تشرين: في فمي نفط!

أحمد دحبور

 

انه السادس من تشرين، وانها لثلاث وثلاثون سنة.. وهي سنوات السيد المسيح، الفلسطيني، الجليلي، على الأرض.. وخلالها جرت مياه كثيرة تحت الجسور. فكم تألمنا وكم تعلمنا وكم يحق لنا ان نحتفل بهذه الذكرى؟

 

اذا كان للسادس من تشرين الاول، اكتوبر، علامة يسترشد بها مؤرخ الصراع العربي الصهيوني، فهي مبادلة الادوار قياسا الى ما جرى في عام الهزيمة 1967. ففي تلك الأيام كان الخطاب الرسمي العربي يغالط وينكر ويدعي، وكانت دبابات العدو - لن ننسى انها امريكية الصنع - تهرس عظام المصريين والسوريين، فيما يشق مندوب اسرائيل ثيابه في الأمم المتحدة معلنا ان احمد الشقيري يهدد بالقاء اليهود الى البحر؟

 

اما في السادس من تشرين فكان الجندي المصري يهتف فتهتز الارض بالصدى الخالد: الله اكبر. وكنا في دمشق نتسابق الى رؤية الطائرات الاسرائيلية - لن ننسى انها امريكية الصنع - وهي تتساقط حولنا كثمار فاسدة عن شجرة كاسدة، وهو ما سمح للكاتب الفلسطيني المرحوم احمد القبلاوي ان يكتب مسرحيته الجميلة "اول فواكي الشام يا فانتوم"..

 

ولكننا لم نفرح بالفواكه طويلا، فقد جنت السياسة على ما جناه المقاتلون الشجعان من نصر، اذ بدأت القصة بالجسر الجوي الامريكي الذي يحمل الطائرات الامريكية الذكية، من المصنع الامريكي الى ساحة القتال العربية مباشرة.

 

اما رد الفعل العربي المعني فقد تفاوت بين التقهقر النسبي والتراجع الرمزي. ولم يلبث احد الرئيسين اللذين أخذا قرار الحرب ان راح يدعو، ونحن في منتصف المعركة، الى مؤتمر دولي للسلام، مع ان ابجدية السياسة تقول ان المحاربين يضعون المفاوضات في خاتمة الحرب، ليقرروا حجم المكسب في ضوء النتائج الميدانية. اما الرئيس الثاني فقد حرر كلمة اسرائيل من القوسين اللتين كان يصر عليهما خطاب الممانعة. وليست المشكلة في الاقواس بل في دلالتها، فقد كانت تلك اشارة الى استعداد مبدئي، ولو بعد حين، للاعتراف المتبادل قبل ان يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود.

 

كان الأمر واضحا. فامريكا تريد النفط العربي، وحماية اسرائيل والابقاء على تفوقها، وتأمين صورة مشرقة للسياسة الامريكية لدى الجمهور العربي. اما العرب الرسميون فكانوا يحلمون بمكاسب اقليمية محدودة مع الحفاظ على صورة محترمة لكل عاصمة عربية في قلب المواطن العربي المقهور الذي لا يشغل السياسة في شيء ان يكون مقهورا..

 

ويقع العدوان الصهيوني في تموز الأخير على لبنان، فيستمر الخذلان العربي من جهة، والمزايدة المذهلة من جهة ثانية في الجبهة الباردة التي لم تشهد طلقة واحدة منذ ثلاثة وثلاثين عاما..

 

وفي هذه الدوامة لا يطلب العدو الكثير. بل يريد كل شيء كدفعة اولى مقابل لا شيء. ولا بأس من شعار السلام مقابل الارض للاستهلاك في سوق العلاقات العامة..

 

وكان من المستحيل ان تتحسن صورة امريكا، ولا سيما بعد اسوأ الادارات الامريكية منذ اربعة قرون، ادارة المتصهين بوش الذي يقف على يمين اليمين الصيهوني. وقد بلغ الفجور بهذه الادارة في تموز الماضي ان تحول البنتاغون الى غرفة عمليات اسرائيلية. فيما كان معظم العرب مكبلين بما التزموا من مواثيق مجحفة، وأخذ الوضع صورة دراماتيكية من حيث الرغبة في لعب دور تستحقه القوى الاقليمية، والوقوف عند حدود المتاح في الخريطة السياسية الجديدة، ومن جهة ثانية كان هناك تصفيق وتصفير على جبهة قانعة بالقتال حتى آخر عنصر مقاومة، وبالمزايدة على الناس اجمعين بعد ذلك..

 

طبيعي ألا نتقدم خطوة في ضوء تلك المعطيات، وما وعد به كيسنجر وزير الخارجية الامريكية الأسبق، تحقق من حيث ان العرب لن يجدوا ما يفعلون بنفطهم الا ان يشربوه..

فكيف نتكلم وفي افواهنا نفط؟

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1