تلقي الشعر بين التشكيل الطباعي والإبداع اللغوي
" دراسة في ديوان بيت في وشم الخريف للشاعر فيصل قرقطي"
د. إبراهيم نمــر موسى (أستاذ مساعد)
جامعة بيرزيت- دائرة اللغة العربية
Dr.Ibrahim Nemer Musa
Birzeit University
تلقي الشعر بين التشكيل الطباعي والإبداع اللغوي
" دراسة في ديوان بيت في وشم الخريف للشاعر فيصل قرقطي"
ملخص البحث
تشكل العلامات غير اللغوية، وما يتعلق بها من التشكيل الطباعي والمساحات البيضاء والسوداء،ظاهرة فنية بالغة الأهمية في شعر الحداثة، بعد أن عمد الشعراء إلى نقل عملية تلقي الشعر من الأذن إلى العين. كما يشكل المعجم اللغوي والتناص الشعري، بناء لغويا، ورافداً مهما لاستحضار النصوص الغائبة، التي تنفتح على عوالم جديدة وطازجة في التجربة الشعرية؛ لذلك أصبح الناقد مطالبا بفك شفرتها، وإنتاج دلالاتها، بطرح أسئلة نقدية جديدة تتلاءم وأساليب التعبير الأدبي الحديث. ويأتي هذا البحث استجابة عملية لاستكشاف عالم النص الشعري، وعناصره البنائية، وتفاعلاتها الدرامية.
Receiving Poetry between the printed Form and the linguistic Creation
“ A Study in a home in Autumn’s tattoo Anthology”
By faisal Karkati
The nonlinguistic sings such as the printing forms, the black and white spaces, altogether have created a very important artistic phenomenon in modern poetry after poets have transformed receiving criteria of poetry from the aural (listening) level to the visual (seeing) level.
In addition, linguistic lexicon and the poetical intertextuality side by side from a linguistic structure and an essential source for recalling the missing text that open up to new and fresh words in poetical experience. So it became the responsibility of the critic to decode and figure out its connotations by asking new critical questions that agree with the modern literary methods of expression.
This paper come as a practical response aiming at exploring the world of the poetical text together with its structural elements and dramatic interaction.
تثير المقاربة النقدية لديوان الشاعر فيصل قرقطي "بيت في وشم الخريف"(1) مسألة تلقي الشعر ، بوصفها علاقة تفاعل بين قصدية الشاعر في كلماته وأساليبه الفنية ، وإدراك الناقد لبنية النص ، واكتشاف جمالياته الكامنة وراء التشكيل الطباعي والإبداع اللغوي لوعي الشاعر . وإذا كان لكل ناقد أسلوبه في الولوج إلى النص الشعري ، مما يفسح المجال لقراءات ووجهات نظر تختلف فيها أبعاد المقاربة النقدية ، وتتعدد الدلالات رغم أحادية الدال ؛ فإن هذا الديوان –بعد قراءته-يلح على القارئ/الناقد ؛ بتبني قراءة تفارق المألـوف ، وتطرح أسئلة نقدية جديدة ، لم تكن مطروحة على بساط البحث النقدي في مقاربة الشعر التقليدي ، الذي استخدم –أحياناً-نظام المشجرات مكتفياً بدلالاتها التجميلية أو التزيينية ، لكنها ليست كذلك في مقاربة الشعر الحداثي وإن اتسمت بالقلة أو الندرة ، وأعني بذلك ظاهرة العلامات غير اللغوية ، ومنها التشكيل الطباعي أو الهيئة الطباعية للقصيدة الشعرية .
إن القراءة العميقة أو الشاعرية ، تتمثل في قراءة النص الشعري من خلال شفرته بناء على معطيات سياقه الفني ، والنص هنا خلية حية ، وتسعى إلى كشف ما هو في باطن النص ، وتقرأ فيه أبعد مما هو في لفظه الحاضر ، وهذا يجعلها أقدر على تجلية حقائق التجربة الأدبية ، ويتجنب القارئ القراءة (الإسقاطية) ، وهي قراءة تقليدية ، لا تركز على النص ، ولكنها تمر من خلاله ومن فوقه متجهة نحو المؤلف أو المجتمع ، وتعامل النص كأنه وثيقة لإثبات قضية شخصية أو اجتماعية أو تاريخية ، كما يتجنب (قراءة الشرح) ، وهي قراءة تلتزم بالنص ، ولكنها تأخذ منه ظاهر معناه فقط (2) .
عمد شعراء الحداثة إلى نقل عملية التلقي من الأذن إلى العين ، وكسروا الشكل المتناظر للبيت الشعري القديم ؛ للتعبير عن أبعاد سياسية واجتماعية وجمالية ونفسية ، تتضافر مع الأبعاد اللغوية والتصويرية والموسيقية في جسد النص الشعري ، وتشكّل معها ضفيرة دلالية تجسد روح الشاعر ورؤياه الحضارية ؛ وبذلك باتت القصيدة جسماً طباعياً ، لـه هيئة بصرية مظهرية محسوسة ، تعمل على توليد أشكال جديدة من المساحات النصيّـة (3) . ولقد أوغل الشاعر-فيصل قرقطي-في ديوانه بتوظيف علامات غير لغويـة ، كالتشكيل الطباعي والمشجرات والرسوم …الخ ، وشكّل كذلك صداماً بين المساحات البيضاء والسوداء في عناوين قصائده ، هذا فضلاً عن اكتناز عنوان الديوان نفسه ومحاوره الدلالية والتّـناص الديني بأبعاد دلالية عميقة ، وذات أهمية بالغة في فهم النص الشعري ، وهو ما سوف يطرح على بساط هذا البحث .
وصفـوة القول ، إن مواجهة الديوان في أبعاده المتعلقة بالعنوان ، والتشكيل الطباعي والمحاور الدلالية ، والتّـناص الديني ، تكشف عن أفق شعري مفتوح ، محمّل برموز وإشارات عالم متموج مراوغ ، يصدم القارئ بتناقضاته وكثافته وانسيابه الهادئ الرصين ، دون صخب أو خطابية في أغلب الأحيان ، ويجعلنا نقبض على جمرة الشعر في أعماق روحنا ، بسلاسة مرعبة ، تحت ظلال الإشارات ، وخلف أسرار الكلمات ؛ فيتجلى المستور في صورة الموت الشاخص للفلسطيني أمام الأبواب ، وفي صورة تفضح قبح العالم .
كثـافـة العنـوان
يشكّل عنوان الديوان بؤرة مركزية ، ذات إشعاعات دلالية ، تنبثق منها درامية الرؤيا الشعرية ، وتناقضاتها الجارحة ، التي تضغط على روح المتلقي وفكره ، لما فيها من محمولات متعددة الأبعاد ، تتسم بتجربة قادرة على فرض حضورها الدلالي الفاعل في قصائد الديوان .
لا شك أن دال (بيت) في عنوان الديوان ، يستحضر بوصفه مكاناً مرتبطاً بحياة الإنسان وذكرياته ، وحقيقة ماضيه ، أو هو الملاذ الذي يحتمي به من عاديات الدهر ، وتربطه به علاقة روحية من نوع خاص ، تجعل منه –على حد تعبير جاستون باشلر- المكان الأليف/المأوى ، وبدونه يصبح الإنسان كائناً مفتتاً . فالبيت جسد ورح ، وعالم الإنسان الأول قبل أن يقذف به في العالم (4) ، وفي خضم هذه الكيانية الفيزيائية للبيت بأبعادها الروحية والعاطفية ، التي لا يمثّل فيها البيت ذاته فحسب ، بل يمثّل مخزوناً نفسياً ثابتاً في الذاكرة ، ووعياً للـذات الفردية /الجماعية وعلاقتها بالزمن ، فإن دال (بيت) بصيغة النكرة الدالة على الشيوع في جنسه ، يخلق حالة من التوتر ، تنفي خصوصية الدلالة ، وتوغل في الشمول ، وتدعو القارئ إلى إعادة التأمل ، وطرح تساؤلات جديدة ، تسهم في القبض على الشفرة الدلالية العائمة لعنوان الديوان ، وفي هذه الحالة لابد من الاستعانة بالقصائد الشعرية ، التي ستشكّل معيّنات دلالية تضيء العنوان ، مما يجعل الديوان بنية لغوية ، ترتبط فيها الأنساق بعروة وثقى لا انفصام لها .
تستطيع القصيدة الأولى في الديوان تحطيم شبكة العلامات الإشارية ، وفك شفرة العنوان العائمة ، وذلك حين يقول الشاعر :
يتنفسني الوقت، خلّيك هنا؛ اختطفيني من فجر اللغة، ومن تيه
العنوان احتطفيني؛ صبي زيت الأقمار بعيني، أعيديني للجرح الأول
في محراث أبي يسعل تحت غطاء الفجر، يدندن موسيقى كسرت
إيقاع الرسل، وفجّرت الماء بأرض تأسرني، تمتد وشاحاً في الريح
وتأخذني مني، تبني عرساً في تعب الأيام، وتكتب أسرار ولادتي
الأولى في رقم شاخت، أوشاخ عليها جسد الزمن .
