مع اول خيوط الفجر
ايناس البدران
اقسم اني رأيتهم والناس الذين انضموا الي فيما بعد رأوهم ايضا ، واشاروا بأصابعهم المرتعشة رغم الدخان الكثيف اليهم ، كنت ادور بعيني بحثا عن التفاصيل الاخيرة والريح هوجاء تعدو خلفي في كل اتجاه .. وددت لو اجوب بروحي الاجواء بحثا عن شيء ما ، لمحت حمائم ظلت طريقها الى القباب المشطورة واناس تبعثرت اجسادهم ، بعضهم انسل ليختبيء في الزوايا وذاب البعض الاخر خلف ظلال المآذن المكبرة .
لطالما احببت صوت الاذان يسكب في اذني كرحيق سلام سماوي .. جدتي كانت تقول بأن صوت المؤذن يبعد الشرور ويطرد الشيطان ، لذا استغربت حين اتوا بجثته بعد يومين من اختفائه ممثلا بها من مشرحة الطب العدلي !
كان زوجي يقود مركبته المتهالكة بحذر من يروم اجتياز الكثير من العوارض والمتاريس بنجاح ، قال لي مطمئنا :
- سيصبح كل شيء على ما يرام . فتبادلنا الابتسام حين لمحت رتلا قادما فهتفت فيه – تنح جانبا - انحرفت المركبة بسرعة صوب الطريق الترابي – مر الرتل المكون من اربعة آليات ضخمة غريبة الشكل من جانبنا دون ان يعيرنا التفاتا لكنه اثار زوبعة من تراب خانق .
- حاولنا التظاهر ان كل شيء على ما يرام كانت الدروب تعدو خلفنا هربا من قيظ الظهيرة الذي كان يشوي كل جزء يناله منا .
- حاولت بشجاعة منهكة – لكثرة ما استحضرتها – ايقاف خلجات اليأس داخلي وشهقات الحزن في احشائي متجاهلة الاشواك المغروزة على جانبي الطريق والابواب الموصدة دوننا والتي يدور خلفها لغط كثير .
- اشحت حينها بوجهي كي لايرى زوجي ترقرق الدمع في عيني ، لكنه اطلق زفرة حرى كأنما قرأ افكاري والقى بعقب سيجارته الاخيرة الى حيث تتدحرج بقية الاعقاب ، ومع ذلك كان علينا المضي في طريقنا حتى النهاية متأملين تفادي كل الاحتمالات المرعبة .
اغمضت عيني حين انعكس فيهما بريق ماض كشظايا المرايا بعدها غطى اللون الترابي الكامد على كل الالوان .
كطفلة تطارد الفراش حاولت اقتناص لحظة انبعثت من بين اكوام الذكريات المبعثرة ، صورة رائقة لعصفورين منتشين بحلمهما الصغير تحت زخات مطر ربيعي ، كم حاولت بعدها ايجاد تفسير معقول لكل ما يجري حولي من جنون ، ما اكثر ما تداخلت الاشياء في رأسي واختلطت شأنها شأن اللوحات السريالية التي يفسرها كل بطريقته دون ان يعلم احد على وجه الدقة ما قصده الرسام .
بعدها فكرت ان اجمع ما تبقى مني في حقيبة لألقي بها في يم غربة بلا قرار ، ولكن ما جدوى تغيير الامكنة مع نفس استوطنها الحزن ، سيكون مجرد تغيير للون العذاب ليس الا .
وتساءلت في سري ببلاهة لماذا تأكل القطة ابناءها ؟ ولماذا استوطن هذا الالم الرهيب رأسي وجذور رقبتي ؟
قررت ان اطلب من والدتي – حال وصولي البيت – ان تدعك رقبتي بزيت حبة البركة ففيه دواء لكل داء الا السأم ، كان ذلك قبل ان يرتفع رأسي ككرة في ملعب ليحلق فوق ارجاء المدينة المتعبة الممتدة افقيا على مرمى البصر . كانت عيناي تدوران تبحثان عن جواب لسؤال محدد ذكرتني به مقولة " اعرف عدوك " فتساءلت في سري من عدوي ؟ صار السؤال يتردد صداه يعلو رويدا فيكاد يصيبني بالصمم ، من عدوي ؟ كأنني اعيش كابوسا احاول ان اتذكر استنتج احك رأسي بأصابعي كعادتي كلما هممت في التفكير ، حين اكتشفت بأن كفي قد بترت ، تلفت بحثا عن ذراعي الاخرى فاذا بها تطير هي الاخرى فتهبط ليتلقفها زوجي قبل ان تهوي الى الارض وكان ينقل بصره بذهول بين الارض والسماء .
صراخ امرأة يعلو فوق تفكيري بهستيريا .. حقا لم اكن مواظبة على الصلاة الا اني اجتنبت الكبائر ، عدا بعض اللمم ، وختمت القرآن كذا مرة . ولكن لماذا اتحدث هكذا كأنني مت ، هل مت حقا ؟
ولمحت رجالا تبكي وقططا تتقييأ دما قبل ان تزحف مختفية لتمتصها الازقة المظلمة ، وبدأ رأسي يعلو اكثر ، ثم لمحت من بعيد بحيرة طبريا وطفت حول المسجد الاقصى ، رأيته غاصا بملائكة يرجمون الشياطين بالحجارة ، بكيت اذ لولا كفي المقطوع وذراعي لانضممت اليهم ، ورغم ذلك صرت اناولهم قدر استطاعتي .
مع الغروب كانت الاذرع منهمكة ما بين المعاول وتراب الارض ، رأيت وجه ابي كئيبا شامخا وجسده النحيل كشجرة تشيخ ، عندها قررت العودة الى البيت فوجدت ابني الصغير بلا عشاء في يده كتاب ويدندن بأنشودة لم اتبينها .
صرت اهيم على وجهي اتوحد بالذرات حتى السابح منها في فراغ .. مع اول خيوط الفجر رأيتهم يخرجون من بين شقوق العتمة كالنبوءة ، كقناديل البشارة .. شعرت بتراب الارض يحتضن اضلعي ، يهدهد عظامي بحنو .. اغمضت جفني واستسلمت لنوم عميق .