د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك
مناهجنا الدراسية وتفعيل دور المرأة في المجتمع
تفعيل دور العالم بالمتعلم في محيط الأسرة
الأصول الاجتماعية هي دراسة أسس منظمة تساعد الفرد على التكيف والتفاعل مع المجتمع، فهماً وسلوكاً. يولد كل إنسان على الفطرة وله استعدادات جبلية بحاجة إلى التنمية وعادات مكتسبة بحاجة إلى الحياة الجماعية. الظواهر الاجتماعية معقدة ويصعب تفسيرها من خلال سبب واحد فمثلاً مشكلة الطلاق في الكويت لها عدة أسباب ولا يمكن الاقتصار على تحليل سبب واحد مهما كان جوهرياً. مشكلة مثل المخدرات قد تبرز لأسباب كثيرة منها ضعف الوازع الديني والحرمان من الحنان الأسري، والصحبة السيئة، واتساع وقت الفراغ. هناك عدة نظريات اجتماعية في فهم المجتمع والتغيرات الحادثة له منها النظرية الوظيفية البنائية وهي نظرية تفاؤلية تنظر إلى التغيير الاجتماعي من منظور تغير الأدوار بتغير الظروف وهناك في المقابل نظرية الصراع التشاؤمية التي تتمحور حول الطبقية الاقتصادية والتباين بين الفقراء والأغنياء ومن مفردات هذه المدرسة نفهم خطاب المدرسة الماركسية التي تفسر الظواهر الاجتماعية بإرجاعها إلى العوامل الاقتصادية.
أهم القضايا الاجتماعية عالمياً:
ا- حقوق المرأة والطفل والأقليات العرقية والدينية.
2- العنصرية.
3- الفوارق الطبقية.
4- الانحرافات الأخلاقية (المخدرات- العنف- الجنس).
5- ربط المدرسة بالمجتمع.
6-الاعتناء بذوي الاحتياجات الخاصة ... والقضايا ذات الطبيعة الإنسانية.
7-دراسة أثر التكنولوجيا الحديثة في سلوك الأفراد.
8- الحرية الفكرية.
الوسائط التربوية هي مؤسسات التطبيع الاجتماعي الرسمية وغيرها التي تقوم بتوصيل الثقافة وتساهم بتشكيل التوجهات للفرد أو المجتمع ولا يمكن أن تكون مخرجات التعليم جيدة إذ لم تكن هناك حالة انسجام وتناغم بين الوسائط التربوية كالإعلام والأسرة والمساجد والمدارس. إن الفجوة أو بالأصح الهوة السحيقة بين تلك المؤسسات تجعل المجتمع يعيش في كم هائل من التناقضات التي ستطحن المجتمع بضغوط من الانحرافات إذا لم يتم تدارك الأمر.
أولاً: الأسرة: والتي قد تكون ممتدة حيث يعيش في البيت أكثر من جيل كالأحفاد وقد تكون أسرة نووية الحجم حيث يعيش في السكن الزوج مع زوجته والأبناء. وتلعب الأسرة بلا شك دوراً عظيماً في عملية التنشئة الاجتماعية نظرا لقربها لقلب وعقل وجسد الطفل. ولأهمية الأسرة في ديمومة المجتمعات فإن الدساتير الدولية تنص على رعاية الأسرة وحمايتها لأنها أول وأهم لبنة في صرح المجتمع. ينص الدستور الكويتي على أهمية دور الأسرة ففي المادة التاسعة من الباب الثاني أن "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين، والأخلاق وحب الوطن، يحفظ القانون كيانها، ويقوي أواصرها، ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة".
من وظائف الأسرة ما يلي:
الاعتناء بالنمو البدني والعقلي والاجتماعي والنفسي.
غرس المعتقد والدين.
رسم المسارات المستقبلية للناشئة.
تغذية المشاعر الإنسانية النبيلة وتحقيق الانتماء والحب.
مد يد العون لمساعدة الفرد في مواجهة المحن.
الدعم الاقتصادي.
التكافل الاجتماعي.
لا ريب أن البيت هو المدرسة العظمى للطفل أو كما يقول القرضاوي:
|
والبيت
مدرسة للطفل جامعة |
|
والأم
أول أستاذ لكــل صـبي |
ولقد جعل الإسلام للوالدين مكانة عظيمة، كما حملهما مسئولية جسيمة، وطالب بذل غاية الوسع في وقاية الأسرة من الضلال. وفي الحديث الصحيح "الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنّةِ"[1] قال شرَّاح الحديث النبوي "أي خير الأبواب وأعلاها، والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوسل به إلى وصول درجتها العالية مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه، وقال غيره: إن للجنة أبواباً وأحسنها دخولا أوسطها، وإن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد" (المباركفوري). والوالدة أعظم منزلة من الوالد والحديث يشملها وبلغ الوصف النبوي في تكريمها إلى القمة عندما قال "الزمها فإن الجنة تحت أقدامها"[2] وبهذا فإن الإحسان إليها والبر بها ذروة الجهاد وثوابه أعلى الجنان.
قال سُبْحَانَهُ كما في سُورة التّحريم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)". وورد في صحيح الْبُخَارِيّ "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الإمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا" (كتاب الجمعة). وهكذا فإن الآيات والأحاديث الواردة في شأن الوالدين كثيرة ولأن حقوقهما كبيرة فإن عقوقهما كبيرةٌ من كبائر الذنوب.
"دور المرأة في الأسرة هو المهمة الأساسية الأولى وهذا لا ينفي أن لها مهامَّ أخرى في المجتمع. وإن نمو الوعي الاجتماعي والتعاون الوثيق بين الزوجين عاملان ضروريان للتنسيق بين المهمة الأولى للمرأة وبين غيرها من المهام التي قد تفرضها مصلحة المجتمع المسلم ليمضي في طريق النهوض والتقدم" (أبوشقة، 1999 م، ص 48).
لم يستطع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين – أن يقيموا مجتمعاً قوياً من غير أن يستعينوا بإسهامات النساء في حقول متنوعة ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم من دون تفعيل دور المرأة حضاريا على شرط أن لا يخل ذلك برسالتها الأسرية السامية. المرأة شقيقة الرجل وشريكته في صنع حياة كريمة وتظل الأسرة في البداية والنهاية أهم ركن في جدار المجتمع تسدد مساره وتحدد مصيره. عندما تصبح الأسرة خاضعة لسلطان الرجل وحده لا نستغرب أن نجد الاستبداد يسود المجتمع كله. من الظلم أن تتحول علاقة الزوجين المبنية على الميثاق الغليظ والمودة والسكن إلى علاقة السيد الآمر بالخادم المطيع فهذه العلاقة لا تثمر إلا مجموعة من الأتباع الجامدين لا القادة المفكرين.
ثانياً جماعة الرفاق
الرفقة الصالحة أساس التربية الحميدة فالمرء يقاس بقرينه لأنه يقتبس من صاحبه من حيث يدري أو لا يدري فإنما يُعرف المرء بمن يصاحب ويلاعب. إذا كان المفكرون والحكماء قديماً يحثون على حسن اختيار الصاحب فإن الدراسات الاجتماعية اليوم تتفق قطعاً مع تلك القاعدة.
يساهم الأصحاب بالآتي:
1- تكوين الآراء والتوجيهات العامة والهامة.
2- مشاركة الخبرات الاجتماعية.
3-أداة ضغط على السلوك الفردي لأن السلوك الاجتماعي يتشكل من نظرة الإنسان لنفسه ونظرة الناس له في كثير من الأحيان.
4-إشباع حاجة الفرد الفطرية للأصحاب.
5-مساعدة الفرد على تحقيق أهدافه الخاصة والعامة. لقد شدّ الله عز وجل عضد موسى بأخيه هارون للوفاء بحق تبليغ الرسالة وتحقيق متطلبات الاستخلاف في الأرض وكل عمل جليل يقف خلفه كوكبة مِن المتآلفين فكرياً وروحياً.
