عن العلاج بالليزر والريفلوكسولوجي
إذا الـعـيـــن نــزفـــت...!
 حسين حجازي

 

أشعر بتعاطف خاص وإشفاق على أصدقائي المجهولين، مرضى نزيف شبكية العين، واعتلال الشبكية، فمن وجه لهم أخيراً، مرض السكري الغادر واللئيم، المرض الذي يشبه طباع العقرب الأسود. بعد عشر سنوات أو أكثر، ضربته الغادرة، في العين، سراج الجسد المضيء. ولعلها سراج القلب والروح معاً.
إن من لم يمر في هذه التجربة المهولة والمخيفة، مستيقظاً من النوم، ليشاهد تلك الخطوط السوداء الحادة التي تشبه العنكبوت، قبل أن تتحول إلى غيمة من السواد، تغشى بظلمتها الأبصار، وتهدد بفقدان البصر التام. لن يعرف ما معنى هذا الشعور، الذي يشبه الهزيمة، وفقدان كل شيء في لحظة واحدة، بل الإحساس الفظيع بقرب دنو الأبدية.
لأولئك الرجال والنساء، ممن قاربوا الخمسين، أو تعدوها قليلاً، وخذلهم الحظ، وخانتهم أقدارهم، عند اللحظة، التي تبدأ فيها الحياة حقاً، وقد رأوا كل شيء، وأدركوا الحقائق كلها، ولكنهم عند هذه اللحظة من وضوح الإبصار، وجدوا أنفسهم، كما لو أن طعنة نجلاء، قد وجهت لهم في مقتل، بتهديد فقد أبصارهم. لأولئك الأصدقاء التعساء، الذين رأيت الإحباط والكآبة على وجوههم، أثناء ترددي على عيادات العيون، أوجه كلماتي هذه لهم، وتعاطفي مع قضيتهم، كزملاء وإخوة، في تجربة خاصة تجمعنا، كما في النضال المشترك ضد هذا العدو الواحد والشرس.
فإذا ما خاب أملنا بالسياسة، والقادة، أدلاء الطريق بعد ياسر عرفات، وفقدنا الثقة بسلامة الاتجاه، كما بالطب الحديث، ووصفته الجافة، التي تعتمد حلاً واحداً هو "التقنية"، ووجدنا آخر المطاف، أن "الليزر" السحري، لا يفعل سوى دحرجة الوضع السيئ، ليبقى في اطار هذا الوضع، كالطقس الرديء طوال الوقت، وسدت أخيراً، أمامنا السبل، ولا أحد يمد يده لمساعدتنا، ونخشى أن نترك وحيدين، في هذه الوحشة، الورطة، المأزق، دون انتظار مغيث. فإن علينا بالأخير، أن نواجه هذا المأزق بجواب استراتيجي، على طريقة الحل الذي يقدمه كلاوزفيتز، أي بالتحول، لأن نتعلم كيف نصبح نحن أطباء أنفسنا، بتعليم أنفسنا بأنفسنا، كيف نتغلب على المرض. وأن نكرس جماع الفكر الآن، في الحفاظ على البقاء، ليس إلا، كهدف وحيد.
في صبيحة يوم 82 تشرين الثاني، قرب نهاية العام الماضي، المشؤوم، عام الكلب المسعور، حيث ساد النباح المتواصل أرجاء العالم، أفقت من نومي لا أرى هذه الخطوط السوداء تغطي كل الغلاف الزجاجي لعيني اليمنى، كما لو أن أحداً ما، خط بقلم أسود عريض على عيني، خطوطاً تشبه الخربشات أو التواقيع الغامضة للأسماء، ومضى.
إلى أين أوجه بصري، كانت هذه الخطوط ترتسم أمامي، واكتشفت للحظة، ولكن، كمصيبة عامة، أن كل اطلاعاتي التي طالما اعتددت بها، في معرفتي جميع الأخطار المترتبة لمرض السكري، واحتياطاتي غير العادية في التعامل معه، حيث كان كلانا أكثر احتيالاً ودهاءً من الآخر، إذ كنت دوماً أذاكر دروسي، إلا أن انتظاري الطويل لملاقاة العدو، من جميع النقاط التي توقعتها، لم يأت العدو منها، ولكنه أتى من حيث الغفو كما يقال عند المهمة الشاقة.
لقد تسببت حساسية عابرة، ولكن حادة، نتيجة خطأ أخل بالتوازن في إحداث هذا الضغط على شبكية العين، وأدى إلى تفجير الأوعية الدموية التي تغذي الشبكية، باعتبارها هي النقطة الأضعف، لتصريف الاحتقان، ولقد فهمت الآن ما كنت أعرفه دوماً، من أن المرض العضوي، الذي يضرب عضواً من الأعضاء، إنما هو اعتلال عام في الجسد ككل.
