براغيث زجاجية، ديدان أوميغا

حسن البطل

 

من ذلك المثلث تبدأ رام الله الحقيقية، وفي ذلك المثلث عيّد اليهود المستعربون عيداً دمدمياً، دامياً ... وزجاجياً، أو زاروا ذلك المثلث زيارة صاخبة.

في ذلك المثلث مقهاي الصباحي ومقهاي المسائي .. ومطعمي، ودكانة جريدتي، اي مثلث عاداتي اليومية.

ليس للمطلوب أو المطارد الفلسطيني الحريص عادات، وأنا لست مطلوباً (سوى لواجب هذا العمود، ولفنجان قهوة في مقهاي الصباحي، وفنجان شاي في مقهاي المسائي).

المعلِّم الأكبر، عميد المعلّمين الفلسطينيين وقائد اضرابهم، العجوز الشايب جميل شحادة (أبو ناصر) له عاداتي تقريباً، وعلى غير العادة لم أتردد على مثلثي الأثير في الظهيرة الساخنة ليوم 15 تشرين الثاني، ومنها عادة "المثقّف" الذي يختار في مقهاه الركن الأقرب إلى الزجاج والباب.

مساء 15 تشرين الثاني، قال لي د. مازن أبو بكر في مقهاي المسائي :" سلّم على "أبي ناصر" فقد سلم رأسه" فطبعت بوسة على رأسه ذي الشعر الشايب الخفيف.

ثلاث طلقات دُمدمية هي تواقيع المستعربين على واجهة زجاج مقهاي المسائي (مقهى رام الله)، وطلقة أخرى على حائط مقهاي المسائي (مقهى الكرامة) .. وأما على أبواب وزجاج مطعم الفول والحمص (مطعم الناصرة)، فهناك تواقيع لاثنتي عشرة طلقة دُمدمية على الباب الحديدي السميك .. وأما الزجاج فقد تفجّر شظايا وفتافيت، ومعه شظايا طلقات دُم دُم على شعر رأس أبي ناصر، وفي صحن الحمص والفول والمخلوطة).

شظايا الزجاج المهشّم تشبه البراغيث، وشظايا رصاص دُم دُم تشبه القمل، وعندما عبثت بشعر الناجي تودداً، سقطت "برغوثة زجاجية" على طاولة لعب الورق (كانوا يلعبون، كعادتهم، لعبة "المحروقة").

لم يكن مزاج جميل شحادة السبعيني وشلّته يسمح بالمزاح، فأكملت المزاح على طاولة الكهول أمثالي، مثل على ماذا يتدرّب الجندي المغوار؟ أيضاً على استبدال الملح المفقود ببارود الرصاص (اذا فُقد الملح أو فسد يمكن تمليح الطعام، والفول والحمص، ببارود الرصاص).

طلقات الرصاص العادية قد لا تخترق أبواب دكاكين رام الله الحديدية بسماكة 3 ملم، لكن طلقات الدم دم تفعل .. وتتفتّت كأنها القمل .. أو كأنها ديدان القبر!.

ما هذه النقلة من البراغيث الزجاجية والقمل المعدني إلى الديدان التي تنغل جسم كل ميت؟ اذا كان المعلّم جميل أصيب بالجزع، فقد أصبتُ بالقرف فترة طويلة، عندما تساقطت علي "ديدان الجيفة" من السقف.

يمكن نفض البراغيث الزجاجية و القمل الحديدي من شعر الرأس.. لكن، كيف تنفض ديدان القبر من شعرك .. دون أن "تنفعص"؟.

هاكم حكايتي المرعبة - المقززة مع ديدان القبر التي عشعشت في شعر رأسي، وكان ذلك خلال هدنة متوترة إبان حرب حصار بيروت 1982، في حي السلّم، أو حي الليلكي. الحليب قليل في ثدي جارتنا الأرمنية - اللبنانية - الأميركية، وطفلتها الرضيعة تحتاج ماء نقياً للحليب الجاف، (قال رابين وقتها إن دماء جنودنا أغلى من حياة أطفالهم) وهكذا "انتخيت" وجاري اللبناني الشيعي، وقادني هذا إلى حيث يوجد مخزن مهجور لزجاجات المياه المعدنية لصديقه. في تلك العمارة المهجورة بعد تلك المجزرة، التي جعلت ديدان القبر تنغل في شظايا اللحم البشري في سقف مدخل العمارة.

صدفة نادرة، جعلت قذيفة بحرية اسرائيلية ثقيلة تسقط داخل براميل الحماية المعبّأة بالرمل مدخل العمارة، ومن ثم تصيب مقتلاً من بعض سكانها الفضوليين، والذين توهموا أن مدخل العمارة المحمي أكثر أماناً من حيطان بيوتهم.

لم أكن أحمل مشطاً، ولم يكن في صنابير العمارة ماء، وهكذا حاولت نفض شعر رأسي بأصابع يدي .. فانفعصت بعض الديدان ذات الرائحة الحاتوفية (من الحتف والموت).

دود القبر لا يشبه بتاتاً، ساعات "أوميغا" الفاخرة، ولكنه يشبه حرف الواو في شكله، وحرف الواو ينطق في الاغريقية "أوميغا" فهو يُرسم كدائرة شبه مغلقة، أو ظهر القنفذ، وتتحرك "ديدان الأوميغا" في الاتجاهين، حتى تأتي على لحم الميت بكامله.

üüü

لا أحب فوضى ساحتي رام الله، وأحب ذلك المثلث الوديع، الذي تبدأ به رام الله الحقيقية، أو "رام الله - البلد" أو "رام الله - التحتا" .. وفيه دارت، يوم إعلان الاستقلال، مواجهة بين شباب شجعان سلاحهم الحجر، ومستعربين سلاحهم طلقات دُم دُم. يعرف الأطباء ماذا تفعل شظايا طلقات الدم الدم في اللحم الحي، والاسرائيليون أخذوا معهم شاباً جريحاً، وتركوا شابين جريحين.

üüü

عاد الشارع نظيفاً من حجارة الشبّان، وعاد شعر العجوز جميل شحادة نظيفاً . سيغيرون الزجاج المهشّم، وستبقى ثقوب الطلقات على الأبواب الحديدية السميكة.

حـســن البطــل

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1