هناك جملة من الأخلاق الكريمة على أساسها يتآخى الخلان منها السخاء والوفاء والأمانة، وكتمان السرّ، وإخلاص النصيحة، وستر العيوب، وحسن الإصغاء له إذا تحدث، وتذكيره بالخير والتواصي بالحق، وترك المراء والجدال معه، وأن يناديه بأحب أسمائه إليه، وأن يثني عليه بما يعرف من محاسنه دون مبالغة ولا يجامله على حساب الحق، ويذب عنه في غيبته، وينهض معه في حوائجه ويدعو له بالخير ويتواصل معه بالزيارات في أيام الرخاء والبلاء على حد سواء. ويعفو عن زلته وهفوته ولا يحاسبه ويعاتبه على كل صغيره، ويدعو له في الخلوة في حياته ومماته، ويصل أحبابه ويُحسن إليهم، لا يمازحه إلا بما يُسعده، ولا يُكدر صفو الود بما يقوله الناس، ويسير معه في طلب العلم ويعينه في ذلك.
ويُنسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
|
واحفظْ
صديقكَ في المواطنِ كُلِّها |
|
وعليكَ
بالمرءِ الذي لا يكذبُ |
يقول الشاعر بشار بن برد:
|
إِذا
كنْتَ في كُلُّ الأمورِ معاتباً |
|
صديقَكَ
لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ |
ثالثاً- المؤسسات التعليمية ومنها المدرسة
المدرسة تاريخياً هي الوعاء الذي يحمل ثقافة المجتمع وعن طريقه تقوم التنشئة الاجتماعية بشكل منظم وسليم وفي مؤسسات متخصصة. في كل مرحلة من المراحل الدراسية جملة من الأهداف التفصيلية التي تناسب أعمار الطلاب وثقافة المجتمع وهناك جملة من الأهداف العامة المفترض أن تقوم بها المدارس عموماً في المجتمعات المسلمة ومنها:
ا- غرس معاني العقيدة الصحيحة والشريعة السمحة في نفوس المتعلمين. هذه الجملة القصيرة البسيطة هي غاية الغايات لكل مؤسسات التنشئة الاجتماعية في البلاد الإسلامية في كل زمان ومكان ومن أجل تلك الغاية خُلق الإنسان بداية، ووضع الميزان نهاية، ونزل القرآن هداية.
2-تنمية وتنقية التراث الإنساني ونقل الثقافة العامة والمعرفة وفق أسس علمية وطرق تربوية صحيحة. مؤسسات التعليم تعمل على توحيد الثقافة العامة للمتعلمين وهو الأمر الذي يعطي خلفية مشركة لهم فيجعلهم أكثر تجانساً.
3 - إعداد المهنيين والكوادر الوطنية لتغطية حاجة سوق العمل وسد احتياجات وزارات الدولة ومؤسساتها المتنوعة.
4- تعزيز العلاقات الاجتماعية بين طبقات المجتمع وتذويب الفوارق التي من شأنها تمزيق الوحدة الوطنية.
5 - تشجيع التغيرات والإصلاحات في المجتمع من خلال توجيه الطلاب نحو الاتجاهات الإيجابية من خلال الارتقاء بالوعي الاجتماعي السياسي والصحي.
6- غرس الولاء للوطن وتأصيل العمل بمقتضى قوانين ودستور البلد. المدرسة من شأنها أن تربي المتعلمين على ممارسة معاني الوطنية في مباني المدرسة وخارج مبانيها من خلال ميثاق الحقوق والواجبات المنبثقة من قيم الفضيلة والوفاء والفداء، والولاء، والعطاء.
7- تنمية علاقة الطالب مع بعض مؤسسات التربية والتعليم وتوطيد العلاقة معها مثل المسجد والمكتبة والإذاعة والمسرح والصحافة من خلال الأنشطة الحرة.
8- تشبع المدرسة الحاجات النفسية للمتعلم مثل الحاجة للتعلم وللانتماء وتحقيق الذات وتشجع المتعلمين أيضا على زيادة دافعيتهم نحو التعلم.
9- اكتشاف الفائقين ورعايتهم ومعرفة المتعثرين وسد حاجتهم من العون والدعم.
10- إعداد المرأة القادرة على تربية الأجيال وخدمة المجتمع.
11- ربط العلوم بمبادئ الإسلام والتأكيد العملي على أن الإسلام منهج حياة.
12- مشاركة الأسرة في استكمال مسيرة التطبيع الاجتماعي للفرد.
وبشكل موجز يمكن القول أن المدرسة تساهم بعملها المنهجي في تكوين الشخصية المنتجة القادرة على التكيف والتفاعل مع الآخرين ومن أهم سماتها التفكير العلمي الرافض للجمود والتقليد والداعي إلى البحث والإنتاج. المدرسة هي التي تولي جلَّ اهتمامها بتنمية شخصية الطالب من المحاور التالية (العقلية -اللغوية -الحركية -الطبيعية -النفسية -الاجتماعية -الجمالية -العلمية -الروحية –المعيشية- التصويرية).
كتبت الأستاذة نورية الصبيح -الوكيل المساعد للتعليم العام- "ومن الجدير بالذكر أن العام الدراسي في الكويت يعتبر أقصر دوام في العالم إذ يبلغ (130) يوم عمل بينما في دول مثل اليابان 280 يوما والولايات المتحدة (185) يوما ودول الخليج (150 ـ 180) يوما ثم نلوم الطالب الكويتي لماذا لا يكون مثل الطالب الياباني مثلا أو الأمريكي، السبب ببساطة أننا لم نتح له الفرصة الكافية للتعلم."[3]
رابعاً: أماكن العبادة (المسجد):
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ {18}" (سورة التوبة). يحتل المسجد مكانة مرموقة في قلوب المسلمين للأسباب التالية:
1- مكان للعبادة.
2- يقوم المسجد بتحقيق التكافل الاجتماعي والاقتصادي وتحطيم الفوارق الطبقية والعرقية وتأسيس الناس على مبدأ السواسية في الإنسانية ونبذ الخلافات.
3- مظهر من مظاهر قوة المسلمين وتضامنهم.
4- يلعب المسجد دوراً هاماً في تنمية الثقافة العامة والاستزادة من العلوم الدينية.
5- يجدد المسلم فيه نشاطه من عناء العمل وتوفر له لحظات صادقة من الراحة النفسية التي تعينه على مواجهة مصاعب الحياة. وفي المسجد يلتقط المؤمن أنفاسه ويقوم بمراجعة النفس والتأمل في الحال دون أن تلهيه مشاغل الحياة.
6- ارتياد المسجد يربي المسلم على النظافة والنظام وتقدير الوقت وقيم أخرى من قيم النجاح والتفوق.
خامساً: النوادي والجمعيات الثقافية والرياضية:
تساعد النوادي والجمعيات الثقافية والرياضية الأسرة والمؤسسات التعليمية في أداء رسالتها التنموية في المجتمع. فالأندية الرياضية تستثمر طاقات ومهارات الطلاب في مرافق آمنة ومُتخصصة. من جانب آخر تتفق النوادي والجمعيات في أهدافها العامة مع المؤسسات التربوية التي غالبا تعمل من الصباح الباكر إلى الظهيرة في حين تعمل الأندية والجمعيات عادة في الفترة المسائية وتعمل على استثمار جهود الشباب خاصة وشغل فراغهم بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع. وهكذا فإن الأندية والجمعيات عموماً تخدم الجهود المدرسية في تنمية الطلاب والطالبات بدنياً وأخلاقياً وفكرياً.
علاوة على ذلك كله فإن المؤسسات الترويحية والثقافية تمتاز بكون العضو الذي ينتسب إليها اختار المشاركة في الأنشطة بشكل تطوعي اختياري وهذا يساهم في اشباع حاجات الفرد. معظم تلك المؤسسات وعلى رأسها الأندية توفر الترفيه والتسلية التي تزيد من عطاء الفرد. مراكز الترويح Recreation centers تقوم بتخليص الإنسان من ضغوط الحياة ومتاعبها فإن الجانب النفسي في الإنسان إذا وقع تحت وطأة العمل المستمر ينهار بسهولة أو يقل إنتاجه وتتقلص فرص الإبداع في تفكيره.
