سجن مكفّن بالكلمات

الياس خوري

 

 

ماذا حلّ بالطالب الجامعي الذي لا نعرف اسمه كي يري الكلمات بلا نقاط وصور الناس بلا عيون في الصحف العراقية؟ هل ما نقرأه هلوسة ادبية تنتمي الي عوالم كافكوية، ام نحن امام حاضر تعرّي من النقاط والعيون، فصارت غرائبيته اكثر واقعية من الواقع؟

تنتمي رواية سنان انطون عجام (دار الآداب ـ بيروت) الي ادب السجون في العالم العربي. وهو ادب يحتل اليوم مساحة كبري في المشهد الأدبي، ويلعب دورا مزدوجاً. انه شهادة علي واقع محاصر بالديكتاتورية التي تسحق الانسان من جهة، وهو مختبر للأساليب الأدبية الجديدة، ولقدرة الفن علي تحويل مقاومة الموت شكلا للدفاع عن قدرة الحياة علي التجدد، من جهة اخري.

تشترك هذه الرواية مع السمتين الرئيستين لأدب السجون: الكتابة والذاكرة المشوشة.

يقاوم السجين عبر كتابة التجربة في حاضرها. السجين يكتب يومياته، او يحلم بالكتابة، او يعيش كي يكتب. كأن مقاومة عري الروح الذي يصنعه التعذيب الوحشي لا تغطيه سوي الكلمات. يحتمل السجين التجربة الصعبة لأنه متيقن انه سينتصر عليها بالكلمات، يعيشها ككتاب مفتوح، ويكتبها كحياة مؤجلة. وفي داخل العلاقة بين وعدي الحرية والكتابة، يولد ادب يجدد الأدب، وكتابة تنتصر علي القمع بحلم الحرية.

لكن الكتابة تستحضر الماضي وما يقع خارج اسوار السجن كي تصنع الأمل و/او كي تعلـــن للقارئ الذي لم يعش التجربة، انه عاشها من دون ان يدري، لأن الديكتاتور حوّل البلاد كلها سجنا. والماضي لا يحضر الا مشوش السياق، وفـــي هذا التشوش يكشف لنا ادب السجن كم ان سياق الحياة العربية صار مشوشا وبلا منطق. البطريرك العربي يحوّل خريفه الدائم جنونا بلا حدود، جاعلا من وسائل الاعلام والشوارع مرايا لتصنيم الحاضر وتحنيطه.

الكتابة والذاكرة صنعتا تجربة ادبية كبري في الادب العربي ما بعد الكولونيالي. بحيث صار ادب السجون، احدي سمات الرواية ما بعد المحفوظية، بحسب ادوارد سعيد، وصارت مقاومة القمع بالرواية والشعر علامة ثقافية في سورية والعراق وفلسطين ولبنان ومصر والمغرب العربي.

اعجام سنان انطون جزء من سياق صنعته اعمال صنع الله ابراهيم وعبدالرحمن منيف وفاضل العزاوي وفرج بيرقدار وآخرين، انه ادب يمزج الصراخ بالهذيان، مستكشفا الواقع من متنه.

لقد تحول ادب السجون في الثقافة العربية متنا، لأن السجن لم يعد هامشا، بل صار هو المتن الاجتماعي والسياسي. ولم يعد تقديم تجربة السجن في وصفه هامشا يكشف المركز مجدية. لذا جعل الروائيون الكتابة والذاكرة هامشا جديدا يسمح لهم بالوصول الي ما يقع خلف قشرة تجربة السجن، الي المعاناة الانسانية الكبري التي تجعل من الثقافة الملجأ الأخير للمواطن العربي الذي صودرت مواطنيته وحرم من حقه في الحرية.