خلّيك هنا، مرت في الريح، أمامي، عربات النحل، تتـزيّا بدمقس
العسل؛ وترمي سحر بكارتها في الريح/خلّيك هنا/وهنا لا شيء
سوى أرض ينهبها الجند، يقيسون لهاثي، بموازين الغضب/يقيسون
الحجر الثيّب للقبر؛ بميلاد القبر،يقيسون القبر بهندسة الجسد،ولا
وزن للروح (5) .
تنبئ الدوال الشعرية (محراث أبي-أرض تأسرني-ولادتي الأولى-أرض ينهبها الجند-لا وزن للروح) ، تنبئ عن رغبة الشاعر في أن ينقذ نفسه من وضوح اللغة وتيه العنوان ، وتكشف عن أبعاد الأزمة النفسية وخبايا الذات ، التي يتبدى فيها (البيت) بوصفه رمزاً للأرض/الوطن ، تلك الأرض التي أسرته وشهدت ولادته الأولى ، وشق فيها أبوه تربتها بمحراثه منذ زمن بعيد ، وهذا يشير إلى امتلاك المكان ، وعمق الوجود الفلسطيني الضارب في أعماق التاريخ ، لكن المفارقة الزمانية التي يعيشها اليوم ، تتمثّل في نهب الجند/الاحتلال لحلمه ووعيه المكاني بامتلاك الأرض ، وهذا بدوره يولّد درامية بين قوى متناقضة ، تنبني على ثنائية الماضي/الحاضر ، أو الفلسطيني/الاحتلال ، وتعبّر بعمق عن الصراع الوجودي للإنسان الفلسطيني المرتبط بأرضه ووطنه ، مقابل الاحتلال الذي لا يقيم وزناً للروح وللتاريخ ؛ ولهذا استهل الشاعر عنوان الديوان بـ (بيت) ، وليس (البيت) أو (بيتي) أو (بيتنا)…الخ ، لأنه وإن (كان) قد امتلك البيت في الزمن الماضي ؛ فإنه (اليوم) فاقد له ، ويناضل من أجل استعادته .
أما دال (وشم) ، فيجسّد صورة أخرى من صور الصراع ، حيث تشير دلالته المعجمية إلى ظهور الحياة والاخضرار من عمق الألم والمعاناة . فالوشم : هو ما يكون من غرز الإبرة في البدن حتى يزرقّ أو يخضرّ . والوشم أيضاً : العلامة ، وأوشمت الأرض ، ظهر نباتها .(6) ، وبهذا يلتحم دال (الوشم) بالبنية الدلالية الكامنة في ثنايا التجربة الشعرية ، إذ لا بد من المعاناة لاستعادة الحياة ، كما يشكّل لبنة عضوية من لبنات الخطاب الشعري ، ويؤسس لرؤيا تحريضية ، تدعو الفلسطيني إلى مقارعة الاحتلال ، وتقديم دمه ونفسه قرباناً على مذبح الحرية الإنسانية ، ليضيء بهما عتمة العالم ، ويعيد امتلاك التاريخ والجغرافيا .
ويشير دال (الخريف) بوصفه زمناً إلى سمة بالغة الأهمية في شعر الحداثة ، حيث نظر الشاعر الحديث إلى الزمن نظرة مختلفة عن الإنسان القديم . فالزمن للبدائي –على حد تعبير إحسان عباس- زمن (ميثولوجي) ، ليس ذا قيمة تذكر ، أما الزمن بالنسبة للإنسان المتحضّر فإنه (تاريخي) ، ويمكن قياسه ؛ لأنه يرتبط بالثقافة والحياة ربطاً محكماً (7) ، أي أنه يكشف عن علامات تاريخية بارزة في حياة الإنسان . وإذا خرجنا من إطار التعميم إلى إطار التخصيص ، فإننا نستطيع أن نرصد مفاصل بارزة من حياة الشعب الفلسطيني على مستوى الزمن/الخريف ، كانت صوتاً من أصوات الحقيقة التاريخية ، بقي الشعر الفلسطيني حريصاً على استحضارها ، ففي فصل الخريف ، فضلاً عن دلالته الطبيعية المتمثلة في الجفاف والموات ، نواجه بسيل من الأحداث التي شكّلت محارق كبرى ، أو انبعاثاً من رحم المأساة ، حيث يقابلنا : وعد بلفور(1917م) ، والتصويت في الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين (1947م) ، وحرب السويس (1956م) ، وخطاب الرئيس السادات في الكنيست (1977م) ، والانتفاضة الأولى(1987م) ؛ وبهذا يعدّ (الخريف) نفقاً مظلماً في تاريخ الشعب الفلسطيني ، ولكن في آخره شمعة مضيئة ، شكّلت بزوغ الأمل في تحقيق الحلـم الفلسطيني ، وأعني بذلك اندلاع الانتفاضة الأولى . وهكذا نلج عالم الديوان ، ونحن محمّـلون بسراب الكلمات ، وقدرتها على التعبير الكنائي الموحي ، الزاخر بالتناقض والصراع الإنساني .
علامـات غيـر لغويـة
يشكّل وضع الشاعر لعناوين القصائد في أقصى يسار الصفحة ، والمساحات البيضاء والسوداء ، والتشكيلات الطباعية ، وتقطيع أوصال الكلمة وكتابتها عمودياً ، وطريقة توزيعها مكانياً في جسد القصيدة بكثافة عالية ، يشكّل ظاهرة أسلوبية ذات حضور لافت ، يفتح وعي المتلقي على إنتاج دلالات لم يتعود إنتاجها من قبل ، ويجعل اللغة الشعرية تعقد حواراً تتحقق من خلاله البنية المحورية الكلية ، التي يسعى الشاعر إلى التلميح بها ؛ وهذا يعني أن العلامات غير اللغوية ليست إضافة خارجية ، تنطوي على خواء دلالي ، بل هي نسيج شبكي ، يعقد علاقة جدلية مع غيره من الأنساق الأخرى كاللغة والأسلوب والصورة ، للتعبير عن التعلق بالوطن ، وعمق الجرح الفلسطيني . وفي هذا الإطار "تتـنـزّل القراءة البصرية ، وتكتسب مشروعيتها من خلال اهتمامها بطرائق تنظيم الصفحة ، التي تمثّل تصوّراً معيّناً للكتابة ، إذ لم تعد اللغة وحدها محور الاهتمام ، وإنما باتت أشكالها وتجلياتها المختلفة ، وكيفية عرضها ، وعلاقتها بمعمار الصفحة محط اهتمام الباحثين ، الذين انشغلوا بالقراءة البصرية" (8) .
تكشف السمة المهيمنة ، المتمثلة في وضع عناوين القصائد في أقصى يسار الصفحة ، عن سيطرة تامة للبياض على حساب السواد ؛ وذلك لتحقيق غرضين متناقضين : الأول يفتح به الشاعر الأفق المضيء للبياض مقابل الأفق المظلم للسواد ، الذي يخيم بظلاله الثقيلة على النفس عند قراءة القصائد الشعرية ، وكأن الشاعر يرغب في الفرار من هذا البعد المأساوي الكثيف الذي يكتنـز به الخطاب الشعري . والثاني يشير إلى اختلال النظام الشكلي الموروث في القصائد التقليدية ، ومفارقة هذا النظام لإنتاج دلالة ، تتمثل في اختلال العلاقة بين الفلسطيني/ الاحتلال ، وهذا ما تنطوي عليه البنية العميقة من أبعاد مأساوية ، حيث يعبّـر الشاعر في قصيدة "قلادة الموتى" –على سبيل المثال لا الحصر-(9) عـن رماد الزنازين ، وأحلام الأسرى ، ويسعى إلى حرية الحمائم حتى لا تصير رهـن جداول مغمورة في زنازين بسمتها ، وأخيراً الطير يأسره الطيران (10) ، لكنـه في خضم هذا الجو المفعم بضيق المكان وظلمته ، يحلم بالضياء ، وبخطوته بين الندى والسماء ، ليخرج مـن الظل ، ويستغيث دمه المستجير بحنطة الأرض (11) ، ولكي يستطيع الطيران ، ويخطو بين الندى والسماء ، لا بد من مساحة مكانية واسعة ، تساعده على القيام بهذا الفعل ، فوجد في المساحة البيضاء لعناوين القصائد هذه الفرصة ، باعتبارها تعويضاً نفسياً عن ضيق المكان الواقعي وسوداويته . وهذا يكشف عن عمق الصراع مـن أجل الحرية ، وفق مقومات تجلو صورة الفلسطيني القابض على جمرة الحياة ؛ وبذلك يكـون وضع العناوين انعكاساً للبنية الدلالية الكلية للقصائد الشعرية .
