جورج شحادة: الحالم الممتزج بالماء!

امجد ناصر

 

 

قرأت جورج شحادة مسرحيا في سهرة الامثال و السفر و مهاجر بريسبان و البنفسج التي نقلها ادونيس، كلها، عن الفرنسية وصدرت في سلسلة المسرح العالمي الكويتية اواسط السبعينات.

كان علينا، نحن قراء العربية، ان ننتظر وقتا اطول لنقرأ مختارات من شعره ترجمها وقدم لها الشاعر والكاتب اللبناني عصام محفوظ غداة رحيل جورج شحادة اواخر الثمانينات.

قد تكون هناك ترجمات لبعض اعماله الشعرية صدرت في لبنان قبل ترجمة عصام محفوظ ولكني لا اعرفها، ولا اظن انها شكلت اطلالة حقيقية علي هذا العالم الشعري الساحر، بكل معني الكلمة، الذي كان يُكتبُ بيننا وعلي ارضنا (بيروت) ولكن من دون ان يترك أثرا علي شعرنا، لان شحادة اختار، لسوء حظنا، الفرنسية لغة تضيئها (مصابيحه الشرقية) وتنفث فيها انفاسا من عبق الصنوبر وحركة من خرير السواقي، وهواء من روابي بلاد أمه وخالاته حيث تعلن (الكواكب المذنَّبة بشائر العناقيد).

لكن حتي من قرأ مسرح جورج شحادة ولم يقرأ شعره (مثلي) لا يشك، قط، انه امام اعمال تنتمي، اساسا، الي عالم الشعر وان الشعر يخترق بالعمق، حركة الشخوص والحوارات وافق الانتظار ورفرفة الاحلام التي تخيم علي الخشبة.

المسرح ليس غريبا عن الشعر.

لقد بدأ المسرح شعرا، مؤسسوه العظام هم شعراء عظام. لكن المسرح الحديث لم يكن قريبا من روح الشعر العارية، من تويجها المتفتح في الاعماق كلغز لا حل له، كما هو عند جورج شحادة.

ومن قرأ تلك المسرحيات التي تنعتق من قيد الظرفية الزمانية والمكانية، لتطفو فوق المواضعات اليومية كصور حية لجوهر انساني خالد، يعرف ان جورج شحادة لم يقم فاصلا صارما بين القصيدة والمسرح وان عمله في هذين الشكلين الادبيين ليس سوي حركة حرة من ضفة الي اخري لذلك النهر المتدفق الواحد: الشعر.

ــــ ــــ ــــ

وها نحن بعد نحو سبعة عشر عاما علي رحيل جورج شحادة، اللبناني المولود في الاسكندرية، الفرنسي اللغة والتعبير (وان كان دائما بروح شرقية) امام فرصة اخري لقراءة طائفة من شعره اختارها وقدمها (بل ورسم عوالمها) ادونيس (العدد مئة من كتاب في جريدة).

يقال اننا تقرأ في كثير من ترجمات ادونيس الشعرية ادونيس نفسه اكثر، ربما، مما نقرأ شعراءه المترجمين. المثال الاوضح علي ذلك ترجمته اعمال سان جون بيرس الكاملة. لا نريد، هنا ان نستعيد الجدل الصاخب الذي أثارته هذه الترجمة حول لغتها، اسلوبها، دقتها في الحياة الثقافية العربية. انتهي ذلك الجدل، الذي اكدت المقارنات بين الاصل والترجمة وجاهة بعض جوانبه، لكن ترجمة ادونيس لسان جون بيرس، مع ذلك تحولت نصا راسخا في العربية أثّر في مرحلة شعرية عربية كاملة، وحمل وشمها، الي الابد، شعراء كبار، اليوم، في مدونتنا الشعرية.

قد يكون سان جون بيرس بالعربية ادونيسياً اكثر مما هو سان جون بيرسياً.

لكن ليس هذا هو حال جورج شحادة.

لا اعرف السبب الذي جعل سان جون بيرس طيعا كالعجينة في يد ادونيس الي درجة رآه بعض العرب صورة اخري لادونيس، كما اني لا اعرف السبب الذي جعل جورج شحادة يستعصي، برأيي، علي التحلل والذوبان في لغة أدونيس واسلوبه الشعريين اللذين يطحنان الحجر.

هذا حكم يعترف بتهوره وانطباعيته كون صاحبه (كاتب هذه السطور) لا يعرف الفرنسية.

مع اني لم اقرأ جورج شحادة بلغته الاصلية غير انني لا اري في ترجمة ادونيس، سوي وجه جورج شحادة نفسه، لا اسمع سوي صوته الخفيض، ولا يلوح لي غير ضوء مصابيحه الشرقية، وقمره اللبناني، ولمعان الندي علي أبر الصنوبر في الفجر، والظلال الرضية للقناطر ودواخل البيوت في العصاري.

