سلطان أحبه الشعب المصري
هو
السلطان الناصر(محمد بن قلاوون).
تولى
السلطنة و عمره تسعة سنوات في عام 1293 م (693 هـ ) بعد مقتل السلطان الأشرف(
الخليل) ، و عين الأمير المملوكي (زين الدين كتبغا) نائبا للسلطان و الأمير (علم
الدين سنجر الشجاعي) وزير للسلطنة و قائد للعسكر ، و دب النزاع بين الأميرين و
انتهى بمقتل (سنجر الشجاعي) و انفراد (كتبغا) بالسلطة الفعلية الذي أرسل في طلب
الخليفة العباسي(الخليفة الصوري) و الأمراء و القضاة و اتفقوا على عزل السلطان
الناصر و نقله للقلعة هو و أمه حتى لا يحكم البلاد صبي صغير ، وتولى الحكم و لقب
الملك العادل(كتبغا) و عين صديقه (حسام الدين لاجين)نائب للسلطان في 1295 م.
و بدأ
الحكم بتفشي المجاعة و القحط في البلاد و فشل كتبغا في مواجهتها ، واستغل نائبه
سخط الشعب عليه و تآمر مع بعض المماليك على خلعه وقتله و لكنه نجا فأمنه لاجين على حياته فعاد و عاش منسيا و
تولى الملك المنصور (لاجين) الحكم في 1297 م و اخرج الناصر قلاوون و أمه من القلعة
و أرسله لقلعة الكرك في الشام و اقسم له انه يحكم مصر لحسابه.
فما لبثت
أن تحسنت أحوال العامة و عاد النيل لوفائه ، و لكن حياة الملك لاجين كانت حياة لهو
و إنصراف للخمر ، فبعث إليه الناصر قلاوون يهدده فتاب و اقبل على العبادة و حرص
على العدل بين الناس ، و لكن القدر لم يمهله كثيرا فقتله أحد المماليك في عام 1299
م.
فبويع
للناصر للمرة الثانية حيث كان قد بلغ أربعة عشر عاما فعين (سيف الدين سلار)نائبا
له و (ركن الدين بيبرس الجاشنكير) مسئولا عن شئون القصر ، فكان على الناصر أولا
مقاومة جيوش التتار المسلمين الذين هددوا الممالك المصرية في الشام و انتصر عليهم
في النهاية في 22 أبريل 1302 م فاستقبلته القاهرة بالزينات و الاحتفالات و تفاخر
الناس في الزينة و الحلي و الجواهر و ملئت أحواض بالسكر و الليمون ليشرب الناس و
العسكر و فرشت الأرض بالحرير للسلطان.
و بدا
السلطان في الانصراف للشئون الداخلية فافتتح المدرسة الناصرية لتدريس المذاهب الأربعة
و لكن الأميرين(سلار)و(بيبرس)حالا بينه و بين ملكه و ضيقا عليه حتى انه حاول أن يتخلص
منهما و لكن مؤامرته انكشفت فحاصرا السلطان في القلعة و هما بقتله لولا عامل جديد
لم يعتده المماليك من قبل ألا و هو الشعب الذي خرجت جموعه غير آبهين بمحاولات
الترهيب بالضرب و الإيذاء و التي لم تزيدهم الا غضبا ، فاخرج الأميران السلطان
الناصر لتهدئة الشعب ، و ما لبث السلطان أن أعلن نيته الحج ثم التجأ لحصن الكرك
بالشام و نزل على السلطة لـ(بيبرس الجاشنكير).
و تولى
الحكم بيبرس عام 1308 م ، و لكن شاء سوء طالعه أن يقصر النيل عن الوفاء فراح العامة
يهتفون للناصر قلاوون و يسخرون من سلطانهم فقبض على عدد كبير منهم و قطع السنة
الكثير ، و التفت لخصمه الناصر و بدأ في توجيه الاتهامات له كي يتخذها ذريعة للنيل
منه ، فشكاه الناصر لأمراء الشام فاستقبلوه في دمشق و أعلنوه سلطانا لمصر و الشام
و ذلك عام 1309 م.
و لم يزد
ذلك أحوال مصر إلا سوءا و سقطت هيبة بيبرس و سبه العامة و اضطر أخيرا للتنازل عن
العرش و خرج من مصر و العامة يتبعونه بالصياح و إلقاء الحجارة و لم يستطع ردهم
بالسيف و لا بنثر المال عليهم و هزم هو و اتباعه من عامة الشعب المصري و فر لـ(أطفيح)
بصعيد مصر.
و عاد الناصر
و جلس على عرش مصر للمرة الثالثة ، و حدث أن لجا إليه أحد ملوك تونس لاسترداد ملكه
فأعاده إليه فجعله ملك تونس سلطان لها و جعل نفسه نائبا له.
و في مصر
ابطل كثيرا من الضرائب على الشعب و أنشأ زاوية في سرياقوس لمائة من المتصوفة كانت
نواة الحركة الصوفية بمصر و حفر الخليج الناصري خارج القاهرة و خليج الإسكندرية و
أنشأ كثيرا من القناطر و جعل بكل بلد جسر و قنطرة و أنشأ سد شبين بالشرقية و بني
في عهده 33 مسجدا مثلوا ذروة فن هذه الحقبة و كان رسل بيزنطة و أرمينيا و مغول إيران
و ملك النوبة يبذلون الطاعة له ، و لأول مرة قامت علاقة ود و صداقة بين مصر و
الدول الإسلامية بغرب أفريقيا و وصل لمصر سفراء فرنسا و أسبانيا و القسطنطينية و
الحبشة.
و توفرت الأقوات
و رخصت الأسعار و رفض صعاليك الناس أعمال الكنس و سائر الأعمال الحقيرة لاستغنائهم
... و شهد كل ذلك الرحالة ابن بطوطة عام 1326 م ، و جعل مركز مصر و قوتها سلطان
مصر حامي الحرمين بالحجاز و حج الناصر قلاوون اكثر من المرة و من هداياه للكعبة
عام 1332 م باب جديد من السنط الاحمر المغلف بالفضة.
و توفي
الناصر قلاوون عام 1341 م و له 57 سنة حكم مصر ثلاث مرات بلغت آخرها 32 سنة و هي
مدة لم تتهيأ لسلطان مملوكي من قبله و لا بعده ، وكذا طويت صفحة الناصر محمد بن
قلاوون و كان غاية في الذكاء و سياسة الأمور و لم يطلق لسانه بالفحش في شدة غضبة و
كره شرب الخمر و عاقب عليه و هيا عدله و حبه للناس له تولية 12 سلطان من سلالته (8
أبناء - حفيدان - ابنان لحفدته) من بعده مما وطد فكرة الملك
بالوراثة في حينها رغم عدم الاعتراف
بها.
المصدر: موسوعة تاريخ مصر للأستاذ. احمد حسين.