لنبي الإسلام أعظم وأجل لأن إبمانهم إيمان معاينة.
وقديماً قال العرب "لا تطلب أثراً بعد عين" و"خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به" أي أن اليقين يقطع الشك إلى الأبد وأن العاقل لا يترك اليقين الذي يراه ثم يتبع الظن الذي يسمع عنه. ويقابل هذا عند الغرب قولهم: Your own eyes may be your best witness.
ومن حِكم العرب قول أحدهم:
|
يا
ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما |
|
قد
حدّثوك؟ فما راءٍ كمن سمعا |
وقول الشاعر الجاهلي عنتر بن شداد:
|
أنا
العبد الذي خُبِّرت عنه |
|
وقد
عاينتني فدع السماعا |
يُقسِّم الإمام ابن القيم درجات العلم الصادق إلى ثلاث درجات وهي علم اليقين ثم عين اليقين ثم حق اليقين. "الفرق بين علم اليقين وعين اليقين:كالفرق بين الخبر الصادق والعيان [المُشاهد]. وحق اليقين: فوق هذا. وقد مثلت المراتب الثلاثة بمن أخبرك: أن عنده عسلاً، وأنت لا تشك في صدقه. ثم أراك إياه. فازددت يقيناً. ثم ذُقت منه. فالأول: علم اليقين. والثاني: عين اليقين. والثالث: حق اليقين.
فعِلْمُنا الآن بالجنة والنار: علم اليقين. فإذا أزلفت الجنة في الموقف للمتقين. وشاهدها الخلائق. وبُرِّزت الجحيم للغاوين. وعاينها الخلائق. فذلك: عين اليقين. فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: فذلك حينئذ حق اليقين (ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين، ج2، ص420).
واليوم يعود خبراء التربية وعلى رأسهم علماء النفس ليقرروا تلك الحقيقة التربوية من خلال هذه الحكمة الصينية إذ يقول كونفوشيوس:
"قل لي وسوف أنسى … درسنى وسوف أتذكر … أشركني وسوف أتعلم".
I heard and forget I see and remember I do and understand.
المعايشة أو الخبرة كانت هامة في الفلسفة الطاوية التي ظهرت في الصين بقرون قبل الميلاد وعلى مثل تلك الحقيقة التعليمية أقام جون ديوي فلسفته التربوية والتي تعتمد على الخبرة والمواقف العملية في الحياة. إن نقطة الارتكاز في معظم كتابات جون ديوي هي كلمة الخبرة -بمعنى التجربة والممارسة- التي تتكرر في أُطروحاته.
في حربه ضد التعليم التقليدي الجامد ينتصر إلى مذهبه التقدمي فيقول المربي الأمريكي جون ديوي "لا يتسنى للمدرسة أن تعد طلبة للحياة الاجتماعية إلا متى كان النظام فيها يمثل الحياة الاجتماعية … والطريقة الوحيدة التي تعد الطالب للحياة الاجتماعية هي الاشتغال بأعمال اجتماعية. وإذا قلنا إن الطالب يستطيع أن يكون عادات اجتماعية بغير الاشتغال بأعمال اجتماعية فإن مثلنا يكون كمثل من يعلم الطفل العوم والسباحة بإتيان حركات فوق اليابسة بعيدة من نهر أو بحيرة أو بحر (انظر تصدير محمد حسين آل ياسين ، المدرسة والمجتمع لجون ديوي ، 1978 م).
تقول بعض الدراسات (Rose & Nicholl, 1997, p. 142) إنَّ معدل ما يتذكر الإنسان هو:
20% مما يقرأه
30% مما يسمعه
40% مما يراه
50% مما يقوله
60% مما يفعله
90% مما يقرأ ويرى ويسمع ويقول ويعمل.
وفي دراسة شملت آلاف الطلاب وُجد أن الطلاب يستفيدون من كل وسائل التعلم ولكن بنسب متفاوتة فـ 29% من الناس يفضلون أن يتعلموا بالاعتماد على البصر كرؤية الصور والكتب و 34% بالسماع كسماع الأشرطة والمحاضرات والمناقشة و 37% بالممارسة والحركة كالكتابة والمشاركة العملية وترديد الكلمات إذا أرادوا أن يحفظوها (Rose & Nicholl, 1997, p. 91). كل الطلاب بلا شك يستفيدون من جميع الطرق السابقة ولكن بنسب متفاوتة فقد يكون الطالب سمعياً والآخر بصرياً. لذلك فإن اهتمام المعلم في المناهج المطورة ينصب على الإكثار من وضع الأهداف النفسحركية في الفصل لأن أكثر الناس يتعلمون بالممارسة وبطرائق متنوعة.
تؤكد كل الدراسات على أن وسائل التعلم المتنوعة تتيح فرصة أكبر للتعلم لأن الإنسان يستخدم أكثر من حاسة للتعلم. التدريب والمراجعة من مستلزمات الإتقان في كسب المهارات وتحسين الإنجاز بل إن التكرار الواعي أم المهارات جميعاً .. يجب أن يمارس المتعلم ما درسه ويطبق الذي تعلمه في ميدان تعلم اللغات أو فهم المعادلات الرياضية والمسائل الإحصائية.
فهم القواعد العلمية دون تمارين عملية يضر بالعملية التعليمية. ومن وسائل تحقيق الفهم والتفوق أن يقوم المتعلم بتكثيف وتنظيم أنشطته في الميدان الذي يرغب التمكن فيه فإدمان النظر في روائع كتب الشعر والنثر مثلاً من طرق تنمية وصقل الملكة الأدبية.
بعض الدراسات تشير إلى أن الخبرة يتم استقبالها في المخ وتحليلها بتعاون بين الجانب الأيمن والأيسر للمخ وأن أفضل وسيلة لتذكر المعلومات هي تفعيل دور الجانبين في التعامل مع المعلومات والأحداث الجديدة.
وظائف الجانب الأيمن والأيسر من المخ كثيرة. يعمل الجانب الأيسر للمخ على دعم الجانب الأكاديمي: تفكيك الشيء إلى أجزاء-تحليل-الزمن- المنطق -تعلم اللغة-تفكير متوال-التركيز على الحقائق والأرقام-الاستنباط المجرد… ويتحكم بالجانب الأيمن من الجسم.
أما الجانب الأيمن للمخ فيركز على الجانب المجازي-التصويري: جمع الأجزاء معا- الخيال-التصور الخلاق- الموسيقى-لا يتقيد بالوقت-مجازي -الحدس -محسوس –الألوان - استقرائي-الحب -الجمال -الولاء ويتحكم بالجانب الأيسر من الجسم.
من اللطائف التربوية الرائعة للشعراوي أنه أكَّد على أهمية التَّدريب في قصة عصا موسى إذ تدرب على إلقاء العصا في الصحراء قبل مواجهة فرعون فيقول "هكذا يعلمنا الله أنه لا مهمة دون تدريب. ولا إنجاز موفق بغير إتقان للتدريب". فإذا كان هذا النبي قد طلب منه أن يتدرب فلغيره من البشر يعتبر التدريب أكثر أهمية لأداء المهام وتجويد المهارات.
يقول أرسطو:"إن الأشياء التي يجب علينا أن نتعلمها، لا نتعلمها إلا عندما نفعلها فعلاً" فإن المعلومة التي نتعلمها ونستخدمها في حياتنا عملياً هي المعلومة التي تثبت في الأذهان والأشياء التي لا نستخدمها ننساها ونخسرها بسرعة: Use it or lose it. هذه القاعدة من أهم النتائج التي حصل عليها المتخصصون بدراسة العقل البشري وينبغي أن تكون واضحة لكل مهتم بالتربية (Gardner, 2000, p. 81).
في العموم يمكن القول أن الذكاء يتمثل في قدرة الإنسان العقلية على التعلم والتفكير وحل المشكلات والتكيف مع البيئة.
لا شك أن مستويات الذكاء تتفاوت من شخص لآخر نظراً للاختلافات البيولوجية والظروف البيئية لكل إنسان. يحاول علماء النفس قياس قوة الإدراك والذكاء عند الإنسان من خلال اختبارات الذكاء. قام العالم النفسي الفرنسي إلفرد بينيه عام 1905 م بتطبيق أول اختبار ذكاء Intelligence Quotient المشهور بـ (IQ).
ذكر لويس تيرمن طريقة حساب نسبة الذكاء وهي كالآتي:
العمر العقلي
نسبة الذكاء= ــــــ × 100
العمر الزمني
إذا استطاع طفل في السابعة من العمر بالإجابة الصحيحة على اختبار يستطيع أن يجيب عليه من هو في سنه فإن هذا الطفل يتمتع بدرجة عادية من الذكاء وفي حال الفشل فإن مستواه العقلي لا يناسب عمره الزمني أما إذا حصل الطفل الذي في السابعة من العمر على إجابات صحيحة واجتاز اختباراً يناسب أطفال من عمر أكبر من عمره فهذا مقياس من المقاييس الدالة على أن عمره العقلي أكبر من عمره الزمني الفعلي. وهكذا فإن الاختبارات تقيس الفروق الفردية فيتم التعرف على الطلبة المتفوقين والمتخلفين عقلياً.