الأندية توفر نشاطات جماعية وإرشادات منهجية لتشجيع الأعضاء وهذا بدوره يوفر الأجواء الإيجابية للتفاعل والنمو وقضاء الأوقات بما هو نافع وممتع.
سادسا:وسائل الإعلام
من أخطر اكتشافات الإنسان وأكثرها انتشاراً وأقواها تأثيراً: وسائل الإعلام من تلفزيون وإذاعة ومسرح ودور للسينما وصحافة. وتمتاز هذه الوسائل بقدرتها الفائقة على الوصول إلى معظم طبقات المجتمع بسهولة وبأقل تكلفة مالية. تلعب وسائل الإعلام دوراً واضحاً في تشكيل الجماهير وصياغة خطاب الرأي العام فإذا صلحت الصحافة وأخواتها وتركت التزلف فإن دورها الرقابي يتزايد مما يحقق مقاصد المجتمع ويحميه من الممارسات السلبية والأهواء الشخصية.
إذا لم توجه أجهزة الإعلام لخدمة أهداف التربية فإنها حتماً ستقوم بتشتيت جهود الحركة التربوية. تكمن أهمية أجهزة الإعلام في عدة نقاط منها: أن أجهزة الإعلام تُوصل المعلومات أولاً بأول وتصنع النجوم والمشاهير في حس الناس، وتعمل على تشكيل الرأي العام في المجتمع، وتخاطب المتعلمين والأميين على حد سواء، وأخطر مشكلة في أجهزة الإعلام هي فلسفتها القائمة على الإثارة وتتبع الغرائب، والخضوع لجشع الإعلانات التجارية الهابطة.
إن الوقت الذي يقضيه الطالب مع أجهزة الإعلام قد يفوق الوقت الرسمي الذي يمضيه في قاعات الدرس على مدار العام الدراسي إضافة إلى أن وسائل الإعلام تعصف بالإثارة والغرابة والطرافة. تكشف الدراسات والاستطلاعات عن وجود تأثير قوي للإعلام خاصة في التأثير في تشكيل شخصية الأطفال والمراهقين. هناك علاقة واضحة بين انتشار العنف بين الشباب وزيادة معدلات الجريمة وتعاطي المخدرات والانحراف بصوره المتنوعة وبين ما يتم عرضه من برامج تلفزيونية.
تعمل أجهزة الإعلام على توسيع دائرة الثقافة ولكنها في العموم قد تكون غير منضبطة بمعالم القيم الدينية. وسائل الإعلام عادة، وليس بالضرورة، قد تكون أسيرة القوى الاقتصادية ومطامعها الانتهازية أو القوى السياسية ومقامعها التسلطية وهو الأمر الذي يُبعد الوسائل الإعلامية عن أداء دورها التربوي المنشود.
يقول د. عبدالقادر طاش (2002 م): "وأكاد أزعم بأن الإعلام اليوم لم يعد مجرد وسيلة لنقل الثقافة وتوسيع دائرة انتشارها , بل إنه يقوم - بالإضافة إلى ذلك - بمهمة أخرى ذات أهمية كبيرة هي الإسهام في تحديث الثقافة وتجديد معطياتها وتطوير أدواتها وأساليب صياغتها ؛ لتلبي حاجات الأفراد والجماعات , وتتجاوب مع إيقاع العصر بكل ما يتم به من حيوية وجاذبية وسرعة حركة .. الوظيفة التثقيفية لوسائل الإعلام تقع في الصميم من الوظائف التقليدية للإعلام منذ بدأ علماء الاتصال والإعلام تحديد تلك الوظائف وتقنينها , ولعل أول مَن قام بذلك الباحث الأمريكي هارولد لاسويل في عام 1948م , عندما جعل "نقل التراث الاجتماعي من جيل إلى آخر" وظيفة رئيسية من وظائف الإعلام" (باختصار).
إن الفرق الشاسع بين الكثير من أنشطة وسائل الإعلام على سبيل المثال وبين قيم المجتمع الكويتي والعربي المسلم يمكن رؤيته بسهولة إذ يعيش المرء في سلسلة من المتناقضات فالمعلم مثلاً يؤكد على الإلتزام بالأخلاق الفاضلة في حين أن الإعلام وخاصة "إعلام الفضائيات" يبث الرقصات المبتذلة المشتملة على التثني والتكسر والمحرضة على الرذيلة. إن الشركات العالمية تعرف دور الإعلام ففي دقيقة واحدة يستطيع التلفاز أن يُبرمج عقول الناس فمثلاً شركة بيبسى للمشروبات الغازية دفعت ملايين الدولارات لدعاية واحدة يقدمها مايكل جاكسون وكان أن حققت الشركة أرباحاً هائلة وكذلك أقبل الناس على فيلم مثل "تايتانك" الذي حقق مبيعات تجاوزت الملايين من الدولارات منذ الشهور الأولى.
ضمور رسالة الإعلام وتناقض القيم يهدد المجتمع ووسائطه التربوية وهو ما نراه من سن قانون يمنع التدخين في المرافق العامة ولكنه لم يُطبَّق فالقانون دون تنفيذ فيه إضاعة للهيبة وينادي المصلحون صباح مساء و هم يحذرون الجيل اليافع من تلك الآفة السيئة ولكن الواقع ينطق بخلاف ذلك وهاهي المجلات تتفنن في إعلاناتها لتزيين تعاطي السيجارة. إنها من خلال دعاياتها الإعلانية توحي للناس بأن السيجارة لها علاقة بالقوة أو الثراء أو تهدئة النفسية المُتعبة.
كونفوشيوس المربي الصيني عرف أهمية الصورة ومدى تأثيرها في الإنسان فقال إن ما يشاهده الإنسان بالعين يساوي ألف كلمة يسمعها. يقول الأديب الرافعي عن خطر الإعلام في إفساد الفتيات "ورُبَّ منظر يشهده في السينما ألف فتاة بمرَّة واحدة، فإذا استقرَّ في وعيهنَّ، وطافت به الخواطر-سلبهُنَّ القرار والوقار- فَمثَلنه ألف مرَّة بألف طريقةٍ في ألف حادثة" (ج1، ص 162). تشير بعض الدراسات إلى أن المحطات التلفزيونية في العالم النامي تستورد أكثر من 50% مما تقدمه، وأن أكثر من 75% من هذه المادة الإعلامية المستوردة من منشأ أمريكي يصور الثقافة اللادينية. وهذا الأمر يحير المصلحين ويدعوهم للتفكر مثنى وثلاث ورباع في كيفية الحد من أضرار الفضائيات، وأشرطة الفيديو، والشبكات الإلكترونية في الإنترنت.
رحم الله الرافعي الذي شاهد وصوّر ببيانه الآثار السلبية لإعلام بداية القرن العشرين الذي كان محافظاً مقارنة بالإعلام الإباحي اليوم!!
إن المشتغلين في حقل التربية والتعليم لهم تاريخ مهني امتد عبر القرون المتطاولة وعلى مساحات جغرافية متنوعة شملت القارات الخمس. منذ عهد بعيد والمعلم له دور في إعداد الإنسان لمواجهة متطلبات الحياة والمعلم في أسرته ومجتمعه قد يكون حاكما أو حكيما أو كاهنا لكل أهدافه ووسائله ومنهاجه.
إننا نرى اليوم العالم الغربي قد أقام فلسفته بعيداً عن سياج الأخلاق فأصبحت العلل الاجتماعية، والعُقد النفسية، والمصائب الاقتصادية تُهدد حضارتهم. لقد قامت الحضارة الغربية على الفلسفة الإلحادية Atheistic Philosophy فالتربية مادية جافة منحرفة. لا يمكن دراسة الأصول التربوية في البلاد الإسلامية دون ربط التربية بالأخلاق.