وتنهض التشكيلات الطباعيـة بالعبء الأكبر في إنتاج الدلالات من بين العلامات غير اللغوية ؛ لأنها ذات هيمنة واضحة في الخطـاب الشعري ، لا تكاد قصيدة تخلو من حضورها الدال . ففي قصيدة "ثلاثية الماء والنار والصحراء " ، يواجهنا توزيع الأبعاد المكانية للدوال الشعرية على شكل (ثريا) ، وظّف فيها الشاعر مفردات تتناقض مع دلالات (الثريا) ، التي تشير إلى الضوء والنور ووضوح الرؤية ، لكن حبات الكريستال /المفردات التي تنطوي عليها هذه (الثريا) ، وتصنع شكلها الخارجي ، تلعب دوراً وظيفياً ، تتغير فيه المحمولات الدلالية من الضوء والنور إلى الظلام والنار ، فتحضر الدوال (نار-تعب- جنـون الحزن-لهيب الشكوى-نار الصحراء-جبروت نحيبي-نرجسة الموت-نـار الأشلاء-مطعـون-موتي-أنين البحر-دماء الغربـان) (12) ؛ وبهذا يثير المشهد الشعري شحنة عاطفية حزينة ، تأخذ صوراً شتى في ثنايا القصيدة ، أهمها الصورة المحورية التي يصرّح فيها الشاعر بأنه سيكون "المغتال الأوحد من أجل الوطن والعشق والشعر" ؛ ليرسم من خلالها خارطة الوطن المفقود على كفه ، بعد أن حفرها في قلبه وروحه ، مما يجعل القصيدة مشبعة بروح التحدي ، ويجعل المكان/الوطن إيقاعاً شاملاً يتسلل إلى خلايا النص . فالأمكنة "جزء من التجربة الحياتية ، سلباً أو إيجاباً ، والشاعر يقرأ أسرار الأمكنة وخفاياها ، ويقرأ جغرافيتها وتأريخها الماضي والحاضر والمستقبل . لا بد للمكان أن ينصهر ويـذوب في دم النـص" (13) . فالوطن يعيش في عالم الشاعر الداخلي الروحي مع كل نبضة قلب ، أو لمعة فكر ، أو خلجة عرق . وإذا استطاع الاحتلال تجريدنا من جغرافيا المكان/الوطن ؛ فإنه لن يستطيع محو العلاقة الوجدانية التي تربطه بالإنسان الفلسطيني .
ويكشف التشكيل الطباعي في قصيدة "العبث السكران" عن صورة (شجرة)، تتوجه فيها الدلالة إلى شجرة عيد الميلاد رمز ولادة المسيح (عليه السلام) ، وتتكامل الدوال الشعرية مع هذا البعد البصري ، حيث يوظّف إشارتين دينيتين : تستند الأولى إلى آلية اللقب (المسيح) ، والثانية إلى آلية الدور (نيسان) (14) ، حيث تشير الأولى إلى رغبة الذات الشاعرة في احتذاء درب المسيح (عليه السلام) ، وذلك في جملة "ومسّت خطاي دماء المسيح" (15) ، وهي ذات دلالة رمزية ، تشير إلى تجربة (الصلب) باعتبارها تجربة للفداء والتضحية وخلاص للبشرية من آثامها وخطاياها ، لتتحقق كرامة الإنسان وحريته على هذه الأرض؛ وبذلك تصبح الذات الشاعرة ذات إنسانية تحمل صليبها ، وتسير به إلى جلجلتها راضية مرضية . أما الثانية (نيسان) ، فتشير إلى شهر صلب المسيح (عليه السلام) ، كما تشير إلى قيامته ؛ وعلى الرغم من قسوة (نيسان) إلا أنه مصدر من مصادر تحقق الولادة ، وتجدد الحياة بالإخصاب والانبعاث ، وتشكّل هذه الدلالات معادلاً موضوعياً لحياة الفلسطيني المقتول/المصلوب ، الذي يحلم في الوقت نفسه بقيامة تجدد حضوره على الأرض ، ويعيد امتلاك الجغرافيا .
ويعبّـر تكرار حروف الكلمة أفقياً ، وتقطيع أوصالها عمودياً عن ظاهرة بارزة في الديوان ، تستوقف المتأمل ، وتستدعي دلالات إيحائية تعين على إضاءة الصراع المتوقد في أعماق الذات الشاعرة ، وذلك مثل جملة "ودماء تزهر فيها أحلاااااام الأرض" (16) ، فإن الدلالة تتشكّل من خلال تكرار نطق (الألف) ، وهو حرف من حروف (المد واللين) ، متسع المخرج ، ويوحي بالانتشار والوضوح السمعي ، ويدل على اتساع الأفق الذي تدور فيه أو حوله أحلام الذات الشاعرة ، رغبة في كسر حيّـز المكان الضيق ، لتنفتح لها ولكلماتها أماكن الآخرين ، الذين تريد إسماعهم صوت أحلامها (17) ؛ ولذلك نرى الذات الشاعرة في سياق القصيدة تطمح إلى الغناء كي يسمعها العالم (18) ، وهذا يؤدي إلى كسر الحصار/السجن ، الذي يأخذ بخناق الفلسطيني ، ليستفيق العالم على الحقيقـة الفلسطينية ، وأن الجسد الفلسطيني المخضب بالدماء ، ما زال مصمماً على أن يشتري بروحه روح الوطن التي تسكن/تزهر فيه .
ويجمع الشاعر في قصيدته "غيم الملذات" بين تكرار حروف الكلمة ، وتقطيع أوصالها . يقول :
ذل النحيب إلى الشعر
والشـــــــــــــعر
قااااااامة هذا المساااااااااء/
عللي ندم الغيب /
أينــــــــــــك ؟!/
في مدّه/واستفيقي
لئلا
أ…
م…
ووووو…ت ؟! (19)
يوحي التشكيل الطباعي في الأبيات السابقة بأهمية الشعر/الكلمة ، وقدرة الشعر على استكناه الانطباعات الدفينة التي تسكن فينا ، سواء مـن خلال الدوال الشعرية بتكرار كلمة (شعر) وأنه قامة هذا المساء ، أو من خلال هندسة الكتابة التي تجعل كلمة (شعر) الثانية تنفرد بسطر ، يتوجه له –الشعر-اهتمام المتلقي في انتهاك واضح لحدود الفنون التشكيلية كالرسم والتصوير . فإذا كان الشعر (قامة) يتوسل به الشاعر لإنارة السبيل لأمته ، فإن فشله في أن يجعل الأمة تستفيق من غفلتها ، سيؤدي به إلى الموت ، ولكي يوحي الشاعر بقسوة الموت كتب دال (الموت) بهذا الشكل المتقطع الأوصال ، ثم كرر حرف (الواو) ليوحي أيضاً بالسقوط في بئر أحزانه ، بما يصاحب هذا السقوط من صدى للصوت .
محــاور دلاليــة
الشعر بناء لغوي من طراز خاص ، تكتسب فيه الدوال قيمتها من براعة الشاعر في توظيفها توظيفاً جمالياً داخل السياق الشعري ، وتوليد دلالات تتجاوز محمولاتها المعجمية إلى آفاق أوسع وأرحب ، تجعل منها رمزاً عائماً ، يباغت المتلقي ويخاتله ، وتجعله يعيد اكتشاف عالم اللغة من جديد بكل ما فيه من طزاجة وألق . وبمعنى آخر ، إن براعة الشاعر تكمن في قدرته على استحضار الوظيفة الشعرية للغة في خطابه الشعري ، بإسقاط مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف (20) ، حيث يختار الدوال الشعرية من عناصر اللغة القابلة للتبادل ، والتي تشكّل حقلاً دلالياً ، يعتمد على التشابه أو التضاد ، ثم يستثمر إمكانيات الدوال بتوظيفها في سياق شعري ذي طبيعة كيميائية ، تمتزج فيه هذه العناصر الفنية من لغة وصورة وموسيقا ...الخ ، لإنتاج الدلالة الكلية للخطاب الشعري .
