همس البحر

إيناس البدران

 

 

 

ناداها البحر حالما رأته .. من يومها عشقت أنفاسه .. موجاته حين تتكسر تيها فوق الصخور المخضلة .. لتتناثر نتفا بلورية تنعش الأجواء ، او وهي تتماوج متلاحقة لتقبل اعتاب الرمال الشقراء .

سارت حافية عند الحد الفاصل ما بين اليابسة والماء حيث يبدأ البحر رحلته الطويلة او ينهيها ، والشمس تشع مرحا كعادتها كل ضحى على جموع السائحين الذين لاذوا بتلك المدينة الصغيرة الوادعة من قيظ البنايات الكونكريتية وضجيجها الخانق .

من بعيد لمحته يتأمل البحر كعادته وبصره شاخص ناحية الافق اللامتناهي حيث التقاء الازرق بالسمائي في عناق ابدي ، اقتربت ، داعبتها نسمة حملت رطوبة المالح ونكهته اللاذعة .. لامست خديها خصلات شعرها وحركت بلطف اطراف ثوبها الابيض ، طالعها وجهه الحزين رغم الابتسامة التي كان يرطب بها شفتيه كلما رآها وقال :

-        ألا تملين السير وحدك ؟  أجابت وهي تتنهد :

-        لعلها محاولة للهرب .

-        الهرب لايحل مشكلة ..

سرحت ببصرها بعيدا ناحية البحر وقالت :

-يوما ما سأغير قدري بالرحيل بعيدا على متن احدى تلك السفن البعيدة . قال باسما :

-        نحن نهرب من اقدارنا الى اقدارنا .

تساءلت : أ ليس الانسان صانع قدره ؟

-        ليس تماما والا لأنتهينا من عذابات مثل الحزن وخيبات الأمل .

-        كأنك تتحدث عن سجن

-   سجن لامهرب منه يعيش داخلنا ، ويظل أكبر سجن في الوجود ذلك لأنه بلا قضبان . ولكن انت على الاقل امامك خيار .

-        لا أملك الشجاعة وانت تعرف لماذا

-        من تجربتي أقول لك صادقا ان الخوف موت بطيء .. والانسان يعيش مرة واحدة . ثم أردف قائلا :

-        اتخذي قرارا فأما ان تتركيه واما  ان تعيشي معه حياة طبيعية .. همست كأنها تحدث نفسها :

-        لاشيء معه طبيعي

-        أي شيء افضل من ان تبقي.. .

قاطعته قائلة : معلقة بين الارض والسماء .. قلها

قال كالمعتذر : شابة مثلك انه لظلم ..

ثم كأنه تذكر شيئا ، قال مستدركا : ولكن ان يكون المرء مظلوما خيرا من ان يكون ظالما .

رنت اليه بحنو وقالت : متى تكف عن تعذيب نفسك ؟ قال بنبرة تشع حزنا :

-        بسببي ضاعت اغلى مخلوقة في حياتي .

-        كان قضاء وقدرا ..

-   رجتني ان اخفف السرعة لكنني كنت منتشيا بخمر السعادة . لم اشعر الا وانا افيق على كابوس موتها وجسدها الصغير يرتعش بين ذراعي مضرجا بالدماء .

وهي تنظر في عينيه : قل لي .. هل كنت تريد وقوع الحادث .. هل تعمدت موتها .. أجبني ؟

ظل صامتنا منكس الرأس نظرت اليه ، الى اصابعه الرشيقة كأصابع فنان .. تأملت جسده النحيل ، عينيه السوداوين العميقتين كعيني ذئب ودود ! آثار الندوب على خديه وقد اضفت عليهما نفحة رجوليه محببة .

ران بينهما صمت حزين .. قطعته اصوات مرحة لثلة من حسناوات وشبان في ثياب البحر يتراكضون خلف كرة ملونة .

كان مطأطأ الرأس حين سألها بصوته الهاديء :

-لماذا اقترنت به ؟

-هم اختاروه لي.

-        ولم لم تعترضي ؟

-         اعترضت ولم الق آذانا صاغية

-         اتركيه أذن .

-    وابنتي .. سيأخذها مني .. انت لاتتصور مقدار تعلقي بها .. انها الرئة التي اتنفس بها ، هي الخيط الذي يربطني بهذا العالم .. لولاها ….

قاطعها : اياك ان تفكري بشيء كهذا

كان صدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال وهي ترنو الى البحر الذي بدا لها طافحا بالاسرار مثقلا بالهموم ، ممتدا الى ما لانهاية كأنما لايسعه مدى ، والزبد الرغوي يغطي اعطافه .

حلقت في المدى نوارس بيضاء بحرية من اطمأن الى يومه وغده لتقطع الصمت الآسر بأصداء نداءاتها الحادة بين الفينة والفينة .

قبضت بكفها على حفنة رمال تشع دفأ ، تركتها تنث من بين اصابعها كساعة رملية لتذروها الرياح . ذرات كثيرة مختلف الوانها وقشيرات صغيرة لقواقع كانت يوما جزء من هذا العالم المتفجر حياة تأملتها وهي تتساقط بأستسلام .

سارت بأتجاه البحر .. خطواتها منداة تتبعها ، سرعان ما تمحى مع كل موجة قادمة ، خاضت في المياه الكدرة حيث الطحالب الطويلة قزحية الالوان وهي تتمايل مع الموج بيسر ، ناداها البحر لتتوغل اكثر ، جذفت بذراعيها الضعيفتين خلال المياه اللازوردية ، حتى بلغت اعماق بحيرات الفيروز وهناك احتوتها لجة غامرة في سكون نابض بالحياة ، اصغت الى صوت البحر وهو يبوح بأسراره .. لم تشعر بالخوف .. حين رفعت رأسها لتأخذ شهيقا عميقا، كانت الشمس ترسل آخر شعاعاتها الفضية وميضا على السطوح المتراقصة .

تناهى اليها  صوته مثقلا بالخوف :

-         عودي لقد ابتعدت كثيرا

بخطوات تعبى استقبلت الرمال

نظر اليها واختلاجات وجهه تشي بما عاناه ، وقال معاتبا :

-         خفت عليك ..

قالت بصوت منهك وهي تلتقط انفاسها بصعوبة :

-        تأخرنا .. لنعد

كانت اصوات المصطافين تبتعد رويدا رويدا لتستحيل اصداء مبهمة .. وهي ترتجف من لسعات البرد .. مولية ظهرها لهم .. فيما يداها تدفعان ببطء كرسيه المتحرك . 

Hosted by www.Geocities.ws

1