هذا التشخيص لم يقله أحد لي، ولم يخطر ببال الطبيب الذي كشف عليّ بادئ الأمر، أن يستقصي عنه، لقد أصبحت الآن، مجرد حالة، رقم آخر لحالات مشابهة، أما قصتي، كيف ضربت، فإن مدرسة الطب الحديث العقلاني تماماً، الجافة تماماً، التقنية تماماً، الذكورية دونما مسحة أنثوية إنسانية وتعاطفية، فليس لها أي معنى، في ثقافة وترسيمة الطب الحديث، والأطباء الذين يرسمون لأنفسهم طقوساً أشبه بتقاليد الكهنوت.
بعد برهة من الوقت تحولت الخطوط السوداء الحادة، التي تشبه التوقيع الغامض، أو شكل العقرب، إلى نوع من الغيوم التي تشبه الغبار أو الضباب الأسود، وباختصار، كان علي أن أواجه الآن، الحل الوحيد والمعتمد، أي "الليزر". وهاكم النظرية: مع مرور الوقت، تبدأ الأوعية الدموية الدقيقة التي تغذي شبكية العين، لمرضى السكري المزمن، في التحول إلى نوع من الأنابيب الهشة. قال لي الدكتور محمد الكاشف مدير مستشفى العيون بغزة، "كالبرابيش" الضعيفة التي لا تعرف متى تنفجر، وينزف منها الدم.
وإذاً ما هو الحل؟ في بادئ الأمر، يكون لهذه الكلمة وضع الرهبة: "الليزر". والمسألة، انه يجب كيّ هذه الأوعية، من أجل تخثيرها، القضاء عليها، لأجل الحفاظ ما أمكن على البصر، وهذا يشبه ما يفعله المزارعون، وهناك اصطلاح خاص، نسيته الآن، لوصف هذه العملية من إزالة الحشائش، حول الشجرة، التي تضعف من تغذيتها.
إن عدم ثقتي المتأصّلة في السنوات الأخيرة، من طرائق، وفلسفة الطب الحديث، كانت عند هذه اللحظة التي باغتتني، ولم أكن مستعداً لها، تواجه امتحاناً، أو موقفاً مصيرياً. هل أسلّم نفسي، أخضع لطرائق العلاج الحديث، أم أواصل قناعاتي، بوسائل الطب البديل، ولكن، أما وإنني كنت في هذا الموقف، في وضع من الانهيار المعنوي والسيكولوجي، وبدا أن الطب العلمي، التقني هو الذي يملك الوصفة، الحل، وهو في موقف القوة، فلم يكن أمامي سوى الخضوع.
لكن شيئاً ما من ثقتي، بل قل إيماني بطرائقي المكتسبة في مواجهة هذا النوع من المشكلات، ظل يجذبني نحو مواجهة المشكلة، من طرف خفي، بالمقاربة الأخرى. وبعد دراسة معمّقة لطبيعة المشكلة، وإجراء التحليل الثنائي، لموازنة الفرص والمخاطر، توجهت في الحال، لتثبيت الكتاب السري، الذي أحتفظ به هو الآخر، بجوار مخدة نومي، على مشكلات العين.
هيا إذاً، لاختيار طرائق العلاج بـ "الريفلوكسولوجي"، مجدداً، بعد أن تيقنت طوال الوقت، أن بالمقدور اصلاح بعض ما أفسده الدهر، من اعتلالات في الجسد عبر هذه الطرائق.
بعد الأسبوع الذي أمهلني إياه الدكتور محمود غنيم، وكان معالجي الأول، كانت مقابلتي الثانية له، بشعور مفعم من التفاؤل والثقة بالنفس، وبعد أن كانت علاماتي في فحص النظر في المقابلة الأولى، 3 على 06 للعين اليمنى، فقد دهشت الممرضة التي أجرت لي الفحص التالي بعد أسبوع حين جاءت النتائج لهذه العين 6 على 9، والتي سألتني على الفور: إن كنت أجريت عملية، حتى أمكنني تحقيق هذه القفزة المدهشة، وقد زال كثير من الغبش الذي كان يغطي البصر.
لكن الأطباء العديدين، الذين أصبحوا يتابعون حالتي، أصرّوا طوال الوقت، على أنه لا يوجد خيار سوى إجراء "الليزر"، من أجل حماية العين اليسرى، هذه المرة، ولئلاّ يتكرّر ما حدث لليمنى.
