العوضى وعارضة الأحوذي

العوضي وعارضة الأحوذي

د. بدر ملك

 

المُراد بعارضة الأحوذي عند البلغاء هو التأكيد على الذكاء المفرط والحجة القوية والاستنباط الدقيق.  وحكايتنا اليوم عن التربية وغرس خُلق الإحسان للناس ولا سِيَّما المبادرة في حسن معاملة الفقراء والعمال والخدم.وهي من قبسات سيرة رجل كويتي محسن رحل إلى جوار ربه ولكن أعماله الخيّرة مابرِحت تصاحبنا. أسس عبدالله العوضي على نفقته الخاصة مسجداً في منطقة شرق بشارع أحمد الجابر سنة 1374هـ-1956م وليس بصواب ما ورد في الموسوعة الكويتية المختصرة بأن مؤسس المسجد هو  عبدالرحيم وفي كتاب دليل مساجد الكويت بين الماضي والحاضر لم يتم تسجيل سنة التأسيس. العجيب في أمر المسجد الذي تم افتتاحه في حلته الجديدة أن الحاج عبدالله العوضي الذي شد الرحال إلى المساجد المباركة المعروفة  عندما كان في سفره لأداء مناسك الحج كان يقول لصاحبه الشيخ محمد خلف الفاوي إذا رزقني الله مالاً فسأبني مسجداً وسأجعلك الإمام وبعد عشرين سنه تحقق الوعد.  الحاج العوضي رحمه الله حباه الله عز وجل بخير عظيم وخاصة في تربيته لأبنائه وبناته إذ غرس فيهم الحرص على العمل والإنتاج، والإخلاص في الإحسان لكل الناس. يقول ابنه الدكتور عبدالرحمن العوضي:كان والدي رحمه الله شديد الشفقة والشغف بنا كما هو حال الآباء مع الأبناء إلا أنه كان يصر على أن نتناول وجبة الغداء مع العمال الذين كانوا يعملون في محلاته التجارية ويحضرون إلى منزلنا لتناول وجبة الغداء كل يوم. يقول الدكتور العوضي: عندما كبرت سألت والدي عن السر خلف ذلك التصرف فأجاب مازحاً: يا عبدالرحمن لقد أصبحتَ دكتوراً، وسافرت كثيراً ولم تعرف السبب الذي من أجله كنتُ أحرص على أن تتناول وجبة الغذاء مع الخدم والعمال؟ يا لك من رجل بسيطيا بني إنني أريد من وراء ذلك أن تتعلم أن تجالس الفقراء وتحترم الكادحين وأهم من ذلك إن أولئك العمّال أمانة في عنقي وأريد أن أضمن أن والدتك تقدم لهم وجبة الغداء كل يوم على أكمل وجه وعندما يكون أولادها مع العمال لتناول الطعام أضمن أنها ستقدم إليهم أفضل الطعام دون نقصان وذلك في كل وجبة غداء ودون أن أراقب وأتابع الأمر. إن الحاج عبدالله العوضي ترك خلفه الكثير من الخيرات والأوقاف وإلى جانب إحسانه ترك فقهاً في تربية وتصفية النفوس وبناء الشخصية وما هذه الحكاية إلا صفحة مباركة تنير بحكمتها القلوب والدروب فإن الأثر الحميد ينير بإحسانه جنبات الحياة.  إن العناية بالضعفاء ورعاية الفقراء خير دليل على تغلغل الإيمان في القلوب الرحيمة التي تتلمس سغب اليتيم وتعالج جراح المحروم.  إن الرأفة بالمحتاجين والمساكين والكادحين هي المقياس الاجتماعي الحقيقي والمؤشر الإنساني الواقعي لمعرفة مدى تحضر الشعوب والأمم.إن القصة الصادقة كلما زدناها تدبراً تضاعفت فوائدها وفرائدها وهذه الحكاية رغم أنها قصيرة في مبناها إلا أن لها معاني كثيرة، وفوائد جمة، خليق بالمربي أن يتوقف عندها، ويستلهم عبرها، ويستنشق عبيرها، وقديما قال فصحاء العرب: خذها عارضة من أحوذي. 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1