شجرة دلب أم نخلة؟

أمجد ناصر

 

قد تنسي تلك التي تسمي (اينانا) مرة و(عشتار) مرة اخري

انها ابنة إله القمر فتتحدث بفمها العنبري وهي تشرِّف ارض البشر

الي مدون حوليات يغمس ريشته في محبرة من نجيع الاقحوان ويخط، في اليوم السابع لقيامة أوصاله، أحرفا مسمارية علي لوح طيني عن تلك التي تجلس بقامة معتدلة كحرف الألف علي عرش غير مرئي من قصب الذهب.

لا يعرف الفانون ان تلك التي بقامة معتدلة كحرف الألف تجلس علي عرش

غير مرئي من قصب الذهب هي (اينانا) او (عشتار) وقد تزيت بزيهم،

فلا يرون المعجزات التي تجترحها من دون منةٍ: يدها التي تصافح فتترك ذهبا وفضة، قدمها التي تمشي علي البور فيطلع عشب، عينها الشهلاء التي تلون اياما كالحة باللوز والحنطة، قامتها التي تشق الهواء الراكد نصفين.

تقول لمدون الحوليات انها تقرأ كتاب الاقاليم فقط عندما تهبط بمركبة تجرها سبعة اسود في سبع ارضين تتراكب طبقات، تحت سطح المدائن المختومة بشمع الكآبة.

تنسي احيانا (اينانا) او (عشتار) انها كانت في زمن المحاريث والمراكب الشراعية

ابنة اله القمر، فلا تري نجمة الزهرة تشع فوق رأسها بسبع شعب من الضوء

وانها اهلكت فلاحا تعسا رآها متمددة بأطرافها المرمرية تحت تلك الشجرة

التي رمي الغراب بأمر من الإله (انكي) كحل سحرة (اوريدو) بين النهرين فطلعت ساق خشنة ذات اهداب قاتمة وتدلت عناقيد صفراء من الثمر الحلو امام الافواه المرة.

لا تعرف (اينانا) او (عشتار) اليوم انها اهلكت بلمحة بصر (شوقولتودا) بستاني الغبطة الخالدة لأنه رأي ما لم يره الاخرون، وانها هوت بـ(دوموزي) الي العالم السفلي واعادت (تموز) من غياهب الظلمات فغمرت اسراب السنونو الآفاق.

تقول لمدون الحوليات من انا كي تأبه؟ فيقول انت ابنة الإله (سين)، فتقول كان ذلك في ازمنة المحاريث والمراكب الشراعية وسدنة الامطار والعواصف، اما الآن فأنا اهبط كل يوم تحت الارض بلا مركبة تجرها سبعة اسود، اسمع هديرا يصم الاذان واقرأ ألواحا مغبرةً عن هلال لم يعد خصيبا، وليس ثمة شجرة ذات اهداب امدد اطرافي المرمرية تحتها فيجنّ فلاح شقي ويتساقط رطباً جنياً، فإن كنت حقا مدون الوقائع والرجفات سمّ الشجرة التي اويت اليها فانخبل بستاني الغبطة الخالدة لمرآي اطرافي المرمرية، فيقول المدون المنحني علي الواحه من دون تردد: النخلة!

ـ ـ ـ

ليست تلك (اينانا) الرُقُم السومرية ولا (عشتار) الألواح البابلية بل (اينانا) او (عشتار) مدون حوليات مستسلم لأضغاث رؤي رابعة النهار، تختلط عليه الأزمنة والوجوه، الاسماء والوقائع فينطق عن هوي ويصدر عن بلبلة، مدون يعرف، فقط، ان الكلمات والمعاني تعاقب عليها عابرون عديدون، فلم يعد هناك بدء ولم تعد هناك نهاية، بل ارتهان ذاتي لاستمرار شقي وعنيد.

ـ ـ ـ

كتبت شيئا كهذا عن ميلاد النخلة مُعقّبا علي (اوبرا غنائية) استوحاها شوقي عبد الامير من الواح قرأها، بعينه البصيرة، عالم السومريات الكبير صامويل كريمر وفك شيفرتها الطينية الملغزة بعد طول تأمل في تلك الوثائق الاولي للتكوين، فرسخت، في ذهني، صور انسانية حية لأبطال الالواح الطينية السومرية وفتنتني فكرة ان تكون النخلة طلعت من قوارير الكحل.

