تداعيات مرحلية

 محمد دقة

 

 

راحوا وما عادوا

وراحت كل أسمال الكتابةِ

راحت الأفكار

عام من الإسراف في الإشراق

عام من الإسراف في الإشفاق

راحوا وما عادوا

وما عادت مراكبهم وما

عادت مراتبهم

وما سمحوا لثورتهم بحملِ

تراجم الثوار. . . . . .

راحوا، وكأن شيئاً لم يكن

وكأن عشقا لم يكن

وكأن صيفا لم يكن

وكأن أمر الموت أهون من

سلام بين قلبين انتحرت

على شعاب الكأس بينهما

وكأن شيئا لم يكن

لم يعزفوا لحن الطيور على

القبور ولم أحاول

أن أتمتم قطعة من فن موزارت القديم

ولم أحاول أن أغني من معلقة امرئ القيس

الأخيرة غير بيت واحد لم أستطع تفسيره

كانت كتابتهم على الحيطان أشبه بالطلاسم

كانوا ثقافيين كانوا

يعرفون الموت

والموت يعرف وقته

راحوا إلى ما يعرفون

ورحت للمجهول

للمجهول ألّفت الخواطر

أيها المجهول ساعدني

لأعرف ما تكون وأيها

المجهول ساعدني

لأرسم ما يساورني من الأفكار

ساعدني لأرسم ما أرى في حضرة المجهولْ

فرسا، يهودا، أو مغولْ

راحوا إلى دراجتي حين

 استعرت طلائها من هتلر الأول

دَيناً ولم أُسأل

راحوا إلى زبد الحياة إلى الممات

ولم يسجوا نهدتي

كانوا هم العشاق كانوا

يعشقون الموت

والموت يعرف وقته

كانوا عمالقة وكانوا

يحسبون حساب أن يبقوا على قيد الحياة

وكنت أطمع أن أرى التاريخ

أصدق

يوما وأغرق

راحوا وبعد ذهابهم لم يستطع

كل القضاة الحكم في ما خلف

البصري والكوفي من

حرب اللغة

لم يستطع كل القضاة الحكم

هل آخى علي معاوية ؟!

فتظاهروا وتناحروا

وهم بقعر الهاوية

راحوا إلى بلد على طرف

الزمان وفاوضوا التاريخ

حول هوى قابيل في إبداعه

للقتل ولم يناقشوه بسرقة

فكرة الدفن التي في الأصل

إبداع الغراب

سألوه عن هابيل

فاستحيا وغاب

كانوا ملوكيين كانوا

يملكون الموت

والموت يعرف وقته

يا أيها التاريخ كيف تعد نفسك

شاهدا من غير صدق ؟

أيها التاريخ كيف تزيف الحق ؟

انتظر يا أيها التاريخ مني قنبلة

تنسيك أية مرحلة

راحوا وقد عرفوا الذي قد

يصنع التاريخ بالغرباء .. راحوا

جملة وجماعة وتفردوا بالحب

لم يسترسلوا إلا بما يتفردون

لم يتفردوا إلا بحب الموت

ولم يموتوا دون صوم

لم يصوموا دون وزر

إنه هم الشعوب البائدة

حب الهوى و المائدة

كانت علاقتهم مع المجهول

أعمق من علاقة صاحب الجني بالجني

أعمق من علاقة جدتي بنصيبها من إرث جدي

كانت علاقتهم معي كعلاقتي معهم

كعلاقة الماء الزلال بنبعه

كعلاقة القتلى بما قتلوا به

كعلاقة الأسرى بزنزاناتهم

كانوا عراة من جميع مآثم الدنيا وكانوا

يهزمون الوقت قبل تبدّل الأشياء

قبل تسارع الأزمان

كانوا بطوليين .. كانوا يهزمون الموت

والموت يعرف وقته

من يزرع الدنيا نظاما

كي يحصد الناس العدالة ؟

من يملأ الدنيا عروشا

كي نرتوي حتى الثمالة ؟

من يكتب التاريخ شعرا

لتعد من أصل الأصالة ؟

من يسقني خمر المودة

لتعود يا عصر الكرامة ؟

من يسكن الأحزان قبلي

ليزف لي بشرى القيامة ؟

ليزف لي بشرى التحدي

إنني ما خنت عهدي

إنني ما خنت وردي

إنني ما خنت وقت الموت

فالموت يعرف وقته

 

