الرجال الزرق الرجال الاحرار

أمجد ناصر

 

 

عندما قرأت اسمه بين الشعراء المدعوين الي ذلك اللقاء الشعري الذي عقد في مدينة (لاروشيل) الفرنسية بدا وقعه اليفا لولا بعض التصحيف، فـ (Hawad) تشبه (عواد)، لكن منظمي اللقاء كان ينطقونه (خواد).

كان هذا هو اسمه الكامل المكتوب علي ملصق اللقاء الشعري الذي يظهر فيه رجل (بدوي) يسير وحيدا في الصحراء، فاللقاء الشعري ينعقد تحت عنوان (شعر القارة والصحراء) ويضم شعراء فرنسيين واسباناً وعرباً وشاعراً من (الطوارق).

بدا الملصق الذي يطبعه اللون الازرق ويظهر فيه ذلك (البدوي) المتدثر بالثياب الفضفاضة من اخمص قدمه حتي رأسه كأنه ملصق سياحي عن الصحراء اكثر من كونه ملصقا لمهرجان شعري تشارك فيه اسماء شعرية فرنسية مهمة، فلا شيء فيه من (القارة، يعني اوروبا) سوي أسماء شعرائها.

لكن ليس هذا فقط ما لفت نظري بخصوص (خواد)، فهو الوحيد بيننا الذي ينتمي الي شعب وليس الي بلد، ففي حين كانت بلداننا تظهر امام اسمائنا في برنامج الفعاليات الشعرية كتب المنظمون امام اسمه كلمة (طوارق).

وصلت باكرا الي تلك المدينة الفرنسية التي شهدت تجاذبات دامية بين انكلترا وفرنسا علي خلفية تحول العرش الانكليزي الي البروتستانتية فأخذني الكاتب العراقي الصديق جبار ياسين المقيم في المدينة، واحد منظمي ذلك اللقاء الشعري، في جولة علي ابرز معالمها ومن بينها بوابة دكت بالمنجنيق ايام الحرب الطائفية التي ربحتها فرنسا علي يد الكاردينال الشرس (روشيلو) الذي اجبر المدينة علي العودة الي الكاثوليكية بعد ضربه حصارا حولها ستة اشهر، ما اضطر اهلها المحاصرون الي اكل الكلاب والقطط.

كان علي جبار ان يقل (خواد) من المحطة الي الفندق الذي ننزل فيه، فسألني ان كنت ارغب في الذهاب معه لاستقبال الشاعر ذي الاسم الغريب الذي لا ينتمي، مثلنا، الي بلد، فوافقت من دون ان ترتسم في ذهني صورة خاصة لـ(خواد).

بين جمهرة الخارجين من بوابة محطة قطارات (لاروشيل) كان هناك رجل طويل القامة يرتدي ثيابا فضفاضة من قماش نيلي اللون ويتلفع بما يشبه العمامة من اللون نفسه يشق طريقه، بثبات، الي الخارج.

كان واضحا ان هذا الرمح الازرق هو (خواد).

ـ ـ ـ

اول شيء خطر في بالي حيال الهيئة الصحراوية الكاملة لخواد في قلب مدينة فرنسية باردة وقاتمة هو الشبهة السياحية، او الاستجابة غير المقصودة، ربما، الي الصورة النمطية لـ(الاخر) في ذهن الاوروبي، لكن (خواد) الذي فاجأتني معرفته الجيدة باللغة العربية (بلهجة ليبية) سرعان ما غير انطباعي السريع عن مظهره (السياحي)، فحفاظه علي زيه الكامل، رغم اقامته سنين طويلة في فرنسا بل وزواجه من فرنسية، يصدر عن تمسك صلب بهويته. فقد كانت ثيابه، ثم ابجديته ولغته وشعره الذي سأسمعه لاحقا، تشكل هوية، لم اكن اعرف انها تتعرض الي المحو والازالة في موطنه الصحراوي الذي وزعته فرنسا، مثلما يفعل المستعمر دائما، علي دولتين او ثلاث دول.

حدث هذا قبل ثلاث عشرة سنة.

لم انس (خواد) تماما خلال هذه الفترة، فقد صدف ان التقيت، في مهرجانات عقدت في فرنسا وايطاليا، شعراء يعرفونه، كما ان ادونيس ترجم، في الفترة نفسها، بعض قصائده من الفرنسية ونشرها في احد اعداد مجلته (مواقف)، لكنني لم اعرف لماذا لم يكن له اسم بلد ينتمي اليه، مع انه اقام في ليبيا ودرس فيها ويكن اعجابا للقذافي، الا بعد ان قرأت كتاب (الرجال الزرق) للصحافي عمر الانصاري الصادر هذا العام عن (دار الساقي).

ـ ـ ـ

ما ان اخذت اتصفح الكتاب حتي قفز (خواد)، بثيابه النيلية اللون وبشرته السمراء وعينيه المكحلتين، الي ذهني، فهو اول (طوارقي) اراه واتحدث اليه، ومع قراءتي اكثر لفصول الكتاب، اسفت انني لم اخض مع (خواد) في الايام الثلاثة التي قضيناها في (لاروشيل) في قضية (الطوارق) التي كانت متفجرة تلك الايام.