خلال الحرب العالمية الأولى طبق الجيش الأمريكي اختبار الذكاء العقلي على عدد كبير جداً من المجندين ثم انتشر بعد ذلك في المؤسسات التعليمية للكبار والصغار. كلما زادت نتيجة الاختبار عن 100 درجة كلما دل على النبوغ في حين أن 75 درجة هي الحد الأدنى من القدرة العقلية على فهم العمليات المجردة. النوابغ يحصلون على أكثر من 130 درجة. لا شك أن اختبارات الذكاء بشكل أو بآخر لها أهمية في القياس والتصنيف والتقييم.
من الواضح أن نتائج اختبارات الذكاء تدل على أن الأغنياء عادة أفضل من الفقراء وأن البيض أفضل من السود وأن الرجال أذكى من النساء … وهذا لا يدل على الذكاء ولكن يدل على أن البعض يمتاز ببيئة ثقافية عالية وأن الطبقة المحرومة من تلك الفرص تحصل على معدلات هابطة وهذا يدل على أن تلك الاختبارات لم تتحرر من مشكلة التحيز الثقافي Cultural bias .
في عام 1981 قام كريستوفر براند Christopher Brandبتطوير اختبارات الذكاء الإجرائية وربطها بالجانب الحركي والمهارات حيث ركز على الأصوات والصور في اختباراته. والسؤال الذي يلاحق ويتحدى أي اختبار ذكاء عقلي هو هل هذا الاختبار يقيس ما تعلمه الإنسان أو مدى قدرته للتعلم. الشق الأول من السؤال يقيس ما اكسبه الفرد من البيئة أما الشق الثاني فهو يقيس الجانب الوراثي الفطري الذي يصعب عزله عن التأثر بالبيئة.
هناك عدة جوانب للذكاء فهناك الذكاء الاجتماعي وقدرة الفرد قي تكوين علاقات متبادلة مع الآخرين وهناك الذكاء الإبداعي وعادة تظهر في القدرة على التأليف وكتابة الرواية أو القدرة على الرسم. والذكاء يتطلب الاتزان الانفعالي في مواجهة المستجدات كما أن من جوانب الذكاء القدرة على التعلم والتحليل والتطبيق والمهارات اللفظية.
تشير الدراسات العلمية إلى أن العقل البشري في جانبيه يحوي على 300 مليون خلية عصبية في حين أن ما يحويه الدماغ ككل 100بليون خلية عصبية توجد من ميلاد الإنسان والعجيب أن هذه الخلايا تتناقص مع الوقت ولكن لا تزيد كما أن موت الخلية وعدم تكاثرها من أسباب تدني الإدراك والتفكير عندما يبلغ الإنسان مرحلة أرذل العمر.
في الصفحات الأخيرة من كتابه العادات السبع يذكر ستيفن كوفي قصة طريفة عن الذكاء تهم المعلمين فيقول "من القصص الكلاسيكية في مجال النبؤات التي تحقق ذاتها، قصة حاسوب في بريطانيا برمج خطأ بطريقة غير مقصودة. بتعبير أكاديمي، صُنف صَف من الطلاب الأذكياء على أنهم أغبياء وصنف صف آخر يفترض أن طلابه أغبياء على أنهم أذكياء وكان ذلك الحاسوب المعيار الأساسي الذي يشكل نمط تصرف المدرسين تجاه طلابهم في بداية السنة الدراسية. في النهاية حين اكتشفت الإدارة الخطأ بعد خمسة أشهر ونصف قررت أن تختبر الطلاب مرة أخرى دون أن تعلم أحدا بما حدث فكانت النتائج مذهلة فقد انخفض مستوى الطلاب الأذكياء بقدر كبير في اختبارات الذكاء فقد نظر إليهم المدرسون وعاملوهم على أنهم محدودو الذكاء وغير متعاونين ومن الصعب تعليمهم ... لكن علامات المجموعة التي افترض أنها غبية ارتفعت فقد عاملهم المدرسون على أساس أنهم أذكياء فانعكست طاقتهم وآمالهم وتفاؤلهم وحماسهم إلى توقعات فردية عالية وتقدير كبير لهؤلاء الأولاد".
هناك جملة من المحاور الرئيسة التي ينبغي أن تكون أساس بناء البرامج والأنشطة في مدارسنا من أجل بناء شخصية متكاملة متزنة متفتحة طموحة في غاياتها ووسائلها. يراد بالذكاء المتعدد أن الإنسان يتمتع ببضعة جوانب -على الأقل- ينبغي أن يراعيها وينميها. يخالف هورد غاردنر (Howard Gardner) النظرية التقليدية التي تؤمن بأن الذكاء العقلي هو الأساس الوحيد للنجاح ويعتقد أن هناك بضعة جوانب هامة تساعد الإنسان على حل المشاكل والتكيف مع البيئة[1]. تسمى نظرية هورد بنظرية أم آي (MI) أي الذكاءات المتعددة Multiple intelligences مثل الذكاء اللغوي، والمنطقي والحسابي، الموسيقي.. وقال إن الأب والأم والمعلم والسياسي والبائع عادة يستخدمون مشاعرهم الداخلية لمعرفة حاجة من يتعاملون معهم ويرسمون طريقهم في كيفية إشباع الحاجات. من المعلوم حتماً أن الناس يتفاوتون في مستويات الذكاء فكل فرد له تفوق في ميدان من الميادين ولكن لا يمكنه أبداً التفوق في جميع الميادين ودور المربي هو اكتشاف جوانب التفوق في طلابه كي ينمونها. دراسات هورد في جامعة هارفرد توصلت إلى أن الإنسان العادي يمتلك على الأقل تسعة أنواع من الذكاء وآخر الأنواع التي أشار إليها "الذكاء المتعلق بالوجود" (Exitential intelligence). هذا النوع يرتبط بتفكير الإنسان بالوجود والحياة والموت والحقائق المطلقة.
ولد هورد غاردنر سنة 1943 م في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة ولقد أخذت أفكاره تتبوأ مكانة عملية في المدارس والكليات. فيما يلي طائفة من تلك الأفكار:
دور التربية هو توجيه الطفل إلى مجال يناسب ميوله ومواهبه ولكل طفل طرائق في التعلم يستجيب لها.
قياس الذكاء العقلي التقليدي قياس لغوي ورياضي ضيق ومحدود يصلح كمؤشر لمعرفة مستوى الطالب في التحصيل الدراسي فقط ولا يقيس مهارات الحياة الأساسية المتنوعة.
الذكاء في العلاقات المتبادلة بين الناس هو قدرة الذات على فهم الآخرين وحسن التعامل معهم.
الوعي بالذات أمر جوهري للبصيرة النفسية. الخوف والتوتر من أهم أسباب همود الفكر الإنساني.
التدفق العاطفي والحالة الايجابية يمثلان جانبا هاما في تعليم الطفل وهما أفضل من الثواب والعقاب. حالة الانهماك والتدفق هي حالة نفسية نراها عندما ينشغل الطفل في أمر سليم يحبه ويتمتع به (انظر غولمان، 2000 م، ص 60، 63، 67، 84، 159) (Gadner, 2000, 79).
الملف التربوي (Portfolio) والمشاريع الجماعية ينبغي أن تكون من معايير دخول الطالب إلى الجامعات لأنها تقيس عدة مهارات (Gardner, 1993,P. 184) ولهذا فلقد ذكرنا في كتاب تراثنا أن التعليقة بالصورة التي طرحنا تتلاءم تماما مع نظرية الذكاء المتعدد.
أنواع كثيرة للذكاء مثل الذكاء العلمي واللغوي والموسيقى والاجتماعي ... هذه الأنواع متعادلة في أهميتها ولكن تعظيم الذكاء (الأكاديمي) فقط ظل سائداً في تاريخ المدارس لعدة قرون وهذه نظرة ضيقة في حين أن نظرية الذكاء المتعدد أرحب وأعمق ولهذا فإن الصراع بين أنصار المدرستين سيظل قائماً.
وسائل التربية المؤثرة تمر من عدة بوابات أهمها: (الخبرة-العاطفة-الأرقام-القصة-الإقناع) التعليم الفعال لا يغفل عن الاستعانة بهذه الطرائق الهامة للصغار والكبار (Gardner, 1993,P. 203 ).
في دراساته عن العقل يؤكد على قدرة الطفل الرضيع على التعلم ويطالب بوضع المزيد من البرامج والعناية التربوية لهذه الفئة فالخبرات الأولى للطفل في غاية الأهمية في المستقبل إذا استمر في استعمال وتطبيق ما تعلمه. عليه أن يمارس ما تعلمه قبل أن ينساه (Gardner, 2000, p. 81) .
