يباس
حسن البطل
-1
توطئة أولى
"أنت لا تسبح في مياه النهر مرتين". قال بهذا منطقجي اغريقي.. ها؟
"مرت مياه كثيرة تحت الجسر". يقول بهذا مصلحجي سياسي من غير قدم وملة؛ زمان ومكان..ها!
لدورة قطرة المطر مدى زمني مقدر بـ240 ألف عام (برهة في عينيك يا ربّ!). يقول بهذا نفر من علماء الطبيعة..ها؟!
لو افترضتَ وضع مكعب من الجليد، بحجم الكرة الأرضية وباستدارتها على سطح قرص الشمس (أو ربما في تاجها الوهاج؟) فكم من الوقت حتى تسيّل حرارة السطح (أو حرارة التاج) هذا المكعب؟ قام علماء فيزياء وفلك بمحاكاة حاسوبية، وخلصوا إلى أن ما يلزم من الزمن لا يزيد على ست دقائق ونصف الدقيقة!
للاستدراك: حرارة سطح قرص الشمس 6500 درجة؛ وحرارة التاج الوهّاج .. جهنم حمراء (ربما أقل من مليون درجة مئوية).
أنت لا تفكر، عادة، في مثل هذه الأمور: الفلسفية، السياسية، الفيزيائية. الكونية. مثل هذه القضايا شغلت البرت آينشتاين، وخليفته ستيفن هوكنغ (حاضر فينا يومي الاثنين والثلاثاء المنصرمين في القدس وجامعة بيرزيت).
2- توطئة ثانية
تعودتُ على حقنَتَيْ نسكافيه مع الحليب على الرّيق، في البيت.. وفنجان قهوة عربية مع كثير من الماء، في المقهى قبل أن أكتب كلمات هذا العمود اليومي.. مع فنجان شاي بالميرمية.
بعد فنجانَيْ القهوة، وقبل فنجان الشاي، أقعد إلى هذا الحاسوب، وأنقر خمس نقرات متتالية. هاكم هي: الطقس. الشرق الأوسط. السلطة الفلسطينية. رام الله.. ثم أفتح "بلاوي" بريدي الالكتروني، ثم أخزن عمودي اليومي. لا أفتح على الوكالات والصحف.. إلاّ بعد كتابة العمود. هيك؟!
أمس، الخميس، الثانية ظهراً، كان الجو صافياً. السماء زرقاء. درجة الحرارة المتوقعة 15 درجة مئوية (59 درجة فهرنهايت). درجة الحرارة الفعلية 22 درجة مئوية (72 درجة فهرنهايت). نهار دافئ، ليل بارد. طقس قارّي.
النقرات الخمس اليومية صارت عادة شخصية مزمنة. بذا، فإن خريفات وشتاءات رام الله هي أكثر حرارة من المتوقع بحوالي 4 - 7 درجات مئوية. بذا، فإن ما يقال عن احترار جو الأرض، نزق الطقس، تبدل المناخ، يغدو عملية متابعة نظرية وعملية من جانبي.
3- توطئة ثالثة
كانوا يقولون في بلادنا: "بين تشرين وتشرين صيف ثان".. وبنتيجة النقرات الخمس اليومية على مدى السنوات الثلاث، كتبتُ، خريف العام الفائت، ما يفيد: "بين تشرين الثاني وكانون الأول صيف ثانٍ".. إلاّ إذا حدث طارئ بركاني. كيف؟
في الثلث الأخير من القرن الفائت، تعرض الكوكب الأرضي الى موجة برد استثنائية استمرت سنوات. كان السبب حصول انفجار بركاني هائل جعل ثلثي جزيرة "كاراكاتوا" في الأرخبيل الاندونيسي سديماً لف أجواء الأرض.. وقلّل من تسلل أشعة الشمس.
في العام 1991، كانت الشتوية مطيرة استثنائياً في الشرق الأوسط. في قبرص سقطت الثلوج فوق جبال ترودوس بنهاية تشرين الأول، وفي أواسط شباط بلغت سماكة الثلوج هناك حتى 3.45 سم. وفي رام الله حصلت ثلجات متتالية، وبلغ معدل الهطول السنوي 1600مم تقريباً (ثلاثة أضعاف المعدل). كان السبب انفجاراً بركانياً في الارخبيل الاندونيسي أيضاً، وهو بركان "بوناتابوا" .. وربما، أيضاً، بتأثير دخان حرائق آبار النفط في الكويت.. والله أعلم!
في الخلاصة: سأقترح على علماء "الميثورولوجيا" تفجير جزيرة صغيرة كل كم سنة لتبريد جو الأرض، الى أن يجدوا لهم حلاً آخر يوقف ذوبان القبعة الجمودية الشمالية.. ويحولوا دون "حرب المياه" في هذا الشرق الأوسط القاحل.. إلاّ من النفط والأيديولوجيا.. والتهاب الأعصاب!
üüü
صحو في السماء. يباس على الأرض. يباس في القلب. هشاشة في النظام الشرق أوسطي. هشاشة في عظام الناس وفي أرواحهم. حجر في العقول. حديد في القلوب.
يباس.. يباس.. يباس.