راحوا إلى سمري إلى قمري إلى شجري

راحوا إلى من يصنعُ الأحبالَ

كي يوصوهُ أن يمضي لمشنقتي سريعاً

إني شأشنقُ بعد أيامٍ قليلة

وتجهّزَ الجلادُ لي وأعدَّ

كوب الماءِ والكرسيِّ

حاول أن يراني قبلَ شنقي

أن يُفسّرَ من عيوني

إن كنتُ أقدرُ أن أقاومَهُ

ولكني فهمتُ الأمر تفسيراً من العينين, سألتُهُ:

يا أيها الجلادُ هل أعدَدْتَ لي قلماً وأوراقاً

لأكتبَ آخر الأشعارِ فيكَ؟

وهل شحنتَ نفسكَ بالإرادةِ

كي تُخلصني من الدنيا؟

وهل أقنعتَ نفسكَ أننا سنكونُ

يوماً ما على موعد؟

فأجابني متخوّفاً: أحضرتُ ما ترغب:

خمراً لكي تشربْ ورسالةً

فيها الغرابةُ كلُّها من حلوةٍ أغربْ

وقصيدةً من شاعرٍ يهديكها

لتفوزَ أو تُغلَبْ

أحضرتُ أوراقاً وأقلاماً ملوّنةً

لتكتبَ أو لترسمْ

أحضرتُ ناياً

فاعزف اللحن الأخيرَ على مقامِ الكرد ِأو حتى الحجازْ

أما أنا سأكونُ عندكَ ضابطَ الإيقاعْ

فافهمني بقدرِ المستطاعْ.

يا أيها الجلادُ, عجل ما استطعتَ

وسلّني قبلَ الأوانِ وهاتفِ الأضدادَ

واستخدم أساليب الحقارةِ كلَّها

واصنع بنفسكَ ما تريدُ

ورتب الأحداثَ ترتيباً بحسب زمانها:

فاذكرْ حدوثَ الصمتِ واذكر وقتَهُ

واذكر حدوثَ اللؤمِ واذكر وقتهُ

واذكر حدوث المجدِ واذكر وقتهُ

واذكر نوايا كلِّ مخلوقٍ يمرُّ لشنقهِ

واسترسلِ استرسالَ من

يعتاشُ من كلماتِهِ

يا أيها الجلادُ, حاورني إذا

ما كنتَ تقدرُ فالحوارُ طريقةٌ مُثلى

لكسرِ الحاجزِ الموجودِ بين القاتلِ القتّالِ

والمقتولْ

يا أيها الجلادُ حاورني أو اقترحِ المسائلَ

والحلولْ

ماذا قصدتَ برفقتي هذا المساءْ

وما الذي تنويهِ عند الصبحِ قبلَ أن ترتاحَ من

مناقشتي ومني

يا أيها الجلادُ خلِّ النبعَ ينبعُ كلَّ

حينٍ ثم يؤتي أُكلَهُ في كلِّ

حينٍ ثم يهديني إليكَ

وخلِّهِ يا أيها الجلادُ

واصنع لي من الحبلِ الذي

تُخفيهِ عني قصّةً

واحرق فؤادي مرتين

وشُدَّ عزمكَ مرتين

وغُضّ طرفكَ عن مُساءلتي

وحزني مرتين

أنا يا أيها الجلادُ عرقٌ قد تقطَّع

لم أكن فظّاً ولم أمشِ

اختيالاً, لم أسائل غيرَ قلبي عن همومي

لم أحاول مرةً حجبَ احترافي

في التَّصنُّع, لم أُترجم مِشيتي

بتهربٍ وتقلّبٍ

يا أيها الجلادُ

قلبي قد تورّدَ فاغتنمه

وسِرْ بهِ يهديكَ للأشياءِ حالاً

إنه قلبٌ صغيرُ ضائعٌ

لكنهُ سرٌّ ويهدي من يضيعُ

وإنه وجدٌ دفينٌ فاغتنمهُ

وإنه يا أيها الجلادُ مرآةٌ

تُريكَ الصورةَ المُثلى لروحِكَ فاغتنمهُ

وإنه غيمٌ وأمطارٌ تُعجِّلُ بالنماءِ

وبالمحبةِ فاغتنمهُ

وإنه الإيقاعُ للألحانِ

بعد الموتِ قبل الدفنِ

بعد الوهمِ قبل كتابةِ الأشعارِ

بعد تبدِّلِ الأسماءِ ناراً فاغتنمهُ

وإنه يا أيها الجلادُ قلبٌ فاغتنمهْ

 

Hosted by www.Geocities.ws

1