يقول أبو شقه " قد يتساءل البعض كيف قامت الحضارة الحديثة وتفوقت وسادت، مع وجود الانحرافات الخلقية مثل تلك المتصلة بالجنس وتناول الخمر والقمار.. لكن إذا تأملنا الأخلاق وجدناها عبارة عن مجموعة متكاملة من القيم تغطي جوانب الحياة كلها فكرية سلوكية شخصية اجتماعية. والذي يحدث عادة في الأمم أن تبرز بعض القيم وتسود وتضعف قيم أخرى. والأمة تنهض وتتقدم بغلبة تأثير مجموعة معينة من القيم مثل الثقة بالنفس والطموح والجد والإتقان واليقظة والنظام والبسالة والاستهانة بالموت فإذا برزت هذه القيم وسادت امتد دورها إلى التخفيف من ظهور أثر بعض الانحرافات الخلقية كالزنا والخمر والقمار. ولكن مع مضي الزمن ومع تدخل بعض العوامل الخارجية كظروف حرب أو ترف أو فقر شديد أو فراغ روحي، قد يقع عند ذلك إسراف في (الخمر والميسر والزنا) مما يحطم من أخلاق النهوض ويهدد تماسك المجتمع ويضعف من قوته".
يقول سيد قطب في ظلاله "والناظر في هذه العقيدة، كالناظر في سيرة رسولها، يجد العنصر الأخلاقي بارزا أصيلا فيها، تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء ... إنها ليست فضائل مفردة: صدق، وأمانة، وعدل، ورحمة …. إنما هي منهج متكامل، تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية؛ وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا" (باختصار).
ولقد انتبه علماء الفكر التربوي الإسلامي إلى وظيفة المعلم فحددوا أهم الآداب كما فعل الإمام الغزالي إذ كتب عن وظائف المعلم والمتعلم وهي في حقيقتها أخلاق جامعة وآداب كريمة يجب أن يتحلى بها المسلم عموماً.
يمكن اختصار أهم النقاط التي ذكرها أبو حامد الغزالي بشأن خلق المتعلم استناداً إلي كتابه "إحياء علوم الدين" بالنقاط التالية مع إضافة بعض النقاط عليها:
تطهير النفس من رذائل الأخلاق كالكذب والغش.
التقلل من شواغل الدنيا والحذر من الركون إلي ملذاتها.
أن لا يتكبر المتعلم علي العلم ولا يتأمر علي المعلم. وذكر الميداني في مجمع الأمثال " تَاجُ المُرُوءَةِ التَّوَاضُعُ".
عدم الخوض في الاختلافات العلمية في بداية طلب العلم.
أن يطّلع علي مبادئ العلوم بتنوعها.
دراسة الأهم من الفنون والعلوم.
أن لا يخوض الطالب في فن حتى يتقن الفن الذي قبله.
معرفة ثمرة العلوم هل هي أبدية أو فانية وعليه أن يحرص علي العلم الذي يوصله للآخرة وأن يحرص أيضاً على كل علم ينفع الناس.
إخلاص القصد وعدم احتقار سائر العلوم (إحياء علوم الدين، ص 49 – 55).
إكرام المعلم واحترام جميع العاملين في المدرسة، الصغير منهم والكبير على حد سواء.
بذل الجهد والاجتهاد والإحسان في عمل ما يُطلب منه.
الحرص على زيارة المكتبات واستثمار الأوقات.
التحلي بالصبر.
الاعتناء بملابسه ومظهره من غير إسراف.
تطبيق العلم على أرض الواقع. وقيل «مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ».
من الأخلاقيات المرتبطة بالتعليم الذاتي إن المتعلم يجب أن يوقن بأن العِلم لا يُعطى لصاحب مال أو يُهدى لرخي البال بل يؤخذ بقوة وعزم ومثابرة ومبادرة فلا ينال مدارك العلم إلا الحريص عليه صاحب الهمة العالية. يقول توماس أديسون المشهور باختراعاته المذهلة في تاريخ البشرية إن في العبقرية إلهام بقدر 1% أما الـ 99% فهي في المثابرة أو كما يقول الزرنوجي "والرأس في تحصيل الأشياء الجد والهمة" ومن روائع قوله "وكن ذا همة فإن من ضعفت همته ضعفت منزلته" (مناقب أبي حنيفة للموفق المكي، ج1 ص 377). قال النحلاوي (2002 م) البلادة مَلكة يَقْصُر بها صاحبُها عن إدراك الخير والشر، وضدُّها: "الذكاء، والفطنة، وعلاج هذا الخُلق: السعي، والجِد، والمواظبة في التعلم، والدراسة، فإن البلادة تزول بذلك، وتضمحل شيئاً فشيئاً، حتى يصير ذكاءً وفطنة، قال: أبو حنيفة رضي اللَّه عنه لأبي يوسف: "كُنْتَ بليداً، أخْرجتك مواظبتك".
أما عن أخلاق المعلم ففي شعرنا العربي الجميل طائفة من الأشعار الفياضة التي تتحدث عن أخلاق المعلم ولعل من أشهرها وأجملها قول أحمد شوقي وهي أبيات تستحق أن تكون دستوراً للمعلم تذكره بأهمية رسالته :
|
قمْ
للمعلمِ وفِّهِ التبجيلا |
|
كاد
المعلمُ أن يكونَ رسولا |
يمكن اختصار أهم النقاط التي ذكرها الإمام الغزالي بشأن وظائف المعلم وهي في حقيقتها الأسس المهنية الأخلاقية التي يجب أن يلتزم بها المعلم بالنقاط التالية مع زيادة عليها:
الشفقة بالمتعلمين وأن يجريهم مجرى بنية لقول صلي الله عليه وسلم "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده".
أن يكون تعليمه أساساً لوجه الله تعالي فإنما الأعمال بالنيات.
إخلاص النصح للمتعلمين.
استخدام التعريض والتلميح لا التعنيف والتوبيخ في تصويب الخطأ.
أن لا يقبّح العلوم الأخرى في نفس المتعلم مع مراعاة التدرج في تنقل المتعلم من رتبة إلي رتبة.
أن يقتصر بالمتعلم علي قدر فهمه مع تنويع البراهين الحسية والسمعية والعقلية لتثبيت الحقائق.
أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلي اللائق به ولا يذكر له أن وراء هذا تدقيقا له فإن ذلك يفتر رغبته ويشوش عليه قلبه.
أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن العلم يُدرَك بالبصائر والعمل يُدرَك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر فإذا خالف العمل العلم مُنِع الرشد وكل من تناول شيئاً وقال لنا لا تتناولوه فإنه سم مهلك، سخر الناس به وزاد حرصهم علي ما نُهُوا عنه (إحياء علوم الدين ص 55-58 باختصار وتصرف).
أن يكون المعلم متفائلاً وإيجابياً ويشجع الطلاب على المزيد من التحصيل.
يعتني بمظهره الخارجي من غير إسراف.
التحلي بالصبر.
التعامل مع الطلاب على أساس العدل.
تعظيم شعائر الدين. قال تعالى في سورة الحج "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)".
يحاسب طلابه بميزان الإنصاف الذي وصفه ابن رجب " وَلْيُوَسِّعْ الْعُذْرَ إنَّ اللَّبِيبَ مَنْ عَذَرَ... وَيَأْبَى اللَّهُ الْعِصْمَةَ لِكِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِ، وَالْمُنْصِفُ مَنْ اغْتَفَرَ قَلِيلَ خَطَأِ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ". وهذه القاعدة التي أشار لها الْعَلامَةُ أَبُو الْفَرَجِ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيّ في مقدمة كتابه القواعد الفقهية من مستلزمات المعلم في تقييم تلاميذه ومن أخلاقيات المسلم في اختيار الأصحاب.