لا بد لفلسفة التربية أن تؤكد على مفاهيم: الخير، والعدل، والجمال.
تعلم العزف على الأجهزة الموسيقية قد ينمي ذكاء الطفل في أكثر من ميدان وله الكثير من الآثار الإيجابية (Gardner, 2000, p. 82).
يجب أن يعلم المعلم التغيرات التكنولوجية والعلمية والسياسية والثقافية والسياسية ويجب أن يتفاعل معها. أساسيات التربية على مفترق الطرق وسوف تتعرض لتغيرات أكيدة في المستقبل القريب (Gardner, 2000, P. 59).
يرى بِل غيتس إنَّ نظرية هورد غاردنر أهم نظرية تربوية معاصرة ستفتح المزيد من الآفاق لانطلاقة الحاسب الآلي. لقد أخذت نظرية غاردنر طريقها في التَّأثير على عدد كبير من مؤسسات التَّعْلِيْم. بدأت نظرية غاردنر تكتسح الميدان كنظرية وتطبيق في ميدان تربية الطِّفل وبدأ المربون يؤكِّدون على أهمية العناية بالذَّكاء العاطفي في مرحلة ما قبل المرحلة الإبتدائية على وجه الخصوص. يرى عالم النفس دانييل غولمان صاحب كتاب الذكاء العاطفي أن كتابات غاردنر يجب الإطلاع عليها A must-read من قِبَل المربين والآباء وكل من يهتم بمستقبل الطفل. أبرز هورد غاردنر في نظريته (الذكاء المتعدد) الهولوكوست وآراء فرويد ودارون والتربية في إسرائيل بصورة لم تمسها النقد.
فيما يلي إشارة عامة إلى محاور الذكاء الإنساني ومعظمها تعتمد على نظرية الذكاء المتعدد (Rose & Nicholl, 1997, P. 37)) التي يحرص المتخصصون في أصول التربية على الإشارة إليها حديثاً أثناء عرضهم للأصول النفسية وعند حديثهم عن الذكاء الإنساني:
(المحور الأول) المحور المنطقي الحسابي: ويشمل الاعتناء بالمتعلم من حيث تزويده بالمعارف وتنمية قدراته ومهاراته العقلية من تذكر وتحليل وتركيب ونقد وتحليل وإبداع الأفكار بصورة منطقية. دراسة بعض العلوم مثل علم المنطق والفلسفة والرياضيات والعلوم التطبيقية تعزز هذا الجانب. المهندسون ورجال الشرطة الاقتصاديون في العادة يتميزون بهذا النوع. يذكر الغربيون أمثلة لهذا النوع من الذكاء: جون ديوي وآينشتاين (1879 – 1955 م).
(المحور الثاني) المحور اللغوي: ويتضمن التركيز على القراءة والكتابة والاتصال من خلال الكلمات. ويندرج تحت هذا المحور تعلم بعض اللغات العالمية الحية. ومن علامات الذكاء اللغوي أن الطالب يحب أن يسمع أو يكتب أو يردد قصائد الشعر وروائع الأدب. المؤلفون والممثلون والشعراء والقصاص والخطباء عندهم الذكاء اللغوي (Linguistic Intelligence) مرتفع. من أمثلة هذا النوع عقلية عباس محمود العقاد وتشارلز دكنز.
(المحور الثالث) المحور الحركي: والمقصود به الاهتمام بالجانب الجسدي عند المتعلم وتنمية مهاراته كالاهتمام بالرياضة وتجويد الخط وتعليم النجارة والطباعة وقيادة السيارة والطائرة. هذا الجانب كسائر الجوانب يعطي الإنسان القدرة على حل المشاكل والتعامل مع متطلبات الحياة بصورة إيجابية. من الملاحظ أن النمط التقليدي في التعليم يعطي كل اهتمامه بتنمية الذكاء العقلي فيتعلم الطالب كيف يكتب التقارير ولكن قلما يتعلم كيف يتحرك بشكل صحيح. هذه المحاور شأنها شأن أي مهارة تنمو مع الأنشطة الهادفة وتضعف عندما نهمل ترويضها بالتمارين المناسبة. من أشهر الأمثلة الغربية للعبقرية الحركية: اللاعب مايكل جوردن أسطورة كرة السلة.
(المحور الرابع) المحور الطبيعي: والمراد به التفكير وحسن التفاعل مع البيئة الطبيعية المحيطة بنا كالاهتمام بالأشجار والطيور وملاحظتها. الغربيون يعتبرون تشارلز دارون صاحب عبقرية فذة في هذا المجال.
(المحور الخامس) المحور العاطفي: ويتمثل بالتكيف مع النفس والتغلب على الأزمات النفسية. هذه المجالات في النهاية هي التي تشكل شخصية الإنسان. الذكاء العاطفي: لا يقف عند فهم السلوك الفردي وطرق تعديله بل يهتم بحسن تكوين العلاقات الاجتماعية لأن هذه العلاقات من متطلبات فهم الذات، وحل المشكلات.
(المحور السادس) المحور الاجتماعي: ويتركز بتوثيق العلاقات الجيدة مع الناس وحسن المعاشرة وتحري العدل في التعامل. يذكر الغربيون أن الأم تريسا (Mother Tearesa) تتمتع بالذكاء الاجتماعي (Interpersonal (social) Intelligence) وهي راهبة وممرضة عاشت لخدمة الفقراء والمرضى في الهند وحصلت على جائزة نوبل في 1979 م وتوفيت في عام 1997 م.
(المحور السابع) المحور الجمالي: ويتمثل بغرس مفهوم حب النظافة والتمتع بالنظر إلى مخلوقات الله عز وجل والتأمل في سر عظمتها وتحت هذا المحور تندرج الفنون الجميلة مثل الرسم والتصوير والنحت والموسيقى. الذكاء الموسيقي (Musical Intelligence) يعتبره هورد غاردنر من الجوانب الرئيسية والمثال الذي يكرره دائما موهبة موتسارت (Mozart) وهو موسيقار نمساوي من عباقرة العالم (1756 – 1791 م).
(المحور الثامن) المحور العلمي: وهو المحور المتصل بعلوم الحياة كالجيولوجيا والفلك والرياضيات والكيمياء.
(المحور التاسع) المحور الوجودي أو الروحي: وهو المتعلق بممارسة العبادات وفهم التاريخ.
(المحور العاشر) المحور المعيشي: ويراد به تعلم مهارات المعاملات اليومية والتي تشمل الجانب الاقتصادي والسياسي والقانوني.
(المحور الحادي عشر) المحور التصويري: القدرة على التخيل والتفكير التصويري وتقدير الأمور وبعد النظر ووضع الأهداف والاستراتيجيات. يتمتع القائد المتميز بهذه الصفة.
هذه المحاور من الأهمية بمكان لأنها تنظر إلى الإنسان نظرة كلية ولا شك أن التربية الإسلامية لا تقتصر على تنمية جانب واحد من جوانب شخصية الإنسان، وإنما تهتم بعقله وجسمه وانفعالاته وعلاقاته الاجتماعية والعملية والروحية. إن نظرية الذكاء المتعدد تختلف تماما مع نظرية الذكاء العقلي فالأولى واسعة والثانية ضيقة ولكن الثانية هي المسيطرة على الساحة التعليمية فما زالت الاختبارات والكتب المدرسية تدور حول قياس الذكاء العقلي وخاصة مهارة الحفظ في حين أن أسلوب حل المشكلات والمهارات الحياتية والذكاء العاطفي يكتسبها الفرد بالمصادفة ولا تحرص المناهج الحالية على غرسها في نفوس المتعلمين.
تتكون الشخصية Personality من سلوك الإنسان وانفعالاته جميعها وهي محصلة لعادات الإنسان وسلوكه في تكيفه مع نفسه وبيئته. يعرف واطسون الشخصية قائلاً "الشخصية هي النتاج النهائي لمجموعة العادات التي تميز الإنسان" (الشرقاوي، 1982، ص 19). يقول ميشيل مان (1994م) الشخصية "تعني حرفيا مجمل الخصائص المميزة لشخص ما. أما الاستعمال الغالب لهذا المفهوم في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي فهو أكثر تخصيصا: إنه إبراز للخصائص المستقرة نسبيا لدى الأفراد تلك التي تكمن تحت الفروق الفردية في السلوك، ويمكن أن يستخدم لتنبؤ بها أو تفسيرها" (موسوعة العلوم الاجتماعية، ص 526-527).
تحرص اليونسكو على أن تؤكد على أن "للمدرسة وظيفة مزدوجة. فهي لا تكتفي بالبحث عن قابليات التلاميذ وإمكاناتهم لتدريبها، بل تنمي قبل كل شيء شخصياتهم وتغرس في نفوسهم الاتجاهات والمواقف السوية المحببة" (جورج شهلا وآخرون ،1982م، ص 182). ويؤكد خبراء التربية على أن التربية الشخصية تتأثر بالناحية الجسمية والمرحلة العمرية (أبو هلال وآخرون، 1993م، ص397).
