القائد الذي
لم يهزم
هو نجل محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة و سمي(إبراهيم)
نسبة إلى والد محمد علي (إبراهيم أغا).
ظهر إبراهيم باشا على الساحة عندما أوفده والده محمد علي
باشا إلى الحجاز بعد وفاة أخيه (طوسون) و نجح إبراهيم باشا فيما لم ينجح فيه أخوه
فاستأنف الحرب ضد الوهابيين و دخل نجد و عنيسة و الخبراء و الشقراء و استولى على
عاصمتهم الدرعية سنة 1818 م و سلم عبد الله بن سعود نفسه إلى إبراهيم باشا الذي أرسله إلى مصر فاحسن محمد علي
استقباله و أكرمه غاية الكرم ثم بعث به إلى اسطنبول و لم يكن السلطان محمود
السلطان العثماني كريما معه فأمر بإعدامه.
و استمر إبراهيم باشا في فتوحاته فاستولى على المواقع
الهامة في طول شبه الجزيرة العربية و عرضها إلى أن وصل للخليج العربي.
و في عام 1824م عمت الثورة بلاد اليونان خاصة في شبه
جزيرة المورة و أعلن اليونانيون استقلالهم فالتجأ السلطان محمود إلى محمد علي باشا
و ولاه بلاد المورة فأوفد ابنه إبراهيم باشا على رأس جيش من 17 ألف مقاتل و 700
فارس مجهزين بالمدافع و البنادق و المدفعيات ، و أذهل إبراهيم باشا أوروبا فقام في
مدة قصيرة بما عجزت عنه الدولة العثمانية في أربع سنوات فاستولى على مراكز الثوار
الحصينة وعلى (تربيولننز)عاصمة المورة في يونيه 1825م بعد الاستيلاء على مدينة
(كلاماتا) و أعظم المواني (نفارين) ، و لم يبقى سوى (نوبلي) عاصمتهم فلما بدأ
حصارها استغاث به قائد الجيوش التركية لفتح مدينة (ميسولونجي) التي حاصرها لمدة
عام كامل فهزمهم و استولى على المدينة الباسلة التي فضل أهلها الموت عن الاستسلام.
و فجرت هزيمة الثوار غضب أوروبا التي كانت تدعمهم ضد
العثمانيين فتحالفت روسيا و إنجلترا و فرنسا في يونيه 1827م و هزمت أساطيلهم الأسطولين المصري و
العثماني بميناء (نفارين) ، و رغم رفض إبراهيم باشا وقع محمد علي اتفاقية مع الدول
الثلاث على سحب الجيش المصري من اليونان مقابل إعادة باقي سفن أسطوله و أسراه و
إطلاق سراح الأسرى اليونانيين ألا أنه نفذ أمر أبيه فقام بالجلاء عنها في أكتوبر
1828م و أثار ذلك غضب السلطان محمود الذي لم يستطع وحده مواجهة الجيش الروسي
المؤيد للثوار اليونانيين.
و حدث أن ساءت العلاقات بين محمد علي و عبد الله باشا
الجزار (والي عكا) فسير إليه محمد علي جيشا بقيادة يكن باشا سنة 1831م من 30 ألف
مقاتل و لحق بالجيش إبراهيم باشا قائدا للحملة و رئيس أركانه (سليمان باشا الفرنساوي) ، فاستولى على غزة و يافا و حيفا
بسلام و استولى على عكا التي عجز نابليون عن دخولها و استقبله الشعب السوري
بالترحاب و وجده خير مخلص من ظلم الأتراك و هزم جيشا عثمانيا قوامه 20 ألف بقيادة
(والي طرابلس) في سهل الزراعة جنوب (حمص) في إبريل 1832م و استولى على حمص بعد أن
هزم (السير عسكر حسين باشا) أكفأ قواد تركيا و استولى على دمشق و حماه و حلب شمال
سوريا و تحصن الجيش العثماني بـ(مضيق بيلان) الجبل الوعر جنوب الأسكندرونة و
بمواقعه الجبلية فخاض معه معركة رهيبة استمرت 3 ساعات و استولى على الأسكندرونة و
أنطاكية و اللاذقية و عينتاب و قنصرية ، و إثر الهزائم المتوالية ألف السلطان
العثماني جيشا جديدا بقيادة الصدر
الأعظم محمد باشا رشيد أعظم من بقي من القواد الأتراك و بلغ الجيش 53 ألف مقاتل.
