جوزيف سماحة: أدّى خدمته ببطولة وشرف يستحق الثناء..!

بقلم: حسين حجازي

 

 

 

 

 

 

كنت قارئاً لجوزيف سماحة قبل أي شيء آخر، وقد ظننته بادئ الأمر يكبرني بسنين عديدة، كما ظنني أناس آخرون من بعد، لكن الكاتب الذي أثار لديّ الانطباعات القوية كما الإعجاب منذ أن انتقلت إلى الإقامة في بيروت شاباً، كان لا يزال نهاية السبعينيات في ذروة عمر الشباب، بيد أن النص غالباً ما يحيلنا إلى تصورات مكبرة عن الأشياء كما عن أصحابها. والحقيقة، أنني وقعت في إسار سحر هذا الكاتب الذي ترك أثراً مبكراً، في احترافي للكتابة، لعلّه كان جزءاً من وميض السحر والدهشة، التي تركتها المدينة في وعيي، وكانت الصحيفة "السفير" جزءاً منها، كما كانت أسماء الشوارع والأمكنة أو مقبلات الطعام، أو رائحة النساء. ولكن جوزيف سماحة نفسه، لم يكن ممكناً انتزاعه من المشهد، الصورة الكلية التي انطبعت بها بيروت في ذلك الوقت في وعيي.

إن مقالي الأول الذي سأكتبه شاباً للصحيفة نفسها، الصحيفة التي كانت تلقى الرهبة في نفسي، هو سجال مبكّر مع جوزيف نفسه، يا للمفارقات، حيث سوف أُعمّد في نار هذه المهنة، من أعلى نقطة في قمة الهرم الصحافي العربي، في "السفير" التي كان جوزيف سماحة نجمها اللامع في ذلك الوقت، وكان هذا أكثر مما تستطيع أن تحتمله قواي.

حين سأدخل جريدة "السفير" فاتحاً فيما بعد، سوف ننظر إلى الكاتبة كاتيا سرور وطلال سلمان، وآخرين بالدهشة نفسها التي اعترتني لوجودي في حضرة هؤلاء الكبار. قالت كاتيا، وهي تتأملني، لقد ظنناك في الخمسينيات، أصلع الرأس، و.. و.. كنت في الخامسة والعشرين. واليوم، أدخل في "الأيام"، عقد هذا الخمسين، عقد الخمسينيات الكئيب الذي غالباً ما يشهد النهايات المأساوية والفاجعة، لصمت الكاتبين. ولا يمل زميلنا حسن البطل تذكيرنا به، وقد تجاوزه هو على أية حال، والأمنيات له بطول العمر والبقاء.

لم يكمل جوزيف سماحة نهاية هذه الخمسينيات، لكن الكاتب الذي بقيت طوال الوقت قارئاً له، كانت قصته أشبه ما تكون باندفاعة طويلة، اندفاعة لم تعرف الاستراحة أو التوقف، على خط واحد ونفس واحد في البقاء طوال الوقت عند حافة الغليان، على درجة 24 مئوية، قريباً من الانفجار، كما لو أنه يريد الاحتراق، أو يمضي إلى هذا الاحتراق، ولقد احترق أخيراً، لأنه لم يشأ احتمال قوة هذا الاندفاع، التي كانت أكبر من طاقة الجسد.

لقد وصل إلى النهاية، ومات، انطفأ وهج النار، النار التي حملها وحاول إصعادها إلى السماء، ولكن دون أن يرى في البصر والحياة، إلى نتائج اندفاعته، وهو يحاول مقاومة الانكسار، انكسار حلم جيله، ذاك الجيل الثاني من الكتّاب الصحافيين والمثقفين الثوريين الحالمين في العالم العربي، والذي تبلورت شخصيته ووعيه السياسي في محاولة النهوض، والرد على انكسار حزيران 7691.

حين تعرفت إليه كقارئ، كان جوزيف يحاول الخروج للتوّ، من إسار التقاليد الجامدة والمتكلسة، التي بدأ يعاني منها الفكر اليساري، ولقد كان هو نفسه أحد الذين حاولوا الإسهام في بلورة أطروحة المراجعة في بداية هذا الانحسار، إذاك كنت شخصياً في ذروة التأثّر باندفاعة هذه الموجة، وإن جوزيف سماحة، هو الذي أثار الأسئلة المبكرة في حينه، عن التمهلات البطيئة، التلكّؤ المتردّد، الذي يرافق هذه التحولات أو التراجعات التاريخية، التي تصيب التيارات الفكرية والأيديولوجية، على عتبة النهايات.