الشخصية السوية شخصية متنامية منذ الصغر حيث تكبر وتتشكل باختلاف الأشخاص والظروف ومع المراحل العمرية قد تتغير بعض السمات حسب طبيعة المرحلة إذ أن مرحلة الشباب مختلفة عن الطفولة والشيخوخة.
الشخصية السوية المتزنة انفعالياً والواعية عقلياً لها عدة مقومات وملامح منها:
التميز.
التفاؤل.
الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين[2].
الاستعانة بالله عز وجل واتباع تعاليمه.
ضبط النفس ساعة الغضب.
الإحسان في استخدام اللغة المنطوقة والرمزية. "لكي تكون شخصية اجتماعية مرموقة لا بد لك من فحص كلامك وبعض حركاتك وبعض تصرفاتك مع الآخرين" (أسعد، 1997، ص 179).
ومن العوامل المساعدة على تنمية شخصية المرأة:
تصحيح تصور المرأة عن نفسها أولاً ثم تصحيح تصورات المسلمين عن شخصيتها ثانياً فهي شخصية سوية ليست كما يتصور البعض إما ساذجة بلهاء تخدعها كلمة حلوة وإما خبيثة ماكرة.
أداء الواجبات وممارسة الحقوق التي قررها الإسلام (أبوشقة، 1999 م، ص 302 – 304). الكثير من الحقوق تأخذها المرأة أحيانا وكأنها هبات وصدقات وامتيازات يسحبها الرجل في أي لحظة يشاء ومن غير تبرير.
الاستفادة من التجارب النسائية النافعة أينما كانت.
تفعيل دورها الشامل في تعمير الأرض لتترك بصمة حضارية ولتعيش متعلمة ومعلمة في محيط أسرتها ومجتمعها.
التأكيد على ممارسة حق الاختيار في شئونها الخاصة واستقلالها في قراراتها المصيرية.
لا بد للمرأة من تميز يليق بجمال أنوثتها فلا تترك رداء الحياء، ولا تنزع ثوب التقوى، ولا ترمي تاج الاحتشام ففي التميز عزة ما بعدها عزة.
اختلاف المرأة عن الرجل عاطفيا وجسديا لا يعني أبداً تدني مكانة واحد من الطرفين بل الاختلافات نعمة تستدعي التكاتف لا التصادم.
نقد المواقف الغير مقبولة نقداً حكيماً.
الأخلاق نوعان: ما هو فطري يولد به الإنسان غريزة، وما هو مُكتسب من البيئة. روى البخاري فقال: "حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ" (كتاب الجنائز).
وفي سنن أبي داود أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال للأشج "إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأنَاةُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلْ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (كتاب الأدب). الأشج هو منذر بن عائذ وقيل بن عامر. (الحلم) أي العقل (والأناة) التثبت وعدم العجلة.
روي الإمام أحمد في مسنده :" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسُ مَعَادِنُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقِهُوا"(باقي مسند المكثرين).
وصف القرآن الكريم أخلاق المجتمع المسلم فقال تعالى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" (35) (سورة الأحزاب).
وكذلك نجد مقومات الشخصية المسلمة في مثل هذه الآيات: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) (سورة المؤمنون).
قال سبحانه "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)" (سورة الأعراف) "هذه الآية "تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: "خذ العفو" دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: "وأمر بالعرف" صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: "وأعرض عن الجاهلين" الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة" (الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي في سورة الأعراف).
المسلم متميز وليس نسخة من غيره فإن "الاستنساخ" أو التقليد الأعمى للآخرين فيه إلغاء للعقل. ذكر الترمذي في سننه "عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. (كتاب البر وحُسن الصلة).
ومن ثمار التميز أن يترك الإنسان بصمة صالحة وسيرة حسنة بعد مماته فالإنسان الذي يترك أثراً صالحاً بعد مماته يظل ذكره حياً وكما قال الرافعي "إذا لم تزد شيئاً على الدنيا كنت أنت زائداً على الدنيا". فكم من إنسان عاش ومات ولم يكن شيئاً مذكوراً في سجل العطاء لأنه لم يترك بصمة صالحة على أبنائه وفي مجتمعه وكم من أُمة عاشت وماتت فلم تترك أثراً صالحاً فلم يُخلد التاريخ الإنساني ذكرها.
الشخص الناجح يعلم أن الفشل لا يعيش مع نبضات ودفعات الأمل والعمل. ليس العيب في أن يقع الإنسان ولكن من الخطأ أن يظل المرء في سقوطه دون أن يقف مرة أخرى ويستفيد من حادثة وقوعه. إن الخطأ دليل العمل والعمل طريق الإتقان ومن لا يرتكب الخطأ لا يصنع شيئاً نافعاً. إن الطريقة السليمة للنجاح دائماً تكمن في أن لا نستسلم للفشل والتشاؤم أبداً. إن التعلم والتطلع الطموح لمستقبل أفضل روح الحياة ولا سعادة في حياة مليئة بالقنوط واليأس والتعاسة.
التفاؤل أس سعادتنا ولا علاج نفسي أو بدني يتم تحقيقه من غير التفاؤل. إذا ظن المرء أن في جسده مرض لا يمكن دواؤه ولا يُرجى شفاؤه فلن يتماثل للشفاء.
إن الدواء قد نحتاجه أحياناً ولكن حسن الظن نحتاجه دائماً فحياة المرء مع دفعة الأمل ووثبة العمل تكتمل. نقصد بالأمل هنا إرادة صادقة ويقين بقدرتنا على تحقيق الهدف.
إذا تأملنا السيرة النبوية نجد النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيش حياة الأمل والتفاؤل عملياً فعندما قال له أبو بكر رضي الله عنه لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، أجابه: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما". وجاء في الحديث النهي عن وصف الناس بالسوء لأنه ظلم وتشاؤم وتكبر: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُو أَهْلَكَهُمْ"[3]. يحمل المعلم معه الأمل في إمكانية التغيير للأحسن ولا يحبط الناس. عن علي رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يؤيس الناس من رحمة الله ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ألا لا خير في عمل لا فقه فيه، ولا خير في فقه لا ورع فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها ... (كنز العمال للمتقي الهندي المجلد العاشر، آداب العلم).
تُثبت الدراسات حديثاً أن الحالة النفسية والاعتقاد الإيجابي من أهم عوامل العلاج وأحياناً هو أهم من الأدوية نفسها (Robbins, 1992, p.76).
الإسلام دين قيم ومبادئ وأهمها حب الخير للخير فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (رواه البخاري، كتاب الإيمان). ولقد جاء في الإنجيل كما دونه لوقا "وبمثل ما تريدون أَن يعاملكم الناس عاملوهم أنتم أيضا". المسلم مطالب شرعاً بأن يكون خيّراً للناس جميعا وليس للمسلمين فقط. قال الترمذي: "عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (كتاب البر والصلة).
تهتم الشخصية المسلمة بالمواظبة والمداومة والمتابعة للأعمال التي تتطلب ذلك. وفي الحديث الشريف "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى الله أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ". وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ"[4].
قال المناوي "ومثال القليل الدائم كقطرات من الماء تتقاطر على الأرض على التوالي فهي تحدث فيها خضراً لا محالة ولو وقعت على حجر والكثير المتفرق كماء صب دفعة واحدة لا يتبين له أثر" (فيض القدير، شرح الجامع الصغير، الجزء الثالث، حرف الخاء، 4024).
الأمراض النفسية مثل الحزن الإكتئاب والقلق واضطرابات النوم إذا استفحلت وتحولت إلى حالات شديدة فإنها تفتك بفكر ونفس الإنسان بل وبجسده أيضاً. لذلك فإن الشخصية المسلمة تفزع إلى القرآن الكريم لأنه ربيع قلوب المؤمنين ولأنه يغذّي الروح، ويهدي إلى مكارم الأخلاق، وينمي العقل، ويهذب البيان في كل فصل من فصول السنة. في مسند الإمام أحمد "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا" (مسند المكثرين من الصحابة).
تُثبت الدراسات العالمية أن الأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب وتقلب المزاج وانفصام الشخصية هي الحالات الأكثر ضرراً على البشرية وأن الاضطرابات والأمراض النفسية تسبب مشكلات لا حصر لها وتقلل الطاقة الإنتاجية. العبادة والترويح وممارسة الرياضة مثل المشي والجري والسباحة من أهم الخطوات الفاعلة في التخلص من بعض الحالات النفسية مثل الغضب والاكتئاب والقلق لأن ممارسة التمارين الرياضية فيها تحويل للحالة النفسية وكسر لدورتها (جولمان، 2000، ص 110). الضغوط النفسية والتي تسمى بالاحتراق النفسي تنتج من صعوبة يواجهها الإنسان في الوفاء بمتطلبات الحياة.