وإذا كانت القصيدة قفلاً ، فإن الدوال الشعرية مفاتيحها ، إذ بوساطتها يستطيع المتلقي الولوج إلى عالم القصيدة المغلق ، لأنها بمثابة علامات/أدلة ، يهتدي بها في دروبها المتشابكة ، ومسالكها الوعرة ، وتستطيع القصيدة بعد تأمل ، وقراءة باطنها وظاهرها ، أن تفصح عن مكنوناتها الدلالية ، وعلاقاتها الداخلية . وقد وظّف الشاعر-فيصل قرقطي- في ديوانه موضـوع الدراسة ، كثيراً من الدوال المفاتيح ، وكررها بكثافة عالية ، بحيث شكّلت محاور أساسية في بنية القصائد الشعرية ، لا يسع المتلقي/الناقد إغفالها أو تجاوزها ؛ لأهميتها القصوى في إنتاج الدلالة وتعددها ، ومن هذه المحاور : الشعر والأرض (الوطن) والصحراء .
لا شك أن الشعر كشف جديد للعالم ، وأن الشاعر الجاد ، يمتلك إحساساً عالياً بأهمية الكلمة ، وقدرتها في التأثير والتعبير ، ويطمح الشاعر-كما يقول شوقي بغدادي- إلى أن يحارب كل فساد العالم ، فحين يصبح الشعر هو قدر الإنسان ، يدرك -مع مضي الزمن- خطورة أن يكون شاعراً ، ؛ وذلك لنمو وعيه بمسؤولية الكلمة الشاعرة (21) ، إذ يتعيّن عليه أن يخوض بحار الكلمات ، ويفتح بها دروباً تتجاوز دلالاتها المعجمية التصريحية إلى هالة من الدلالات التلميحية ، الكامنة في أعماق النص الشعري ؛ ولذلك يكتنـز دال (الشعر) في الديوان بدلالات تنبئ عن ثراء دلالي ، وإدراك واع من الشاعر لقيمة الشعر في إيقاظ الحياة الإنسانية ، ومحاربة الشقاء والفساد والتنكيل بالإنسان ، واحتقار الشعراء المستلبين الذين يكتبون الكلام المعسول لتخدير الشعوب ، ويبيعون الأوهام في أسواق الحكام ، دون اكتراث بحياة الإنسان ومعاناته وجوعه وعريه ونفيه . يقول :
لم أدن من باب الخليفة
كي أعلّق من رموش الهدب في الساحات
لم أرفع شعاراً ثيّبـاً/
ولم أكذب على أحد/ولم أسرق/
ولم أضحك بلا سبب/ولم أبك بلا سبب/
ولم أعجن طحين الجوع بالتقوى/
ولم أشبع على طبق/
ولم أنطق بما لا يستهان به/
ولم أشفق على الجوعى/ولا المرضى/ولا الأسرى/ولا الجرحى/
ولم أهتف بما لا يسمح القانون
ملعون هو القانون/
ملعون هو الثوب الذي يستر
جراح العمر/
ملعون هو الشعر الذي يرعى حقول الجوع/
يسمع صرخة الوحدة
//بلا ردة// (22)
تكشف الأبيات عن محورين دلاليين : يتمثل الأول في توظيف التكرار الرأسي لحرف النفي (لـم) ، الذي ينقل السياق الشعري من المضارع إلى الماضي وينفيه ، أو من الزمن الحاضر إلى الزمن الماضي ؛ وبهذا يتسع الزمن ليشمل ما كان وما هو كائن ، لتقدم الذات الشاعرة صك براءتها من الدنو من باب الخليفة في هذين الزمنين . كما تكشف الأبيات عن الهاجس الإنساني ، الذي يوجه رؤيتها الروحية أو العاطفية المعبّـرة عن معاناة الإنسان ، والملتصقة بجسده ودمه ؛ وبهذا أوصلت الشفرة اللغوية المتكررة في سياق القصيدة ، إلى حتمية النهاية التي انتهت إليها الأبيات ، حيث بدأ يتردد في جنباتها دال (ملعون) ، بكل ما يحمله هذا الدال من دلالات دينية وأخلاقية سلبية . ثم تتكرر الجملة الافتتاحية مرة أخرى في خاتمة القصيدة "لم أدن من باب الخليفة" مع إضافة دلالية مهمة هي "ناسكاً أو مادحاً" ، وهذا كله يؤسس بالكلمة لرؤيا تحريضية ضد واقع القهر والظلم وعطش الريّـان إلى الدم . أما المحور الثاني ، فيتمثل في الفراغ الطباعي أو المساحة البيضاء ، الفاصلة بين الجملة الافتتاحية للقصيدة "لم أدن من باب الخليفة" والأبيات التالية لها ، للإيحاء بالبعد المكاني الذي يفصل الذات الشاعرة عن باب الخليفة ؛ وبهذا يتضافـر البعدان : الزماني والمكاني ، ليشكّلا علاقة تضاد بين قوى متناقضة الرؤى ، متباينة التفكير .
وإذا جمع الشاعر بين ما كان وما هو كائن ، تعبيراً عن رفض الواقع المعيش ، فإنه في قصيدة "أربعاء الرماد" يريد للشعر ، التعبير عما سوف يكون ، واستباق الزمن ، على اعتبار أن الشعر –في رأي شاكر النابلسي-بشارة الغد ، وقد كانت -وما زالت- وظيفة الشعر الاستشراف والرؤية ، وليس التسجيل . فالشعر السجل تاريخ وليس شعراً (23) . يقول :
الرعاة بكوا ..ثم ناموا ولم يعبدوا كاهناً فرّج العمر من كف هذا
العناء ليستبق الشعر نار الرماد..ورؤيا الحياة/ولكن موتاً خفيضاً
يسطّر بقيا الرماد وبقيا الكلأ/فأين الرعاة يجوبون قهر الفلاة وموت
الملأ ؟!/أظنهم الآن يبتكرون شهادتهم في ثغاء الإبل..يغـذّون
خفض حرير شموس الصباح بما ملكت جرّة في زوايا العريشة (24)
بناء على ما سبق ، يصبح الشعر طقساً دينياً مقدساً ، وتجلياً إشراقياً ، وشاهداً على جنون اللغة ، التي يعمّد الشاعر حروفها لتقف حائلاً دون انتصار الصحراء على الشعر ، بالرغم مما تـدل عليه من اتساع وجفاف وموات . إن رغبة الذات الشاعرة في استباق الشعر لنار الرماد ، يجعل الشعر مبشراً بغد أفضل ، ونذيراً من اصطلاء البشر بنار الحرب ؛ لذلك أصبح من الطبيعي أن توصف القصيدة بأنها (آية) ، وذلك في قصيدة "أنوء بها وتنوء" . يقول :
أقدّم أعذار قلبي للريح/
أستكتب السحر في آية للقصيدة ..
أسكب نار جنوني على لغة تتشكّل فيّ صحارى أنوء بها وتنوء
أعمّد حرفاً بحرف ، وأجني مكائد عند الزمان
أشذّب نجوى الحروف/
أعلّمها كيف تهمس/
أو تبني لها كوخ شوق
على ضفف للصحارى أنوء بها وتنوء
حرف قتلاي مشتبك في وريدي/
وصمتي غبار الحروب/
على عجل تتقدم الحافلات ..
وأفلت من قصة للهزيمة/
أرفع منديلها عَلَماً/
وأسير لأحرقه/ (25)
تشير الأبيات إلى حضـور البعد الديني ، الذي تتعمّد فيه حروف القصيدة ببركة الغفران ، وتفتح أبواب السماء ، كما فتحت للسيد المسيح (عليه السلام) بعد تعميده بالماء المقدس ، وتتـنـزّل آيات الشعر من سماء الشاعر ، لتنكشف سريرة نفسه على فاجعة الإنسان المقتول المهزوم ، الذي يبغي الخلاص الإنساني من آثار الهزيمة ، فيجسدها علماً يقوم بحرقه ، ومحذراً –في الوقت نفسه- من صمت الشعراء ، الذين يصنعون الحروب بصمتهم ؛ وبذلك تتحول الأبيات إلى تجربة وجودية شاملة ، وشبكة من العلامات الإشارية الباحثة عن التوأمين : الحرية والسلام .
