فضيحة بلا شهود
احمد دحبور
اكتشف بعض المسؤولين، بعد فوات الأوان مع الأسف، ان جريمة الاحتلال في اغلاق المطار الفلسطيني الوليد اليتيم، قد اعقبتها جرائم محلية معيبة. فقد اجترأ الزعران على موجودات المطار وانتزعوا قطعا واكسسوارات لا تخطر ببال الشيطان. وهي سرقة تنم عن جهل، وفساد تربية، وسوء تقدير يبعث على الضحك بقدر ما يستثير الغضب. فمن اجل نهب لمبة قد لا يزيد ثمنها عن دولار، تم انتزاع قطعة حساسة تساوي الف دولار.
وقد سبق ان رأينا جانبا من هذا الجانب المعتم في بعض اوساطنا عندما انسحب المستوطنون من بعض ارجاء قطاع غزة، فكنا نشاهد العربات المملوكة او المستأجرة وهي تنقل اي شيء وكل شيء. وكان احدنا يتساءل عما اذا كانت الغنيمة تجلب همها، او ما اذا كان ثمن المسروق يعادل اجرة النقل. وقيل يومها انه التشفي البدائي من الاحتلال، وكان هذا التفسير يساق في معرض التعليق على سرقة السيارات التي ازدهرت قبل عقد من الزمن، ولم يكن السارقون يدرون ان المسروقين كانوا يضحكون عليهم بتسهيل وضع السيارات تحت تصرفهم ليسترد المسروقون اثمان سياراتهم من شركات التأمين.
وبعيدا عن اي تفسير، تظل هناك كلمة واحدة لا يوجد ابلغ منها للتعليق على هذه الظاهرة: عيب...
هو العيب في اقبح تجلياته لأنه ينم عن نقص حاد في ثقافة المواطنة. وحتى عندما تعلق الأمر بسيارات المستوطنين واضرابهم فإن تلك الأفعال الشائنة لم تكن مقنعة حتى لو كانت قابلة للتفسير.
والذي يقول لك: انهم سرقوا وطننا افلا نسرق سياراتهم، هو لا يدري انهم سرقوا وطنه ثم سرقوا اخلاقه وتربيته وسمعة شعبه.
اما عندما يتعلق الأمر بالممتلكات العامة مثل اشلاء المطار الشهيد، فإن العاقبة اقسى واصعب. والظاهرة بقدر ما تؤكد الحاجة الى اوليات التربية الوطنية فإنها تسبب ألماً للضمير الشعبي الذي نشأ على الاخلاق الفلسطينية بما تتضمنه من بذل وعطاء.
ولكن الأمر لا يقتصر على الجهل، بل هو ينطوي ايضا وايضا على مستوى عدمي من اليأس، حيث تزين الخيبة لهذا الذي يقدم على السرقة، انه لا شيء يهم. وما دامت حياتنا خسارة في خسارة فهل ستخرب الدنيا اذا فاز بعضنا بماسورة او لمبة او صندوق من اي نوع؟ لكن هذا اليأس لا يصادر عن الواقع الأليم وحسب، بل يصادر على المستقبل القريب ايضا. لأننا اذا كنا لا نعرف متى تتغير الظروف حتى يستأنف المطار الوليد نشاطه، فإننا نعرف بالتأكيد ان حجم الخراب الذي لحق بهذا المطار سيؤخر المدة الزمنية المفترضة التي نحتاجها الى بعثه حياً من جديد.
ليس المطلوب تنظيم دوريات لملاحقة السارقين. فثقافة الفساد اوجدت آلية لما كان يسمى ذبح السيارات. ومن يذبح سيارة بكاملها لن يعجز عن اخفاء الأثر الذي يدل على اصل القطعة المسروقة من المطار. ويظل المطلوب ان يتم التشهير بهذه الظاهرة المعيبة المسيئة. ولنكن اكثر شفافية ومواجهة للذات، هذا اذا اردنا لهذه الذات ان تنهض بمشروع وطني يليق بما ضحى من اجله آلاف الشهداء.
ثم ألا تفتح هذه الفضيحة - التي لا شهود عليها من الأسف - ملف المحاسبة؟