لكن الشاب، الماروني، اليساري، الذي رافق صعوده المهني ككاتب، وصحافي ألمعي، صعود نجم "السفير" نفسها، وكان جوزيف سماحة جزءاً من موجتها الصاعدة، إن هذا الكاتب والإنسان، هو من بين قلة قليلة من جيله ومدرسته، الذي بقي حتى مماته في منأى عن لوثة هذا الإفساد، أو الابتذال، الذي سيضرب فيما بعد بجرثومته، النخبة الثقافية والإعلامية العربية.

وإنه في هذا التماهي مع النفس، هذا النقاء الصادق، بل قل البطولة النادرة، وقوة النفس، في القدرة على البقاء عند ذات الحافة، من مواصلة السير والصعود، قريباً من درجة الغليان، والاحتفاظ في ذات الوقت، بهذه القوة من العناد في مخالفة "الصواب"، لهي الطباع الاستثنائية، التي يمكن تمييزها عن الطبائع السوقية، وتضفي على رحلته، وقصته، هذا الاكتمال الشخصني والشعري، وصولاً حد الموت، ليثير فينا هذا الموت، مثل هذا الشعور برثاء النفس.

لم ألتق به مرة واحدة، ذاك الذي استمر ظله في الحضور. لقد كان هناك وكنت هنا طوال الوقت، رغم اللقاءات التي جمعتنا في الأمكنة، "السفير" زمن البدايات، و"الحياة اللندنية" فيما بعد، وأحاديثنا المتفرقة، والمتباعدة، بين الحين والآخر، بين نيقوسيا وباريس، وغزة ولندن، وبيروت عبر الهاتف.

لكني طوال الوقت، كنت أقرأه هنا في "الأيام"، التي كانت تعيد نشر مقالاته من "السفير" التي عاد إليها لفترة، قبل أن يحقق مشروع عمره، إصدار صحيفة "الأخبار"، حيث بدا جوزيف كما لو أنه يخوض آخر مواقعه وحروبه، ويعلق على فرس "حزب اللّه"، وموجة الممانعة العربية الصاعدة، آخر رهاناته. ولقد وصلنا إلى ذات النهايات، الرهانات، ودعاني مشكوراً للكتابة في الأخبار.

لكن النهايات كانت أبكرت في القدوم، لتحول دون أن يتحقق الرجل بنفسه، إن كان بروز هذا الشهاب الجديد، والمحلّق، في سماء الصحافة اللبنانية، مع صعود نجم "حزب اللّه"، هو العلامة، على التحول الثالث في أرض لبنان، بعد أن كانت "النهار" تعبيراً عن الموجة الأولى، لجيل الاستقلال، و"السفير" عن الموجة الثانية، لصعود تيار الحركة الوطنية الراديكالية مع المقاومة الفلسطينية. وهذه الموجة الثالثة التي تؤذن بولادة الدولة الثانية، الجمهورية الثانية، التي ليست قوتها في ضعفها، وإنما على صورة هذا الجيل الثالث من الآباء.

ولقد تقلب بين هذين القطبين، الحركة الوطنية الأولى والمقاومة الفلسطينية، وبين الحركة الوطنية الثانية والمقاومة اللبنانية، التي تلتها البدايات والنهايات، فيما كانت المرحلة الباريسية، هي فترة التأمّلات، وخوض المعارك الجانبية، قبل بزوغ فجر هذه الرهانات، صعود موجة المقاومة اللبنانية والفلسطينية الثانية.

لكنه في تلك الفترة الوسيطة، كان هناك حاضراً، وتحت ذات الدرجة من الاحتراق والغليان، في "اليوم السابع" مع بلال الحسن، سوف يخوض حرب ياسر عرفات في الدفاع عن استقلال القرار الفلسطيني، في مواجهة حافظ الأسد، وإن هذا الانحياز لعرفات، لم يكن ليتعارض مع نقده المبكّر للمقاومة الفلسطينية في لبنان، هذا النقد الذي سوف يتحول إلى نوع من السجود احتراماً وتبجيلاً، أمام محراب صمود عرفات والمقاومة الفلسطينية في حصار بيروت.