تجري احداث هذه الرواية في السجن. الحقيقة ان لا وجود لأحداث في هذه الرواية. انها رواية عن كتابة الرواية. والكتابة هنا لها مصدران: الذاكرة والكابوس. غير ان المسافة بينهما واهية بحيث يمتزجان. سلاسة السرد وجماله آتيان من قدرة الكاتب علي بناء سياق من لا سياق تجربة السجن التي عاشها بطله. انه سياق تصنعه ذاكرتان: الطفولة والحب. في الطفولة هناك الجدة التي تتولي رعاية طفل مات والداه حين كان في السادسة، وفي الحب هناك زميلته في الجامعة اريج التي يكتشف معها الجسد والشعر ومتع الحياة. بين هاتين المرأتين يتشكل عالم الذاكرة الذي يجعل من قرار السجين ان يكتب ممكنا. ومعهما يبني عالم يسمح للبطل بأن يعجم الحروف، كي يقاوم الصمت. وحين تنتهي الرواية بهلوسة الخروج من السجن، التي نكتشف انها لم تكن سوي هلوسة الاحتضار، يصير البحث عن وسيلة اتصال بهاتين المرأتين هو الأمل الذي يسبق الانطفاء والموت.

في مواجهة عالم ذاكرتي الطفولة والحب، يأتي واقع السجن. الحرب تدور في داخل السجين بين مشهد اغتصابه من قبل السجانين، ومشهد ممارسة الحب مع اريج، بين مشهد اخراسه وسحقه، ومشاهد حنان الجدة وكنائسها، التي حتي في ذروة سخرية السجين منها، تتحول الي ما يشبه بلسم الحياة.

غير ان الموت ينتصر، حتي مشهد اعطائه الاوراق من قبل احد الحراس، يصير مدخلا الي الموت. كأن الكتابة لا تختزن الحياة وحدها، بل قد تصير كفنا للموت.

سنان انطون يكفن بطله بالكلمات، ويكتب مرثية لطالب جامعي وجد نفسه فجأة ضحية آلة قمع لا تتوقف عن طحن ضحاياها الأبرياء. تهمة الطالب الوحيدة انه كان معارضا للديكتاتور العراقي بالمزاح واللامبالاة، واستغلال المظاهرات الاجبارية التي ينظمها الحزب الحاكم من اجل اللقاء بالفتيات. مزحته الكونديرية لا تقوده الي مصير كافكوي، تضيع فيه ملامح الجلاد داخل كابوس القمع. بل تقوده الي عتمات الروح، بحيث لا يستطيع الجسد ان يقاوم الا بالكلمات، وبحيث تصير ذاكرة العلاقة بالمرأتين نافذته الوحيدة علي حياة تتلاشي.

بطل سنان انطون يحتال علي الكتابة الممنوعة بالاعجام. اليست كتابة الحكاية حيلة من اجل مقاومة الموت؟ هذا هو درس شهرزاد في مقاومة جنون التسلط والذكورة. غير ان حيلة هذا الكتاب ليست الحكايات، لأن الملك المجنون لا يريد ان يستمع الا الي صوته، ولا يقرأ الا روايات كتبها بنفسه. (اليس لافتا لجوء صدام حسين الي كتابة ثلاث روايات رديئة مقتفيا معمر القذافي الذي كتب مجموعة قصصية لا تقل رداءة!). لذا تكون حيلة هذه الرواية مصنوعة من الكلمات غير المنقطة، التي يقرؤها رجال ونساء بل عيون!

هنا تأتي لعبة الرواية، تأخذنا الذاكرة الي الحياة، وترمينا تجربة السجن في الموت. وفي التقاطع بينهما تأتي الكتابة حيلة كي تستطيع الحكاية الهرب الي خارج الأسوار.

سنان انطون يعبر في هذه الرواية الجميلة والشيقة، عن صوت الذين افقدهم القمع اصواتهم، مؤكدا حقيقة ان الأدب قد يكون في بعض الاحيان الاطار الوحيد الذي يحمي التجربة الانسانية من الاندثار في النسيان.

اعجام نافذة صادقة ومثيرة عن العراق، كتبت بالحب والسخرية المرة، بالأمل واليأس معا، وهي لا تضيء واقع عراق ما قبل الغزو الأمريكي فقط، ولكنها تضيء ايضا التجربة الانسانية في اصرارها علي مقاومة القهر والظلم.

0

 

Hosted by www.Geocities.ws

1