ربيع النار
مقطع من رواية Printemps de feu لـ Marc Edouard Nabe
ترجمة آسية السخيري
بوووم.... !تهتزالزخارف الزجاجية المرصوفة و المختلفة الألوان...يجب العودة بسرعة إلى النزل. منذ قليل، تجلت ريح في الخارج. الريح كلام ينفثه الملاك جبرائيل في أذن السيدة العذراء!
ماذا يحدث ؟ لا أحد أدرك بعد شيئا. كيف تتطور هذه الحرب التي تبدو في كل يوم جديد أكثر غموضا ؟ لنبحث عن الأنباء لدى المخبرين أي في قلعة عيون الشرطة . الطرق وبالخصوص تلك التي تحملنا إلى هناك متلفة ومعطلة. هذا لا يمنع أن صداما كان يضحك بكل انبساط في صوره الفخمة : هنا يطالعنا في بذلته البيضاء تماما في الإيدي باركلاي ! على الأرض في الأسفل ثمة ديك نافق اخترقت ريشه قذيفة هوجاء. في قلب الطريق، نصادف الكاتب النرويجي المترهل الجسد بحقيبته الأزلية التي لا تفارقه و بهيأته الموحية دائما بأنه نائم. هو أيضا في واقع الأمر درع بشري.هذا يدهشني خاصة وأنه صحفي.هو يجمع بين داهية الشمال المحتال والقليل الشك والاحتراز والتدقيق. يريني شارة بغداد التي يحملها: متطوع للسلام .لقد أطردوه من "عشتار" لذلك فإنه سيأوي إلى المنطقة الصناعية الآن.هو يبحث عن مكتب بريد. مكتب مفتوح في زمن الحرب؟ تماما كما تقول أمي :
_ الناس يفاجئونني دائما...
ثم إذا كان يتصور أنه بالإمكان بعث رسالة بهذه البساطة فإن النرويجي واهم. يبدو أن المكاتب وبترتيب ما لا تفتحها غير المصالح الأمنية.
_ قبل أن تكتبها حتى، رسالتك تكون قد قرئت في الأراضي المحتلة الفلسطينية.
الصحفيون كلهم هنا بالضبط مثل الجرذان حول قطعة من الجبن الطازج. وكل شيء هراء...الكل يلغو: هو برج للهذر وللكلام الفاقد لكل معنى ! في مبنى مركز الأنترنات الغرانيتي بالطابق الأول كانوا يرقنون مقالاتهم. عندما مررت وراء أحد هؤلاء الهيمنغويات لمحت على شاشة الحاسوب المزرقة العنوان التالي :"لقد داعبت واحدا من البشمرغة." الأدهى هو أن هؤلاء الشبيهين باللاشيء يظنون أنهم ينقلون لرؤساء تحريرهم سردهم لما يحدث بكامل الحرية ودون أي رقيب والحال أن كل ما يرسلونه تلتقطه طبعا الرادارات الأمريكية. يتملكهم الرعب من ان يكون صدام قد ثبت ميكروفونات في غرف الحمام عندهم وأنه يتصنت على محادثاتهم في ملجئه المبني من الخرسانة المسلحة في آخر أعماق الأرض بيد أن جورج وولكر بوش الذي يستعمل السماء بكل وسعها كي يعرف كل التفاصيل عنهم لا يزعجهم إطلاقا بل هو لا يخطر فيما يبدو على بالهم.
الاستيهامات تسري كما يجب.الصحفيون أكثر هذيانا وارتيابا مما كانوا عليه في باريس. شاب أشقر أملط يلتمع رعبا. هو في كل آن يتحسس يديه النديتين وينظر بحذر وشك إلى كل عراقي : يرى الأعوان المخبرين حيثما رمى بصره. لكن أليس هو الآخر واحدا من أولئك. عندما اقترب عون من المخابرات، صك على أسنانه و قال لزميله الذي بدا له أنه قد يلاقي بعض المشاكل: خبئ بطاقتك!خبئ بطاقتك!