ويشير محور الأرض/الوطن في الديوان إلى دلالات متعددة ، تتجاوز كونها مساحة جغرافية ومكانية إلى كونها مفهوماً رمزياً ونفسياً ، تزهر فيها الأحلام ، وتنطبع خارطتها وصورتها في سويداء القلب ، وأعماق الروح ؛ لأن قضية الإنسان الفلسطيني الأساسية هي قضية الأرض ، لذلك نراها ماثلة أمامنا داخل كل سطر شعري ، منقوشة في تعب الصلوات أو حلم الوصول ، أو منهوبة من الجند المدجج بالردى . يقول :
مطر على رمل بكى/فأضاء قلب الأرض/والأرض الفراشة بين
ريح الهجر..والجند المدجج بالردى
وطن على خيط التذكّر في المواسم/ينبني..ويموت/ثم يقوم
بعد قيامة الأحباب كي يجد المنون تبهرجوا بالسر/لكن الأغاني قد
تخون../وقد تحابي الذكريات (26)
تنبني الأبيات على محورين دلاليين : تشكّل بنية التعارض محوره الأول من خلال الأرض/الجند ، أو البناء/الموت ، وتتوجه الدلالة إلى قلب الأرض المضيء والشعب الفلسطيني الأعزل الذي يدافع عما تبقى من وجوده ، مقابل الجند الذين يقومون بتدميره ، بكل ما يملكون من فائض القوة ، ويصادرون الأرض والحياة ؛ لكن الفلسطيني يعمل على صياغة الذاكرة العامة بفعل (التذكّر) ، أو استحضار الأرض /الوطن في الذاكرة الجماعية ، بوصفها مستودعاً للأحداث والتاريخ "فالأشياء المتذكرة تمتزج وتختلط بالمخاوف والآمال . والأمنيات والخيالات لا يمكن تذكّرها كواقع فقط ، بل إن الوقائع المتذكّرة هي في تعديل مستمر ، يعاد تفسيرها ، وتعاش من جديد في ضوء مقتضيات الحاضر ، ومخاوف الماضي ، وآمال المستقبل" (27) ؛ وبذلك لم يستطع الجند/الاحتلال دفعنا إلى الغياب والنسيان .
ويمزج المحور الثاني بين أبعاد دينية هي : قيامة المسيح (عليه السلام) ، وأبعاد أسطورية هي طائر العنقاء ، وذلك مـن خلال الجملة الشعرية "ثم يقوم بعد قيامة الأحباب" . إن قيامة الوطن تجربة فلسطينية ذاتية ، لكن اقترانها بتجربة المسيح (عليه السلام) وقيامته ، جعل منها تجربة تنفتح على عوالم دلالية شتى ، تمدها بالبعد الإنساني الشامل ، فتكون قيامة الوطن نوعاً من القداسة ، حيث يشرق له النور الإلهي ، ويتجلى في ملكوته كما هو الشأن مع المسيح عليه السلام . أما البعد الأسطوري (العنقاء) ، فهو يمنح التجربة الشعرية بعداً إنسانياً آخر ، يجعل الوطن لا يستكين لمعطيات الواقع بما فيه من موت ، بل يكون الموت سبباً من أسباب التجدد والانبعاث ، ويخرج الوطن من ركام الموت ؛ ليحقق الحياة من جديد ، أو هو –على حد تعبير خزامى صبري- يهـدم السدود بين الحياة والموت ، ويعلو على الحياة ، ويمتلكها بالموت (28) ، ويفتح منافذ الخلاص ، ويحرك الطموح نحو تحقيق الحياة والانتصار على الجند رمز الموت والجدب والجفاف ، ولا يتحقق ذلك إلا بمرحلتين : الأولى الاحترق والموت ، إذ يحضّر طائر العنقاء محرقته فيتحول جسده إلى رماد . والثانية خروجه من هذا الرماد أتم ما يكون شباباً وجمالاً .
إن قصيدة فيصل قرقطي تحمل في ثناياها وعياً حاداً باللحظة الراهنة ، وعي يضغط على عصب القلب ، ويكشف عن خبايا الذات ، وعن أبعاد الأزمة النفسية التي فرضت قسراً على الإنسان الفلسطيني ؛ لأن قدره ألا يترك أرضه/وطنه الطغاة ، مع ممارستهم لأبشع أنواع التنكيل والقتل والأسر ، واستمراء الولوغ في الدم الفلسطيني . يقول عن الإنسان الفلسطيني في قصيدة "شجر الخرائط" :
كتبوك في مجد المطر
وعلى الأثر/
قد كبّلوك بألف سيف/
شرّحوك..وشرّعوك إلى المدى/لم تنتحر !!
رسموك في شجر الخرائط/علّقوك إلى المدى جوعاً ونفطاً أو
بضاعة فاسدة
سمك يشع بلون أطفال عراة..
أين النجاة ؟!
عبّـأوك..تقاسموك..ولم تجد وطناً بغير طغاة (29)
إن فشل الطغاة في جعل الفلسطيني ينتحر ، بالرغم من وحشية الإرهاب والعنف ، يشكّل دلالة بالغة الأهمية في سياق الأبيات ، حيث ينبئ عن رغبة دفينة في محاربة فساد العالم ، ورفـض ما يراد لنا أن نكون ، وتحقيق ما نريد أن نكون ؛ ولذلك تأتي صيغة الاستفهام "أين النجاة ؟" باعتبارها مرحلة من مراحل الوعي بالذات وبالآخـرين ، وحالة بحث عن إثبات الهوية ، وتحقيق الوجود الإنساني ، أكثر منها بحث عن مجرد النجاة .
إذا كانت الأرض/الوطن ، قد تجلت في صور رمزية في الأبيات السابقة ، وأخذت أبعاداً حضارية وروحية ، فإنها في قصيدة "ثلاثية الماء والنار والصحراء" ، تأخذ بعداً طبيعياً ، باعتبارها أرضاً زراعية ، ذات بعد تاريخي يضرب بجذوره في أعماق الزمن ، حيث يستغرق حضور الفلاح الفلسطيني ، الذي شق الأرض بمحراثه أبعاد الزمن الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل ، ويكشف فعل (الزراعة) عن وجود الفلسطيني ، ودوام امتلاكه للأرض فعلياً أو تاريخياً . يقول :
يتنفسني الوقت/يدوم لهاث الصلصال على وجع الأرض،تدوم
الأرض بكل محاريث الفلاحين،بكل ثغاء الماعز،تحت رطانة ريح
..تهجر أكثر مما تستبطئ قافلة الموت،وأفتح للريح سؤالي،ينهمر
المطر الأول،يغسل أعتاب الفجر،ويغسل أحلام الليل،ويغسل تعب
الأيام (30)
ويجسد المحور الثالث والأخير علاقة الإنسان الفلسطيني بالصحراء ذات المدى والاتساع وشظف العيش . إنـها تاريخ العربي وجغرافيته في عهوده الأولى قبل انتقاله من البداوة إلى الحاضرة ؛ ولذلك فهي تحمل دلالات سلبية وأخرى إيجابية ، ففي قصيدة "علّقت آمالي بهدب الغيب" ، تقف الصحراء باتساعها شاخصة بقسوة أمام عودة الفلسطيني إلى وطنه ، وتؤكد بحضورها غيابه عن الجغرافيا الأرضية ، ليكون الرحيل والنفي والتشرد قدره المحتوم ، الذي يكتوي بناره ، ويمزق أوصاله الأسرية والاجتماعية والمكانية ؛ وبهذا تصبح الصحراء رمزاً للمنفى الفلسطيني ، أو الفصل بين الفلسطيني وفردوسه المفقود ، لكن الفرق –في رأي محمود درويش- بين الفردوس المفقود بالمعنى المطلق ، والفردوس المفقود بالمعنى الفلسطيني ، هو خلق حالة من الحنين والانتماء النفسي والشرعي من الصراع . وما دام الصراع قائماً ؛ فإن الفردوس لا يكون مفقوداً ، بل يكون محتلاً وقابلاً للاستعادة (31) . يقول الشاعر في قصيدة "علّقت آمالي بهدب الغيب":
وبرّجتني آفة الصحراء ما وصل الغريب..إلى الغريب لعلّني أصل
وامتد بي هذا الفراغ/
ولاكني الترحال طيفاً من سعار النار
يمشي في محافلها..ويغفر ثم يمشي/
والخطى مد وجزر
والدروب لهث عمر ينكوي بالبر أو يعثو
على جرح المسافة ثم ينفصل
عن الأحباب ..ما مالت جراح الريح
وانكوت القلوب على مفارق عمرها
موت لـه خطل (32)
وتكشف قصيدة "أنوء بها وتنوء" عن حضور لافت لدال الصحراء ، الذي يسيطر سيطرة مطلقة على جسد القصيدة ، ومفاصلها الأساسية في إنتاج الدلالة . وهذه بعض الجمل الشعرية التي تزخر بها القصيدة :
- ومائي امتثال الجفاف لعفة قر الصحارى أنوء بها وتنوء .
- وأعترف الآن أني رهين الصحارى أنوء بها وتنوء .
- وينجو صفير الرياح على شفة للصحارى أنوء بها وتنوء .
- أهيم بها وتهيم بليل الصحارى أنوء بها وتنوء .
- إثم الجواب بقلب الصحارى أنوء بها وتنوء .
