العاصمة الثقافية
احمد دحبور
والاخبار الطيبة، ايضا، لا تأتي فرادى. فحين اصبح في حكم المؤكد ان حكومة الوحدة الوطنية آتية. وحين حاول وزراء الخارجية العرب ان يتداركوا التقصير الرسمي معلنين عن قرب انهاء حصار التجويع المضروب على الشعب الفلسطيني، تسلل نبأ صغير الى الشريط الاخباري العابر كالسهم تحت شاشة التلفزيون، ليقول انه تم اعتماد القدس الشريف عاصمة ثقافية للعرب للعام 2009.
وانا الذي كنت اشارك في اجتماعات المجلس الدائم للثقافة العربية على مستوى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - الكسو، وكنت اغص حين كانت وزارات الثقافة العربية تتنافس على حجز السنوات الآتية لتكريس بلادها عواصم ثقافية، كنت اضرب اخماسا في اسداس لتسويغ ترشيح القدس لهذا الموقع الاعتباري. فالعاصمة الثقافية قوة معنوية ما في ذلك شك، ولكن لها استحقاقات تتعلق بالبنية التحتية والالتزامات الادبية، حتى ان وزارة الثقافة السورية قد طلبت رسميا تأجيل تسمية دمشق عاصمة للثقافة العربية الى العام 2010 ليتاح للدولة ان تبني مؤسسات ثقافية جديدة تليق بهذا الموقع، مع ان سورية من الدول العربية الناهضة بالثقافة الى درجة مشرفة، فكيف كان لنا ان نقترح القدس عاصمة ثقافية، وهي ترزح تحت الاحتلال البغيض، الذي لا يكتفي بايقاف معالم التنمية فيها، بل انه يخنقها يوما بعد يوم، واتى سور الفصل العنصري ليكون سجنا كبيرا لها ولنا؟..
اضف الى ذلك انها القدس لا سواها. هذه المدينة الاستثنائية التي قال فيها جبرا ابراهيم جبرا انها ليست مكانا فقط، بل انها زمان ايضا.. ولا يجوز ان يكون دورها كعاصمة للثقافة العربية، مجرد لحظة بهيجة في رقم متسلسل. وعلى هذا فبقدر ما انعش روحي هذا النبأ، شعرت بجسامة المسؤولية الملقاة على فلسطين والفلسطينيين.
ولهذه المناسبة، اذكر واقعة شبيهة من حيث التنافس المعنوي وان كانت اقل اهمية من الناحية الاعتبارية. وذلك عندما اقر اتحاد الاذاعات العربية مبدأ قيام كل دولة عربية ببث سهرة تلفزيونية خاصة بها للتعريف بجغرافيتها وآثارها ومكنوناتها. وكنا وقتئذ في تونس، فمن اين آتي بالصور الحية لفلسطين؟ وخطرت لي فكرة اعداد سهرة بعنوان >اهلا بكم غدا< لاقول ان الجغرافيا لا تزال اسيرة، وسندعو المشاهد العربي لزيارتها غدا، اما اليوم فنقدم التاريخ عوضا عن الجغرافيا. وهكذا كانت السهرة مكرسة لعرض الوقائع النوعية في تاريخ فلسطين.. واظنها لقيت قبولا عربيا مشرفا والزمتنا بسهرات لاحقة..
اليوم وقد اقر العرب ان تكون القدس عاصمة ثقافية بعد ثلاث سنوات، دعونا نتفاءل بالخير حتى نجده. ولكننا لن ننام على حرير تحرير القدس خلال هذه المدة الوجيزة. فلنرفع لذلك شعارا: اذا لم نستطع دعوة العرب الى عاصمتهم الثقافية عام 2009 فان العرب يمكن ان يستقبلوا هم رسالة القدس في عواصهم. وهذا يتم باستنفار الاحتياطي الثقافي الفلسطيني ادبا وموسيقى ومسرحا ومعارض كتب وسهرات تراث.. وما يمكن ان نقدمه في الجزء المتاح لنا من الوطن سيكون متاحا للعرب جميعا. على ان ننسق مع بعض العواصم العربية، وفي طليعتها القاهرة ودمشق، لننظم معها فعاليات ثقافية فلسطينية تليق بهذا الحدث الكبير. من غير ان ننسى طباعة اكبر عدد ممكن من الكتب وتجهيز افضل ما نستطيع من الاعمال الفنية.
ان هذا النبأ السعيد من شأنه ان يخاطب في المقام الاول وزارة الثقافة والمجلس الاعلى واتحادات الكتاب والفنانين والصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة.. الا تستحق الثقافة هذا؟