البطاقة عبارة عن تذكرة وردية قبل أن يعلقها كاميرامان (المصور التلفزي لـ) الـ ت ف 1 أو فرانس 2 أو 3 (لم أعد أذكر إطلاقا) في رقبته تماما كما تعلق سلسلة كلب تحمل كل المعلومات التي تثبت نقاء جنسه وهكذا يصبح من المستحيل ضياعه. العراق : أخيرا ، يعامل الصحفيين كما يليق بهم ! هم يحتجون بدون ضجة تذكر. بيد أن الأمر هنا أو في مكان آخر هو نفسه ذلك أن ما يحدث يلائم تماما طبيعة تكوينهم (وبناء عليه فهو يناسب وظيفتهم) الذي يميل إلى طاعة كل أوامر السلطة التي يخضعون لها. هذا يشعر هؤلاء الكشافة صيادي الأخبار والسبق الصحفي بالأمان. لا أرغب إطلاقا في الخوض في الحديث عن أولئك المنضمين الذين تجرؤوا على تجنيد أنفسهم لخدمة فيالق عصابات الأمريكان اليانكي والبريطانيين في شمال وجنوب العراق. دون شك هؤلاء المأجورون الذين باعوا أنفسهم يقدرون أنهم يؤدون مهمتهم كأشرف وأنبل ما يكون في حين أن الأمريكان يعتبرونهم عبيدا في أفضل الحالات أما في أسوئها فهم يرونهم جواسيس حقيرين. في بغداد، ليس ثمة صحفي واحد يجرؤ على الاعتراف بأن أكثر شرطي قمعا في عهد ديكتاتورية صدام يتصرف معه بلباقة ونبل الجنتلمان لو قارناه بتعسف أكثر رؤساء التحرير ديمقراطية في الغرب.
انظر! ثمة واحد معروف جدا.إنه مان دو لا دو.ذاك المحدودب قليلا ذو الشعر الأبيض المصفف دائما بإتقان (يبدو وأن الشرطة لم تصادر مرجل شعره !)برغم نظاراته التي ينزعها عندما يقرأ مواضيعه على الساعة الثامنة بعد الزوال. أنا واثق من أنه هو بذات عينه آلان المقدس:بحذر، يرمقنا بنظرة عابرة.أوه !ليس ثمة من هو أكثر فطنة وحذر من آلان.هناك من جاء يبحث عنه في النزل...يرافقونه إلى عين مكان وقوع المأساة ثم يرجعونه من حيث أتوا به.ومع هذا فإنه آلان الذي يغطي الأحداث منذ أسابيع.لقد قرر البقاء في بغداد وإن تحت سيل القنابل الجارف !
آلان دو لا دو يتقاسم العمل مع ماريز ميكرو. رقيقة بشكل لافت، شاحبة وحيوية : ماريز تشبه عصفورا صغيرا لكنها تقوم بأشغال مهولة مقدسة !بنقرات صغيرة في كل يوم على جذع التاريخ.آلان وماريز ليسا مثل فريق الـ Cacanul+ القناة السابقة ذائعة الصيت التي وقع دمجها والتي لا تعدو أن تكون حاوية نفايات ومهملات لأخبار مغلوطة مدمرة في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم.كانوا يلقبون بالزيروات "الأصفار" لأنهم كانوا مرسلين من طرف رئيسهم في العمل، ذلك الكوميدي المشهور والصارم المقاوم للحرب. هم لا يرتدون سترة صيادي وحوش أدغال إفريقيا (ليسوا أغبياء إلى الدرجة التي تجعلهم يفضحون حقيقتهم القبيحة) لكن رؤوسهم ليست إلا خزائن معبأة بأشياء من هذا القبيل.رب عملهم ورزقهم ظل هناك مرتاح البال بباريس بنظاراته على طريقة برازيلاش رئيس تحرير "أنا في كل مكان". لقد كلف صحفييه الحقيقيين الذين يتوقون جيدا ويربؤون عن تزوير الحقائق ( كل شيء خاطئ في هذه البضاعة المسخرة) بتتبع متقاعد مسكين تجاوز السبعين من عمره منذ مغادرته لنانت إلى أن يصل إلى العراق حيث سيكون درعا بشريا. كل أفراد عائلة هذه الموفد كانوا يبكون بحرقة على رصيف محطة القطار في حين كان هو يحمل علم فرنسا المغروس في حقيبة على ظهره بشكل أبله. وهم يصورونه كان أولئك الصحفيون المزورون يحثون الجندي العجوزالمثير للضحك بنياشينه على عيش هذه التجربة في حين أنه في واقع الأمر غير قادر بتاتا عليها...درع بشري....بشري بشكل لافت فعلا...
_ لقد انفجر ! قال لي بفائق ظرافة واحد من الـ "صفرين" ...كان يجب ترحيله بعجالة إلى سانت آن.......................