- أسكب نار جنوني على لغة تتشكّل فيّ صحارى أنوء بها وتنوء . (33)
إن انفعال الذات الشاعرة بدال الصحراء في الجمل السابقة ، انفعال حاد تتفجر به الكلمات ، ويأخذ مكان الصدارة في حركة الصياغة اللغوية ؛ ليشكّل محوراً دلالياً تتمـركز حوله الصحراء ، بدلالات متعددة ، فنراها مرة رمزاً للبرد والتقوقع حول الذات ، ومـرة ثانية رمزاً للسجن ، وثالثة رمزاً للتوقـد الإبداعي وجنون اللغة الشعرية …الخ . لكن الجمل الشعرية تنتهي بتكرار رأسي "أنوء بها وتنوء" ، يؤكد البعد التراكمي للتكرار ، باعتباره وسيلة لغوية تعبّـر عن رؤيا الذات الشاعرة ، وعن الحالة النفسية التي تطرح صراعاً مع الصحراء من نوع خاص . إن علاقة التنافر بين الطرفين ، حيث ينوء كل منهما بالآخر ويرفضه ، تجعل الصحراء صوتاً متشخّصاً في القصيدة ، يحمل وجهة نظر سلبية تصادمية تجاه الآخر ، الذي يرفض اليباب والجفاف والموات في دلالة الصحراء ، وينتصر لمبدأ الحياة والارتواء والاخضرار ودفء الشعر .
التّـناص الــديني
تعدّ كتب الأديان الثلاثة : القرآن والتوراة والإنجيل ، رافداً مهماً من روافد التجربة الشعرية ، استقى الشاعر من آياتها القدسية العامة ، وامتص لغتها وأساليبها ، مما جعله يبتعد عن التعبير المباشر إلى التعبير الموحي ، الـذي يكتـنـز برصيد روحي يوسع من دائرة الإنتاج الدلالي ، وينفتح على عوالم جديدة وطازجة في التجربة الشعرية ؛ وبهذا يمكن القول : إن شعر الحـداثة يختلف في قراءته للنصوص الدينية عن شعر مدرسة المحافظين ، أو المدرسة الرومانسية العربيـة ، التي تعاملت مع التراث تعاملاً يرتبط بالقشور لا الجوهر ، بالسطح لا العمق . إنها قراءة –في رأي عـز الدين إسماعيل-أقل ما يقال فيها ، أنها أكثر عمقاً وتدبـراً وأصالة ، ولعلها القراءة السليمة التي تجعل النصوص الدينية حية نابضة ، لا مجرد أصوات وكلمات مقيدة الدلالة (34) .
لقد استحضر الشاعر قدسية القرآن الكريم ، باعتباره مصدراً أدبياً ، يتسنم ذروة البيان والفصاحة ، وباعتباره كتاباً دينياً يمنح الخطاب الشعري سمة التصديق ، وباعتباره تجلياً نورانياً تظهر فيه أبعاد النفس الإنسانية ، حيـث استدعى في قصيدة "غيم الملذات" أسماء الله الحسنى ، للتعبير عن تناقضات الواقع الفلسطيني . يقول :
الغائب..التائب/المستميت..المميت/المغيث..المغاث/اللجوج
..الفجوج/اللحوح..المليح/المديد..الودود/المعيد..المعاد/
الكبير..القدير/العزيز..المعز/العسيس..المعس/البشوش..
المهمش في النص/فوق التناص/وتحت دمار الحروف (35)
تكشف الأبيات عن توظيف الشاعر للتناص الإيقاعي ، وتحويله من دلالاته الدينية إلى تجربة ذاتية ، تشير إلى حالة التناقض التي تعيشها الذات الشاعرة/الفلسطيني ، الذي زلزلته البراكين ، وارتج برق الزلازل في دمعته ، وانفجرت المحيطات من رجفته ، فكان هو القوي الضعيف ، والحاضر الغائب ، والمعيد المعاد …الخ . وهذا التناقض يخلق حول الفلسطيني هالة من الغموض الوجودي ، الذي يمنحه صفة الحضور الفاعل في الحياة من خلال (المميت-المعيد-الكبير-القدير…) ، ويمنحه صفة الغياب عن الحياة مرة أخرى من خلال (الغائب-المهمش في النص-تحت دمار الحروف…) ، وما بين الحضور والغياب ، تتشكّل مأساة الفلسطيني الباحث عن هويته ووجوده الحضاري ، باعتباره شعباً محروماً من شروط الحياة ، ويستمرئ الجلاد الولوغ في دمه ، ويحاول نفي وجوده الحضاري الفاعل في الكون .
ويتناص الشاعر في قصيدة "أول الحبو شد صحاراك" ، مع كلمات موغلة في قرآنيتها مثل (الفلق-العلق) . يقول :
القصيدة تحترق
وعلى اشتعال النار أبني مرجلاً /
وأهـز غيـم (النار)في ليـل الفــلق
وجنون أحرفي الأكيد من الرواية في العلق
هزي شعار الروح ينتشر العبق
لا
وردة
في النار
يتلـوها الشبـق..
أول الحبـو
أرخني المغيب
روحي ظل طفل الشفق
وعصاب قلبي آخر الطلقات في رحم الشهق
سميت معدني الأسى/وسموت عـن عمـر تعدّل بالنفاق
ومات من رجف دلق (36)
يمتص الشاعر في الأبيات السابقة كلمتي (الفلق –العلق) من القرآن الكريم ، ويعيد تشكيل ملامحهما من خلال البنية اللغوية ، التي تعبّـر فلذات مهمة في التجربة الشعرية . فإذا كانت كلمة (الفلق) قد ارتبطت في السياق القرآني بجلال الخالق في بديع صنعه ، رب الفلق/خالق الصبح ، فإنها في السياق الشعري توظف للدلالة على احتراق القصيدة ، التي تهز لها الذات الشاعرة (النار) لينبثق الصبح المنير من الظلام الدامس ، وهي دلالة ترميزية تبيّن قيمة القصيدة/الشعر في إضاءة عتمة العالم بدلالاتها الإنسانية والحضارية . أما كلمة (العلق) ، بدلالاتها القرآنية على القطعة من الدم الغليظ التي خلق منها الإنسان ، فإنها في سياق القصيدة ترمز إلى قدرة الذات الشاعرة على خلق حروف قصائدها بتعب ومشقة ، ليتجلى من خلال ذلك ، المكابدة اللغوية التي تضفي على القصائد الشعرية صفة التصديق والتقديس .
أما توظيف التناص الديني من التوراه ، فقد تجلى في قصائد كثيرة ، منها قصيدة "أربعاء الرماد" ، التي يقول فيها :
خضّتِ الأرض أحزانها؛رق في كاهلي الغيب..فانقشعت ظلمة
وتبدّى ضياء غفير فكانت بحار وكانت سماء
طويت لهاثي على دمعة الأرض كانت نجوم..وكانت صحارى
يقال لها اليابسة.(فكان ظلام..وكان نهار/وكانت بلاد..وكانت بحار)
ذوّبت قلبي "دعاء" بماء الفجيعة،فاشتد غيم وسالت سيول…(37)
يتناص الشاعر في الأبيات السابقة مع خلق الكون في سفر التكوين (38) ، ليعبّـر عن تجربة شديدة الخصوصية ، تجري في عروقها دماء التجربة الفلسطينية ، وتجعل من الفلسطيني الباكي المفجوع شخصية تمتلئ بالحيوية والارتواء والحضور الإنساني ، وتتيح له أن يشكّل "عالماً أرضياً موازياً للعالم السماوي" (39) ، يستمد فيه القدرة من تجليات الكاف والنون ، التي أبدع فيها الخالق السماء والأرض ، والليل والنهار ، والطيور والحيوانات …الخ .
ويستدعي الشاعر في قصيدة "عكازة الزمن" أسطورة (المسّادة) اليهودية ، التي تشير إلى تفضيل اليهود الانتحار في قلعة مسّادة حينما حاصرهم الرومان على الاستسلام ، كما تشير أيضاً إلى أسطورة (شمشون) المقترن اسمه في التوراه باسم (دليلة) الفلسطينيية ، وهو "شمشون الجبار ، الذي ضرب المثل بشدة بأسه … حكم إسرائيل مدة عشرين سنة بعد أن تغلّب على الفلسطينيين ، واشتهـر بحروبـه معهم وانتصاراته عليهم ، ووفاته في أسرهم بخيانة خليلته دليلة" (40) . إن وصف (دليلة) بـ (الخيانة) في نظر المؤلف ، يقابله وصف لشعور وطني صادق في النظر الفلسطيني لشخصية (دليلة) ، باعتبـار (شمشون) عدواً وقاتلاً للفلسطينيين في ذلك الوقت (41) . يقول الشاعر :
صليت ما يكفي على جرح الورق/
فانشق قلبي واحترق
عجباً أرتّق متعتي/والأرض كالنيران يبلعها الورق
لا غصّة تدمى/ولا قلب خفق
مسّادة جرحي الذي أحيا به/ولجرحها ورد الحبق (42)
تكشف الصياغة اللغوية في توظيف الدال (مسّادة) ، عن نقله من دلالته اليهودية إلى دلالة تؤسس للشهـداء الفلسطينيين ، الذين يقدمون أرواحهم رخيصة في مواجهة الاحتلال بالرغم من اختلال موازين القوى ، ليحققوا بموتهم الفردي وجودهم الكوني ، ويمجّدوا الحياة باختيار الشهادة ؛ وبهذا أمكن للذات الشاعرة أن تتحدث عن (مسّادة) جارحة في ثناياها تكمن الحياة ، لتصبح (مسّادة) فلسطينية ، تنبعث من جرحها رائحة طيبة زكية .