الالتزام بمواعيد بداية ونهاية الدرس مع حسن استغلال الوقت وإدارته في الفصل وخارجه.
وفي موطن آخر يذكر الإمام الغزالي آداب معلم الصبيان فيقول: "يبدأ بإصلاح نفسه، فإن أعينهم إليه ناظرة، وآذانهم إليه مصغية، فما استحسنه فهو عندهم الحسن، وما استقبحه فهو عندهم القبيح، ويلزم الصمت في جلسته... ويقبّح عندهم الغيبة، ويوحش عندهم الكذب والنميمة..ولا يُكثر الطلب من أهلهم فيملوه، ويعلمهم الطهارة والصلاة، والأخلاق الإسلامية (مجموعة رسائل الإمام الغزالي: الأدب في الدين، ص 92 باختصار وتصرف).
الأخلاق قبل العلم ولئن يترك الأب لابنه والمعلم لتلميذه خلقاً كريماً خيرٌ من علم كثير وكما قال عليه السلام: (ما نَحَلَ والدٌ وَلَداً مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ". قوله: (ما نحل) أي ما أعطى والد ولداً (من نحل) بضم النون ويفتح أي عطية أو إعطاء ففي النهاية: النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق، يقال: نحله ينحله نحلا بالضم، والنحلة بالكسر العطية (أفضل من أدب حسن) أي من تعليمه ذلك ومن تأديبه بنحو توبيخ وتهديد وضرب على فعل الحسن وتجنب القبيح، فإن حسن الأدب يرفع العبد المملوك إلى رتبة الملوك" (المباركفوري، في تحفة الأحوذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد، الحديث 1300).
يقول الأستاذ عبدالحليم أبو شقة (2002 م) "في أية مؤسسة أو في أي مجال ينبغي أن تتكامل وتتساند مجموعة من الأخلاق، حتى تنهض المؤسسة كلها (أو المجال كله) في وحدة متسقة، وإلا صلحت جوانب وفسدت جوانب أخرى، وربما اختلت جميع الجوانب.
فمثلا في مؤسسة كالجامعة:
* حب العلم وتقديره، والجد في التحصيل... خلق.
* واختيار التخصص حسب القدرة، واختيار التخصص حسب تلبية لحاجة المجتمع.. خلق.
* والاهتمام برسالة الجامعة العلمية والاجتماعية والوطنية.. خلق.
* والأمانة في الأبحاث والامتحانات، والحوار المهذب مع المخالفين، والاحتشام في المظهر.. خلق. فلَِم يرفع الإسلاميون عادة لواء خلق واحد ويصرخون به بالليل والنهار ويدعون بقية الأخلاق دون تقدير أو دون ممارسة أو دون دعوة لها ؟!" (باختصار وتصرف).
لا تنال الأمة حظها المرتقب من التوفيق من غير إحياء علمي وعملي للأخلاق الفاضلة التي يجب أن توجه جميع مسالكنا. قال سيد قطب "لا بد من قيادة تمتلك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوربية في الإبداع المادي وتزويد البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة بالقياس إلى ما عرفته البشرية، وبمنهج أصيل وايجابي وواقعي في الوقت ذاته، والإسلام وحده هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج" (أبوشقة، 2001 م، ص 24).
مناهجنا الدراسية وتفعيل دور المرأة في المجتمع
تلعب المرأة دورا مجتمعيا فاعلاً لا يقتصر -إذا أرادت- على العطاء في ميدان المنزل فقط. التعليم للجميع من مقتضيات العدالة في المجتمعات العربية التي أصبحت تعاني من انتهاكات صارخة في حقوق الإنسان لاسيما بالنسبة للمرأة. وينبغي للمدارس أن تعمل على تشجيع البنت على التعبير عن آرائها قولا وسلوكاً وترفض كل أشكال الظلم الاجتماعي والوصاية الفكرية، لكي تتبوأ مكانتها كشقيقة للولد.
لا يخامرنا شك بأن الشرق أخفق إلى الآن في تفعيل دور المرأة حضاريا والنهضة الشاملة لن تكون من دون أهداف مرسومة معلومة تعكس قناعات صادقة لدور المرأة الذي اختزل فصار ضيقاً. قال حافظ إبراهيم:
|
من
لي بتربية النساء فإنها |
|
في
الشرق علة ذلك الإخفاق |
ونظراً لأهمية موضوع تفعيل دور المرأة قامت د. لطيفة الكندري بالمشاركة مع د. محسن الصالحي في قسم الأصول والإدارة التربوية (كلية التربية الأساسية) باقتراح مقرر يخص المرأة وقضاياها التربوية وقد اعتمد القسم العلمي ذلك.
قامت د. نجدة سليمان (1999 م) بدراسة أكاديمية حول صورة المرأة في كتب التعليم الأساسي, وأكدت نتائج ومقترحات الدراسة على أنه ينبغي تغيير الاتجاهات السلبية السائدة نحو المرأة العربية, "وتجسير الفجوة في المعاملة بين الذكور والإناث, ومحو الأمية السياسية والقانونية للمرأة العربية, وتنمية ثقافة تحث على مشاركتها في عملية التنمية والتحديث" (ص 158).
يساوي الدستور الكويتي بين الرجل والمرأة ولكن بعض اللوائح الإدارية مثلاً تضع العراقيل والكوابح للحد من تعليم المرأة وإتمام دراساتها العليا فالمرأة التي تقرر إتمام دراستها سوف تفكر وتترد في هذا الشأن لأن زوجها المرافق لها سيحرم من مزايا كثيرة (بدل السكن – علاوة الأبناء...) حسب قوانين البعثات الدراسية في معظم الجهات الحكومية أما الرجل فيتمتع بهذه الامتيازات في حال بعثته.
في ضوء تحليل لمجموعة من الكتب المدرسية يتضح لنا أن هذه الكتب "تنسب للرجل معظم الصفات والأدوار الإيجابية في المجتمع, في حين تنسب للمرأة الصفات والأدوار التي تظهر جانب الضعف, وعدم الاستقلالية في إبداء الرأي, أو اتخاذ القرار, وقد لا تظهر هذه واضحة, وإنما في مجملها تتضمن هذه المفاهيم التي تترسخ في أذهان النشء منذ المراحل الأولى" (الفريح, 1994, ص, 85، سليمان, 1999, ص 22, انظر لانغ، 2002، ص 169، 171). "الكثير من النساء المسلمات قد تم تحنيطهن بأسلوب مخالف للإسلام، وحرمن من لعب دورهن العام، الذي هن مؤهلات له" (هوفمان، 2002 م، ص 108). "يجب أن تعزز المناهج الصورة الصحيحة لطبيعة المرأة والابتعاد عن وصفها بالضعف والخوف وسرعة الانفعال والعاطفية الزائدة ... فإن ربيت ابنتك لأن تكون قوية مستقلة فستصبح كذلك، وإن ربيتها لتكون ضعيفة تحتاج لمن يرعاها فستكون كذلك" (بن جاسم، 2002، ص 120).
تسود العالم الإسلامي تصورات وممارسات قاصرة عن ذكاء وقدرات الأنثى. لقد تناقصت وتقلصت إسهامات النساء الحضارية لأسباب عديدة استعرضناها بالتفصيل في كتابنا تراثنا التربوي. التصورات السلبية المتراكمة عن المرأة هي أساس التنشئة اليوم ولها - وللأسف الشديد – فإنها تتستر بهيبة الدين، ورهبة الواقع، وهيمنة التقاليد الجائرة، وهيبة القانون أحياناً. يقول القرضاوي "الاتجاه الذي ساد العالم الإسلامي قرونا هو اتجاه التزمت والتشديد على المرأة وسوء الظن بها" (أبو شقة, 1999, ج1, ص 20).
أدرك رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873 م) – المفكر المصري والشيخ الأزهري- أن النهضة الفكرية والحركة الإصلاحية لا تتحقق من غير تطبيق عادل للمساواة بين الجنسين فكان يؤكد في كل مناسبة على أن هدف التربية هو تنمية الذكور والإناث فكتب كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين".
