العيد
احمد دحبور
لم يتأخر العيد عاما عن موعده. قد يرتبك الحساب يوما في الزيادة والنقصان، لكن المؤمنين سرعان ما يتبادلون التحيات، وتصبح ايامهم الثلاثة كل عام وانت بخير، فكل عام وانتم بخير..
ولكن اذا كان العيد لا يخلف ميعاده على سكة الزمن، فانه كثيرا ما يتعرض للجراح في الطريق. ولعلنا من الشعوب القليلة في العالم التي أهينت أعيادها وحيل بينها وبين الوصول الى فرح الاطفال. فأنا، مثلا، من جيل كان آباؤه يقولون: عيدنا عودتنا. بمعنى ان فرحتنا بالعيد مثلومة >حتى تعود الى ذويها الدار<.. ثم اكتشفنا ان العودة ليست الا تاجا لنصر لا تزال تنقصنا عناصره الكثيرة. وبهذا لا نستجدي السعادة ولكننا نبحث عن عيد بين غربة واحتلال ومذبحة، حتى اذا تماسكنا على الجراح في رمضان كريم، برز لنا الأحد الدامي من هنا، واشتباكات الليل المتقطعة او المتواصلة من هناك، وأغفى العالم او استيقظ على تهديد الاحتلال ووعيده باجتياح غزة وغير غزة. وفي خضم هذا القهر الذاتي والاحتلالي، نرانا مثل اي فريق من البشر مطالبين لا بالبقاء على قيد الحياة وحسب، بل في انتظار كعك العيد، فكل عام وانتم بخير..
ترى كم جرت من المياه تحت الجسور منذ ان قال اول فلسطيني: عيدنا يوم عودتنا؟ وكم ستجري من المياه حتى يتحقق ذلك العيد ويتحرر من الأسر الراسخ فيه منذ ثمانية وستين عاما؟ وهل هو سوء طالع أم سوء اختيار ام سوء ادارة، وهذا الذي جعل عيد الفلسطيني مثل ثمرة تنتالوس، يكاد يلمسها باليد ثم لا تلبث ان تنأى عنه بعيدا؟
كان مقدرا لعيد هذا اليوم ان يأتي مصحوبا بهدية طال انتظارها: حكومة الوحدة الوطنية.. وليست الحكومة الموعودة رقية تقينا من الحسد. ولكنها بالتأكيد تقينا من الاحتراب وتسد الطريق على هجمة العدو وتبطل حجة الحصار. ولا أنكر انها تعطل شغل بعض الناس، فصاحب الأحد الدامي سيشكو البطالة لو تحققت حكومة الوحدة الوطنية. وابو اللحية المحنجلة لن يتاح له ان يطالب باستقالة الرئيس ليرضى عنه من يرضى، وأكل فخذ الخروف على الوقعة لن يتمكن من ارشاد عباد الله الى أهمية التقشف والانصراف عن ملاذ الدنيا. لكن هؤلاء كانوا موجودين في كل مكان وفي كل دنيا، ثم انتصر المكان وانتصرت الدنيا. ولهذا تفاءلوا بالخير تجدوه، وقولا بعد كل ألم، اي في كل حين: كل عام وأنتم بخير..
هل من شأن هذا الكلام ان يشوش الاستبشار بالعيد؟ ولكن من الذي لا يريد العيد؟ من الذي لا يحلم ولو بليلة هانئة تأخذ هدنة مع الرصاص الأهوج المجنون؟ ومن يشوش العيد، أهو الذي يقتل للقتل ام من يخاف على اولاده من القتل؟.. ونحن نفهم ان تكون الجريمة هي وسيلة الاحتلال للبقاء! لكن ماذا عنا؟ وعندما نسمع نبأ طيبا عن اتفاق على وقف التدهور الأمني، لماذا نضع ايدينا على قلوبنا؟ هل نحن متشائمون؟ بل اننا نقبل هذا النعت وما هو اصعب منه شرط ان يسود الأمان الذي يمهد للعيد طريق التحية المنتظرة: كل عام وأنتم بخير..