كما استدعى الشاعر في ديوانه كثيراً من الإشارات الدينية المسيحية ، وخاصة صلب السيد المسيح (عليه السلام) وما يتعلّق به من قيامته وغير ذلك ، تعبيراً عن المخاض الذي يبشّر بولادة جديدة ، وعن الفداء والتضحية ، وخلاص البشرية من آثامها وخطاياها . يقول في قصيدة "بيت في وشم الخريف" :
والكهان قد مالوا إلى غصن المحبة في سراط السلم/
والحرب امتنان للذي يحيا بها..ويدبّج الغفران
صليت سبعاً من سني عذابها،وصلبت سبعاً من دم
العنوان/مارست الطقوس بكل عفتها..وحرقتها/
ونسجت أحلاماً من دم النسيان..همّشت السنين (43)
تشكّل بنية التضاد مؤشراً دلالياً ، ومتكأ لغوياً تتحلق حوله الأبيات ، لتنم عن نفثات شعرية حارة ومؤسية عمادها المقارنة بين شخصيتين : الأولى (الكهان) ورجال الدين في دعمهم ورعايتهم للمحبة والسلام . والثانية تجار الحروب الذين يشعلون أوارها لتنتعش تجارتهم وتروج ؛ وفي ظل هذه الثنائية التعارضية ، تبرز صورة الذات الشاعرة/الفلسطيني ، الذي اصطلى بنار الحرب ووحشية القتل سبع سنين ، وصلب على الجلجلة كالمسيح ، ولكن سبع سنين أخرى أيضاً ؛ وبهذا يفسح الشاعر لخطابه الشعري أن يشكّل معادلاً موضوعياً ، يجعل الفلسطيني (مسيحاً) معاصراً ، يساق إلى (جلجلته) فداء للإنسان ، وتحقيقاً لكرامته وحريته على هذه الأرض .
وتتحول قيامة المسيح (عليه السلام) بعد الصلب في قصيدة "قصائد للرأفة" إلى تجربة ذاتية ، ينبعث فيها الشاعر/الفلسطيني وتقوم قيامته ، لكن اتصالها بتجربة المسيح (عليه السلام) وقيامته ، جعل منها تجربة تنفتح على أبعاد إنسانية عامة ، فتكون قيامة الفلسطيني بعد موته ، قيامة ذات دلالة ينعطف فيها الشاعر عن الدلالة الدينية الموروثة ، ويحطم شبكة العلاقات الإشارية المسبقة في بعدها الموروث ، لتكون قيامته شهادة على موت العمر ووحل الأيام ، في عالم يخيم عليه الظلم ، وقتل أحلام الإنسان . يقول :
وأنام على عفة موتي/تأخذني الأحلام بعيداً
أبني مدناً..غابات من ظلم/جنة عدن
أو نار قيامة موتي/وأقوم لأشهد..
أني أشهد موت العمر على سكين الشك..
ووحل الأيام (44)
وهكذا استطاع الشاعر أن يعبّـر عن رؤياه الشعرية ، ويصل الماضي بالحاضر ، ويكتب قصائد شعرية مجبولة بدمه ، ويجعلها كشفاً عن تجربة إنسانية شاملة مركزها الإنسان الفلسطيني ، الباحث عن حريته وكرامته الإنسانية ، المتمسك بهويته وترابه ، كما جعل من روح الفلسطيني غيمة لا تبرح حدود الوطن بالرغم من التنكيل والنفي والتشرد ، وقد توسل في سبيل ذلك بأساليب فنية شتى ، أشرت إلى بعض منها في سياق هذا البحث ، ومع ذلك يبقى الديوان غنياً بأساليب فنية أخرى ، تستحق المقاربة النقدية .
خاتمــة البحــث
تطرح الأصول المعرفية لنظرية التلقي، بحث العلاقة الفاعلة بين النص والمتلقي ، باعتبارها تجربة إنسانية صادررة عن قراءة النص بما يليق به ، لاكتشاف بنيته العميقة الكامنة خلف العلامات اللغوية وغير اللغوية ، وما يمثلها من رموز و إشارات وصور وتشكيلات طباعية ، يتوسل بها الشاعر للتعبير عن مكنوناته العاطفية أو الفكرية، عندما يشعر بعجز اللغة عن التعبير عما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس ، يجلو بها أبعاد التجربة الشعرية ، تنقل عملية التلقي من الأذن إلى العين ، أو تنقلها من العهد الشفوي إلى العهد الكتابي، وهذه مرحلة مهمة من مراحل الوعي والإدراك ، تعبر عن كثافة المقروء ، وتجنب صخب الخطابية المباشرة ، مما يجعل القارئ يقبض على جمرة الشعر في أعماق روحه ، بسلاسة مرعبة ، تحت ظلال الإشارات وخلف أسرار الكلمات ، وباطن الخطوط والتشكيلات .
إن مقاربة النص الشعري بهذه القراءة المعمقة، يجعل منها تجربة إنسانية ، وبالقدر نفسه تجربة ذاتية ، يمارس فيها القارئ طرح أسئلة طازجة لم يتعود النقد الأدبي طرحها على النصوص الشعرية من قبل ، مما يؤدي إلى إنتاج دلالات جديدة من إشارات لغوية وغير لغوية ، ليصل إلى لذة الاكتشاف التي لا تعادلها لذة ، وقد تحققت هذه اللذة في بروز دلالات متكثرة في ديوان "بيت في وشم الخريف" ، شكلت نتائج البحث ، وهي كالآتي :
1-أظهرت القراءة السميولوجية لعنوان الديوان " بيت في وشم الخريف" ، أن ( البيت) بوصفه الملاذ والمأوى ، يمثل مخزونا عاطفيا، ووعيا للذات الفردية /الجماعية وعلاقاتها بالزمن ، إلا أن "بيت" في صيغة النكرة، تجعل منه مكانا دراميا لقوى متناقضة ، تعبّر بعمق عن الصراع الوجودي للإنسان الفلسطيني الذي احتل بيته/وطنه ، ويؤكد هذا البعد الدرامي في عنوان الديوان دال "وشم" ، الذي يجسد صورة أخرى من صور الصراع بين دلالته المعجمية ( الحياة والاخضرار) ، ودلالته النفسية (الألم والمعاناه)، ثم يأتي "الخريف"" بدلالاته الفلسطينية الزمنية على الجفاف والموات ، ودلالته التاريخية على محارق الإنسان الفلسطيني ، حيث وعد بلفور ، وتقسيم فلسطين، والانتفاضة الأولى...الخ .
2-شكلت الإشارات غير اللغوية ظاهرة أسلوبية ذات حضور لافت في جسد النصوص الشعرية للديوان ، وفتحت الوعي على إنتاج دلالات جديدة ، لم تستطع اللغة التعبير عنها ، ولم تعد هي وحدها محور الاهتمام ، وكان التشكيل الطباعي الخارجي "للثريا" يوحي بالضوء والنور ، وما إن يقارب القارئ القصيدة حتى يتكسر عنصر التوقع، ويتراءى له من سطورها الظلام والنور .
3-اتضح من تحليل النصوص الشعرية، أن لغة الشاعر لم تكن لغة مستوية منبسطة في دلالاتها، بل كانت لغة أشبه بتضاريس الأرض حيث السهل، والجبل، والوادي ... الخ ، شكّلت فيها الدوال الشعرية رموزا عائمة تباغت المتلقي وتخاتله ، وتجعله يعيد اكتشاف اللغة، بكل ما فيها من طزاجة وألق . فدال "الشعر" على سبيل المثال، يكتنز بدلالات تنبئ عن ثراء دلالي ، فهو مرة وسيلة لإيقاظ الحياة الإنسانية، ومحاربة الشقاء، والتنكيل بالإنسان ، وهو مرة أخرى وسيلة لتحذير الشعوب وبيع الأوهام في أسواق الحكام ، وهو مرة ثالثة وسيلة للاستشراف والرؤيا المستقبلية ، وهو مرة رابعة طقس ديني مقدس ، وتجلٍ إشراقي ، وشاهد على جنون اللغة ، تلك اللغة التي يعمّدها الشاعر- بالمفهوم المسيحي- بعرقه ودمه ... الخ ، وكذلك تتعدد الدلالات من دوال الأرض والصحراء .