أهداف التربية في مجتمعاتنا تتجاهل احتياجاتنا الماسة لتفعيل دور المرأة على أساس المساواة التي تسعها الشريعة الإسلامية. إن المطالبة بوضع أهداف تعليمية معلومة في دساتيرنا التربوية لاستكمال تطبيق المساواة قضية هامة لأنها غائبة عن وعي وممارسة المناهج التعليمية. من السهولة التحدث عن تكريم الإسلام للنساء في إطاره النظري ولكن من العسير تطبيق التسامح والمساواة في التعامل فساعة الممارسة لاسيما في وجود أمواج التشدد الديني، وعواصف الأعراف الجائرة تنحرف السفينة عن مسارها الصحيح فلا تصبح المرأة شقيقة الرجل في المدرسة والجامعة وميدان العمل. يؤكد بعض الباحثين على أن يكون تمكين المرأة "ضمن أهداف تعليم بنات المسلمين وتزويدهن بالمعلومات الأساسية عن أحوال المجتمع السياسية مع تنمية اهتمامهن بشئونه. هذا مع توعيتهن بالدور الواجب عليهن في المجال السياسي" (أبو شقة, 1999 م, ص 445). هل المدارس الكويتية لها أهداف تربوية مرسومة وضعتها الوزارة كي تعمل على تقوية إرادة النساء واكسابهن الجرأة والحكمة للحصول على حقوقهن الإنسانية؟
لا تتحقق الاستجابة لتوجيهات الإسلام في قضايا المرأة إلا بأن تصبح المرأة شقيقة لا تابعة للرجل ولكي تصبح شقيقة فإنها يجب أن تشارك في صنع القرارت وتنتج الأفكار أما أن تظل في الأسرة والمدرسة والمجتمع تستقبل ولا ترسل فهذه إشكالية مزمنة لابد من مواجهتها. قال تعالى:"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة:71). مناهج التعليم يجب أن تقدم جرعات تثقيفية تفعل دور المرأة وتغير النظرة السلبية لها كي تكون شقيقة لا تابعة للرجل.
تعتبر عائشة عبد الرحمن - بنت الشاطئ – (ت 1998 م) من النماذج المعاصرة المشرفة للمرأة المسلمة ذات المساهمات الاجتماعية المشرقة. فهي مفكرة وأديبة مارست دورها كأم ولعبت رسالتها كمواطنة. لقد تعلمت رغم التقاليد الصارمة في زمنها وكتبت أكثر من ستين كتابا (Ladd, 1995). لقد شهدت الساحة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين هيمنة الرجال وكانت مشاركة النساء مستنكرة وقليلة (Esposito & Voll, 2001, p. 54).
تقول د. هبة رؤوف عزت (2002 م) "لم تكن بنت الشاطئ كاتبة ومفكرة وأستاذة وباحثة فحسب؛ بل نموذجًا نادرًا وفريدًا للمرأة المسلمة التي حررت نفسها بنفسها بالإسلام ... بمنطق إسلامي وحجة فقهية أصولية دون طنطنة نسوية ...وتمثل مسيرة بنت الشاطئ في طلب العلم والكفاح من أجل الدراسة في الجامعة وفي البحث والكتابة في قضايا الفكر الإسلامي نبراسًا لأجيال متتالية، ولا شك أن مسيرتها وإسهاماتها ستظل علامة مضيئة للمرأة المسلمة المعاصرة، ورصيدًا فكريًا في الساحة الإسلامية" (بتصرف).
لقد تألقت عائشة في عدد من جامعات الأقطار العربية كمدرسة قديرة للقرآن الكريم، وكمفكرة حكيمة كشفت زيف المذاهب الهدامة ولا عجب بعد ذلك أن تحصل على جائزة الملك فيصل وغيرها من الجوائز العلمية المرموقة. إننا نرى أن من حق هذه العالمة الجليلة أن ندرس مسيرة كفاحها ونستلهم منها الدروس الاجتماعية لتفعيل دور المرأة في سياج تعاليم الإسلام السمحة.
كتبت منى حداد (2002 م)- مؤسسة العمل النسائي الإسلامي في لبنان ورئيسة جامعة الجنان- عن تغييب دور المرأة إعلامياً ودعوياً فذكرت إننا "لا نبغي التجني على أحد، ولكنه الواقع الذي مورس عبر تاريخ حركاتنا الإسلامية، وعلى امتداد الوطن العربي والإسلامي؛ مما لم يدع المجال لأسماء نسائية بالبروز في العمل الدعوي أو الشهرة إلا النزر اليسير. إذن فعلينا أن نعترف بأن الداعية ما زالت تواجه عقبات في مجتمعها الإسلامي بل حتى في التنظيم الذي تنتمي إليه؛ فلا المجتمع الإسلامي ولا التنظيم الملتزم استطاعا حتى اليوم أن يتفاعلا إيجابياً مع الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة؛ وهو ما أدى إلى فهم قاصر عن إقامة مشروع حضاري متكامل تبدع فيه المرأة والرجل على السواء. إن المشروع الإسلامي الذي يجب أن يطرح في هذا العصر وبقوة من قبل الحركات والتنظيمات الإسلامية والدعاة والعلماء هو المشروع الذي يتبنى ضرورة إسهام المرأة في بناء المجتمع، وبالتالي إعطاء الدور الكامل غير المنقوص لها في العمل الدعوي".
تفعيل دور العالم بالمتعلم في محيط الأسرة
قامت د. لطيفة الكندري بتحليل علاقة العالم بالمتعلم في التراث الإسلامي ثم اقترحتُ نموذجاً مطوراً لاستخدام تلك الآداب في محيط الأسرة، وهي جملة آداب يمكن أن يحتذي بها جميع أفراد الأسرة من الذكور والإناث على حد سواء (Alkanderi, 2001) وهكذا يتم الاستفادة من الماضي مع تطوير له كنموذج يجمع بين الأصالة والمعاصرة. طالبت الدراسة بتشجيع المرأة المسلمة على طلب العلم وتذليل كافة العقبات الإدارية والاجتماعية والقانونية التي تواجه مشوارها في التحصيل العلمي كي تلعب دورها المنشود داخل الأسرة ولكي تساهم في تنمية المجتمع كما أراد لها الإسلام الذي جاء لتكريم المرأة وتحريرها من العادات الجائرة.
الملامح الأساسية في تفعيل دور العالم بالمتعلم في محيط الأسرة هي:
وضوح الرؤية.
المبادرة.
سلم الأولويات.
السؤال.
تحمل المسئولية.
الحلم وعلاج الغضب.
القدوة.
تفعيل دور المرأة.
مبدأ الخيار لا الاستبداد[4].
التعليم المستمر داخل الأسرة.
الثقافة عموماً هي المعرفة العامة التي يتعارف عليها الناس في مجتمع معين وتشمل العلوم والفنون والتراث والمهارات والاتجاهات التي ينتجها المجتمع وتشكل الأسلوب السائد في الحياة. يقول محمد الجوادي (2001 م) في تعريفه لمصطلح الثقافة بأنها "مجموعة الأعراف والطرق والنظم والتقاليد التي تميز جماعة أو أمة أو سلالة عرقية عن غيرها. وعلى مستوى الفرد يطلق اللفظ على درجة التقدم العقلي التي حازها، بصرف النظر بالطبع عن مستويات الدراسة التي أنجزها. ومنذ وقت طويل تتعدد التعريفات لهذا اللفظ حتى إنه في مطلع الخمسينات حصر عالمان أمريكيان من علماء الأنثروبولوجيا مائة وخمسين تعريفا للثقافة" (باختصار).
خصائص الثقافة:
1- سمة إنسانية مستمرة متوارثة.
2- تربط الفرد بالمجتمع وتحدد الأدوار الاجتماعية وتساهم في تحقيق التكيف الاجتماعي.