ما زالت أصداء كلماته تتردد في ذاكرتي، في المقال الجميل الذي كتبه في "السفير"، في مديح هذا القتال، قتال الفلسطينيين، "أيها الفلسطينيون إنكم لا تجيدون سوى القتال".

بيد أنه في "الحياة"، سوف يقدم نقده الأكثر لذاعة، وشدة، لاتفاق أوسلو، وسوف يبلور هذا النقد فيما بعد، في كتاب أصدره، عن وهم هذا السلام، عن السلام المفقود، وكنا هناك معاً، على طرفي نقيض، رأيت أنا في اتفاقات عرفات، واحدة من أهم ضرباته السياسية ألمعية ومخاتلة، وقدرة على البقاء، فيما رأى جوزيف المقدمات التي ستصل بعد حين، إلى النهايات الواهمة، بل الفاجعة.

لقد كان نقده المبكر أواخر السبعينيات للمقاومة الفلسطينية، والحركة الوطنية اللبنانية أكثر مما تحتمل قدرة الشاب الذي وفد للتو إلى بيروت، حين بدت هذه الجمهورية المطلقة، الكوزموبوليتية، تحت تأثير قوة عرفات، والمقاومة الفلسطينية المفتولة العضلات، والحاكمة الفعلية للبنان، كما لو أنها هي الحقيقة التي لا يشوبها البطلان، وليست هذه الانتقادات التي كان يتردد صداها في منتديات بيروت، سوى نوع من الثرثرات المترفة للمثقفين.

لكنني أستطيع الآن، أن أميّز انتقاداته، التي كانت تعكس أصالة أفكاره، كما ثقافته، وألمعيته ككاتب، حتى في ذلك الوقت المبكّر، فهو لم يذهب حتى الشطط، أو السذاجة، التي ميزت دعوة مثقف يساري منشق كإلياس مرقص، بإجراء استفتاء شعبي، على شرعية المقاومة، أو ذاك اليساري التونسي العفيف الأخضر، الذي اختفى فيما بعد، وتحول إلى التنظير للتطبيع، وحاول تحقير المقاومة، وتسخيفها كما فعل وغيره آخرون.

لم يكن جزءاً من هذه اللعبة التي تبدو الآن، غريبة، وغير مفهومة، وإن أصالة أفكاره، كما صدق التزامه، وانتمائه، هي العلامة البارزة التي ظلت تلخص رحلته، وتجربته، انتقد فوضى المقاومة الفلسطينية، لمصلحة فكرة الدولة اللبنانية الموحدة، والخروج من منطق الحرب الأهلية المدمرة، لا لأن فكرة المقاومة خطأ، أو من منطلق العداء لها، أو الرقص مع الذئاب، حين كانت الفكرة الشيطانية عقد السبعينيات. دع الهرطقة اليسارية تهزم الاتحاد السوفياتي، كما المقاومة الفلسطينية، باسم التطرف اللفظي، وتسخيف الفكرة الكبيرة.

وان رهانه الاخير، هو النهاية المنطقية، لقدرة انسان وكاتب، على مواصلة الاستمرار دون ابتذال، الاستمرارية دون ابتذال كما كان يقول ادوارد سعيد، هي عودة لنقطة الانطلاق والبدايات، ولكن مع وعي جديد، وأكثر حنكة وخبرة هو استدعاء متصل يقوم به الواقع للفكر.

ثمة اليوم، تحول راديكالي في العالم العربي، ثمة انحسار للموجة الاميركية الضاربة، قام هو بتحليل هذا الوضع. وثمة اليوم أفراس ليست هي خيول الاسس الضعيفة، وثمة افق لرؤية قوامها، استعادة بناء الدولة بصيغة جديدة، على قاعدة تكفل خروجها من التذرير الداخلي، وحروب الطوائف.

وهو كان الصوت، اللسان المعبر عن دفقها، وصبواتها. ويسقط في الدفاع عنها. لقد كان رجلاً شريفاً، ادى خدمته وواجبه، بشجاعة وبطولة، ومن أجل ذلك، كان يستحق الاحترام والثناء في حياته كما في مماته..

 

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1