الشخصية المتميزة عندها قدرة عالية على ضبط النفس ساعة الغضب والرضا. من أهم الأصول التربوية في بناء الشخصية أن يتعلم المسلم كيف يتمالك نفسه Self control ولكن للأسف قد تكون من الأخطاء الشائعة تربوياً قديماً وحديثاً عند الكبار والصغار أن الشخص القوي هو الذي يثور ويعاقب ويأخذ حقه بيده على الفور دون إعمال للعقل ونظر في العواقب. إن الغضب يحول بين العقل وبين التفكير المنطقي. الأحكام والقرارات التي نصدرها ساعة الغضب قد تجر علينا مصائب نندم عليها ولا يمكن إصلاحها في بعض الأحيان. وكم من دم طاهر سُفك.. ونفس بريئة أُزهقت.. وبيت آمن تهدم.. وقلب مُحب تحطم.. وأرحام متصلة تقطعت..وصداقات صادقة تحطمت.. بسبب ردود أفعال ارتجالية نشأت من تصرفات ساعة الغضب.
قال الله جل ثناؤه "وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) (سورة الشورى). وقال سبحانه "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) (آل عمران). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ"[5]. إن الناس في العموم يعتقدون أن الشديد بالصرعة والرجل القوي الفاضل هو القوي الذي لا يصرعه الرجال، بل يصرعهم ولا يغلبه أحد، وليس هذا الفهم والمفهوم هو الصحيح شرعاً، بل الإنسان القوي صاحب الصفة الممدوحة هو من يملك نفسه عند ساعات الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول. من فوائد هذا الحديث أيضاً فضل كظم الغيظ، وضرورة إمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة (النووي في شرحه لصحيح مسلم، بتصرف).
يجب أن يتربى الطفل على معاني التسامح وحل المشكلات التي تواجههم في المدرسة والأسرة والمجتمع من خلال أسلوب التفاهم والعدل والحكمة لا الانتقام والثأر والتدمير. من المهم أن نغرس في الأذهان أن الشخص القوي الشجاع لا يحل مشاكله بالمشاجرات أو الكلمات النابية والغضب السريع ولكن الشجاع هو الذي يُصلح الأمور ولا يزيد نارها اشتعالاً. ومن الشمائل الحسنة أن يتعلم الطفل الصفح عن زلات الآخرين إذا أمن أن التمادي في البغي قد انقطع دابره من نفس المعتدي وأنه لن يعاود الإساءة.
النبي صلى الله عليه وسلم من أشجع الناس قاطبة ولكنه لم يستخدم العنف إلا في ساحة القتال ولضرورة إقامة العدل ودحر الظلم وفي صحيح مسلم -كتاب الفضائل- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا إلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لا تعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ... وقيل لعبد الله بن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق في كلمة. فقال: اترك الغضب. وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله، إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وقال علي رضي الله عنه: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن لا تباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى. وقال الحسن: اطلبوا العلم وزينوه بالوقار والحلم. وقال أكثم بن صيفي: دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر.
ومن خلال النظر في كتب علم النفس والإدارة والتربية الحديثة اطلعنا على عدد كبير من الاستراتيجيات المعينة على رفع كفاءة الأشخاص وحثهم على الإنتاج والإنجاز ولم نجد أسلوب العنف والشدة والغلظة من الوسائل الناجحة في سياسة الطلاب. في بريطانيا نشرت عدة دراسات تجعل الرفق في التعامل هو أساس نجاح المدارس. ذكر هورن وبراون (Horne & Brown, 1997) في كتابهما التربوي خمسمائة طريقة لتدعيم دور المدرسة وفي كتاب آخر لريس وبراون ذكرا خمسمائة طريقة لرفع كفاءة المعلم (Race & Brown, 1997) وكان أسلوب الرفق واللين يعتبر الأساس لحث الآخرين على البذل والعمل.
الأصل في الأطفال الفطرة والبراءة ولكن استعداد الإنسان لقبول الطباع السيئة قد يجعل من السلوك العدواني في أسوء حالاته قنبلة موقوتة إذا حان أوان انفجارها تضررت الأسر الآمنة وكم من حدث في سجون الأحداث تحدثنا معه واستمعنا له وله قصة تُبكى العيون وتُدمي القلوب.
السلوك العدواني هو هجوم ليس له مبرر وفيه ضرر للنفس أو الناس أو الممتلكات والبيئة والطبيعة وقد يكون العدوان لفظياً أو عملياً. من أسباب ظهور السلوك العدواني عند الطفل:
1-الإحباط والحرمان والقهر الذي يعيشه.
2-تقليد الآخرين والإقتداء بسلوكهم العدواني الذي يشاهده (الأب-الإعلام-المُدرس).
3-الصورة السلبية للأبوين في نظرتهم لسلوك الطفل.
4-الأفكار الخاطئة التي تصل لذهن الطفل عندما يفهم أن الطفل القوي الشجاع هو الذي يصرع الآخرين ويأخذ حقوقه بيده لا بالحسنى.
5-عزل الطفل في مراحله الأولى عن الاحتكاك الاجتماعي وقلَّة تشجيعه على مُخالطة النَّاس.
من وسائل معالجة السلوك العدواني لدى الأطفال:
1-تصويب المفاهيم الخاطئة في ذهن الطفل ونفي العلاقة المزعومة بين قوة الشخصية واستخدام العنف في حل مشاكل الحياة.
2-إقناع الطفل بأن المسلم القوي لا يغضب لأتفه الأسباب ولا يستخدم العنف في تعامله مع الآخرين. المسلم هو الذي يسلم الناس من أذاه.
3-الحرص على تشجيع الطفل على مصاحبة الأطفال الجيدين ممن لا يحبون أن يمدوا يد الإساءة للآخرين.
4-استخدام العقاب من خلال تصويب الخطأ فإذا تلفظ الطفل بعبارات غير مهذبة في تعامله مع الآخرين وهو غاضب فيُطلب منه أن يعتذر بعبارات مؤدبة وإذا قام الطفل بضرب آخر فعليه مثلاً أن يقدم إليه هدية أو أن يعتذر إليه أمام زملائه إذا وقعت المشاجرة أمامهم.
5-إيجاد القدوة الواقعية في محيط الأسرة والمجتمع مع رواية القصص والمواقف النبيلة الدالة على كظم الغيظ وضبط النفس كي يتأسى بها الطفل.
6-اختيار البرامج التلفزيونية المناسبة لعمر الطفل وقيم المجتمع، وانتقاء الألعاب ذات الأغراض التعليمية أثناء شراء الهدايا واللعب.
7-إرشاد الطفل إلى بعض الطرق لحل الأزمات ومواجهة عدوان الآخرين بحكمة.
8-وضع مبادئ عامة في الأسرة مثل أنه لا يُسمح أبداً لأي طفل أن يلعب وأن يمزح مع أخيه بأي مادة حادة أو خطرة.
9-تعزيز المبادرات الإيجابية للطفل المشاغب إذا بادر إلى سلوك إيجابي يدل على احترامه للآخرين من خلال المدح والثناء.
10-فتح باب الحوار مع الأطفال في البيت والمدرسة كي يتحدثوا عن معاناتهم مع الأطفال الذين يعاملونهم بقسوة وما سبل العلاج وما المبادئ التي يجب أن توضع ويعمل على تنفيذها الجميع.
11-أهمية تبادل الخبرات الناجحة والتجارب العملية في تقليل سلوك العدواني بين المربين والأقارب.
12-في حال عجز المدرسة والأسرة عن مواجهة السلوك العدواني واستمرار الطفل في إلحاق الضرر بالآخرين أو بنفسه أو بما يحيط به فإنه يتوجب استشارة مُرشد نفسي.
13-تدريس مقرر مهارات حياتية.
14- توثيق علاقة البيت بالمدرسة لمتابعة السلوك الاجتماعي للطفل.
نظرية أريكسون في النمو السيكولوجي
إرك أريكسون Erik Erikson (1902-1994م) عالم أمريكي من أصل ألماني ركز في دراساته المتعلقة في علم النفس على السمات الاجتماعية لنمو الشخصية منذ مرحلة الرضاعة إلى مرحلة الشيخوخة. تأثر بمدرسة التحليل النفسي ولعبت آنا ابنة فرويد دوراً كبيراً في تحويل انتباه أريكسون نحو علم النفس. انصب جهد أريكسون على دراسة الطفولة والمجتمع من زاوية نفسية. لم يركز تماما على الجانب البيولوجي أو المراحل الأولى لحياة الطفل كما فعل فرويد الذي أكد في دراساته على أن أهم مرحلة تحدد معالم الشخصية هي مرحلة وخبرات الطفولة والمراهقة المبكرة (Carlson, 1988, pp. 460,167).