3- تساعد في فهم معايير الجماعة.
4- تتشكل الثقافة من خبرات تراكمية تعارف عليها معظم أ فراد المجتمع.
5- قد تخضع بعض المجتمعات للاختراق الثقافي خاصة في حالة الضعف وبعد النكبات فإن " المغلوب مولع أبداً بالإقتداء بالغالب " كما يقول ابن خلدون في مقدمته.
6- المجتمعات فيها ثوابت ومتغيرات تحدد ثقافتها وفيها ثقافة عامة وثقافة تخص طائفة معينة (مجموعة الأطباء- النجارين-الصحافيين...) والثقافة المتماسكة هي التي تتيح للجميع فرص التنوع الثقافي لا التضاد والتناقض.
هناك عدة عوامل تساهم في تحديد نوع التنشئة الاجتماعية منها:
ا- المستوى المادي و التعليمي.
2- المعتقد.
3- البيئة الجغرافية.
4- النظام السياسي.
5- طبيعة العصر.
أما العوامل التي تُساعد في تغيير ثقافة المجتمع فهي كثيرة وأبرزها:
1- العلوم والمؤسسات التعليمية.
2- الثورات والحروب.
3- الاحتكاك الثقافي بالشعوب الأخرى.
4- الطلائع الشبابية.
5- العامل التكنولوجي.
6- البيئة المحيطة.
7- الإعلام.
8- النقابات المهنية.
1- تعيش كثير من المجتمعات العربية في ظل ظروف سياسية قاسية فهي مغلوبة على أمرها ومن غير هوية محددة مهما تلونت الشعارات المعلنة (بعثية علمانية - ديمقراطية نسبيا). يحتل الاستبداد مساحات غير قليلة في المؤسسات وحتى في محيط الأسرة.
2- انخفاض المستوى المعيشي والتعليمي.
3- المجتمع العربي غير مستقل تماما في إصدار قراراته القومية وتصريف ممتلكاته الوطنية.
4- الحركات الإصلاحية في الوطن العربي بحاجة إلى الإيمان بالتعدية الفكرية وتدعيم شعاراتها البراقة بمناهج عمل ذات آليات محددة وبرامج واقعية تخدم الأمة المسلمة.
5- المجتمع العربي لم يستفد من الحضارة الغربية وخاصة من الجوانب التقنية وما زلنا نلبس ما لا نصنع ونأكل ما لا نزرع.
6- تهميش دور المرأة في بعض الميادين من السمات السلبية للمجتمع العربي المعاصر. تقول الباحثة شيخة يوسف بن جاسم (2002 م) في نهاية دراسة ناقدة "ففي مجتمع عربي خليجي مثل الكويت يمكن للمرأة أن تتحلى بأغلى المجوهرات وأن ترتدي من أفخم دور الأزياء، وأن تسكن في منازل رائعة التصميم وأن تلف بلدان العالم، إلا أنها ليست لها الحرية الكاملة في تحديد مصيرها كما هي تريده أن يكون، ليست لها الحرية في اختيار شريك حياتها إلا في حدود ضيقة، ليست لها الحرية لأن تعمل إلا في مجالات معينة تحددها لها الأسرة" (ص 109).
7- كثير من الحكومات العربية هي حكومات قمعية تسلطية لا بقاء لها من غير القهر والاستبداد.
8- المجتمع العربي المعاصر يعتمد على العلاقات الاجتماعية الشخصية في الإدارة ولم ينتقل تماماً إلى مجتمع مدني يتكيف مع مؤسسات تخصصية عصرية فما زالت علاقة الأقرباء والأصدقاء والمصالح الشخصية من الوسائل المهمة في إنجاز المعاملات وتصريف وإدارة شئون المؤسسات الحكومية بل حتى الوصول إلى أعلى المناصب والحصول على أرفع المراتب.
9- المجتمع العربي المعاصر مجتمع عاطفي لا يملك تصورات مستقبلية تخطيطية ومعظم سياساته هي ردود أفعال آنية وهذا ينطبق على الحكومات والحركات الدينية والليبرالية (حسنة، 1994 م، ص22 ص13-الكيلاني، 1997، ص35).
10- المجتمع العربي المعاصر مجتمع يعتمد على التبرير في حالة التقصير فلا يعترف بأخطائه. رغم وجود أطماع خارجية حقيقية تهدد الوطن العربي إلا أن اتهام الغرب في تخلفنا إجمالا وتفصيلاً دون أن نتحمل كشعوب عربية أي مسئولية فيه مبالغة ظاهرة إذ أن التآمر الدولي ليس شماعة نعلق عليها كل المساوئ. ولولا أن حصوننا واهنة من الداخل بسبب تقصيرنا لما استطاع الغرب أن يهددنا وينتصر علينا.
11- للوطن العربي ثروات هائلة على رأسها تعاليم الإسلام ثم الكثير من ثروات تراثنا ومستقبلنا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بترجمة وتطبيق التعاليم الإسلامية على ضوء تغيرات العصر. يملك المسلمون وعداً إلهياً صادقاً بالتمكين في الأرض إذا بذلوا الأسباب لقوله سبحانه في سورة النور: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)".
12- الكثير من الأخلاق الإسلامية الكريمة في المحيط الاجتماعي مثل إكرام الكبير في السن والإحسان إلى الجار وصلة الرحم ... تعطى المجتمع العربي التماسك والتجانس ومازلنا نحتفظ بها بحمد الله.
13- اللغة العربية صمام أمان في تأصيل وترسيخ وحدة المسلمين وهي جسر رئيسي لفهم الدين.
وتظل الأسرة المحضن الأول الذي يصنع الإنسان بقيمة ويرسم للفرد اليافع توجيهاته ويمارس دور الرقابة والضغط الاجتماعي على سلوكياته. قبل سنوات لاحظ بعض الباحثين أن هناك تفوقاً في التحصيل الدراسي للتلاميذ اليابانيين مقارنة لأقرانهم في الدول الأخرى لاسيما في العلوم والرياضيات. توصلت الدراسة إلى أن الأسرة اليابانية وبالأخص الأم تلعب دورا أكبر من المدرسة الأمر الذي جعل من الأطفال في اليابان يتفوقون على غيرهم.
لم يظهر الشافعي والبخاري وصلاح الدين لأنهم درسوا عند جهابذة العلماء فقط ولكنهم - مع بذلهم في التحصيل - قد نهلوا من بيوتهم الحريصة على تربيتهم فتكاملت الجهود من أجل تدعيم المسيرة التعليمية. الهدف من توثيق العلاقة بين المدرسة والبيت هو تحقيق التكامل، ومواكبة الأحداث المتغيرة، ومواجهة مشكلات الطلاب، وتعزيز جهود المدرسة، وخدمة المجتمع وتنمية الأسرة، وأيضاً تقليل الفاقد التعليمي إذ أن المدارس قد تبذل جهوداً وتنفق أموالاً ولكن النتيجة أقل من الكلفة المالية والجهد المبذول.
التربية الحديثة بدأت تدرك بصورة أكبر أهمية مشاركة الأبوين Parental involvement في دعم الجهود المدرسية. رسالة الأسرة والمدرسة واحدة لأنهما يسعيان لإيجاد مساحة ينمو فيها كل عضو ليحقق ذاته ويخدم مجتمعه وفق العقيدة التي يؤمن بها. منذ متصف القرن العشرين إلى الآن ظهرت دراسات كثيرة أكدت على أن الأسرة تلعب دوراً كبيراً في تعزيز رسالة المدرسة وأنها تُحسِّن من عملية تعلم الطالب وتدعمه. لا يمكن أبداً إلغاء دور الأسرة لأنها نواة المجتمع وسر النجاح للمجتمع بأسره وعندما أرادت الشيوعية المُلحدة أن توسِّع من صلاحيات المجتمع على حساب الأسرة انهارت لأن الأسرة نظام أوجده الله سبحانه لبقاء وهناء المجتمعات. القراءة المُتأنية الصحيحة للتاريخ الإنساني تدلنا على أن الأسرة عماد المجتمع وأهم لبنة من لبناتها.