بعد الفحص الأول، الذي أجريته هذه المرة، في عيادة "سان جون"، للعيون، قال لي الدكتور أسعد يوسف الذي يتابعني منذ هذا الحين، في إجراء جلسات الكي، أو التخثير الضوئي بالليزر، إنه لا مجال لوقف نزف هذا الحقل من الأوعية الدموية التي تشبه "الإنجيل"، إنجيل الحشائش، إلا عَبر الليزر.
وكان عذاباً قاسياً للنفس، قبل اتخاذ القرار، ورغم تحسني الملحوظ الآن، في كلتا العينين، وقياس النظر الذي تمكنت من إيصاله، إلى القياس النموذجي، 6/6، إلا أن الرهبة التي أدخلها الأطباء في قلبي، من العدو الكامن لي، في قصر شبكية العين، ولا يُرى بالعين المجرّدة، أقنعني أخيراً، بالخضوع للتجربة.
كنت أقدم رأسي، كمن تم وضع رقبته على المجز، مقيداً دون القدرة على الإتيان بحركة، أو إبداء التذمر والرفض، بينما كان الدكتور أسعد في عيادة الـ "سان جون"، يقوم بالتصويب على الغشاء الرقيق للشبكية، كما لو أن شخصاً، يصوّب بسلاح مسدسه على الهياكل النمطية للأشخاص في حقول التدريب العسكري، لتحسين قدرته على إصابة الأهداف.
لقد شعرت هذه المرة، كما لو أنني مجرد تمثال وهمي، تمثال من الرخام البشري، بينما كانت رصاصات الليزر تفغر عيني اليسرى، على رشقات متتالية أحياناً، كالصليات، مبرقة بالضوء الأخضر، وأحياناً بصورة متقطعة، بحسب مهارة الصياد الذي يمسك بالبندقية، على التحكم بدقة الأهداف.
كنت في حالة شديدة السوء والتردي، وكمن يواجه لحظة الحقيقة، أو الاعتراف الخاضع أمام الجلاّد وقد أنهكه التعذيب، شعرت للحظة، لعلها عشر دقائق، ولكني خلتها سنين طويلة، كأنها كل الزمن، كما لو أن جميع أقداري ترتسم أمامي، وبخذلان قوتي، وانهيار توازن مناعتي، وقد سمحت لنفسي بالخضوع لهذه التجربة.
في طريق عودتي للبيت، كانت كل هواجسي تدور حول ما بعد هذا الإجراء بتغلغل الليزر إلى ما وراء عيني، وعمق جمجمتي، والتحسب لاحتمالات أن شخصاً مسكوناً بالوساوس، وعذاب التفكير، شخصاً يتردد مئة مرة، قبل أن يتناول حبة الدواء، أو الذهاب إلى طبيب الأسنان، هو إنسان، وقد شعر بأن دفاعاته تسقط أمامه مرة واحدة، وفقد الحماية، يبدو في حالة رثّة، تدعو للشفقة في أحسن الأحوال.
لكن، اجتياز هول هذه العقبة، يحمل في طياته انكساراً لهذا الحاجز النفسي، يعني نوعاً من الإقدام، أو لعله نوع من الانكشاف، انكشاف الوعي بالحقائق الصلبة والمجرّدة. أو لعله نوع من التدريب النفسي والشاق، أو اكتشاف القوى الكامنة، الخافية، واللامحدودة التي تملكها النفس، في استعادة قدرتها على الوقوف، أو المجالدة من جديد.
ورغم بزوغ الشظايا الضوئية التي تشبه الزجاج البلّوري المتناثر والمكسور، وهذه هي الخبرة الجديدة، التي تبدأ التعرف عليها، في زوايا البصر، كآثار جانبية يخلفها القصف، الذي حدث للتوّ للشبكية، إلا أن القدر الكافي إلى الآن من القصة التي أرويها لكم، ليس إلاّ أرضية التمهيد، في التطرق إلى هذه التجربة، وحيث بالأخير نكتشف، أو لعلني، أكتشف بتجربتي الخاصة، أن الحل السحري، كان مرة أخرى، في صراعي منذ أربعة شهور لإنقاذ بصري، يكمن في اليد التي وهبنا اللّه نعمتها، والقدمين كذلك، ولحمية الأذن، ومحيط العينين، كان الحل مرّة أخرى، هو "الريفلوكسولوجي"، إذا العين أيضاً نزفت، وللحديث بقية.

Hosted by www.Geocities.ws

1