كان الخلق قد استوي: الجبال ارسيت، المياه التزمت حدها، الارض نفثت انفاسها الخضراء. كان كل شيء قد اكتمل تقريبا، غير ان عين (انكي) وفمه المستحلب رأيا نقصا ما في هذا البهاء الارضي الكامل: انه شجرة ليست ككل الاشجار. شجرة شاملة المنافع، جذعها خشب للمراكب والاكواخ، ليفها ثياب لستر العورة، سعفها سقوف وأوانٍ، ثمرها غذاء ودواء ونذور، نواها طعام للماشية ونار للمواقد.

فأي شجرة يمكن ان تكون لها هذه الصفات الكريمة سوي تلك التي فكر فيها (انكي) فقال للغراب (والترجمة عن الفرنسية لشوقي عبد الامير): خذ كحل سحرة (اوريدو) المخبأ

في الوعاء اللازوردي في غرفة بيت الامير

هشمه،

وازرع الحبيبات بين الحواشي المتاخمة للأهوار

حيث ينبت الشجر المعمر(...)

امتثل الغراب لأمر سيده

هشم ثم سحق كحل سحرة (اوريدو)

المخبأ في وعاء الدهان اللازوردي

الموجود في بيت (الامير)

زرع الحبيبات بين الحواشي المتاخمة للأهوار

حيث ينبت الشجر المعمر

(ومنه طلعت ... نخلة

اوراقها تذكر بالاشجار المعمرة

ولم ير احد مثلها قط)!

هكذا تولد، من كحل سحرة (اوريدو)، انطلاقا من (الطلاسم) التي حلها صامويل كريمر، اول نخلة في الكون، لكنني قرأت، قبل ايام، موضوعا عن الاشجار بقلم الباحث العراقي المرموق علي الشوك يقول فيه ان الشجرة التي اضطجعت تحتها (اينانا) عندما رآها الفلاح (شوقالتودا) لم تكن نخلة بل شجرة (دلب)!

لا وجه شبه، طبعا، بين النخلة وشجرة الدلب، فالنص السومري، ان صحت ترجمة شوقي عبد الامير، يتحدث عن شجرة (لم ير احد مثلها قط)، شجرة تسلقها الغراب بعد ان رأي صنيع سيده و(ملأ فمه بالتمر)، شجرة (لسانها، الطلع يعطيك لبا،

لحيتها، الألياف تعطيك حصيرا

فسائلها التي تحيط بها تعطيك ادوات القياس (...)

جريدها يرافق الأوامر الملكية،

تمرها يتدلي اعذاقا بين سعفها الكثيف

تمرها نذور في معابد الآلهة).

هذه صفات قاطعة علي ان الشجرة التي لم ير احد مثلها قط لم تكن شجرة دلب متساقطة الاوراق ذات الساق الرمادية والأوراق الكبيرة المفصصة ككف الانسان التي اراها كل يوم في الشارع المؤدي الي بيتي في هانسلو غرب لندن.

لو لم يكن علي الشوك باحثا مرموقا لما شككت ان الشجرة التي غفت تحت فيئها الوارف (اينانا)، بعد ان هبطت الي ارض البشر (لتقيم العدل بين المسيئين والصالحين) و(لتستجلي ما في قلوب اهل البلاد)، هي النخلة وليست اي شجرة غيرها.

قد يكون نص الاسطورة السومرية مكرساً لما حل بالبلاد بعد ان فتكت ضجعة (اينانا) بالفلاح التعس ليحل الدمار علي البلاد بعد تلك الفعلة، حسب ما يقول فراس سواح في كتابه (مغامرة العقل الاولي) الا انه، من جهة اخري، يفصح عن ولادة شجرة بلاد الرافدين العظيمة: النخلة.

وحسب مقدمة مقتضبة يمهد فيها شوقي عبد الامير لترجمة هذه الاسطورة التي ضمها الجزء السابع عشر من (المجلدات الشرقية) عام 1948، فإن النص الذي اعده، علي نحو اولي، س. كوهين واعاد النظر فيه ونقحه، لاحقا، استاذه كريمر لم ينشر من قبل.

نعرف من تلك المقدمة ان النص السومري يقع في رقيمين مستقلين ويتكون كل رقيم من عشرة اعمدة اعتراها بعض التشوه، ولكن ذلك لم يؤثر علي المحتوي العام للنص الذي يشير، صراحة، الي النخلة وليس الي شجرة الدلب.

ويبقي السؤال مطروحا علي الاستاذ علي الشوك:

كيف صارت نخلة (انكي) التي غفت تحتها (اينانا) شجرة دلب؟

تلك الشجرة التي قد تنسي ابنه إله القمر كل شيء إلاّ سعفها الملكي الوارف.

0

 

Hosted by www.Geocities.ws

1