تستطيع الأسرة أن تعلم الأبناء العادات الإيجابية في المذاكرة وأهمية التعلم، وفضيلته، وحق العلم مراتبه، وتغرس فيه حب وتقدير وتوقير المعلم. الأسرة هي التي تشجع الطفل على وضع أهدافه المُستقبلة ومهنته المتوقعة، وتتابع تحصيله الدراسي، وتشرف على سلوكياته العامة، وبإمكان الأسرة أن تهيئ الأجواء الثقافية للفرد من خلال اصطحاب الأبناء إلى المكتبة العامة لاستعارة الكتب، ومطالعة المجلات، وعمل الأبحاث المدرسية كما تصحبهم إلى المعارض وتخصص لهم مبالغ مالية لشراء بعض الكتب التي يحبونها. حري بالأسرة أن تهتم بالقدوة الحسنة فالأبناء إذا شاهدوا أمهم تقرأ لمدة ربع ساعة يومياً على الأقل فإنهم بشكل أو بآخر سيقدرون أهمية القراءة ويحاولون أن يقلدوا من هو أكبر منهم.
ومن الصور المباشرة للأسرة في مساندة المدرسة أن تقوم الأسرة بمتابعة الأبناء في واجباتهم اليومية ومساعدتهم إذا وجدوا صعوبة في أداء واجباتهم حتى يتغلبوا عليها بأنفسهم. وجدير بالأسرة أن تتفق على جدول ينظم برنامج أعضاء الأسرة وخاصة تقليص فترة مشاهدة التلفاز فإنه يسرق الأوقات والإدمان على مشاهدته فيه ضياع للأبناء وتفريط في مهام المدرسة.
تستطيع الأسرة تهيئة الطفل لدخول مرحلة رياض الأطفال بتزويده بعض مهارات التعامل وقبل المرحلة الابتدائية تعلمه بعض الحروف الأبجدية.
يمكن إيجاز دور المدرسة في تفعيل العلاقة مع البيت في النقاط التالية:
1-دعوة الآباء إلى طرح وسائل التعاون وسبل التواصل بين المدرسة والأسرة. الناس عادة يشاركون بالمشروع الذي هم يقترحونه ويتفاعلون معه بشكل كبير. المدرسة الناجحة هي التي تستثمر المبادرات الجيدة من أولياء الأمور لتطوير المدرسة وخدمة البيئة المحلية.
2-وضع أهداف سنوية أو فصلية -على مستوى المدرسة والمنطقة التعليمية مع تحديد الوسائل- لتحقيق الأهداف المتعلقة بالتواصل بين الأسرة والمدرسة.
3-الاعتناء بالنشرات الصادرة من المدرسة والحرص على توصيلها إلى الأسرة بوقت مُناسب. من المشاريع النافعة إصدار مجلة سنوية تصدرها المدرسة على الأقل مرة واحدة وتضم أخبار الطلاب وأفكار المربين ويمكن أن تمولها الجمعية التعاونية في المنطقة.
4-تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي والنفسي بحيث لا يقتصر على التربية العلاجية بل تمتد الرسالة التربوية إلى آفاق التربية التنموية والوقائية على مستوى التحصيل الدراسي وتدعيم القيم والأخلاق في آن واحد.
5-الاعتناء بالمجلات الحائطية واللوحات ذات المغزى التنويري داخل أسوار المدرسة. من التجارب الغير مألوفة في التوعية العامة أن مدرسة من مدارس المرحلة الثانوية وضعت لمدة أسبوع أمام مدخل المدرسة سيارة مُحطمة تحكي مأساة شاب أدمن على المخدرات ثم فارق الحياة إثر حادث أليم وكان الآباء والطلاب يقفون باهتمام شديد لقراءة التعليق المؤثر.
6-الحرص على المعارض الفنية والمواسم الثقافية والأيام المفتوحة والمناسبات التربوية وتنظيم دورات عملية في جانب يحتاج إليه الآباء مثل كيفية تعليم الطفل مهارة القراءة أو المذاكرة.
7-تفعيل دور طابور الصباح ليشمل استضافة بعض أولياء الأمور والاستفادة من خبراتهم المهنية والعلمية والحياتية كما يمكن استضافتهم في قاعة الدرس لتغطية جانب من جوانب المادة الدراسية.
8-استغلال الأحداث الجارية (موسم الحج-اليوم الوطني) للقاء أولياء الأمور والتعاون معهم لتغطية المناسبات والاستعداد لها والاحتفال بها.
9-تفعيل دور مكتبة المدرسة بحيث تتواصل ثقافياً مع الأسرة ويمكن أن تكون لها نشرة صغيرة فيها مسابقات ثقافية وأخبار أنشطتها ودعوة لحضور محاضرة سنوية عن كتاب تربوي جديد أو شريط فيديو يفيد الآباء كما أن النشرة يمكن أن تعطي نبذة عن الكتب والمجلات التربوية والثقافية الجديدة وكيفية استعارتها.
10-الحرص على توثيق بعض التجارب التربوية الناجحة والقصص المتميزة للمتعلمين والمعلمين والآباء والإداريين في المدرسة ثم توعية الآخرين بها فإن تبادل التجارب الثرية في الحقل التربوي من أسباب التوفيق وأسرار السعادة. إن قصص النجاح من أقوى الوسائل في دفع الناس نحو الفلاح.
11- على المدرسة أن تجدد في نفوس الطلاب المعاني السامية للإسلام في الحض على طاعة الوالدين والحرص على خدمتهما والتفاني في إرضائهما. ومن جانب آخر تغرس فيهم أهمية النظام، التفاني في العمل ومفهوم المسئولية كي يصبح كل عضو عنصراً فعالاً في محيط الأسرة والمدرسة وحتى نخدم هدفاً أسمى في مجتمعنا الذي ينبغي أن يكون قوياً بتماسك وعطاء أفراده.
12- استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في بث الوعي مثل الأشرطة السمعية وأشرطة الفيديو. تجربة رائدة قامت بها مدرسة ابن تيمية[5] في دولة قطر لربط الأسرة والمجتمع بالمدرسة من خلال التكنولوجيا الحديثة إذ أنها ومن خلال الحاسب الآلي عملت موقعاً إليكترونياً يبث أنشطتها ويستقبل اقتراحات الآخرين ويتواصل معهم. محاولة ثانوية ابن تيمية في دولة قطر لنشر الثقافة وخدمة الطلاب من خلال الموقع الإلكتروني محاولة متميزة. وبما أن الحاسب الآلي لغة العصر اليوم فإن الاستفادة منه أصبح من الأهمية بمكان لأن التربية ترجمة واقعية لمعطيات الحياة. قامت المدرسة بإنشاء هذا الموقع الإلكتروني في 17-9-1997 م وإلى تاريخ 11-11-1998 م سجّل العدَّاد الإلكتروني الرقم التالي لعدد الزوار: (15829) حالة دخول للصفحة وفي تاريخ 31-8-2002 م كان العدد 97321 حالة دخول مما يدل على أن الآلاف من الزوار داخل وخارج دولة قطر استفادوا من أنشطة المدرسة وفي فترة قصيرة.
2 رواه أحمد. انظر الألباني في صحيح الجامع ج1 ص 269، رقم الحديث 1249. وفي رواية "الزم رجلها فثمَّ الجنة".
1 جريدة الوطن 24 – 5 -2002 م. عدد رقم 3886-9440 الصفحة الأخيرة ص 39. في زواية فؤاد الهاشم (علامة تعجب).
2 ونقصد بالاختيار بأن يختار الشخص ما يريد فعله ولكن ليس على حساب غيره حتى ولو كان ذلك معروفا "لا يكون المعروف مساعدة لشخص على حساب سواه".
[5] http://www.ibn-taymia.edu