يرى أريكسون أن المؤثراث التي تحدد شخصية الفرد كثيرة وهي مُستمرة من بداية إلى نهاية حياة الإنسان، من مراحل الطفولة إلى الرشد والكهولة. يرى أريكسون أن الإنسان يمر بتسع مراحل في حياته وفي كل مرحلة من هذه المراحل يواجه صراعاً نفسياً اجتماعاً (Psychosocial Crisis) يؤثر في نموه ونفسيته (Parkay & Stanford, 2001, p. 291 ).
قسم أريكسون مراحل نمو شخصية الإنسان إلى المراحل التالية:
1-مرحلة الرضاعة (من الميلاد إلى 18 شهر) وهي مرحلة السنوات الأولى التي تشهد صراعاً نفسياً اجتماعياً بين ثقة الطفل بالمحيط الخارجي أو عدم الثقة ومن خلال عناية الأم خاصة بالطفل وسرعة الاستجابة لاحتياجاته تنمو مشاعر الثقة عنده فيتولد الأمل والثقة بالبيئة من حوله. وفي حالة الفشل في تنمية مشاعر الثقة فإن مظاهر الخوف والشك والقلق تتأصل في نفس الطفل. الحصول على الطعام أهم حدث في حياة الطفل في هذه المرحلة. لقد أكد أريكسون على ضرورة إرساء أساس الثقة في المرحلة الأولى وهذا يتطلب الرفق وإشباع الطفل عاطفياً. تكمن الخطورة في الأم المُرهقة والأب العصبي عندما يبكي الرضيع في منتصف الليل فلا يستطيعان تلبية احتياجاته بالشكل المطلوب.
2-مرحلة الطفولة المبكرة وتبدأ تقريباً من 18 شهر إلى 3 سنوات وفي هذه المرحلة يتعرف الطفل على قدراته وامكانياته في ممارسة الفرص التي يختارها. ويبدأ الطفل يشعر بنوع من القدرة على التحكم بالنفس وضبطها والثقة بها. وإن لم تستطع الأسرة تربية الطفل وإشباع حاجاته النفسية فإنه يشعر بالنقص وخسارة للقدرة الكامنة في النفس يتولد عنده الشعور بعدم القدرة على التحكم بالنفس. أهم حدث في حياة الطفل في هذه المرحلة أنه يتعلم دخول بيت الخلاء كي يقضي حاجته. الطفل مستعد لتنمية قدراته الحركية والعضلية كالمشي.
3-مرحلة اللعب وهي تبدأ من السنة الثالثة إلى السنة السادسة وتظهر سمات المبادرة في المشاركة في الأنشطة والأهداف وإعطاء توجيهات والتمتع بلذة إنجاز العمل. يقصد أريكسون بالمبادرة أن سلوك الطفل يتحول من سلوك عشوائي إلى سلوك هادف (مرهج, 2001, ص 131). في المقابل فإن الظروف الاجتماعية المُحبطة للطفل قد تُولد في نفس الطفل في هذه المرحلة الخوف من العقاب والكبت والتقوقع على النفس بدل الانطلاق مع الناس فيشعر بالذنب. يتعلم الطفل التحكم بالنفس وقد يتعرض إلى اكتساب الخجل الزائد والشك إذا لم يراعِ الآباء والأمهات طبيعة هذه المرحلة. أهم حدث في هذه المرحلة أن الطفل يمر في مرحلة عدم الاستقلالية.
4-سن الدراسة من ست سنوات إلى البلوغ (12 سنة) وهي مرحلة المثابرة والجد والاجتهاد والبذل إذا يتلقى الطفل العناية المطلوبة وإلا فإن هذه المرحلة ستشهد سلبيات كبيرة مثل الشعور بالذنب والتقصير والصراع النفسي النابع من الشعور بالدونية والشعور بالنقص. أهم حدث في حياة الطفل في هذه المرحلة أنه يدخل المدرسة وهي خبرة جديدة وحرجة. يقوم الطفل بتحسين خبراته والتمكن من مهاراته الدراسية كالقراءة والكتابة والتحدث والاستماع.
5- مرحلة المراهقة وتتشكل في هذه المرحلة مشاعر الاستقلال بشكل أعمق ويكون الفرد لنفسه هوية تحدده، وشخصية مُستقلة تُميزه وتغذي مشاعر الولاء للمجتمع. وفي هذه الفترة قد يتعرض المراهق إلى سلسلة من الصراعات النفسية الاجتماعية المتعلقة بالضياع في تحديد الهوية ومعرفة النفس. وقد عبر أريكسون عن هذه المرحلة بأنها تسمى مرحلة "أزمة الهوية" مما جعل "العديد من علماء النفس يعترضون على اختيار "أريكسون" كلمة "أزمة" وفضلوا استعمال كلمة "استكشاف" لوصف خبرة المراهق في البحث عن هوية, وهذا البحث يتم بشكل تدريجي" (مرهج, 2001, ص 231). أهم حدث في حياة الإنسان في هذه المرحلة أن المراهق يكون علاقات صداقة قوية ويتكيف مع التغيرات الجسدية والفسيولوجية ويتحمل المسئولية ويستقل عاطفيا ويستعد للزواج وللتفكير في اختيار مهنة مناسبة (موسوعة الأسرة، 2002، ص 203).
هذا من منظور أريكسون أما المسلم فإضافة إلى هذه السمة فإن البلوغ يعني التزام المراهق بالأحكام الشرعية وأنه مسئول عن التقصير فيها. في الإسلام رُفع القلم عن الصبي حتى يبلغ سن المراهقة فلا يؤاخذ شرعاً على التفريط والتقصير في أمور الشرع والفرائض مندوبة له قبل سن البلوغ كي يعتاد ممارستها وينال بركة وأجر التمسك بها. يجب أن يتعلم المراهق معاني الصبر والتمسك بالقيم.
من الطبيعي أن تتوتر علاقات الأسرة أحيانا في هذه المرحلة لأن المراهق يبحث عن هوية مستقلة ولا يعرف كيف يبنيها أو يعبر عنها ومن الأخطاء التي نقع بها كآباء وأمهات أننا لا نغير نظرتنا ومعاملتنا للمراهق فنعامله كطفل فينفر عنا.
6-مرحلة الرشد المُبكر وهي مرحلة يأنس فيها الفتى بالآخرين وتنمو مشاعر الحب والارتباط بهم كما أن هذه المرحلة قد تشهد مرحلة صراع نفسي يبرز من خلال الانعزال والابتعاد عن الناس فيتجنب الارتباط الشعوري بهم. أهم حدث في هذه المرحلة أن الشخص يتعلق بالحب وبتكوين العلاقات كما يقول أريكسون. في هذه المرحلة تتبلور توجهات الفرد الوظيفية والدينية والسياسية. يعرف الشخص أيضاً وظيفته الاجتماعية فالرجل يعرف دور الرجل والمرأة تعرف دور المرأة حسب طبيعة المجتمع. على الشخص أن يحقق هويته الخاصة في مرحلة الرشد المُبكر.
7- مرحلة الرشد وأوانها منتصف العمر وهي مرحلة تشهد نشاطاً ونمواً واضحاً للاهتمام بالآخرين وتوسيع نطاق الاهتمام بتبعات علاقات الحب التي تكونت في مرحلة الرشد مثل مساعدة الأبناء والعطاء والحركة. يجب أن يطور علاقات وثيقة مع الآخرين وإلا فإنه سيعاني من العزلة والركود والخمول. ومن المخرجات السلبية لهذه المرحلة زيادة بُعد الفرد عن الآخرين وتجنب الارتباط بهم إذا خسر الشخص صراعه النفسي الاجتماعي. أهم حدث يميز هذه المرحلة أن الشخص يبدأ في تقديم النصائح ويمارس دور الأبوة للرجل والأمومة للمرأة في رسالة خالدة لدعم الجيل القادم.
8- مرحلة الكهولة: تظهر ملامح الحكمة والتأني والتفكر بالقيم مثل الصلاح والاستقامة وتنشط عملية التأمل بمعنى الحياة وقبول فكرة الموت كنهاية حتمية للإنسان. من الجوانب السلبية في هذه المرحلة العُمرية الشعور بالملل وضعف الأمل أو حتى القنوط. أهم حدث في هذه المرحلة أن المرء يبدأ بالتأمل العميق ويقبل نفسه ويرضى عنها أو يقع في براثن اليأس.