و تمت المعركة المعروفة باسم (قونية) بعد سبعة ساعات
بهزيمة ساحقة للجيش العثماني فاقت هزائمه السابقة و أسر محمد باشا رشيد نفسه و لم
يبق للسلطان جيش يدافع به عن أسطنبول عاصمة ملكه.
و استولى إبراهيم باشا على (كوتاهية) فاستنجد السلطان
العثماني بـأعـدائـه الروس فأرسلوا 15 ألف جندي لحماية أسطنبول و ضغطوا على محمد
علي لإيقاف حربه و إبرام اتفاقية (كوتاهية) سنة 1833م (خوفا من إحلال دولة شابة محل الدولة العثمانية المريضة).
و أبرم السلطان العثماني معاهدة دفاعية هجومية مع أعدائه
الروس فلم يكن صلح كوتاهية سوى فرصة لإعادة تجهيز الجيش العثماني و بادر السلطان
بتدريب جنوده على الأنظمة الحديثة و الأسلحة الحديثة تحت رعاية و إشراف الضباط
الألمان (أعظم العسكريين في أوروبا) و بعث في يونيه 1839 بجيش تركي نظامي قوامه 40
ألف جندي تسانده قوة مماثلة من الجنود غير النظاميين ز تحصنوا بقلعة حصينة بقرية
(نزيب).
و هاجم إبراهيم باشا الجيش العثماني في موقعة (نزيب) أو
كما يطلق عليها (نصيبين) و انتهت بهزيمة نكراء فاقت كل هزائم الأتراك السابقة و
توفي السلطان العثماني بعد تجرعه لنبأ الكارثة و أبحر الأسطول العثماني لينضم
للأسطول المصري، و هاجت إنجلترا و اجتمعت إنجلترا و روسيا و النمسا و فرنسا و
بروسيا و تم الإتفاق على معاهدة لندن 1840م في غيبة فرنسا و أملوا شروطهم على محمد
علي بموافقة الباب العالي بالإنسحاب.
و جاءت
الهزيمة من الداخل و ليست من الخارج ألا و هي ثورة الشعب السوري و اللبناني في وقت
متزامن ضد حكم محمد علي و بتأييد من أساطيل إنجلترا .. و أصدر محمد علي أوامره إلى
إبراهيم باشا بإخلاء سوريه و العودة لمصر ، و طويت الصفحة العسكرية لهذا القائد
العظيم.
وفي عام 1847 م قام إبراهيم باشا برحلة لأوروبا فأستقبل
استقبالا حافلا في إيطاليا و باريس و إنجلترا باعتباره القائد العسكري الذي لم
يهزم في أي موقعة حربية خاضها و أحيط بمظاهر الإجلال من الملوك و الشعوب.
و نظرا لمرض محمد علي في عام 1948م صدر فرمان من كبار
العلماء و المشايخ بتعيين إبراهيم باشا والي على مصر و لكن القدر لم يمهله ليترك
بصمته عل ولاية مصر أو لإقامة الوحدة العربية التي سعى إليها فوافته المنية في 15
نوفمبر سنة 1848م و عمره لم يتجاوز الستين سنة و لم تزد فترة حكمه عن سبعة أشهر...
وظل تاريخ إبراهيم باشا هو تاريخ مصر العسكري في هذه الفترة، رحمه الله.
المصدر: "موسوعة تاريخ مصر" للأستاذ.
احمد حسين.