4-أنبأت القراءة المتأنية للتناص الديني ، أن الرصيد الروحي للأديان الثلاثة، وسّع من دائرة الإنتاج الدلالي ، وجعل الواقع الفلسطيني، واقعا زاخـرا بالتناقضـات؛ لأن الشعب الفلسطيني مغيـث مغاث ، ومعيد معاد ... الخ . كما أنبأت عن قصة خلق الكون في العهد القديم ، للتعبير عن تجربة خاصة، أتاحت للفلسطيني أن يشكل عالما أرضيا موازيا للعالم السماوي ، ويستمد منه القدرة بتجليات الكاف والنون ، كما شكل صلب المسيح عليه السّلام معادلا موضوعيا، جعل من الفلسطيني ( مسيحيا ) يساق إلى ( جلجلته ) فداء للإنسانية جمعاء .
الهـوامـش
(1) فيصل قرقطي:بيت في وشم الخريف-مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة-رام الله-ط1-2004م .
(2) نقلاً عن د. عبد الله الغذامي:الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية-النادي الأدبي الثقافي –جدة-ط1- 1985م.(ص75-76) .
(3) شربل داغر:الشعرية العربية الحديثة-دار توبقال-الدار البيضاء-ط1-1988م.(33) .
(4) انظر جاستون باشلر:جماليات المكان-ترجمة غالب هلسا-دار الجاحظ للنشر ووزارة الثقافة والإعلام-بغداد-1980م - .(ص45)
(5) الديوان : (ص7) .
(6) انظر المعجم الوسيط:مادة (وشم)-مصر-ج2-ط3-د.ت .
(7) انظر د. إحسان عباس:اتجاهات الشعر العربي المعاصر-دار الشروق-عمّـان-ط2-1992م.(ص67) .
(8) رضا بن حميد:الخطاب الشعري الحديث من اللغوي إلى التشكيل البصري-مجلة فصول-مصر-مج15-ع2-صيف 1996م-(ص99) .
(9) وانظر أيضاً عناوين القصائد : ثلاثية الماء والنار والصحراء ، وعكازة الزمن ، وأربعاء الرماد ، ومرثية يوسف ، وقصائد للرأفة ، واشتعال الأضرحة ، وغيرها .
(10) انظر الديوان : (ص20-21) .
(11) ما سبق : (ص20) .
(12) انظر ما سبق : (ص17) .
(13) عز الدين المناصرة:جمرة النص الشعري-منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب-عمّـان-ط1-1995م.(ص310) .
(14) تعني آلية الدور توظيف الشاعر ما يتعلق بالشخصية من أفعال .
(15) الديوان : (ص22) .
(16) ماسبق : (ص8) .
(17) انظر إبراهيم نـمر موسى: حداثة الخطاب وحداثة السؤال-مركز القدس للتصميم والنشر-بير زيت-ط1-1995م.(ص34) .
(18) انظر الديوان : (ص14) .
(19) ما سبق : (ص98) .
(20) انظر رومان جاكبسون:قضايا الشعرية-ترجمة محمد الولي ومبارك حنّوز-دار توبقال للنشر-الدار البيضاء-ط1-1988م.(ص33) .
(21) نقلاً عن عز الدين إسماعيل:مفهوم الشعر في كتابات الشعراء المعاصرين-مجلة فصول-مج1-ع4-يوليو 1981م (ص57) .
(22) الديوان : (ص32) .
(23) انظر د. شاكر النابلسي:مجنون التراب ،دراسة في شعر وفكر محمود درويش-المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت-ط1-1987م.(ص8) .
(24) الديوان : (ص50) .
(25) ما سبق : (ص24) .
(26) ما سبق : (ص34) .
(27) هانز مير هوف:الزمن في الأدب-ترجمة د.أسعد رزوق-مؤسسة سجل العرب-مصر-1972م.(ص28) .
(28) نقلاً عن أسعد رزوق:الأسطورة في الشعر المعاصر-منشورات مجلة آفاق-بيروت-1959م.(ص75) .
(29) الديوان : (ص35-36) .
(30) ما سبق : (ص7) .
(31) انظر محمود درويش:يوميات الحزن العادي-المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت-ط1-1973م.(ص33) .
(32) الديوان : (ص45) .
(33) ماسبق : (ص23-24) .
(34) انظر د. عز الدين إسماعيل:الشعر العربي المعاصر-دار الفكر العربي-مصر-ط3-د.ت.(ص32) .
(35) الديوان : (ص96) .
(36) ما سبق : (ص59) .
(37) ما سبق : (ص47) .
(38) تقول التوراه: "في البدء خلق الله السموات والأرض ، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف على وجـه المياه ، وقال الله ليكن نور فكان نور ، ورأى الله النور أنه حسن ، وفصل الله بين النور والظلمة ، ودعا الله النور نهاراً ، والظلمة دعاها ليلاً ، وكان صباح وكان مساء يوماً واحداً" سفر التكوين :الإصحاح الأول .
(39) د. محمد عبد المطلب:مناورات الشعرية-دار الشروق-مصر-ط1-1996م.(ص54) .
(40) د. شمعون يوسف مويال:التلمود ، أصله وتسلسله وآدابه-مطبعة العرب-مصر-1919م.(ص12) .
(41) يقول التلمود على لسان دليلـة : فقالت دليلة لشمشون حتى الآن ختلتني وكلمتني بالكذب ، فأخبرني بماذا توثق ، فقال لها : لم يعل رأسي لأني نذير الله من بطن أمي ، فإن حلقت تفارقني قوتي وأضعف ، وأصير كأحد الناس . وعندما نام على ركبتيها حلقت خصل رأسه ، ثم أخذه الفلسطينيون وقلعوا عينيه ، ونزلوا به إلى غزة ، وهناك هدم البيت عليه وعلى ثلاثة آلاف رجل وامرأة قائلاً :لتمت نفسي مع الفلسطينيين ، فسقط البيت عليهم جميعاً ، فكان الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياته . سفر القضاة : الإصحاح 16 .
(42) الديوان : (ص34-35) .
(43) ما سبق : (ص40) .
(44) ما سبق : (78) .
مراجــع البحـث
)1( إسماعيل، عز الدين (دكتور):الشعر العربي المعاصر-دار الفكر العربي-مصر-د.ت .
)2( إسماعيل، عز الدين:مفهوم الشعر في كتابات الشعراء المعاصرين-مجلة فصول-مج1-ع4-يوليو 1981م
)3( باشلر، جاستون:جماليات المكان-ترجمة غالب هلسا-دار الجاحظ للنشر ووزارة الثقافة والإعلام-بغداد-1980م .
)4( جاكبسون، رومان:قضايا الشعرية-ترجمة محمد الولي ومبارك حنّوز-دار توبقال للنشر-الدار البيضاء-ط1-1988م .
)5( ابن حميد، رضا:الخطاب الشعري الحديث من اللغوي إلى التشكيل البصري-مجلة فصول-مصر-مج15-ع2-صيف 1996م .
)6( داغر، شربل:الشعرية العربية الحديثة-دار توبقال-الدار البيضاء-ط1-1988م .
(7) درويش، محمود:يوميات الحزن العادي-المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت-ط1-1973م .
(8) رزوق، أسعد دكتور) : الأسطورة في الشعر المعاصر-منشورات مجلة آفاق-بيروت-1959م .
(9) عباس، إحسان (دكتور):اتجاهات الشعر العربي المعاصر-دار الشروق-عمّـان-ط2-1992م .
(10) عبد المطلب، محمد (دكتور):مناورات الشعرية-دار الشروق-مصر-ط1-1996م .
(11) الغذّامي، عبدالله (دكتور):الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية-النادي الأدبي الثقافي-جدة-ط1-1985م .
(12) قرقطي، فيصل:ديوان "بيت في وشم الخريف"-منشورات مركز أوغاريت الثقافي-رام الله-فلسطين-ط1-2004م .
(13) مجمع اللغة العربية:المعجم الوسيط-مصر-ط3-د.ت .
(14) المناصرة، عز الدين:جمرة النص الشعري-منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب-عمّـان-ط1-1995م .
(15) موسى، إبراهيم نـمر:حداثة الخطاب وحداثة السؤال-مركز القدس للتصميم والنشر-بير زيت-ط1-1995م .
(16) مير هوف، هانز:الزمن في الأدب-ترجمة د. أسعد رزوق-مؤسسة سجل العرب-مصر-1972م .
(17) النابلسي، شاكر (دكتور):مجنون التراب، دراسة في شعر وفكر محمود درويش-المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت-ط1-1987م .
(18) يوسف مويال، شمعون (دكتور):التلمود،أصله وتسلسله وآدابه-مطبعة العرب-مصر-1919م .