كان (خواد) مهتما اكثر لمعرفة الاحوال العربية اليوم وتطورات القضية الفلسطينية، وظل يأخذ علينا (تغربنا) وبعدنا عن (اصولنا) عازيا سوء حالنا وهزائمنا الحالية الي تقليدنا الغرب وهجرنا تراثنا وتقاليدنا.

حاولت ان افهمه ان الامر ليس كذلك تماما وان اخفاقنا الراهن ليس بسبب هجرنا اصولنا و (ولعنا) بالحداثة، بل في كوننا لم نأخذ من الحداثة التي اصبحت ذات طابع كوني الا قشورها، وان صراعات العالم اليوم تتركز علي المصالح المادية ولا تلعب فيها (الاصول) دورا مهما، لكنه لم يقبل فكرتي عن (ذاتي) وعلاقتها بـ(الاخر)، متشبثا بفكرته الراسخة حول العودة الي (الاصل) لمواجهة الهيمنة الغربية.

قرأت مع (خواد) امام طلبة معهد ثانوي في المدينة، فاستحوذ علي اهتمام الحضور بطريقته التعزيمية في القراءة، مقارنة بطريقتي (العادية)، كان اشبه بكاهن ينثر تعاويذه بصوت متدرج الطبقات علي الحضور فيسحرهم.

حتي الكراسة التي قرأ منها كانت اشبه بـ(الرق) او (الرقاع) منها الي الورق، وكان الخط اقرب الي الرسوم منه الي الابجدية.

سألت (خواد) عن تلك الابجدية الغريبة التي كتب بها قصائده فقال انها (التيفيناغ)، وهي، حسب رأيه، الابجدية الفينيقية القديمة، فلم اقتنع، لحظتها، بكلامه عن لغته وابجديته وظننت الامر لا يعدو تشبثاً يائساً بأصل عريق بعيد، فما الذي اوصل الفينيقيين الساحليين الي اعماق الصحراء الكبري؟

ولكن ها هو كتاب (الرجال الزرق) يثني علي كلام (خواد) ويؤكد ان الامر يتعلق فعلا بالفينيقيين، حيث ينقل المؤلف عن الكاتب الجزائري البربري (الامازيغي) عثمان سعدي قوله ان من المؤرخين من يرد البربرية الي اصول فينيقية ، ومعلوم ان للطوارق اصولاً تجمعهم مع البربر الامازيغ، رغم ان سكني الطوارق في اعماق الصحراء، فهم (بدوها) ورجالها الأشداء.

ـ ـ ـ

للطوارق قضية، ولتشبث (خواد) الذي لم افهمه، لحظتها، بهويته، وجاهة خاصة. فهذا الشعب تعرض للتشتت علي الدول المجاورة لموطنهم، فألحق قسم منهم بمالي وقسم اخر بالنيجر، فيما ظل قسم في جنوبي ليبيا والجزائر، واذا كان (طوارق) ليبيا الذين اهتم القذافي، شخصيا، بأمرهم واستقبل عددا كبيرا من لاجئيهم الذين فروا من المذابح التي تعرضوا لها في مالي والنيجر، لا يطالبون بالانفصال (وربما الامر كذلك في الجزائر) فإن (طوارق) مالي والنيجر يطالبون بذلك ولهم منظمات سياسية خاضت حرب تحرير شعبية في سبيل اقامة وطن خاص بهم.

المدهش في الامر، حسب عمر الانصاري مؤلف كتاب (الرجال الزرق) ان (الطوارق) ظلوا حتي مجيء الاستعمار الفرنسي يتبعون العرش الملكي المغربي الذي دأب علي تعيين (باشا) خاص بهم علي مدار مملكتي السعديين والعلويين، حيث كانت المملكة المغربية، أيام عزها، تمتد الي اعماق (السودان) الافريقي، اي الي مالي والنيجر، شاملة الصحراء وموريتانيا وقسماً من الجزائر الحالية.

ـ ـ ـ

لا يعرف المثقفون العرب (خواد) ولكنهم يعرفون ابراهيم الكوني، فالاول يقيم في فرنسا ويكتب بلغته (الطارقية)، فضلا عن انه ليس اصلا من ليبيا، بينما الكوني (الطوارقي) ليبي الجنسية ويكتب باللغة العربية.

الكوني هو صانع الاسطورة (الطوارقية) في ادبنا العربي الحديث من خلال عشرات الروايات التي استلهمت عالم صحراء الطوارق من بيئة وعادات وطقوس وتأملات في الحياة والموت والحب ما تزال تحيا بين اولئك الذين لم يبرحوا موطنهم الاول، وله ندين ليس فقط بهذه الاضافة الباهرة التي سطرها في سجل الرواية العربية، بل وبمعرفتنا بعالم اشقاء لنا يتعرضون للاقتلاع والمحو علي يد انظمة عسكرية عنصرية استولت علي ارضهم وشتتتهم في الافاق. هكذا أفهم الآن ثياب (خواد) وابجديته (الفينيقية)، فهما هويته ووطنه الأخير.

0

 

Hosted by www.Geocities.ws

1