لوحة جاد؛ اللغة والمعنى!
حسن البطل
ابتسموا في وجه الولد جاد. تغامزوا فيما بينهم.. ثم نالوا منه بألسنتهم. أنا سأدافع عن لوحته المدهشة.
أصل القصة منذ الأزل هذا الثنائي: تلميذ/ أستاذ. أصل الحياة إلى الأزل: جد/ ابن/ حفيد.. وأما أصل الحضارة (من جذرها إلى جذعها إلى أفنانها) فهو كلمة واحدة: "التبادع" حسب ما نحتها الشاعر سعيد عقل (إن لم أكن معلماً لعشرة؛ وإن لم يبزني واحد من العشرة.. فأنا لست مبدعاً).
ماذا إذا كان الفنان الشاب جاد سلمان تشرّب أسلوب الفنان المخضرم خوان ميرو؟ ماذا إن قلنا: هذا المهر من ذاك الفحل.. هكذا كان جوابي على تشكيليين من جيلي دفاعاً عن تشكيلي من جيل ابنتي؟.
الألمعي مايكل أنجلو أنكر فضل معلمه غيرلاندايو عليه، ولم ينكر فضل راعيه، وأكبر رعاة الفنون في فلورنسا وحاكمها لورنيزو.
الشاب جاد لا ينكر فضل ملهمه (ملهمه لا معلمه) خوان ميرو (مات ميرو عندما كان جاد في سن الفطام).. غير أن "بصمة" ميرو باقية.. إلى أن تعلوها "بصمة" جيل من التشكيليين الشباب في عمر جاد.
ماذا قال ميرو؟ "صرفت عمراً حتى استعدت فطرية لوحات الأطفال" منذ متى كان جاد طفلاً (ولد 1983 تخرج من جامعة النجاح 2005). متى يتوقف الرسامون الشباب عن رسم "البعبع"؟ القدماء رسموا المارد بعين واحدة، فلماذا لا يرسم بيكاسو المرأة بثلاثة أثداء؟ أليست "غيرنيكا" إعادة تخليق كابوس واقعي جداً؟.
السيدة ماريان، مديرة المركز الثقافي الفرنسي ـ نابلس، وجدت شبهاً بين "بعبع" جاد سلمان وبعبع "مارسو بيلامي" للبلجيكي فرانكان. أنا، مثلاً، قد أزعم أن بعبع جاد هو الغولة "أم الخلاخيل". كل الغيلان هلامية، وبالأسود والأحمر (لا علاقة لذلك باسم رواية ستاندال الشهيرة).
أياً كان "بعبع" جاد، فهو يسبح في فضاء مضيء، أو يتنفس حيزاً (عنوان معرض جاد هو "حيز آخر"). جاد نزق لأنه شاب، فهو يدلق اللون. جاد غير نزق لأن لوحته متماسكة، متينة (هذا مدهش لحداثة سنه). لا تنافر في وحدة الشكل/ التشكيل، بل تضاد ديالكتيكي (وحدة الأضداد).
ü ü ü
القصة إياها ببداية أخرى: كان الكسندر سولداتوف سفير موسكو ببيروت. فوجئت نحاتة (هي زوجتي) إذ سألها: هل أنت تلميذة النحات الإنكليزي هنري مور؟ قالت: لست تلميذته لكنه من أساتذتي. بعد سنوات، أمام "معهد العالم العربي" بباريس ستقدم النحاتة/ التلميذة، حائزة جائزة الأردن، منحوتة يدشنها الرئيس شيراك والملك حسين.
ü ü ü
ذائقة الناس مزمنة. تريد فهماً مباشراً للوحة الفن الحديث. تريد لوحة موزونة مثل خطوات رقصة "السلو".. في بحث الناس عن "معنى اللوحة" ينسون "لغة اللوحة".
اشتكيت هذا للفنان تيسير بركات. وضع حقيبته الجلدية ووضع سلسلة مفاتيحه عليها.. وقال: انظر.. أليست هذه لوحة؟ قلت نعم.. لأنني سأسأل: لماذا هناك كل هذه المفاتيح لقفل واحد هش. الحقيقة أن السؤال قاد إلى المسألة. السؤال كان عن الفنان التشيلي ماتا/ متا/ متى ولوحاته المليئة بأساطير الهنود الحمر (رسم ثلاثية رائعة عن مجزرة صبرا وشاتيلا أراها تبزّ لوحة غيرنيكا لبيكاسو).
يمكن أن ترسم كلمات شاعر فضاء آخر لـ "معنى اللوحة". مثلاً: تساءل الشاعر غنتر غراس: هل الفضاء هو القشرة الداخلية للبيضة؟/ متى نخرج من البيضة؟.
سؤال اللوحة الحديثة لا حل له. هل الخيال أرحب أم الفضاء أرحب. مشكلة المتلقي ان سقف خياله هو قشرة البيضة الداخلية.
مثلا: ترون في مسلسل "ستار تريك" مخلوقات فضائية غير إنسانية.. جميعها أذكى من الإنسان، ولكن ليست أجمل منه. لماذا؟ خيال الإنسان لا يتصور مخلوقاً فضائياً أجمل منه (استراح وقال: خلق الله الإنسان على صورته).
اذهب إلى اللوحة مع جواب مسبق.. وغادر اللوحة مع أسئلة تستولد أجوبة. تتغير الكلمة حسب موضعها من الجملة، وهذه حسب موضعها من المعنى.