9- قبل موت أريكسون في سنة 1994م وعندما كان عمره 91 سنة أضاف مرحلة تاسعة إلى نموذجه وهي مرحلة دنو الأجل. زوجته جين أريكسون (1901-1997م) التي عاشت قريبة من فكره ودراساته شرحت بعض سمات هذه المرحلة فقالت أن التحدي في المرحلة التاسعة يتمثل في مواجهة القنوط ففي المرحلة الثامنة يظهر هذا التحدي ويصاحب المرحلة التاسعة خاصة مع ظهور العجز في الجسد وفقد القدرة على أداء بعض الأعمال. الصراع في هذه المرحلة بين الثقة بالنفس وبين ضعف الثقة بها. الأمل لا يستطيع إزالة حدة التأزم النفسي في هذه المرحلة (Parkay & Stanford, 2001, p. 291 ).
من الملاحظ أن أريكسون تحدث في نظريته عن دورة الإنسان في الحياة من المهد إلى مرحلة أرذل العمر وحدد في كل مرحلة من المراحل العمرية السابقة مخرجات إيجابية وسلبية. وتظل الصراعات النفسية واجتيازها من أساسيات نظرية أريكسون في كل مرحلة من المراحل. وحسب نظريتة، فإن هناك تسع مراحل لنمو الفرد منذ الميلاد وحتى دنو الأجل. ناتج النمو الصحيح (الرشيدي والخليفي، 1997م، ص 469) هو التدرج في اكتساب المهارات التالية: الثقة، التحكم بالجسد، المبادرة، المثابرة، الاستقلال، تكوين علاقات اجتماعية ناضجة، العطاء، الحكمة، مواجهة الضعف بالثقة. النظرة المُتفحصة لنظرية أريكسون ترشدنا إلى مفهوم الأمل الذي يبدأ مع الطفل من البداية ويمكن أن يَضعف هذا المفهوم في وجدان الإنسان في النهاية حينما يصل المرء إلى مرحلة دنو الأجل ثم مرحلة أرذل العمر.
وضعنا بعض تعليقاتنا في ثنايا النظرية السابقة والآن نضيف إليها بعض النظرات. ماذا عن الفروق الفردية بين الأفراد فهل كل الناس تتحدد شخصيتهم وفق النظرية السابقة وإلى أي مدى يكون التباين؟ هل الذكور والإناث يمرون بنفس المراحل؟ إلى أي مدى تتداخل تلك المراحل الزمنية؟ وأخيراً هل كل المجتمعات المختلفة عن بعضها البعض ثقافياً تمر في أطوار النمو السيكولوجي بنفس السمات؟
رغم كل التساؤلات السابقة تظل نظرية أريكسون هامة في ميدان علم النفس (Rosenfeld & Stark, 1994, p255) وتمد الباحثين في الحقل التربوي بإطار عام لمعرفة أوجه نمو الفرد وتعطي التربية الأسرية والاجتماعية محاولة جادة لفهم نمو خصائص شخصية الإنسان وملامح ومتطلبات كل مرحلة. المعلمون يجدون في نظرية أريكسون نظرات عميقة لعملية النمو يفهمون من خلالها أنفسهم وغيرهم، مما يشجعهم على بذل المزيد من الجهد الواعي المنظم في التدريس (Palmer, 1998, p. 48). من شأن تلك النظرية أن تمد الباحث بتصور عام لفهم الإنسان وكيفية التعامل معه. عندما نضع قصص تربوية للطفل في مرحلة رياض الأطفال مثلاً فنحن بحاجة إلى أن نعرف سيكولوجية الطفل في هذه المرحلة ويمكن للنظريات النفسية أن تمدنا بخصائص كل مرحلة وعلى ضوئها نحدد موضوعات قصصنا وكيفية روايتها.
يجب على المؤمن أن يتأمل ويتعلم من مراحل نمو الإنسان لأنها تدل على عظمة الله سبحانه. قال تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ" (سورة الحج: آية 5). يبدأ الطفل ضعيفاً في أول مرحلة عمرية ثم في آخر محطة يعود الإنسان كما كان.
يذهب معظم المربين إلى التأكيد على أهمية تنويع الأهداف في العمل التربوي بحيث تشمل: الجانب المعرفي، والانفعالي، والنفسحركي وهي تُسمى تصنيف "بلوم" للأهداف.
الجانب العقلي الادراكي يهتم بالحقائق والمفاهيم والمصطلحات والمعارف والعلوم. ومن الملاحظ أن هذا الجانب متغير بمعنى أن الكثير من المعلومات والنظريات تتغير ومن جانب آخر فإن هذه العلوم من المُحال الاحاطة بها. العلم يتضاعف كل سنتين أو ثلاث في معظم ميادين المعرفة (Rose & Nicholl, 1997, 4).
من الواضح جداً أن المهارات العقلية كالجسر لتحقيق حاجات وطموحات الفرد وأن إتقان معرفة أو حفظ المعلومات ليست غاية في ذاتها في كل العلوم وإنما هي وسيلة لغايات أخرى. من الظواهر السيئة في المحيط التربوي وخاصة في المدارس التقليدية الاهتمام الزائد بالمهارات العقلية على حساب مهارات أخرى وترسيخ قناعة خاطئة تنص على أن النجاح في الحياة بحاجة إلى تنمية الجانب العقلي فقط. المدرسة يجب أن تكون صورة مصغرة قدر الإمكان عن الواقع الخارجي للمجتمع.
المجال الوجداني الانفعالي يتضمن الميول والاتجاهات والقيم للمتعلم ورغم أنه يرتبط بالمشاعر والانفعالات الداخلية إلا أن الجوانب الانفعالية لها بعض العلامات في السلوك الظاهر. من المهم أن يعرف المسلم مثلاً أسماء الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم وهذا جانب عقلي معرفي ومن المهم أن يحبهم أيضاً ولا يذكرهم إلا بالخير وكلمات الترحم والثناء والإعجاب بأفعالهم وتضحياتهم وهذا هدف وجداني هام على المدرس أن لا يغفل عنه في تدريسه لمادة التربية الإسلامية أو المواد الاجتماعية. أما محاولة الاهتداء والتخلق بسيرتهم لأنهم خير قدوة فهذا هو الجانب المهاري الإجرائي النفس حركي وهو الجانب الثالث في تصنيف "بلوم".
وعليه فالجانب النفس حركي لدى المتعلم يتمثل بالتطبيق والعمل وهو مرتبط بالجانب الحركي. من أمثلة ذلك الجانب القدرة على الكتابة والسباحة والرمي وقيادة السيارة واستخدام الحاسب الآلي..وغير ذلك من المهارات الحركية. في كثير من الأحيان يُعتبر الجانب الحركي ثمرة وغاية الغايات والأهداف لأن المعلومات والمشاعر كلها تهدف في العملية التربوية إلى الارتقاء بالمتعلم ولا يتحقق هذا الأمر إلا بتطبيق ما تم معرفته فالمراد من العلم هو العمل.
ويضع بعضهم أفعال لقياس نمو المتعلم في كل ميدان من الميادين التربوية السابقة الذكر (الجانب المعرفي والانفعالي والنفسحركي). المستوى الأول هو المستوى المعرفي ويمكن قياسه بالأفعال الآتية: يحدد - يُعرِّف - يُسمي-يذكر).
والمستوى الثاني هو المستوى الانفعالي ويمكن قياسه بالأفعال الآتية: يحرص - يحب – يعتز. أما المستوى الثالث وهو المستوى النفسحركي ويمكن قياسه بالأفعال الآتية: يجرب- يقرأ – يوظف-يكتب…
والميادين التربوية السابقة تبدأ بشكل عام من مستوى المعرفة ثم الفهم ثم التطبيق ثم التحليل ثم التركيب وأخيراً التقييم كأن يقوم المتعلم بالنقد أو التفسير والتبرير. والمشكلة تكمن في أن يقتصر التعليم على تحقيق هدف تقليدي واحد فقط مثل التأكيد على المستوى المعرفي وهنا تصبح التربية مجرد حفظ للمعلومات دون فهمها فهماً صحيحاً، وتحليلها تحليلاً دقيقاً ومن غير اكتساب فعلي للمهارات الوجدانية والنفسحركية. المناهج التقليدية تركز على إكساب المتعلم المعلومات في حين أن هدف المناهج الجديدة أساساً تزويد المتعلم بالمهارات. من المهم أن نركز على ماذا يتعلم الفرد ولكن الأهم كيف يتعلم بالشكل الأمثل. الحكمة الصينية الخالدة تقول "أعطِ الإنسان سمكة، وتكون قد أطعمته لمدة يوم؛ علمه الصيد، وستكون أطعمته إلى الأبد".
يجب أن يأخذ الأستاذُ بيد المتعلم كل يوم إلى مساحات جديدة من المعلومات ولكن الفائدة العظمى له هي أن يتعلم كيف يصل إليها متى شاء وبأقصر وأيسر السبل.
من إفرازات المنهج التقليدي القديم الذي ما زال يسيطر على الكثير من المناهج العربية وعقول بعض المربين، التركيز على الاختبارات كمقياس لتقييم نمو الطالب في حين أن الاختبار يُهمل قدرة الطالب على حل المشكلات وفتح مساحات للابتكار والتجديد، واكتساب مهارات الحياة في العلائق الاجتماعية، والتصرف السوي في المواقف اليومية.