في هذه الترجمة يتواري ادونيس، راضيا او مرغما، وراء تلك القصائد القصيرة التي تشم عبير الوردة قبل ان تتفتح، وتري الضوء قبل ان تبزغ النجمة، وتسكر بالعناقيد وهي تتلألأ بين الكروم، وتتمكن بكلمات قليلة وصور متقشفة من ان تحتض، بسلام صوفي فريد، ذلك الصبي، المتفلت، العنيد، البريء، البري والاليف الذي نسميه الشعر.

فهنا جورج شحادة بلمسته الخفيفة، الهنية، بسلامه الداخلي، بأحلامه السعيدة، يمس الاشياء والعناصر ومفردات الطبيعة فيحولها شعرا. التراب يصير تبرا والماء ترنيمة مداوية، والنجوم مصابيح بيد السائر المتوحد، والعناقيد نبيذ أديرة، وجبين الأم شمسا وضاءة، وثغر الصبية عنبرا.

لا رومانسية سيالة ولا غنائية عليلة في ذلك. وهذا اعجب ما في شعر جورج شحادة، فما يهزك ويتغلغل فيك ويختطفك لا شبهة رومانسية في مادته الغامضة.

لا اجد وصفا يليق بشعره. فهو منعتق، تماما، من اي تصنيف اكاديمي او مذهبي. انه ليس رومانسيا ولا غنائيا ولا سورياليا ولا رمزيا، ناهيك عن ان يكون واقعيا.

فما هو هذا الشعر اذن؟

انه شعر فحسب.

واكاد اقول، من حماسة وخفة ونشوة وتهور، انه الشعر.

لم اقتنع قط بتعريف للشعر ولم اردد واحدا من مئات التعريفات. لم اعرف يوما كيف اصف الشعر، مثلما لم يعرف القديس اوغسطين تعريف الزمن. انه يعرفه وحسب. فنحن، بحسب بورخيس الذي يقتبس عجز اوغسطين عن تعريفه للزمن، نعرف مذاق القهوة ونعرف اللون الاصفر ونشعر بالغضب والحب والكراهية، ولكننا عاجزون عن وضع تعريفات حاسمة لهذه المشاعر والخبرات.

فكيف يمكن ان نعرّف تلك المشاعر التي تتغلغل في مضغة، غامضة هي ايضا، تسمي الروح؟

المؤكد ان الشعر ليس صنعة.

ليس شكلا ولا هو محتوي.

ليس كلمات رغم انه مكون من كلمات.

ليس رفيف اجنحة محلقة في الاعالي ولا هو الوردة او صورة الوردة في الكلمات. ليس وقع التي بخطو غزالة تمشي امام الاعين القناصة، ولا وجه التي كضوء شرقي تطلع من العالم السفلي، بل لعله ان يكون كل ذلك معا.

سبيكة واحدة من تبر وتراب وقرفة وعنبر وفضة وبخور وندي ونحاس ورمان واغصان وحفيف وعشب وثلج وشمس وحنين وتذكّر ونسيان.

ــــ ــــ ــــ

وضعتُ، مرة، تفاحة في حقيبتي. جعتُ. فأكلت التفاحة. تحولت فيَّ طعما حلوا ومادة عضوية. لكن رائحة التفاحة ظلت طويلا، تهب عليّ باغوائها الاول لأمنا حواء.

هكذا يمكن لي ان اصف الأثر الذي يتركه الشعر بعد قراءته.

هذا الاثر المتبقي طويلا هو الشعر.

انه ليس التفاحة التي اكلتها في لحظة جوع (وليست لحظة اغواء!)

بل الرائحة التي تعشقت في اوراق الكتاب والفواتير التي لم ادفعها وقطعة القماش التي امسح بها نظارتي، ونظارتي نفسها، وقماش الحقيبة.

وقد ترك شعر جورج شحادة في نفسي مثل هذا الأثر.. واكثر.

ــــ ــــ ــــ

من هدايا جورج شحادة واعاجيبه الشعرية المتواضعة تواضع الجبين العالي والانبياء، اقتطف هذه المقاطع:

 

انتم الذين ترحلون الي بلادٍ بعيدةٍ

ألا فَليقدّمكمُ الي الضوءِ اساقِفةُ الحلم

في ثيابهم المذهّبة

ألا فَليقولوا إنكم نقطةُ الماء

التي ترتجفُ علي اصابعهم بِغناها كلّه

وإنكم العنبرُ والذّرةُ في عقودهم

وليسمّوكم نَعشَ الكمنجةِ او الغزالة

وَطواطاً بائسا يعرُجُ حائما في الهواء

من أجْل ان تتفادُوا آلام البرْد

المسافةَ وجراحَها

ولكي يكون الماء عذباً من أجلكم

حتي في البحر.

ــــ ــــ ــــ

لا الرجاءُ لا الثروة

بل الزهرة الصغيرة اليابسةُ في كتاب

والتي لم يبق منها إلا رمادُ الحبّ

 

ـ كيف نموت

ونحن لا نزال قادرينَ أن نحلم.

 

Hosted by www.Geocities.ws

1