مؤامرة..
محمود ابو الهيجاء
قال الناس عبر التاريخ وما زالوا يقولون في كل مكان: الجوع كافر وتعرفون مقولة الراشدي الرابع الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه "لو كان الفقر رجلا لقتلته" وله ايضا في ذم الفقر والجوع ،آه من قلة الزاد ووحشة الطريق وبعد السفر. وما من سبيل للدفاع عن الفقر وما من طريقة لتجميل واقعه المرير المعتم، لا عبر خطابات الشعار الوطني المقدس ولا حتى خطابات العقيدة وتعميماتها المطلقة. فالفقر غير قابل للتجميل ابدا، ناهيك انه لا يمكن ان يكون مقبولا ولا بأي حال من الاحوال، برغم ان هناك محاولات فاحشة لتمرير هذا القبول من خلال مفاهيم وأقاويل سخيفة ومسطحة لبعض كتاب المسلسلات التلفزيونية والرمضانية هذه الايام... هذه التي تتحدث عن فداحة الخسارات الاخلاقية الكبرى للغنى والثراء في مقابل سمو اخلاق الفقر وعزة نفسه، لكن التي لا ينبغي ان تتطاول على "التقسيم الالهي" والاجتماعي معا لأنها حينذاك تقع في محظور "الحقد الطبقي" وما شابه ذلك من كلام باهت وبغيض ومكروه.
أقول ما من سبيل لتجميل الفقر والدفاع عنه حتى لو أمتلأت قصور الجنة بالفقراء، والواقع ان الجنة كما يخبرنا العلي القدير في كتابه العزيز الحكيم إنما هي عاقبة للمتقين اغنياء كانوا أم فقراء.
ولأنه لا يمكن الدفاع عن الفقر فإنه لا يمكن السكوت عن مظالمه وحاله التي تحيل البشر الى كائنات مكسورة وضعيفة وذليلة والاخطر الى كائنات باطنية قد تفتك اذا ما تغيرت اوضاعها الاقتصادية بأقرب المقربين لها.
الفقر هو المجاعة وهو انهيار القيم ومنظومات الامان والطمأنينة وفي ساحاته الخربة لا تنمو غير الجريمة، ولا يتفشى غير التهتك فإلى أين نسير بحالنا ونحن نتضور منذ سبعة اشهر وما زالت الحكومة تعتقد ان في صراخ الألم والاحتجاج والاعتراض مؤامرة تريد اسقاطها وتتوعد بالتصدي لها، فتنشر قوتها التنفيذية لقمع ذلك الصراخ، هذه القوة التي تصيب طفلا لم يتجاوز العاشرة من عمره وقد شاهدناه جميعا على شاشات الفضائيات الاخبارية وهو يتحدث عن قنبلة القوة التنفيذية التي ارادت ان تفتح الطريق التي اغلقها المحتجون.. كيف اصابته وآخرين معه ولم تفتح تلك الطريق ..