الابتكار لغة يرد بمعنى الإنشاء والاختراع على غير مثال. الابتكار اصطلاحاً غير متفق عليه في صيغة واحدة بل كل تعريف يلمس أو يركز على ركن من أركانه عموماً. معنى الإبداع كما يشير فروم أنه إنتاج شيء جديد يراه أو يسمعه الآخرون. ويذهب سميث إلى أنه إيجاد علاقات بين الأشياء لم يسبق أن قيل أن بينها علاقات. ويتفق تورانس مع هؤلاء في تعريفاتهم ويشير إلى أن الإبداع هو أفكار جديدة وأصيلة (مرسي 1992، ص19). فمن خلال هذه التعريفات نجد أن الإبداع تتنوع وتتعدد تعريفاته ما بين اختراع، وتطوير علاقات، والإتيان بأفكار جديدة ومتميزة. يقصد بالابتكار اصطلاحاً إضافة لما سبق "تلك العملية الذهنية المنتجة لمعطيات جديدة.. كما أنه سلوك قابل للتعلم الاجتماعي والتدريب" (بدرية إبراهيم وعائشة جاسم،1987، ص 85).
يقول د. طارق السويدان (2001 م) "لكي يتمكن الإنسان من الوصول إلى الإبداع العملي لا بد أن يبدأ بالتفكير الإبتكاري وهذا يتطلب عقلاً متفتحاً مُدرباً على العمل بطرق غير تقليدية، فالعقل الروتيني الذي تعود على العمل بطرق ثابتة لا يستطيع أن يأتي بالأفكار الجديدة التي هي أساس الإبداع. القدرة الإبداعية موجودة لدى كل إنسان عاقل، ولكنه إن لم يستعملها لفترة طويلة ستضمر وتضعف ويحتاج أن يدربها ليعيد إليها القوة والحيوية" (ص 7).
ليس كل المبدعين كانوا من الممتازين في المدارس فمثلا توماس أديسون (1847- 1931 م) طرد من المدرسة ولم يدرس فيها إلا شهرين فقط، فقد علمته أمه القراءة وهذا ما كان يحتاج إليه ولكنه أصبح مبدعاً باختراعاته في توليد الكهرباء والطاقات المولدة من خلال إطلاعه على الكتب وعناية والدته بأسئلته فاخترع أكثر من ألف اختراع مختلف والتي ينعم بثمارها العالم بأسره وسمي بملك المخترعين.
وهكذا فإن المبدع هو الشخص الذي يقدم فكرة جديدة من مجموعة أجزاء متفرقة وهو الذي يطور العلاقات السابقة بعلاقات منظمة جديدة ومتميزة ولا يقتصر الإبداع على فئة معينة في المجتمع بل كل إنسان عنده جوانب إبداع وتميز في جانب من الجوانب إذا قام بتنمية ذلك الجانب.
يمر المبدع عادة بمراحل عديدة كي يُنتج عملاً مبتكراً فمن هذه المراحل:
1-التنظير: وهي مرحلة تخيل الفكرة والإعداد لها.
2-مرحلة التطوير: هنا تبدأ عملية البحث وكيفية العمل بالفكرة وتكون أيضا من خلال وضع الفكرة باللاشعور حتى يتمكن العقل الباطن من التطوير والبحث عن الفكرة الجديدة المناسبة.
3-مرحلة التطبيق: وفي هذه المرحلة تبدأ صياغة الفكرة بعدة أشكال ثم يتم اختيار الصياغة المناسبة لها.
4-مرحلة التقويم: حيث يقوم المبدع بقياس الفكرة التي توصل إليها أثناء وبعد نهاية العمل، وكذلك يحاول إقناع الآخرين بها. لذا تعتبر مرحلة التقويم من أصعب المراحل التي يمر بها المبدع.
التركيز على فكرة الإبداع والابتكار والنقد الهادف من سمات التعليم المعاصر فإن الأسرة الناجحة هي التي تشجع الفرد على التجديد وتوفر أجواء العطاء وكذلك المدرسة.
من الحقائق التربوية في عالم اليوم أن الطفل خياله واسع ومن ثم قدرته على الإبداع أعظم من الراشدين فالطفل على صغره عالم شاسع مازال المربون رغم رحلتهم الطويلة في محيطه يسبحون عند شاطئه لم يحصلوا إلا على بعض درر الإبداع التي أودعها الله جل ثناؤه في نفس الطفل.
يروى أن طفلاً سأل والده عن الازدحام المروري الشديد الذي شل حركة السير في شارع ما فقال الأب: إن السيارات لا تستطيع أن تعبر لوجود شاحنة عند مدخل النفق حيث توقفت بسبب ارتفاعها بشيء بسيط عن النفق وأن رجال الأمن والإطفاء يفكرون في كيفية إخراج الشاحنة دون الإضرار بالنفق. قال الابن: هذه مشكلة بسيطة وعندما طبق رجال الأمن اقتراح الطفل نجحت الفكرة بسهولة. لقد اقترح الطفل أن يقوم سائق الشاحنة بإخراج هواء عجلة السيارة إلى أقل حد يمكن معه أن تسير الشاحنة وبالفعل قل ارتفاع الشاحنة ومرت بسلام. أحياناً الإبداع هو مخالفة المألوف فلذلك المجتمع الجامد قد يرده ويحاربه.
بيرسي الذي كما يقال تفكر بانعكاس الضوء ليلاً من أعين القطط فاستلهم عاكسات الضوء ليلاً في الشوارع لتساعد السائق على رؤية الخطوط و المسارات في الشارع لم يكترث أحد به أو باكتشافه حتى بدأت الحرب العالمية الثانية وفي عام 1939 م ولأسباب أمنية اعتمد البريطانيون الفكرة الإبداعية لبيرسي ولعبت القطع المطاطية المزروعة في الشوارع دورها في انعكاس الضوء مع الأنوار الخافتة للسيارات العسكرية وأصبح الطريق رغم المنعطفات والمنحنيات قليلة الأخطار ولا يمكن للطائرات كشف موقعها وأصبح الإبداع والحلم الذي جاء من عيون القطط إلى عالم الفكر والتطبيق حقيقة في كل بلاد العالم.
اكتشاف وإرشاد النابغين إلى الجهات التي تنمي قدراتهم إلى أقصى حد تسمح بها امكاناتهم الكامنة بدأت تأخذ اهتماماً تربوياً كبيراً. وكذلك فإن التربية الحديثة لا تهمل المتعلمين الذين لم يحققوا نسبة النجاح في الاختبارات فإن الطلاب أصحاب التحصيل المتدني قد يعانون من مشاكل وعلى المدرسة اكتشافها وحلها وقد يكون النظام التعليمي له سياسة لا تناسب تلك الشريحة ولا تستوعب خصوصياتها.
"ويعزو ابن خلدون خمود الإبداع في الأسرة الذي شاع في البلاد إلى رداءة طرق التدريس التي أهملت فيها المناقشة والمذاكرة والحوار وتوليد طرائق التفكير، ومن ثم تموت ملكة الإبداع. فيقول: "فأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها" (موسوعة الأسرة، 2002 م، ص 232).
ينادي المختصون في ميدان الإبداع بتنويع طرائق التفكير كي يصل الفرد لمرحلة الإبداع ومن الأنماط التي يقترحونها:
الاهتمام بالحقائق والأرقام والمنطق.
الاستفادة من الحدس والمشاعر والعواطف.
التعلم من الأخطاء.
التفاؤل الإيجابي، وتبني الآراء النافعة لتوليد أفكار جديدة.
الإبداع بخلق أفكار جديدة وسلسلة من البدائل والوسائل المتجددة.
ضبط التفكير من خلال تنظيمه ومعرفة طرائق التفكير الجيد والتحكم باتخاذ القرار.
النقاط السابقة من أهم مقومات "نظرية قبعات التفكير الست" (Six thinking hats) لادوارد دي بونو.
1 تنتج التجارب مهارات المثابرة واغتنام الفرص. قال السباعي رحمه الله "التجارب تنمي المواهب، وتمحو المعايب، وتزيد البصير بصراً، والحليم حلماً، وتجعل العاقل حكيماً، والحكيم فيلسوفاً" (ص 47). فالناجح يبدأ من حيث انتهى الآخرون. لا تكن ممن يستبد بالرأي فإن القرار الصائب بذرة للحوار الهادف الهادئ. يقول إسحاق نيوتن (1643- 1727) العالم الشهير "إذا كنتُ قد سبقت غيري في اكتشافاتي فذلك لأني وقفت على أكتاف العظماء" (.(Moore & Persaud, 1993, p7
1 (صحيح مسلم بشرح النووي، للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء السادس عشر، كتاب البر والصلة والآداب ، -87- باب النهي من قول: هلك الناس).